العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مدخل إلى الفتوحات الإسلامية

* مدخل وتقديم:
- إن المتأمل في حاضر المسلمين اليوم، وما جعلهم يصلون إلى ما هم عليه من ضعف وفرقة يجده مشابهاً ومقارباً لحالهم يوم أن كانوا يتربعون على عرش الأندلس، فيرى نفس أسباب الهزيمة ونقاط الضعف وإهمال فرص الريادة والقوة والوحدة، مع اختلاف الجغرافيا والمسميات.
- لهذا نضع هذه الدراسة الشاملة لتاريخ الأندلس بين يدي القراء علّها تنبه الغافل وتذكر العاقل وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت. د. طارق السويدان.

* التاريخ دروس وعبر:
- تعيش الأندلس ومثلها كل أرض المسامين في شعور كل مسلم حقاً، يتحرق شوقا إليها، وينتظر يوم يأتي ليجمع شمل المسلمين، ويوحد أرضهم، ويحرر ديارهم التي ما زال بعضها تناديهم: أين المسلمون؟!.

* الحديث عن الأندلس:
- على الصفحات القادمة سنكتب شيئاً عن الأندلس، وصفها بعضهم بالمفقود، ونعتها آخرون بالسقوط، وآخرون بغروب الأندلس، صفحات من التاريخ الأندلسي بما فيه من عزة وأمجاد، وبما يتضمن من مرارات وضياع، لعلنا أن نعيد الذكرى، ونعرف ماضينا فنتعظ، فنحن أولى الناس بالأندلس.

- ويكاد في عصرنا معظم الناس وبخاصة المثقفون منهم يجهلون تاريخ الإسلام والمسلمين، فيجهلون سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويجهلون سيرة الأفذاذ من مشاهير المسلمين، ولا يكادون يسمعون عنهم إلا أسماء، فلو سألت أكثرهم عن النعمان بن مقرن المزني لجهلوه، ولو سألتهم عن معركة نهاوند التي تضاهي القادسية لوّوا رؤؤسهم عجباً! أو سألت عن عقبة بن نافع الفهري، أو الحاجب المنصور لعجبت من الجهل والصمت وقلة المعرفة أيضاً.
- وبالعكس يكاد يحفظ عن ظهر قلب عن نابليون وحروبه، وكازانوفا ومغامراته، وعن الأميرال نيلسن وأساطيله... بل يحفظ نجوم كرة القدم، ونجوم الرقص والغناء...

فقدنا عزنا لما رأينا يسود بلادنا الرقصُ الغناء

- ولعل كلمة خيانة المثقفين أن تكون أبلغ تعبير عن حالتنا التي تهب عليها رياح العولمة العاتية التي تريد أن تدمر كل شيء يخص أمتنا, كما قال الشاعر:

أنا من أمة أفاقت على العزِ وأغفت مغموسة بالهوان
* أولاً: مدخل إلى الفتوحات الإسلامية:
-دراسة التاريخ العسكري والحروب بشكل خاص ضرورة لكل قائد سياسي أو عسكري فلا بد أن يعرفها واعياً مستفيداً فالتاريخ يعيد نفسه وإنما تختلف الألوان والمظاهر، فالأرض هي الأرض، والإنسان هو الإنسان، وحقيقة مجريات الحوادث في كل زمان واحدة، قال تعالى:{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } البقرة:251.

-لقد كادت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، ولولا أنّ في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة لتنطلق الطاقات كلها، فتنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش مافيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبداً يقظة عاملة مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بينه الله لها.

خصمان في ربهم شأنُ الصراعِ هناتلك الحقيقةُ ليسَ الماءُ والخبزُ
منذُ الخليقةِ قادَ الناسَ دينُهمُوخابَ منَ ربَّه الطاغوتُ والكنزُ
-وكم في التاريخ موجات من الحروب لم تكن تحمل الحق، وإنما أشعلتها الفتن والأهواء، حملت الخراب إلى العالم، وما الحربان العالميتان ببعيدتين عن ذاكرة الناس، وكذلك الرومان قد حملوا الفساد إلى الأرضي التي دخلوها، ولا تخفى حملات الصليبيين والمغول وآثارها على العالم الإسلامي، وما الاستعمار الحديث ثم العولمة إلا امتداد للفساد والاستكبار في الأرض بغير الحق.


موسوعة الناريخ المصور للأندلس
ظلم الصليبيين واستعبادهم للناس وفرض الأتاوات عليهم بغير وجه حق قبل وصول
الإسلام إلى الأندلس

* نشر النور:
- وما كان المسلمون في جميع الجبهات متفوقين على الأعداء بالعتاد والرجال، ولا كانوا ذوي حروب ضخمة متوارثة، إنما كانوا أصحاب عقيدة، ورجال مبادئ وعقيدة، ثم ما كانت مقومات الانتصار هي المعتمد ولا كان الانتصار هو الغاية، بل كانت غايتهم فتح القلوب وإزالة الحجب الكثيفة عنها ليصل إلى شغافها هدى الله سبحانه. وأن لا يقفوا بفتحهم إلا حيث تعوقهم صحراء أو بحر أو مانع طبيعي من الزمن.

- أما الفتوحات الإسلامية فتختصر بجملة واحدة: هي إزالة الحواجز التي تحول دون وصول النور الرباني إلى عامة الناس، ولتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون العبودية لله خالق الناس، ولتخرج الناس من عبودية البشر للبشر، ولعمارة الأرض بعد الخضوع لله الذي استخلف الناس عليها.

- قال تعالى:{ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } هود:61، من أجل استخدام القوانين والنواميس الأرضية لتطوير الحياة على الأرض، ومواصلة العمران وتحقيق الرفاهية والعدل دون النظر إلى لون أو عرق أو نسب.

- لذلك نشر الفتح الإسلامي النور للعالمين، وبين لهم الغاية الأساسية لوجودهم ومهمتهم في الكون، فكانت الفتوحات التي فتحت الحدود أمام نور لله ليأخذ طريقة إلى القلوب فكانت في حقيقتها فتحاً للنفوس والقلوب قبل فتح البلدان.

- هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح قلبه الكبير بسورة الفتح، بالفتح المبين، وبالمغفرة الشاملة، وبالنعمة التامة، وبالهداية إلى صراط الله المستقيم، وبالنصر العزيز الكريم، وفرح برضى الله عن المؤمنين، فقال عليه الصلاة والسلامموسوعة الناريخ المصور للأندلس أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

- وكان هذا الفتح فتحاً في الدعوة، فأمن الناس بعضهم بعضاً، وسمع من لم يسمع بالإسلام من قبل، وكان فتحاً في الأرض بعد ذلك إذ فتحت حصون خيبر، وكان فتحاً بين المسلمين والمشركين في قريش وسائر المشركين من حولها، وعمّ الإسلام الجزيرة بعده.

موسوعة الناريخ المصور للأندلس

-
وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 11 للهجرة، وولي أبو بكر الخلافة رضي الله عليه وسلم، فارتدت معظم القبائل في شبه الجزيرة العربية، وكانت حروب الردة التي عمت الجزيرة العربية التي انتهت في كل الجبهات بترسيخ الإسلام، وأظهرت قيادات جديدة، ودلت على طاقات كامنة، ولعلها كانت تمهيداً للفتوحات.
- واستمر الفتح على جبهتي فارس والروم، وانتهت دولة الفرس، ومزق الله ملك آل ساسان، وفتحت أجزاء كبيرة من الإمبراطورية الرومانية، وعم الفتح حتى وصل الصين وعبر حدود ما وراء النهر، واجتاز جبال طوروس مصر زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم استمرت الفتوحات زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه ومن بعده. ومن ثم زمن التابعين الذين هم خير القرون بعد قرن الصحابة.



فتح المغرب العربي
ثانياً: فتح المغرب العربي:
-استغرق فتح جميع بلاد المغرب ما يقارب 70 عاماً من 23 هـ إلى 89هـ.
*عقبة بن نافع الفهري:
-خضع المغرب العربي للإسلام لكنه لم يستقر فيه، وظل أهله ينقضون عليه مرات ثم يعودون إذا جاءتهم الجنود الإسلامية. ومن أشهر القواد الذي كان لهم دور كبير في فتحه: عقبه بن نافع الفهري، وهو تابعي جليل يروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ويحتل موقعاً أثيراً في قلوب المسلمين، فهو المؤمن المجاهد في سبيل الله ونشر رسالته، ما وهن ولا ضعف في مواجهة الشدائد والصعاب، نذر حياته وباع نفسه في سبيل الله. وقد توغل توغلاً شديداً في المغرب حتى وصل شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان يسمى بحر الظلمات، وخاضه بفرسه حتى بلغ نحره فقال: اللهم اشهد...أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت أقاتل من كفر بك حتى لا يُعبد أحد من دونك.

موسوعة الناريخ المصور للأندلس
جيوش المسلمين في المغرب العربي

-ولما أراد العودة إلى عاصمة إفريقية ( القيروان ) اختار طريق الأطلس الصحراوي، وقسّم جنوده حين وصل إلى (طبنه)، ولم يكن قد بقي بينه وبين القيروان أكثر من ثمانية أيام وأمرهم أن يسيروا فوجاً فوجاً، فانتقض عليه البربر والرومان فكمنوا له في منطقة (تهوذة) وهي في جنوب الأوراس، إذ كان في ثلاثمائة فارس فقط، فقتلوا جميعاً بعد قتالهم قتال الأبطال، وظل البربر بعد ذلك بين الخضوع للإسلام والثورة عليه كلما سنحت لهم بادرة، إلى أن ولي عليها رجل عظيم وقائد محنك هو:

* موسى بن نصير:
-كان والده نصير من بين أربعين غلاماً سباهم خالد بن الوليد رضي الله عليه وسلم في كنيسة عين التمر على شاطئ الفرات عام 12 للهجرة بعد أن ضرب أعناق أهل الحصن أجمعين. وكان على هؤلاء الغلمان باب مغلق فكسره عنهم، وأجابوه بأنهم رهائن لدى أهل عين التمر، فاعتبرهم خالد رضي الله عنه من السبي وقسمهم على أهل البلاء من جنده. وكان منهم أيضاً سيرين والد محمد بن سيرين، ويسار جد محمد بن إسحاق كاتب السيرة (المغازي).

* أسرته:
-أعتق بنو أمية نصيراً ، فعمل في شرطة معاوية رضي الله عنه، وكان صاحب همة وعطاء حتى صار من قواد جيش معاوية رضي الله عنه وحراسه.
-ولما حصلت الفتنه بين علي ومعاوية رضي الله عنهما رفض أن يقاتل علياً ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولما استتبَّ الأمر لمعاوية رضي الله عنه عام الجماعة قال له يعاتبه لعدم مشاركته في قتال علي رضي الله عنه: ما منعك من الخروج معي ولي عندك يد لم تكافئني عليها؟
فقال كلمة عظيمة معبّرة تدل على وعيه ورسوخ الإيمان في قلبه: لم يمكن أن أشكرك بكفري من هو أولى بشكري منك. فقال له معاوية رضي الله عنه: من هذا الذي هو أولى بالشكر مني؟ وهو يرى أنه صاحب الفضل عليه، فأجابه نصير: الله سبحانه وتعالى، فأطرق معاوية رضي الله عنه رأسه، وقال: أستغفر الله، وعفا عنه وسامحه ورضي عنه.

موسوعة الناريخ المصور للأندلس
وصل الإسلام إلى المغرب العربي ممهداً الطريق إلى الأندلس


* نشأة موسى بن نضير:
-ولد موسى بن نصير في الشام عام 19 للهجرة في خلافة عمر رضي الله عنه، وعاش مع أولاد الخلفاء، شارك بعد أن تعلم فنون القتال واستخدام السلاح في فتح (قبرص)، وكان أحد قواد الأسطول الإسلامي، وعندما حصل الصراع بين الأمويين أنفسهم، وبينهم وبين ابن الزبير بعد موت معاوية رضي الله عنه، بايع الناس في أقطار الإسلام ابن الزبير، وكذلك الشام، فلم ير أي حرج في مبايعة ابن الزبير مع الضحاك بن قيس الفهري، وزفر بن الحارث القيسي، وكذلك النعمان بن بشير الأنصاري، وكلهم كانوا من أمراء الأمويين سابقاً..
واستطاع الأمويون ومن ساندهم من القبائل وبخاصة قبيلة كلب اليمانية أن يجمعوا أمرهم على مروان بن الحكم، وأن يسيروا إلى الجابية ثم إلى مرج راهط لكي يقنعوا الضحاك وجماعته على مبايعة الأمويين إلا أنه أبى ذلك، فوقع القتال بين الطرفين، ودارت الدائرة على أنصار ابن الزبير وفرّ موسى كما فرّ الضحاك وغيره، ولجأ إلى عبد العزيز بن مروان والي مصر الذي عفا عنه إذ اعتبره مجتهداً في أمره وفي هذه المسألة لمبايعة ابن الزبير، وقرّبه منه، فشكر له موسى هذا الأمر وكان عاملاً كريماً شجاعاً ورعاً تقياً لله تعالى، وكان من رجال العلم حزماً ورأياً وهمه ونبلاً وشجاعة وإقداماً ذكر عنه من ترجم له.

* موسى بن نصير والي إفريقية عام 86 هـ - 705 م:
-ولاه عبد العزيز بن مروان (والي مصر) إفريقية "ويطلق هذا الاسم على الشمال الإفريقي ليبية وتونس والجزائر والمغرب" عدا مصر، وكانت منطقة تغلي بالقلاقل، وتثور الاضطرابات فيها من فترة لأخرى، فوجد أن ذلك يعود لسببين رئيسيين:
1- كانت الفتوحات في هذه المنطقة تمتد بسرعة ولا يكفي عدد المسلمين لضبط المناطق المفتوحة لقلة عددهم، فقال موسى كلمة معبرة عن سابقه عقبة بن نافع: رحمه الله، كيف ينطلق ولم يحم ظهره؟ أما كان معه رجل بصير؟.
2- أما السبب الثاني: رأى أن الإسلام لم يكن قد تمكن في قلوب الناس هناك، وما زال البربر ينتقضون عليه كلما سنحت لهم فرصة. فاتبع سياسة جديدة؛ ذلك أنه لا يتابع الفتح من منطقة إلى أخرى قبل أن تستقر النفوس للخضوع لهذا الدين الجديد، وعمل على أن يمتلك الإسلام قلوب (البربر)، فبث بينهم العلماء والدعاة بدءاً من سنة 86 للهجرة، وهنا ملاحظة جديرة بالاهتمام لدى الدراسين وهي أن الانتشار الواسع للإسلام في العالم على هذه الرقعة الكبيرة منه لم يكن إلا في فترة وجيزة جداً بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم بستة وسبعين عاماً فقط.

-ولما دخلوا في دين الله أفواجاً، وصارت غالبيتهم جنداً للإسلام حقاً، قاتل بهم وبغيرهم الفئة التي لا تريد أن تخضع وتطغى على الناس، فلاحقهم موسى في الجبال وكاد أن يفنيهم -كما قيل- ولما وصل بخيوله إلى منطقة القبائل التي غدرت بعقبة بن نافع، قاتلهم قتالاً شديداً وانهزم البربر من أهل (سجومة)، ففتح موسى المدينة وقتل ملوكها، وأمر أولاد عقبة الثلاثة (عياضاً وعثمان وأبا عبيدة) أن يأخذوا حقهم ممن قتلوا أباهم، فقتلوا من أهل (سجومة) من البربر ستمائة رجل من كبارهم، ثم قال موسى كفّوا، فكفوا. وقال عياض بن عقبة: أما والله لو تركتني ما أسكت عنهم وفيهم عين تطرف، وبزوالها سقط الحاجز المعنوي والمادي الذي يصد الناس عن دين الله، ودخلت الآلاف إلى الإسلام وكان من بين الذين اعتنقوه قائد عظيم -سيكون له شأن في المستقبل القريب- من قادة البربر هو طارق بن زياد رحمه الله.

* نبذة عن موسى بن نصير:
- 19هـ ولد في الشام وهو من التابعين.
- ولاه معاوية البحر.
- بايع ابن الزبير بعد موت معاوية لكن ما لبث أن فرق الأمويون جمعهم فالتجأ إلى عبد العزيز بن مروان.
- صار وزيراً لعبد العزيز بن مروان والي مصر.
- 86 هـ تولى شمال غرب إفريقية.
- 92 هـ يعد المخطط الأول لفتح الأندلس.
- 92 هـ أرسل أول سرية إلى الأندلس بقيادة طارق بن زياد ففتح جنوبها.
- 93 هـ أعاد إخضاع جنوب الأندلس بعد تمردها وفتح عدة مدن أخرى.
- اشتهر بصلاحه وحبه للجهاد.
- 97 هـ توفي بالمدينة المنورة.

موسوعة الناريخ المصور للأندلس
جبل طارق نقطة إستراتيجية وأساسية بالنسبة للساحل الإسباني الذي يراقب العبور من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي.


* إخضاع شمال إفريقيا:
-وأخضع موسى الشمال الإفريقي كله وخضعت له بذلك قبائل البربر. تلك التي أعلنت تمردها بعد أن عاهدت المسلمين. ولم تبق إلا مدينتان وهما طنجة وسبتة في القسم الشمالي الغربي من المغرب، تقابلان إسبانية، ويفصل بينهما وبين المضيق فقط.
-أرسل موسى قوة ذاتية أصيلة من الفئة المؤمنة الجديدة (البربر) عددها "9" آلاف بقيادة طارق بن زياد لفتح طنجة، وتم فتحها في مدة وجيزة.
-وقاد هو بنفسه جنداً لفتح سبتة التي كان يحكمها حاكم من قبل (غَيْطِشة) ملك إسبانية يدعى (يوليان) أو (جوليان)، وكانت مدينة محصنة بأسوارها الضخمة، واستمات أهلوها في الدفاع عنها، لذلك امتنعت من الفتح، ففك موسى الحصار عنها وولىّ طارق بن زياد أميراً على تلك المنطقة (طنجة) وما حولها، وعاد إلى عاصمة إفريقية (القيروان).

موسوعة الناريخ المصور للأندلس
المسلمون يفتحون مدينة طنجة.


يتبع






2 
مجدى سالم

مقدمات فتح الأندلس
ثالثاً: مقدمات فتح الأندلس:
1- التمكن من البحر:
- أخذ موسى بن نصير رحمه الله يفكر في فتح الأندلس، فرأى أنه يمكن للرومان والأسبان (أهل الأندلس حينذاك القوط وغيرهم) أن يهاجموا الشمال الإفريقي في كل وقت يريدون، لأنهم يملكون الأساطيل البحرية، وأن لهم قوى بحرية كبيرة ليس للمسلمين ما يدفعها أو يواجهها. ففكر بتخطيط (استراتيجي) بعيد النظرفلم يستعجل، وقرر إنشاء قوة بحرية للمسلمين لتستطيع صد غارات الروم والأندلس، فأسس قاعدة بحريةفي تونس، وجهز في مدة قليلة ما يقارب المائة سفينة حربية.


موسى بن نصير على مشارف الأندلس

* عام 85 هـ - 704 مغزوة الأشراف:
- وأراد بعد ذلك أن يكون هو سيد البحر بلا منازع في منطقة الشمال الإفريقي، فأعلن أنه يريد غزو البحر، وتجمع حوله الناس من كل صوب وعلى رأسهم الأشراف الذين وفدوا إليه في هذا النوع الجديد من جند المسلمين الذين يحملون العلم والمعرفة الإسلامية إلى العالمين، ولكثرة عدد الأشراف سميت الغزوة باسمهم: (غزوة الأشراف)، لكنه رأى أن لا يخرج بنفسه فأرسل ابنه (عبد الله). واستطاعت هذه الحملة إخضاع (صقلية) لحكم الإسلام.

* فتح سردينية:
- ورأس حملة أخرى بعد ذلك بقيادة (عطاء بن أبي نافع الهذلي) لفتح (سردينية) وهي جزيرة كبيرة في البحر المتوسط، تقع شمال (صقلية) فافتتحها، ولما أراد العودة إلى الشمال الإفريقي نصحه موسى ألا يرجع في ذلك الوقت إذ كان موسم هبوب الرياح العاتية، ونشوء العواصف، لكنه لم يتبع النصيحة -وهذه من بعض الأخطاء التي يقع فيها القواد العرب- فغرق في البحر وصحبه رحمهم الله.


المسلمون ينزلون من البحر لفتح سردينية

* عام 89 هـ - 708 م جزر البليار:
- وأرسل بعد فترة ابنه عبد الله لفتح سردينية مرة ثانية، وليبسط سيطرة المسلمين على جزر البليار في غربها، وهي ثلاث جزر كبيرة تقع شرق الأندلس وتدعى جزر البليار الشرقية، وتم بهذا الفتح استقرار المنطقة، وخضع البحر بجزره وشوطئه لسلطان المسلمين.

2- جغرافية الأندلس:
- يشبه شكل الأندلس إلى حد ما من الناحية الطبيعية والموقع شكل المربع، وتقع زاوية تنحدر نحو الجنوب الغربي تسمى منطقة جبل طارق. وفيها أنهار كثيرة وعديدة وتتميز بوجود خمسة أنهار كبيرة منها نهر (دويرة) ونهر (شُقر)، ونهر (الوادي الكبير).
- وتعلو سطح الأندلس سلاسل جبلية عديدة أشهرها جبال الثلج في الجنوب، ومتوسط ارتفاعها 3،5 كم.
- كما تعلو في الشمال جبال البيرينية ويسميها العرب جبال (البرانس) ويبلغ متوسط ارتفاعها 3،5 كم أيضاً إلا أنها منيعة جداً، وليس فيها ممرات تذكر فلا تسمح بمرور قوات عسكرية كمجموعات كبيرة إلا ممر واحد، ولذلك كانت هذه السلسلة سداً منيعاً لفرنسة في الجنوب من جهة إسبانية.
- ويفصل بحر الزقاق (مضيق جبل طارق) الأندلس عن الشمال الإفريقي، وهو بحر صغير وضيق عرضه 13 كم، ويستطيع أن يرى الناظر الشط الأوربي من المغرب بالعين المجردة.

- من أقوال العرب في وصف الأندلس:الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبايتها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواحلها.


منظر عام من أرض الأندلس



كتاب أخبار مجمعة ويبدو من الكتابة الواضحة قصة الفتوحات لموسى وطارق وعبد الرحمن الداخل

3- سكان الأندلس:
- سكنها الروم منذ عام 201 ق.م، وكان لقب الروم يطلقه العرب على كل الأجناس التي كانت تسكن أوربة.
- وقد هاجمت أوربة بدءاً من القرن الخامس الميلادي قبائل من الشمال تعرف باسم قبائل الفاندال، فأشاعت الذعر والرعب في أوربة كلها، وكانت همجية دمرت كل ما كان من حضارة الروم، فأطبق على أوربة ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاماً وسواداً، يظلم الكبير فيه الصغير، ويأكل القوي فيه الضعيف، ويتسابق الناس في اللهو والفجور، ويتنافسون في الجاه والأموال وأسباب الترف والنعيم، حتى وصلت هذه القبائل إلى الأندلس واستقرت فيها.
- أطلق عليها اسم (فاندلوسيا) لأن قبائل الفاندال قد بلغتها، ومن هذا الاسم اختصر العرب كلمة (الأندلس).


بعض الآثار الرومانية الباقية في مالقة وخلفها قلعة مالقة التي بناها المسلمون


* القوط:
- ثم استطاعت قبيلة أخرى تدعى (القوط) وهي قبيلة همجية كسابقتها جاءت من ألمانية، وسيطرت على الأندلس، وأقامت حضارة استمدت من حضارة الرومان، وحكمت الأندلس ثلاثة قرون حتى أوائل القرن السادس الميلادي، وبقيت تتمتع بقوة عسكرية مدربة وقوية، تقارع الأحداث، وتقف للمواجهات، وتوالى على الحكم ست وثلاثون ملكاً منهم.


أحد المدرجات الرومانية القديمة في إشبيلية

* حياة بائسة:
- وكانت حالة الأندلس وهي تعيش حياة بائسة، زيادة على تسلط الكنيسة وسطوتها، كما كانت حالة الشعوب الأوربية، تستخدم النعرات بين الناس وإثارة الفتن بين مختلف فرق النصارى مصداق قوله تعالى:{ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } المائدة:14، وتؤجج الشعور الديني الكامن في فطرة الإنسان للقيام بالحروب كالصليبية مثلاً.
- كانت الأندلس تشكو الفساد الاجتماعي وعدم الاستقرار، وقد قسم الشعب إلى طبقات عديدة، كطبقة الحكام المترفين والأسرة المالكة. تملك كل شيء، ولها كل شيء، بينما على طبقة سواد الشعب كل الواجبات، ويطلب منها تنفيذ كل أهواء أهل القوة والبطش الذين يستغلون الشعب الذي هو في الشقاء أصلاً لسوء الأحوال المعيشية، فيثيرون الصراع المستمر بين الطبقات ذاتها، وهي حال أوربة بشكل عام.


إحدى القناطر الرومانية على أحد الأنهار الأندلسية




قنطرة رومانية مرممة في عهد فيليب الخامس


4- أشهر المدن الأندلسية:
- في منطقة الجزيرة الخضراء وهي منطقة الجنوب التي تقع شمال جبل طارق مدينة (إشبيلية)، وإلى الشمال الشرقي منها تقع مدينة (قرطبة)، وإلى الشرق منها تقع (غرناطة).
- أما العاصمة (طليطلة) فتقع في وسط الأندلس، وهناك مدن كثيرة أيضاً منها (سرقسطة) في شمال شرق الأندلس قريبة من حدود فرنسة، وتقع (ليون) عاصمة منطقة الشمال الغربي، أما (جيليقية) فتقع في أقصى شمال الأندلس.



أشهر المدن الأندلسية



موسى وطارق يفتحان الأندلس

أولاً: مراسلات موسى بن نصير:
* مراسلات الوالي موسى بن نصير مع الخليفة الوليد:
- بعد أن أرسى موسى بن نصير ومن معه الإسلام في شمال إفريقية، تطلع إلى ماوراء المضيق (بحر الزقاق)، فأرسل إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك في دمشق يستأذنه في اقتحام الأندلس، فكتب إليه الوليد -رحمه الله- أن خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تعزر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال، لم يكن المسلمون قد أصبحوا أمة بحرية بعد، ولم يكونوا قد مارسوا عملياً غزو البحار إلى أمد طويل، لأنهم أبطال البر والصحارى، لذلك لم يأذن الخليفة له خوفاً عليهم.
- لكن موسى بن نصير أقنع الخليفة بأنه ليس ببحر زخّار، فأرسل إليه قائلاً: إن كان كذلك فلا بد من تجربته بالسرايا.

مراسلات المسلمين

* طريف بن مالك أول من يطأ الأندلس:
- وبعد اطمئنان الخليفة وموسى بن نصير بنتيجة المراسلات التي تمت بينهما، أرسل سرية استطلاعية بقيادة طريف بن مالك رحمه الله بأربعمائة مجاهد تقلهم أربعة مراكب فقط، في رمضان عام 91 للهجرة، والتف حول الجبال ونزل بجزيرة -قرب الجزيرة الخضراء- تحمل اسمه، فهو أول مسلم من الشمال الإفريقي تطأ قدماه أرض الأندلس.
- أدى طريف مهمته بنجاح، وجمع المعلومات عن أوضاع الأندلس، وقدم تقريراً عملياً بأن الأوان قد حان للفتح الكبير.

* ماذا كان في الأندلس؟
- مات (أخيكا) ملك إسبانية حوالي 700 م، وتولى الملك بعده ابنه (غَيْطَشَة)، وقبل الفتح بسنة تقريباً قام أحد قواد الجيش ويدعى (لذريق) -واسمه في لغتهم (رودريكو)- بالاستيلاء على السلطة، وقتل غيطشة في الصراع لاستعادة الحكم، وفرّ أبناؤه ليجمعوا أنصارهم إلى شمال الأندلس وبدؤوا يثورون ضد الحكم المستبد الجديد، ولكن أحد أبناء الملك السابق التجأ إلى (يوليان) حاكم سبته في الشمال الإفريقي الذي كان من أنصار والده.
- ولما تحرك (لذريق) نحو الشمال للقضاء على أعوان الملك وأبنائه، وجد الابن الذي في سبتة مع حاكمها (يوليان) الفرصة المواتية للانتقام من المغتصب إذ رأيا أنهما لا يستطيعان عمل أي شيء بمفردهما فلا بد من دعم جيش قوي لهما.

يوليان يعرض على موسى بن نصير أن يسلمه مدينة سبتة!..

* الاتصال بموسى بن نصير:
- كان (يوليان) هو البادئ إذ عرض على موسى بن نصير أن يسلمه مدينة سبتة ويترك له أن يفتح من الأندلس ما يشاء، ولما استفهم موسى منه ماذا يريد مقابل ذلك منه؟ أجابة ابن (غيطشة): نحن لا نطمع في ملك، وإنما نطمع إن تمّ لك الأمر أن تعيد لنا مزارع والدنا الملك فقد كانت له ألف مزرعة ضخمة موزعة على أنحاء الأندلس. فهذه هي نفوسهم.
- همهم المال وهم أحرص الناس على حياةٍ وإن كانت ذليلة، وكما قال الشاعر:

من يَهُن يسهلِ الهوانُ عليهِما لجرحٍ بميتَّ ٍ إيلامُ
- رأى موسى بن نصير هذا العرض بخساً فليدفع المزارع لهم، لينال هو شرف الفتح -فتح الأندلس- بالإضافة إلى تسليم مدينة (سبتة) التي لم يستطع فتحها من قبل، أليس هذا عرضاً مغرياً؟!



يتبع



3 
مجدى سالم

بدء الفتح وأعمال طارق بن زياد
ثانياً: بدء الفتح وأعمال طارق بن زياد:
* عام 92 هـ - 711 مالجيش الأول بقيادة طارق بن زياد:

- هيأ موسى بن نصير جيشاً قوامه سبعة آلاف مجاهد جلهّم من البربر المسلمين وأمرّ عليهم طارق بن زياد سنة 92 للهجرة.
- وطلع موكب النور، ولا يحتاج النور إلى قوة قاهرة، ولا إلى جيوش جرارة، ولا أعتدة مدمّرة، ولا إلى ذهب يلمع، وإنما يحتاج -إن صح التعبير- إلى نوعية فرد يحب الموت لإعلاء كلمة الله، بل يرى أن الحياة تبدأ عندما يسقط أحدهم شهيداً فيقول: فزتُ وربِّ الكعبة.
- وفردٌ إلى فردٍ إلى فردٍ يؤسسون جنداً يمثلون قدر الله في الأرض، ومن يقف أمام قدر الله؟! ومن يصده؟!
- وهكذا كان المسلمون في فتوحاتهم على جميع الجبهات في مواجهة مختلف الأمم والنحل، فامتازوا بالعقيدة التي تفتدى بالنفس، وبالقيم الإنسانية التي يحملها الفاتحون إلى البلاد، ويعبرون عنها بسلوكهم على مختلف المسؤوليات والأوصاف. قال تعالى:{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ }البقرة:249.


جيش المسلمين يستعد للفتح

* عام 92 هـ - 711 م العبور إلى الأندلس:
- عبر طارق بن زياد وجيشه المضيق منطلقاً من (سبتة) تحملهم السفن، وتجمعوا على جبل صخري عرف فيما بعد باسم (جبل طارق)، وكما عرف المضيق باسمه أيضاً، وهذه مكافأة دنيوية له بكل اللغات. قال تعالى:{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } النساء:134.
- ولما علم أن القوط قد تجمعوا قريباً منه لصده بقيادة (تُدمير) التفّ حول الجبل المسمى باسمه، ونزل السهل الذي خلفه المسمى بسهول الجزيرة الخضراء.
- وحين علم (تدمير) بنزول طارق هناك أرسل رسالة مستعجلة إلى (لذريق) الذي كان في عمليات بالشمال لقمع ثورة أبناء الملك السابق، يقول فيها: أدركنا فإن قوماً نزلوا هنا لا يُدري أمن أهل الأرض أم من أهل السماء قد وطئوا بلادنا؟ وقد لقيتهم فلتنهض إليّ بنفسك.
- جاءه هذا الخبر فجمع جيشاً كثير العدد بلغ في بعض الروايات مائة ألف، وترك حامية هناك لمدافعة الثوار، وتوجه لدحر جيش طارق نحو الجنوب.
- لكن طارقاً أنشب القتال مباشرةً والذي دام ثلاثة أيام انتصر بعده على (تدمير) في أول لقاء مع القوط على الجزيرة الخضراء. وسيطر على جنوب الأندلس، ولما علم بتقدم (لذريق) بجيشه الكثيف أرسل خبراً عبر المضيق إلى موسى بن نصير يطلب المدد، فأمده بخمسة آلاف مجاهد، وليبلغ عدد جنده اثني عشر ألفاً.

* معركة برباط الحاسمة:
- استكشف طارق المنطقة ليختار مكاناً يحدده هو للقاء العدو الزاحف ملائماً لقلة عدد جنده وكثرة الأعداء، فاختار قرب الوادي (بَرباط)، ونهره، فخيم على ضفافه وانتظر حتى أتى القوط.
- وحدثت المعركة الفاصلة التي تعد من أهم معارك الأندلس.
- جيش الإسلام اثنا عشر ألفاً أكثرهم مشاة، وقليل منهم خيالة، وقائدهم طارق بن زياد، وجيش القوط مائة ألف أكثرهم خيالة، يقودهم حاكم الأندلس نفسه (لذريق)، إذ كان على سرير تحمله ثلاث بغلات مقرونات، ولباسه الملكي محلى بالذهب.
- فخطب طارق جنده يحمسهم ويعدهم إما الشهادة أو النصر، ويرغبهم في إعلاء كلمة الله، والتعالي على زخارف الدنيا ومشتهياتها، ويذكرهم بالآية الكريمة:{ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } التوبة:111.
- وعمّا يذكر له من خطبة مطولة في بعض الكتب فإن حولها مقالاً، أضف إلى ذلك أنه من البربر والخطبة من بلاغتها تكاد تكون لقس بن ساعدة أو امريء القيس وكذلك ما يذكر من إحراق السفن، فكلا الأمرين غير ثابت تاريخياً.
- ويظهر أن الجيش القوطي كان مغتراً جداً بقوته، ومتأكداً إلى درجة حتمية النصر عنده، حتى أنهم أعدوا ما يحملون عليه أسرى المسلمين، فقد جاء مع الجيش دواب لا تحمل غير الحبال لربط الأسرى، وكأن نهاية المعركة ستكون لصالحهم، وكانوا يفوقون المسلمين في العدد والعدُد، ويحاربون في بلد يعرفونه ، وأرض يعرفون جغرافيتها ومداخلها ودروبها، إلا أن المسلمين كانوا متفوقين بالروح المعنوية، متعالين على منافع الحياة الزائلة ورغبات الدنيا، وما يقال: إن طارقاً وعد الجند بالنساء والأموال والذهب يكّذبه التاريخ، وواقع المسلمين.


معركة طارق بن زياد مع جيش القوط



معركة وادي برباط (أو وادي لكه)


- بدأت المعركة يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك، ودارت واتصلت ثمانية أيام، ومّر عيد الفطر والمسلمون في قتال إلى يوم الأحد الخامس من شوال، وكانت تزداد عنفاً، وصبر الفريقان صبراً عظيماً، وسقط القتلى من الطرفين، إذ استشهد من المسلمين ربع الجيش أي ثلاثة آلاف شهيد كما ذكر الرواة.
- ولولا العقيدة وسمو الهدف في هذه المعركة لكانت الغلبة للقوط الذين قاتلوا قتالاً شديداً في مكان يعرفون أدق تفاصيله.
- لكن تفوق المسلمين بالعقيدة اكتسح مصاعب المعركة، وكان اللقاء حاسماً، ونصر الله المسلمين نصراً مؤزراً وشتتوا الجيش القوطي الذي ولى الأدبار، ونثروه على أطراف وادي (برباط).
- وتبعهم المسلمون وأوقعوا فيهم القتل والأسر، ومنهم من ألقى نفسه في النهر وفيهم قائدهم (لذريق) الذي مات غرقاً.
- وغنم المسلمون غنائم كثيرة، وأعظمها كانت الخيول الكثيرة، فلم يبق راجل في الجيش بعد هذه المعركة.

- قضت هذه المعركة الفاصلة (بَرباط) على معظم القوى العسكرية للقوط، ولم يلتق المسلمون بعدها بتجمع كبير لهم، وانتشر المسلمون انتشاراً واسعاً، فما أراد طارق بن زياد أن يضيع الوقت بل تقدم بسرعة، وسار بفتح البلدان بلدة فبلدة، وقد أصيب القوط بهلع وخوف شديدين.

* عام 92 هـ - 711 م اكتساح جنوب الأندلس:
- فتح طارق (شذونة) ثم مرّ بمدينة (مورور) وهي قريبة من قرطبة عاصمة الأندلس وبعد ذلك بمدينة (قَرمَونة) واستولى على (لقة) و (وإلبيرة) بعد حصار طويل، وأخضع (أريولة)، كل هذا النصر تم في شوال 92 للهجرة وذلك لسرعة الجيش المسلم الذي تحرك على الخيول وعدم استطاعة العدو أن يجمع الجموع.
- وصل إلى (إشبيلية) عاصمة الجنوب، ورأى أهلها أنهم لا يستطيعون صدّ المسلمين أو قتالهم فطلبوا من طارق الصلح فصالحهم على دفع الجزية.

* الفرق بين الفتح والصلح:
- أن المنطقة أو المدينة التي تفتح تصبح الأموال المنقولة وغير المنقولة غنيمة والناس سبياً بعد الفتح.
- أما الصلح فيكون حسب اتفاق الطرفين على بنوده، وأهم بند في الصلح أن يقر العدو بدفع الجزية، وهي مقدار دينار من الذهب على كل فرد في العام مرة. والتفصيل في كتب الفقه.

* فتح أستجة:
- تجمع القواط في منطقة حصينة جداً تدعى (أستجة)، واستطاع طارق أن يباغت قائدها خارج الحصن وأن يأسره وهو لا يعلمه، فقرر أن يصالحه فأطلق سراحه ووفى له هذا، وبفتح أستجة خضع الجنوب كله للفتح الإسلامي.
- اتجه طارق بن زياد بعد صلح مدينة (استجة) نحو الشمال ففتح (جيّان) على الطريق الرئيسي نحو العاصمة (طليطلة) التي فتحها طارق دون مقاومة تذكر.
- تسعة آلاف من المسلمين يفتحون الأندلس (إسبانية والبرتغال) في أشهر قليلة عام 92 للهجرة...

* المعاملة العادلة:
- عامل المسلمون أهل الأندلس كما عاملوا كل البلاد المفتوحة بما تتطلبه الحقوق الإنسانية (حق الحياة، حق العبادة، حرية المال والنفس والعرض) لأنهم لا تشغلهم الكنوز، ولا يتوجهون للعدوان على الأطفال والنساء والشيوخ، فهذه طبيعة القوات الإسلامية في كل عصر وكل زمان، مما يجعل الناس في البلاد المفتوحة يندهشون بما يرون، فيدخلون الدين بإيمان صادق ويقين تام، قال تعالى:{ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } البقرة:256.
- استقر طارق في طليطلة بعد أن تحرك شيئاً في شمالها بأمر من موسى بن نصير، ولينظم جيشه، ويستقر الوضع العام قبل أن يدخل المناطق الإسبانية الأخرى.


العدل الإسلامي في الأندلس


الفصل الثاني: موسى وطارق يفتحان الأندلس



ثالثاً: توجه موسى بن نصير للأندلس:
- لما وصلت أنباء هذا الفتح المبارك موسى بن نصير الذي كان يراقب أحداثه، ويهيئ متطلباته، فقالوا عنه: إنه كان ينكب على الدعاء والتضرع لله سبحانه، والابتهال إليه في أن ينصر جيش المسلمين، قرر أن يدخل الأندلس على رأس جيش قوامه (18) ألفاً يقوده بنفسه في رمضان عام 93 للهجرة.

المسلمون يقومون بالدعاء والابتهال لنصر جيش المسلمين في الأندلس


* موسى بن نصير.. المجاهد العابد:
- لم يكن موسى بن نصير مجرد قائد عسكري يقود الجيش بحنكته، بل كان نوعاً فريداً من القادة يعمل لحساب أمته ودينه لا لحساب جيبه ومصالحه، ولذلك كثرت في زمنه الفتوحات وانتشر الإسلام، كان تقياً دائم التضرع إلى الله، اتصل رجاؤه بقوة خالق السماء والأرض، وكان يخرج أهله معه في كل معركة ويرى أن ذلك أقرب إلى للنصر، ومما يذكر عنه في إحدى غزواته أنه صلى بهم صلاة الاستسقاء واشتد تضرعه لله فقال له أحد قواده: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ فأجابه موسى إجابة الموحد لا القائد المتزلف المداهن: هذا موقف ما ينبغي أن يذكر فيه إلا الله عز وجل.
- وكان يكثر التضرع إلى الله قبل كل غزوة وقد ذكر له الرواة بعض الكرامات لا نستغربها على تابعي تقي مثله.

* عام 92 هـ - 711معبور موسى:
- جاز موسى من (سبتة) المضيق، ومعه جمع كبير من التابعين، وصحابي واحد هو المنيذر الإفريقي رضي الله عنه، وولى ابنه عبد الله على (القيروان) عاصمة الشمال الإفريقي آنذاك.
- واجتمع إليه المسلمون والقادة في الجنوب الأندلسي حيث نزل في جبل يدعى جبل موسى أيضاً، وحينما استكمل ترتيباته بني مسجداً في المكان نفسه، ضبط قبلته تابعي يدعى (حنش بن عبد الله الصنعاني) رضي الله عنه.
- وقد سمي هذا المسجد (مسجد الرايات)، وقد دمّره القوط فيما بعد فيما يسمى بحرب الاسترداد، ولا تزال آثاره موجودة شاهدة على عظمة من أنشأه.
- فهو قائد يعرف هدفه وغايته كما يقول أحد الشعراء في وصف قادة المسلمين:

أينما حلّ فالمآذنُ ترجيعُ أذان المهيمن ِ الديّان ِ



رسم في كتاب أندلسي نادر يشير إلى عبور المسلمين نحو الأندلس

خط سير طارق بن زياد


* عام 93هـ - 712مموسى يعيد إخضاع الجنوب:
- كان طارق بن زياد يفتح المدن في وسط الأندلس، وكانت المدن التي افتتحها في الجنوب تنقض على المسلمين واحدة تلو أخرى ، إذ ما كان باستطاعته -رحمه الله- أن يترك حامية كبيرة، فتحرك موسى ابن نصير ليعيد إخضاع الجنوب بعده، فأخضع "شذونة" ثم قصد "قرمونة" وكانت مدينة صعبة ليس في الأندلس أحصن منها، فحاصرها ثم عمل حيلة لاقتحامها حين اتفق مع جماعة من أصحاب "يوليان" على أن يفروا من أمامهم، ويتوجهوا للاحتماء بالحصن، فأدخلهم أهل المدينة ولما جاء موسى بخيله فتح هؤلاء لهم الأبواب.
- هؤلاء في العرف العام "الطابور الخامس" همّ هذا الطابور أن يلعبوا كيف كانت الأحوال , وغايتهم أن يحفظوا مصالحهم.

- ومن هذه التجربة علينا أن نربي أجيالنا على الولاء المطلق الصادق لله ولرسوله وللمؤمنين حتى لا يُستغلوا من قبل الأعداء الذين يشترون الذمم بالمال والجاه والنساء، ولا يقبل ذلك إلا ضعاف النفوس ومن يقاتل من غير هدف ولا مبدأ.

* عام 94هـ - 713مفتح ماردة:
- وانتفضت "إشبيلية" فحاصرها موسى أشهرا ثم أخضعها وأخضع "باجة" وهي بلدة قريبة منها، هرب إليها حامية "إشبيلية" وجنودها، وقصد بعد ذلك مدينة "ماردة"، وقد كانت حصينة لها سور لم يبن الناس مثله كما وصفها الرواة.
حاصر موسى المدينة، وما استطاع المسلمون أن يعتلوا الأسوار أو يخترقوها، فأمر بصنع دبابة، وكانت آلة مصنوعة من الخشب مغطاة بالجلود، وبالأقمشة المبللة لا تخترقها النبال وتطفأ النيران إن صبت عليها.
- هاجم جماعة من المسلمين بالدبابة يحتمون بها، فعملوا لإيجاد ثغرة في السور حتى اعترضتهم صخرة صماء أتعبتهم، وامتنعت عن التفتيت أو الخرق، فاغتاظ القوط منها وصبوا عليها النيران وأرسلوا الأحجار فوقها وهاجموها من كل جهة حتى استشهدت تلك الجماعة المسلمة تحت برج لا يزال يدعى برج "الشهداء" إلى اليوم.

- رأى أهل "ماردة" إصرار موسى على الفتح، فأرسلوا يطلبون إليه الصلح، فأجابهم وصادف ذلك عيد الفطر: 1 شوال عام 94 للهجرة، فصار للمسلمين عيدان: عيد الفطر ويوم الفتح.
- وثارت إشبيلية للمرة الثالثة، فأرسل موسى بن نصير جيشاً صغيراً (سرية) بقيادة ابنه عبد العزيز -وسيكون له شأن في الأندلس- فدخلها وحطم قوتها، وكسر قوة أخرى تجمعت قربها في مدينة تدعى "لبلة"، وأرسل إلى طارق بن زياد حين تحرك تجاه "طلبيرة" وهي منطقة غرب "طليطلة" يدعوه إلى لقائه، فالتقى القائدان الجليلان في "طلبيرة" في ذي القعدة عام 94 للهجرة.



* إبلاغ الخليفة في دمشق:
- كتب موسى بن نصير إلى الخليفة في دمشق يخبره بأخبار الفتح وتفصيلاته ومعلوماته، واختار التابعي علي بن رباح رسولاً إلى الوليد، فلما دخل عليه قال: تركت موسى بن نصير بالأندلس وقد أظهره الله ونصره، وفتح على يديه ما لم يفتح على يد أحد، وقد أوفدني إلى أمير المؤمنين في نفر من وجوه من معه بفتح من فتوحه. ثم رفع إليه الكتاب من عند موسى، فقرأه الوليد فلما أتى على آخره خرّ ساجداً لله سبحانه.


رسول موسى بن نصير يصل إلى الخليفة في دمشق





* عام 95هـ - 714ماستقرار الفتح:
- ولما حلّ فصل الشتاء -والقتال في الشتاء صعب- مكث في طليطلة للراحة والاستعداد لما بعد الشتاء، ولتنظيم قوته، وللعمل على استقرار المنطقة، ونشر العقيدة الجديدة فيها، فقام بصك العملة (الدراهم والدنانير الإسلامية) وذلك في عام 95 للهجرة بعد ثلاث سنوات من ابتداء الفتح.
- أيقن القوط أن هؤلاء الفاتحين ليسوا كغيرهم من الغزاة، إذ ما جاؤوا لمغنم أو سلب، وما قدموا للعلو في الأرض ولا استكباراً، إنما حلّوا للتمكن من الاستقرار والاستخلاف في الأرض على منهج النور، كما قال تعالى:{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}الحج41.
- وجاء أبناء الملك السابق "غيطشة" يطلبون المزارع وفاء بالعهد الذي قطعه موسى بن نصير، فكان خير وفيّ رحمه الله، وكذلك يكون كل مسلم حقاً! فأزال مجتمع الطبقات في الأندلس، وألغى عبودية البشر للبشر واستقر عملياً قول الرسول صلى الله عليه وسلم كلكم لآدم وآدم من تراب ).
- وما حدث في اللقاء بين القائدين العظيمين موسى بن نصير وطارق بن زياد لم يعد مناقشة أو استفهاماً، إذ قال له موسى: ما دعاك إلى الإيغال والتقحم في البلاد بغير أمري؟ فاعتذر طارق إليه بخطته العسكرية تجاه الظروف المستجدة، فقبل موسى عذره وسارا من بعد سوية إخوة مجاهدين.

- "وكل ما قيل غير ذلك عن هذين المجاهدين هي أوهام يتقولها بعض الدارسين، أو أقوال ضعيفة واهية على لقاء هذين القائدين لا تستحق المناقشة والرد عليها".


خط سير موسى بن نصير




سرية عبد العزيز بن موسى


يتبع










4 
مجدى سالم

رابعاً: التحرك نحو فتح الشمالعام 95هـ -714م:
- اتجه جيش المسلمين بعد انتهاء الشتاء وحلول الربيع نحو (سرقسطة) عاصمة الشمال، وجعل موسى طارقاً في مقدمة الجيش الذي اتجه نحو الشمال الشرقي وافتتح مدينة (سرقسطة) بسهولة ويسر ودون مقاومة تذكر.

* بناء مسجد سرقسطة:
- وبعد وصول الجيش كاملاً أسس حنش بن عبد الله الصنعاني بأمر من موسى بن نصير (مسجد سرقسطة)، وهو إن صح التعبير مهندس المساجد في الأندلس. ( أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها )، هو بيت الأتقياء ومكان اجتماع المسلمين يومياَ، ومركز مؤتمراتهم، ومحل تشاورهم وتناصحهم، منه خرجت جيوشهم ففتحت مشارق الأرض ومغاربها.
- يعزي المسلم أخاه إن أصابته مصيبة في المسجد، ويهنئه إن ناله فرح أو سرور، مدرسة يتخرج منها العلماء والفقهاء، فكما قال أحد العلماء:
المسجد هو المعبد في الإسلام، وهو البرلمان، وهو المدرسة، وهو النادي، وهو المحكمة ، وهو ملتقى الأمة في أحوالها كلها، لذلك ما كان المسلمون يطؤون أرضاً جديدة، إلا ويؤسسون المساجد أسوة بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي اهتم بإنشاء مسجده حين قدم المدينة المنورة، فشأن المسجد شأن الإسلام نفسه متكاملاً في مختلف جوانب الدين والسياسية والاجتماع.

ساراقوس الجعفرية، الجانب الشرقي للقصر معبر إلى داخل مسجد سرقسطة


* اتساع الفتح ومهاجمة فرنسا:
- ثم فتحت المناطق التابعة لسرقسطة وما حولها من المدن التالية: (وشقة)، (لاردة)، (طرّكونة)، و(برشلونة) دون جهد أو قتال يذكر، وبعد إقامته مدة في (سرقسطة) غزا كما في بعض المصادر التاريخية جنوب فرنسا حين أرسل طارقاً نحو الغرب، وأرسل غيره إلى بعض الأطراف والحصون، فتحرك هو متجهاً نحو جنوب فرنسا ينوي فتح القسطنطينية والوصول إلى دمشق، أي أنه كان ينوي فتح فرنسا، وشمال إيطاليا، ثم يوغوسلافيا وبلغاريا، فيصل إلى الدولة البيزنطية، فتركية إلى دمشق!.
- كان صاحب طموح عال ٍ، عمره أربع وسبعون سنة وليس معه من الجند إلا ثلاثون ألفاً يقول في نفسه: إذا استعصت القسطنطينية على الفتح من جهة الشرق؛ فليأتها هو من الغرب لعله يفتحها.
- عبر جبال البيرينيه وفتح مدينة (قرقشونة)، وحصن (لوذون)، وصخرة (أبنيون) ومدينة (أرغون) وكاد أن يسيطر على جنوب فرنسا، إلا أن تابعياً جليلاً أوقفه ناصحاً، فتقدم أمامه وأمسك بزمام فرسه وقال له: أتذكر ما قلت أنت عن عقبة بن نافع ؟ أنا بصيرك اليوم! تتقدم ولم تحم ظهرك؟، فقال له مبتسماً: أرشدك الله، وعاد بجيشه إلى الأندلس. ومات حبان بن أبي جبلة ذلك التابعي الجليل الناصح في (قرقشونة) ودفن هناك.

هذه آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار

لوحة من الضفائر في سرقسطة، زخرفة ونقش على الجص


* عام 95هـ - 714 مفتحغرب الأندلس:
- رجع موسى بن نصير إلى الأندلس واتجه لفتح شمال غرب الأندلس، واقترب من (خيخون) عاصمة منطقة (ليون)، ولما كان في (أشترقة) أدركه "مغيث الرومي" رسول الخليفة الوليد بن عبد الملك، فأوقفه قائلاً: إن أمير المؤمنين يأمرك بالخروج من الأندلس، والإضراب عن التوغل فيها، والعودة إليه في دمشق.
- ساء موسى هذا الأمر ولاطف رسول الخليفة، وسأله أن يتابع معه لفتح عاصمة المنطقة، فاستجاب له رسول الخليفة، وفتحا معاً (خيخون) ومناطق أخرى إلا منطقة الصخرة، ومن ثم توجه إلى (جيليقية) حيث افتتح فيها أماكن أخرى منها: حصن (لُك)، وبث السرايا حتى بلغوا صخرة (بلاي) في أقصى الشمال. فجاءه رسول آخر هو "أبو نصر" من قبل الخليفة الوليد بن عبد الملك، فقبض على عنان فرسه وأرجعه معه.


قتال المسلمين لفتح الأندلس


* صخرة بلاي:
- سقطت الأندلس كلها سوى صخرة بلاي والتي سميت باسم القائد النصراني الذي التجأ مع ثلاثين مقاتلاً من القوط إلى مغارة حصينة في تلك المنطقة المسماة (كوفادونجا) والتي استعصت على السرايا الإسلامية لأنها سلسلة من الجبال الوعرة والجافة، مع أن باقي التجمعات الأخرى أو الجيوب المبعثرة هنا وهناك في تلك المنطقة قد قضي عليها.
- تركت منطقة الصخرة والثلاثون مقاتلاً! فهل كان هذا تهاوناً من موسى وطارق رحمهما الله أم أنهما أجبرا على العودة إلى دمشق؟
- أم كان هذا تهاوناً من المسلمين الذي جاؤوا من بعدهما؟ وبقوا هناك دون أن يتقدموا لإنهاء هذا الجيب الذي كان (القشة التي قصمت ظهر البعير) كما يقال. وما يظن أن القائدين العظيمين كانا سيتركان ذاك الجيب دون فتح لو بقيا هناك، وصارت صخرة بلاي هذه مصدر إزعاج للمسلمين ومركز تحرك للنصارى في تاريخ الأندلس قال تعالى:{ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} آل عمران:140، وهذا من قدر الله سبحانه.


ظلت صخرة بلاي شوكة في خاصرة نفوذ المسلمين في الأندلس

حملات في الأندلس - حملة موسى وطارق وسرايا موسى




خامساً: عودة موسى وطارق إلى دمشق:
* عام 95 هـ - 714 مالحشر وليس الفتح:
- تمّ فتح الأندلس (ماعدا الصخرة) في ثلاث سنوات، بالإيمان والعزيمة، وأُخضع شبه الجزيرة الإيبيرية في هذه المدة اليسيرة، وكان مما أخبر موسى بن نصير الخليفة: إنها ليست الفتوح، ولكنها الحشر.فأوقف الخليفة الفتح تخوفاً على المسلمين من الإيغال السريع في تلك المناطق النائية، ومع هذا فقد دخل أهل الأندلس أفواجاً في دين الله، بدأ الفتح سنة 92 للهجرة واستمر إلى أواخر 95 للهجرة.







دينار أموي (715-717، 96-99 هـ)


* ترتيب أمور الأندلس وعودة موسى:
- وترك موسى عمليات الفتح في الشمال وعاد ومعه طارق بن زياد إلى إشبيلية، فأقام بها مدة يرتب أمور الأندلس، وعين ابنه عبد العزيز والياً عليها، وجعل العاصمة هناك لموقعها في وسط الأندلس، وعبر هو ومن معه المضيق في نهاية ذي الحجة عام 95 للهجرة، قاصداً دمشق.
- فدخل طنجة وولى ابنه الثاني عبد الملك عليها والمناطق التابعة لها، ثم وصل إلى القيروان (عاصمة إفريقية) فولى أكبر أبنائه عبد الله على إفريقية، ثم دخل مصر وعاصمتها (الفسطاط) "في ربيع الأول عام 96هـ" فأكرم هناك أبناء عبد العزيز بن مروان إكراماً يليق بأفضال أبيهم عليه سابقاً.
- ودخل بلاد الشام مجداً حتى وصل إلى دمشق في أوائل جمادى الأولى سنة 96 للهجرة، والخليفة الوليد بن عبد الملك مريض، وتوفي الخليفة رحمه الله بعد وصول موسى بأربعين يوماً.






دمشق والمسجد الأموي الشهير فيها والذي بناه الخليفة الوليد بن عبد الملك الأموي


* عام 96 هـ - 96هـ716موفاة القائد العظيم:
- وبويع بالخلافة سليمان بن عبد الملك، ولما أراد هذا أن يحج أكرم موسى ودعاه للحج معه، وكان موسى بن نصير رحمه الله يدعو خلال سني الجهاد 40 عاماً: اللهم إني أسألك الشهادة في سيبلك أو الموت في مدينة نبيك، وهو كما قال عن نفسه: ماهزمت لي راية قط، ولافض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي نكبة منذ اقتحمت الأربعين إلى أن شارفت الثمانين، فاستجاب الله له، وتوفي بالمدينة المنورة وعمره ثمانٍ وسبعون سنة في عام 97 للهجرة ودفن في المدينة المنورة.
- مات القائد المسلم موسى بن نصير بعد أن نشر الإسلام على أودية المغرب العربي، والأندلس، وأسمع الناس هناك نداء العقيدة الصافية أن اخرجوا من الظلمات إلى النور، ولم يكن طامعاً في مغنم أو جاه أو أي شيء آخر من متاع الحياة الدنيا , قال الله تعالى:{ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} آل عمران:185.
- أما عن القائد طارق بن زياد فليس بين أيدينا ما يسعفنا لمعرفة أخباره بعد وصوله إلى دمشق، وكيف كانت نهايته، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وما عند الله خير وأبقى.





ملخص أحداث بداية الفتح الإسلامي في الأندلس:
23 هـ
عقبة بن نافع يفتح المغرب.
85 هـ
إخضاع صقلية (غزوة الأشراف).
89هـ
فتح سردينية وجزر البليار.
92هـ
فتح الأندلس على يد طارق بن زياد.
93هـ
عبور موسى للأندلس.
94هـ
فتح ماردة.
95هـ
عودة موسى بطارق بن زياد إلى دمشق.
96هـ
خلافة سليمان بن عبد الملك.
97هـ
وفاة القائد العظيم موسى بن نصير.



* فتح الأندلس...حقائق وعبر:
- مابين فتح الأندلس وحتى سقوطها تاريخ طويل، فيه البطولات وفيه الأمجاد وفيه أيضاً بعض الخيانات، تاريخ تحكيه الفرحة والبسمة وترويه الحسرة والدمعة، لكن يكفينا أن المسلمين ما دخلوها إلا للهداية والنور، والتاريخ شاهد على ذلك، إن قوماً حولوا الأرض الجدباء إلى جنة نضرة، وبدلوا الجهل بحضارة، ورفعوا الظلم ونشروا العدل لايمكن أبداً أن يكونوا غزاة أو مستعمرين.



وفي البرتغال وإسبانية ازدهرتآثارنا وسمت دهراً مبانينا
كم من قصور وجنات مزخرفةفيها الفنون جمعناهاأفانينا
وكم مساجد أعلينا مآذنهافأطلعت أنجماً منها معالينا


*ولن نستبق الأحداث فتاريخ الأندلس كله بين يديك -أيها الأخ القارئ- إنما نتوقف مع نقاط نراها مهمة فيما مر:
1- المراسلات التي تمت بين موسى بن نصير والخليفة الوليد بن عبد الملك رحمهما الله تعالى قبل خوض البحر لفتح الأندلس يظهر منها جلياً خوف الخليفة على جند الإسلام حيث قال الوليد لموسى:(خضها حتى ترى وتختبر شأنها ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال).
- فهو لا يريد أن يزج بهم في مغامرة أو مخاطرة ولو كان ورائها فتح أو غنيمة، وهذا حدث يحسب للوليد بن عبد الملك حيث وقف من المسلمين موقف الأب العطوف الذي يخشى على أولاده الضياع والأذية متحققاً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشفق عليه ) رواه مسلم.
- مستذكراً مسؤوليته أمام الله عن شعبه، وله في عمر بن الخطاب أسوة حسنة حين قال لو أن شاة في العراق عثرت لرأيتني مسؤولاً عنها أمام الله، لِمَ لمَ تمهد لها الطريق يا عمر؟ ).

- ولو أن حكامنا اليوم تحققوا بهذه الرحمة وتحملوا المسؤولية على أنها أمانة يحاسبون عليها أمام الله تعالى لصلحت أمور كثيرة، ولما قدموا مصالحهم الضيقة على مصلحة الأمة، لما قادوا أمتهم وشعوبهم إلى الدمار والذل والهوان ليحافظوا على كرسي أو منصب، ولما قدموا الخيانة تلو الأخرى ليرضوا أعداء الله، حتى هانت عليهم شعوبهم -مع أنهم أبناء جلدتهم وعقيدتهم- فيرون المسلمين يذبحون ويلاحقون وتنتهك حرماتهم وحقوقهم ويؤخذون أسرى إلى بلاد المشركين بتهم كثيرة وهم ينظرون لا يحركون ساكناً ولا يهتز لهم طرف، بل ربما سلموا مواطنيهم إلى أعدائهم ليرضوا عنهم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين.

هانت شعوبهمُ عليهم فغدت مذلولة في أَسرِ من لا يرحم
أَوَ هكذا أُمروا؟ فكيف بمسلم يرميه للأعدا الأمير المسلم

2-قصة حصار (قَرَمونة) حينما امتنعت على المسلمين فاتفق موسى بن نصير مع بعض أصحاب يوليان على حيلة ذكية وهي أن يفروا من أمام جيش المسلمين ويتوجهوا للاحتماء بالحصن فأدخلهم أهل الحصن ولما جاء موسى بخيله فتح هؤلاء لهم الأبواب.



عملة الفاتح الأموي- الأندلس، 714(95هـ)


- وليس في ذلك ما يضير المسلمين فالحرب خدعة وتخطيط ودهاء ولكن ما يستوقفنا هو رضا أولئك النفر أن يكونوا عملاء ضد قومهم وثغرات يؤتى أهلهم من قِبلها، وهذا لا نستغربه على مشرك لا يدين دين الحق ولا أدبته تعاليم الإسلام.
- إنما الغريب المؤلم أن تنتقل هذه الصور إلينا -نحن أهل الإسلام- فيكون منا عملاء ومخبرون على جميع المستويات حتى من أهل الفكر ومدعي الإصلاح يعملون جاهدين على إيجاد ثغرات بيننا وتسهيل مهمة أعدائنا.
- وما كانت إسرائيل -أخزاها الله- لتتمكن من اغتيال العديد من قادة المقاومة إلا بمساعدة عملاء الداخل الذين تبرأت منهم ضمائرهم وخانوا دينهم وقضيتهم.
- وما كان الغرب ليستطيع نشر ثقافة الاستسلام والانحلال والرذيلة ويميت عزيمة الأمة في الجهاد والدعوة لولا أن قام معه رجال من بني جلدتنا باعوه ضائرهم بثمن بخس، فأخذوا دور الأعداء في نشر الفساد لكن بصورة المفكرين والمجددين والمستنيرين.

- إن التحقق بمبدأ الولاء لله والمؤمنين والبراءة ممن يجاهرهم العداء مبدأ سام ومرتبة عظيمة لا تتحقق من غير إعداد وتأهيل بدءاً بتربية الآباء وامتداداً إلى علاقة المسلمين ببعضهم وعلاقة الحاكم بشعبه.

3-ما يذكره بعض الرواة من نهاية مؤلمة لموسى بن نصير وأن الخليفة سليمان بن عبد الملك سجنه وصادر جميع أمواله ثم رؤي يتسول آخر حياته ما هذا إلا تشويه لتاريخ مجيد وسرد لا صحة له ولا سند خصوصاً أن تاريخ الأندلس دخله تحريف كبير من بعض كتاب الغرب الذين لم يلتزموا الأمانة العلمية، ورواية جرجي زيدان عن الأندلس مليئة بتلك الأغاليظ، ولعل حرص الخليفة سليمان أن يكون موسى بن نصير مرافقاً له في حجة يفند كل تلك المزاعم، لكن العجب من بعض الكُتاب العرب الذي يروجون للأوهام والأكاذيب المغرضة.

إن يسمعوا ريبة طاروا لها فرحاًعنه، وماسمعوا من صالح دفنوا!!!


بدأ انتشار العلوم الدينية والعلمية




حملات في الأندلس - حملة موسى وحملة عبد العزيز بن موسى



يتبع






5 
مجدى سالم

الفصل الثالث: عهد الولاة


أولاً: عبد العزيز بن موسى بن نصير:

* عام 95 هـ - 714م:
- قاد الأندلس بعد الفتح عبد العزيز بن موسى، إذ بدأ بفتح من نوع جديد هو الأصل في الفتوحات الإسلامية كما سبق، ألا وهو فتح النفوس، إذ رأى الناس هنا حياة المسلمين في جميع أحوالهم، ضحكهم وحزنهم، أفراحهم وأتراحهم، جَدّهم وهزلهم، ومعاملاتهم وعباداتهم.
- رأوا نمطاً من البشر ما سمعوا عنه، فدخلوا في دين الله أفواجاً ببركة إخلاص هؤلاء الفاتحين، وهم خير القرون بعد قرن الصحابة رضي الله عنهم، وفي مقدمتهم موسى بن نصير إذ ذكرت الروايات: أنه حين كان يأتي نبأ فتح أو نصر من طارق كان يقال عنه للرسول للقادم إنه يصلي ويدعو!.
- هؤلاء جند العقيدة، وهم الجنود الحقيقيون لحمل الإسلام إلى الآخرين، يصفهم أحد مؤرخي الإسبان في هذا الفتح: كأنهم كانوا في نزهة.
- كان الفتح معجزة، ثلاثون ألفاً فقط في ثلاثة سنوات يفتحون إسبانية والبرتغال وجنوب فرنسة، ذللت الصعاب لهم وهانت الأهوال في نفوسهم لأنهم كانوا لا يرجون إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.



عبد العزيز بن موسى بن نصير يقود الفتح في الأندلس


* عدل الإسلام وأثره في الأندلس:
- وكان أعظم ما رآه القوط منهم: إزالة الفوراق الطبقية في الأندلس إذ كانوا يقسمون إلى طبقات: طبقة النبلاء والملوك، فطبقة رجال الدين والجيش، فطبقة كبار المزارعين، فصغارهم، وتأتي طبقة المزارعين في أسفل الدرجات. أصبح ذاك المزارع خلال ثلاث سنوات -وقد أزيل عنه ذاك النظام الجائر الذي قهر الناس من قرون- يمتلك الحق في أن يملك أرضاً أو أي شيء آخر، وله أن يقاضي حاكم البلد إن شعر بظلم أو حَيفْ، ومن حقه أن يتاجر فيبيع ويشتري ما يحب ويشاء.
- وبدأ الناس معظمهم يتعلمون اللغة العربية، ويقلدون المسلمين في الملابس والتحيات والعادات، وهذا من شأن الأمم المغلوبة بتقليد الغالبين، أما نلاحظ هذا لدى الأمم المسلمة بتقليد الأعداء من قوى الغرب الطاغية؟. وما أخذ المسلمون كنيسة من كنائس النصارى هناك إلا شراء أو كانت مهجورة، قارن هذا العدل بما فعله النصارى من الإسبان بعد ثمانية قرون لما أخرجوا المسلمين من الأندلس؟ فما أبقوا مسجداً ولا مسلماً ولا أي رمز من شعائر الإسلام، قال الله تعالى:{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } الإسراء:84.



* عام 95هـ - 714م الوالي الأول عبد العزيز بن موسى بن نصير:
- بدأ هذا العهد بالوالي عبد العزيز بن موسى الذي عينه أبوه قبل أن يعود إلى دمشق وكان رجلاً تقياً قوياً كما كان إدارياً وعسكرياً، نظم أحوال الأندلس، وأتم فتح ما بقي من الجيوب في الشمال الغربي وأخضع كثيراً منها.
- وتزوج أرملة (لذريق) التي أسلمت وتكنت "بأم عاصم"، ومات مقتولاً وهو يصلي في مسجد بإشبيلية في رجب سنة 97 هـ بعد أن دامت ولايته سنة وسبعة أشهر.
- ومن العجيب في كتابة التاريخ وجود من يشوه تاريخ المسلمين قصداً كجرجي زيدان وغيره، إذ يتصيّدون الحوادث ويفسرونها على أهوائهم وأحلامهم، وفي هذا الصدد قالوا: إن أرملة (لذريق) لم تدخل الإسلام، بل إنها أثرّت على زوجها عبد العزيز فتنصر من أجلها ! وما زالت به حتى ألبسته تاجاً كتاج النصارى، فرآه أحد المسلمين فقتله! وجعلته يسكن في كنيسة وما إلى ذلك من الترهات والأحلام.

* ما أحوجنا إلى التوثيق من نقول المستشرقين وتلامذتهم الذين لا يدعون فرصة تفوتهم في تشويه التاريخ الإسلامي وقادته غير آبهين بالأمانة العلمية والتاريخية.



* عهد الولاة: 22 والياً:
- استمر عصر الولاة حوالي اثنين وأربعين سنة، وكان تتمة لعصر الفتوحات من عام 95-138 للهجرة، وتوالي على الولاية اثنان وعشرون والياً، ويتسم هذا العصر بعدم الاستقرار إلى حدّ ما، إلا أنه اتسم بانتشار الإسلام، وبتحسين الحالة الاجتماعية والاقتصادية، وقد سكن الأندلس من أحب من العرب والبربر حسب اختيارهم، وكان معظم الذين بقوا من الجيش الإسلامي في الأندلس غير متزوجين، فتزوج العديد منهم بنساء القوط، فنشأ جيل من هذا الزواج يسميه بعض المؤرخين بالمولّدين، أو المستعرَبين، ومن هؤلاء كان بعض العلماء المشهورين في تاريخ الأندلس.



* عام 97هـ - 716 م الوالي الثاني أيوب اللخمي:
- تولي بعده أيوب بن جيب اللخمي وكان رجلاً صالحاً يؤم الناس لصلاتهم، في رجب 97 للهجرة، ودامت ولايته ستة أشهر ومن أهم الأعمال نقل العاصمة من إشبيلية إلى قرطبة.



* الوالي الثالث الحر الثقفي:
- وأرسل والي إفريقية -وكانت الأندلس زمن الولاية تابعة لولاية إفريقية- يعينّ الحُرّ بن عبد الرحمن الثقفي فدامت ولايته سنتين وثمانية أشهر لم يكن فيها سوى إجراءات تقليدية لإدارة الولاية واستتباب الأمن.
- حكم بلاد المسلمين في هذه الفترة رجل قل أمثاله، أعاد الصورة المشرقة للمنهج الإسلامي: هو الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، فقد عمل خلال خلافته التي دامت سنتين فقط من الأعمال ما لا يستطيع غيره في سنين طويلة لصدقه وإخلاصه، متميزاً بالتقوى وطاعة الله.

* الوالي المسلم الحر الثقفي مثل يحُتذى، لا يجعل لليأس على العزيمة سبيلاً، فرد كعدد أمة في عمل، بنى مجداً وأسس إمارة، وبهمته التي تخاطب كل شاب.







بدأت حركة التجارة منذ بداية الفتح الإسلامي




ثانياً: السمح بن مالك الخولاني:

* عام100هـ - 719م الوالي الرابع السمح الخولاني:
- فأشرف عمر بن عبد العزيز على رعاية الأندلس واختار السمح بن مالك الخولاني، فأرسله من الشام والياً في عام 100 للهجرة، وهو نوع فريد من الرجال يكفي أنه من اصطفاء عمر بن عبد العزيز، وأنه أقام ما أمره الخليفة به من القيام بالحق واتباع العدل والصدق، وأعاد تنظيم البلاد مستقلة عن الشمال الإفريقي خاضعة للخلافة مباشرة، فنشر الأمن وقسم الأندلس إلى كُور (مفردها كورة) والكورة قرية كبيرة تتبعها عدد من المدن والأقاليم، ويتبع المدينة عدد منها، ويتبع القرية عدد من المزارع والأرياف.


تخريمة على الرخام في قرطبة


باب أحد المساجد في إشبيلية



* النهضة الحضارية:
- وأنشأ المدارس والمساجد والموانئ ليصل الناس ببلاد إفريقية، وأنشأ قنطرة قرطبة العظيمة التي لا تزال آثارها باقية إلى اليوم. وجاء من خبر بنائها أنْ كتب السمح إلى عمر بن عبد العزيز: يستشيره ويعلمه أن مدينة قرطبة تهدمت من ناحية غربها، وكان لها جسر يعبر على نهرها ووصفه بحمله وامتناعه من الخوض في الشتاء عامة، فإن أمرني أمير المؤمنين ببنيان سور المدينة فعلت، فإن قبَلَي قوةٌ على ذلك من خراجها بعد عطايا الجند ونفقات الجهاد، وإن أحبّ من صخر ذلك السور بنيت جسرهم، فيقال إن عمر رحمه الله أمره ببنيان القنطرة بصخرة السور، وأن يبني السور باللبن إذ لا يجد له صخراً، فبنى القنطرة في سنة 101 للهجرة، ويفهم من هذا أن الخليفة قدّم الناحية الاقتصادية ببناء القنطرة بالصخر على الناحية العسكرية، إذ بنى السور باللَّبن.



* عام101 هـ - 720 م القنطرة:
- ويكفينا الإدريسي وصفاً حين يصف القنطرة التي بناها السمح بن مالك الخولاني بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز: لقرطبة القنطرة التي علتِ القناطر فخراً في بنائها وإتقانها، وعدد أقواسها سبع عشرة قوساً بين القوس والقوس خمسون شبراً، وسعة القوس مثل ذلك خمسون شبراً، وسعة ظهرها المعبور عليه ثلاثون شبراً، ولها ستائر من كل جهة تستر العامة، وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفاف الماء ثلاثون ذراعاً، وإذا كان السيل يصل الماء منها إلى حلوقها، وتحت القنطرة يعترض الوادي رصيف سدَّ مصنوع من الأحجار القبطية والعمد الجافية من الرخام. وعلى هذا السد ثلاثة بيوت أرحاء، في كل بيت منها أربع مطاحن، ولها أهمية حيث تصل جنوب الأندلس بقرطبة والشمال الإفريقي.

* هذه القنطرة بحد ذاتها نهضة وعمران، سد وطواحين وجسور، هذا ما كان المسلمون يعملون في البلاد التي يدخلونها فتحاً تحت الحكم الإسلامي.
* قارن إن شئت بما يفعله غيرهم في البلاد التي يستعمرونها.



* عام 102 هـ - 721م الإسلام في جنوب فرنسا:
- تحرك السمح وهو صاحب همة عالية في أواخر ذي القعدة عام 102 نحو جنوب فرنسة ليضع حداً للاضطراب هناك ( وأنشأ حكومة إسلامية سميت باسم: حكومة (سَبْتِمانية الإسلامية) وفتح مدينة (طولوشة)، وجرت معارك عديدة بينه وبين دوق (اقيطانية) يسمى (أوديس) الذي فرّ وطلب المدد من شارل مارتل في مدينة (طَرَسْكونة)، فأمده الأخير بالعتاد الوفير والرجال الكثر الذين حاصروا المسلمين عند (طولوشة) حيث قتل السمح ورجاله الأقلة في يوم التروية سنة 102 للهجرة، ولذلك مدلوله العظيم، قال تعالى:{ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ } الأحزاب:23، وكانت مدة إمارته سنتين وشهرين.



* توحيد أوربا:
- وفي هذه الفترة استطاع ملك فرنسة أن يوحد أوربة، وقد أطلق البابا عليه لقب (مارتل) أي: المطرقة، وهو الملك المسمى شارل مارتل، وكان لابد أن يقع الصدام بينه وبين المسلمين.


شارل مارتل ملك فرنسا



* عام 102هـ - 721م الوالي الخامس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي:
- فاجتمع أمر المسلمين على رجل من الجيش مباشرة على تعيينه والياً هو عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي في شهر ذي الحجة عام 102 للهجرة، وهو تابعي جليل يروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، لكنه لم يبق في الولاية إلا شهرين (وهذه ولايته الأولى).


حركة التجارة والعمارة الإسلامية الكبيرة



* عام 103هـ - 722م الوالي السادس عنبسة الكلبي:
- حتى قدم الأندلس عَنْبَسة بن سُحيم الكلبي في صفر 103 للهجرة، أرسله والياً إليها والي إفريقية في تلك الفترة بشر بن صفوان الكلبي.
- فاستمرت ولايته أربع سنوات ونصف وهي فترة طويلة إن قورنت بحكم الولاة في تلك الفترة، فأكمل خطة السمح بالاستقرار في بلاد الأندلس،والهجوم على الروم وجهادهم، وكان تقياً ورعاً وإدارياً ومجاهداً أميناً.


- 30 كم عن باريس:
- فسار من الأندلس حتى وصل إلى (سبتمانية) متجهاً إلى شرقي فرنسا ثم شماليها وقضى على قوة أوديس (دوق أقيطانية)، ثم مال غرباً حتى وصل مدينة (سانس) التي تبعد عن باريس 30كم فقط، ولم يصل من المسلمين أحد حتى هذا التاريخ في غزوة إلى مكان قريب مثله من باريس، فطار صواب (شارل مارتل) وكاد يفقد رشده، فجمع حوالي أربعمائة ألف مقاتل، هاجموا جيش عنبسة وحاصروه وهدّوه بالمطارق فمات شهيداً هو وبعض أصحابه رحمهم الله تعالى أجمعين، وذلك في شعبان 107 هـ.



* عام 107هـ - 726م الوالي السابع عذرة الفهري:
- وتولى من بعده عذرة بن عبد الله الفهري في شعبان 107 للهجرة، ولم يبق إلا شهرين فقط في ولايته، وكان من الصلحاء الفرسان الذي رافقوا عنبسه.



* عام 107هـ - 726م الوالي الثامن يحيى الكلبي:
- حتى جاء الوالي الجديد المعين يحيى بن سلمة الكلبي في شوال 107 للهجرة والذي دام حكمه سنتين ونصف.



* عام 110هـ 729م الوالي التاسع حذيفة القيسي:
- ثم أرسل حذيفةُ القيسي في ربيع الأول عام 110 للهجرة وكانت ولايته ستة أشهر.



* عام 110هـ 729م الوالي العاشر عثمان الخثعمي:
- وولي من بعده عثمان بن أبي نِسعة الخثعمي في شعبان 110 للهجرة وولايته خمسة أشهر.



* عام 111هـ - 730م الوالي الحادي عشر الهيثم الكلابي:
- ثم جاء الهيثم بن عدي الكلابي من قبل والي إفريقية، والذي استمرت ولايته عشرة أشهر، فقد كان متعصباً للقيسية، يريدها قبَلية لزعامة عروق جاهلية، جعل الحجاجَ رائده في معاملة الناس، فكان يأخذهم بالقوة، ويرد بالقمع على الحوار، فساءت سياسته في القيروان وفي الشمال الإفريقي مما أدى إلى ثورة البربر في المغرب، وكان واليه على الأندلس الهيثم مثله يتبع السياسة السئية نفسها، إلا أنه كان صاحب جهاد أيضاً، فبدأ باستئناف الفتوحات حتى وصل إلى بلدة (مقوشة) ففتحها، وقد تكون هذه مدينة ماسون الفرنسية.
- وثار الناس يطلبون عزلة نتيجة القسوة والأخذ بالشدة، فعزل.



* عام 111هـ - 730م الوالي الثاني عشر محمد الأشجعي:
- وجاء من بعده محمد بن عبد الله الأشجعي سنة 111 للهجرة، وكان ضعيفاً ما استطاع أن يفعل شيئاً ولم تدم ولايته إلا شهرين.

* ويلاحظ هنا التغيير السريع للولاة، وهذا يعني أن الحضارة تتوقف، ويلف الناسَ الركون والدعة، كذلك تتوقف الفتوحات لهذه التحولات السريعة، وتضطرب الأمور والأحوال، فالاستقرار السياسي مهم لأي نهضة حضارية.



يتبع





Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.