العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
عمرو شعبان


[align=center]
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، عالمٌ جليل ألَّفَ كتاباً أوْدَعَ فيه بعض الفوائِد ، وهذه الفوائِدُ قيِّمَةٌ جداً ، سأخْتارُ لكم في هذه الدروس إن شاء الله تعالى بعضاً من هذه الفوائِد ونعيشُ في معانيها لَعَلَّ الله سبحانه وتعالى ينْفَعُنا بها.
فالفائِدَةُ التي رُقِّمَت بالتاسَعة عشرة يقول فيها مُؤَلِّفُ الكتاب : من أعْجَب الأشْياء أنْ تعرِفَهُ ثمَّ لا تُحِبُّه ، يقولون إنَّ في الدنيا عجائِبٌ ، وعجائِبُ الدنيا سبْعٌ لكنّ أعْجَبَ العجائِب ؛ أنْ تعْرِفَ أنَّ الله بِيَدِهِ كُلُّ شيء ، وأنَّهُ رحْمنٌ رحيم ، وأنَّهُ على كُلِّ شيء قدير، وأنَّ الأمر كُلَّهُ راجِعٌ إليه ، وأنَّهُ بِيَدِهِ مقاليدُ السماوات والأرض ، وأنَّ أسْماءَهُ حُسْنى وصِفاتِه فُضْلى ، ومع ذلك لا تُحِبُّه وتُحِبُّ سِواه ؛ هذا من العَجَبِ العُجاب ، من أعْجَب الأشْياء أنْ تعرِفَهُ ثمَّ لا تُحِبُّه ، فالإنسانُ يُحِبُّ الكمال والجمال والنوال ، إنسان إن أعْطاكَ بيْتاً يمتلىءْ قلبك حُباً له - بِصَرْف النظر عن شكْله ، ولو كان دميماً - وذاك إنسان وقف مَوْقِفاً كاملاً ولو لم يُصِبْك من كماله شيء ، مَوْقِفٌ فيه شهامة ومُروءة ورُجولة ومُؤاثرة فإنك تحبه ، وكذا من أوْدَعَ الله فيه مسْحَة من الجمال تُحِبُّهُ أيْضاً فالنَّفْسُ البَشَرِيَّةُ مَفْطورةٌ على حُبِّ الجمال، وحُبِّ الكمال ، وحُبِّ النوال وهي لا تجْتَمِعُ في إنْسان ، لكِنَّها مجْموعَةٌ في الواحد الدَيان ؛ كمال وجمال ونوال . وأنت حَسَنة من حسنات الله تعالى ، وُجودُكَ مِنْحة ، وإمْدادُك بما تحْتاج فضْل ، هِدايَتُك إليه فضْلٌ كبير ، ولكن نحن من ضيقِ أُفقنا نرى الشيء المألوف وهو عظيم ثم ننْساه، هناك زوجة وأولاد في البيت يمْلؤون البيت فرْحَةً ؛ من صَمَّمَهم ، ومن أبْدَعَهُم بهذا الشكْل اللطيف ، وبهذا الشَّكل المُحَبَّب ؟ الله جل جلاله ، أوْدَعَ في طعامك لَذَّة ، من الذي أذاقك إياها ؟ أوْدَعَ في الطعام قُوَّة فمن منَحَكَ إياها ؟ وجعل في الكَوْن أماكن جميلة جداً لِتَسْتَمْتِعَ بها ، فالله جميل وكامل، وستار العُيوب وغفارالذنوب، يُقيل عثرات العاثرين ويقبل توبة التائِبين ، ويتجاوز عن سيِّئات عباده المُصلحين ، فمن أعْجَب الأشياء أنْ تعرفه ولا تُحِبُّه ، إذاً تُحِبُّ من ؟ تحِبُّ مَخْلوقاً دونه ، تُحِبُّ من يفْنى ، تحب من يُقابل الكرم باللؤم ، هناك أُناسٌ كثيرون تُحْسِنُ إليهم الدَّهْر كُلَّهُ ثمَّ يُقابلون إحْسانك بالإساءة ، قال سيدنا عليٌّ كَرَّم وَجْهه : والله ثمَّ والله - مرَّتَين - لَحَفْرُ بئرين بِإبْرَتَين ، وكَنْسُ أرْض الحِجاز بِريشَتَين، ونَقْل بَحْرَين بِمِنْخَلَين ، وغَسْلُ عَبْدَين أسْوَدَين حتى يصيرا أبْيَضَيْن أَهْوَنُ عَلَيَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لِوَفاء دَيْن ! قال تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[النمل : الآية 62]
العلماء قالوا : المُضْطر والمظْلوم مُسْتَثْنيان من شروْط الدعاء لأنّ الله تعالى يُجيبُ المُضْطَر لا بِحَسَبِ حال الداعي بل بِحَسَب حال المَدْعو ؛ رَحْمَتُه تقتضي أنْ يُجيبهُ ، ويُجيب دعاء المظْلوم لا بِحَسَبِ حاله فقد يكون كافِراً بل بِحَسَبِ عَدْلِه سبحانه.
فقال (عليه رحْمةُ الله): من أعْجَب الأشياء أنْ تعرفه ثمَّ لا تُحَبَّهُ ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾

[البقرة الآية 165]
ويا أيها الإخوة الكرام ، والله الذي لا إله إلا هو قَبيحٌ بالإنسان أنْ يُحِبَّ غير الله ، بل مَغْبونٌ من أَحَبَّ غير الله ، لأنَّ الله تعالى أهل التَّقْوى وأهْلُ المَغْفرة ، فهُوَ أهْلٌ أنْ تُفْنِيَ شبابك في سبيله وهو أهْلٌ أنْ تمضي عُمرك في طاعته ، وهو أهل أن تَهَبَهُ قلْبَك ، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[الأنعام : الآية 162]
المؤمن مُحِبٌّ لله بِوَقْتِهِ وماله وجُهْدِه وعِلْمُه وخِبراتُه وطاقاتُه ، قَضِيَّة سيِّدنا عثمان لما جَهَّز جَيْشُ العُسْرة مئة ناقة مُحَمَّلة ، ومئة ناقة أخرى ومئة ناقة ثالثة ؛ جَيْشٌ بِأكْمَلِه ، فقال عليه الصلاة والسلام :" اللهمَّ إني أمْسَيْتُ راضِياً عن عثمان فارْضَ عنه ، وما ضَرَّ عُثْمان ما فعلهُ بعد اليوم ، لماذا ؟! لِوَجْهِ الله . لقد زارني شَخْص مرةً يُجْري دِراسة حوْل بعض عُلماء دِمَشْق - وهو بعيدٌ عن جَوِّ العِلْم الدِّيني - فسَألني عن الدروس وأوْقاتِها فَوَجَدَها كثيرة فقال لي : ماذا تأخذ عليها؟ فقلتُ : لا شيء ! فكأنَّهُ اتَّهَمَني بِعَقْلي ، التعامل بالمِقياس المادي يجعل تعاملك مع الناس صعْب ، أما المؤمن فصَلاتُه ونُسكُه وحياته ومَوْتُه وماله وجُهْدُه وخِبْراته وطاقاته في سبيل الله.
إذاً كما قال عليه رحْمةُ الله : من أعْجَب الأشياء أنْ تعرفه ثمَّ لا تُحَبَّهُ ، ومن أعْجَب الأشياء أيْضاً أنْ تسْمَعَ داعيهِ ثمَّ تتأخَّرُ عن الإجابة قال تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[الأنفال : الآية 24]
أحْياناً يدْعوك الله عن طريق خطيب مسْجِد ، أوعن طريق دَرْس عِلْم أوعن طريق شريط أوعن طريق كتاب ، فالإنسانُ يُدْعى إلى طاعة الله ، وإلى الصُّلْح مع الله ، وإلى التوبة وإلى تعْديل مساره لِيَكن وَفْق منهج الله ، يُنْصح ، فالعجيب أنَّكَ تُدْعى إلى رحْمة الله ، تدعى إلى التوفيق والتأييد والنصْر وإلى سعادة الدارَيْن ولكنَّك لا تسْتجيب ، وأعْجب من هذا أنْ تسْمع داعيهِ يَحُثُّك على طاعَتِه وعلى التوبة والصلح معه ثم لا تستجيب له ، والله تعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[الأنفال : الآية 24]
فالحياة الحقيقية هي حياة معرفة بالله ، أو حياة القلب وطاعته والإقبال عليه وأن تكون في ظِلِّه ، في سَفري مرةً وقع تحت يدي كتابٌ لمُؤلِّف جليل قرأتُ فيه كلمة والله الذي لا إله إلا هو كأنَّها وصلت إلى العظْم ، يقول : لا شُعور أسعد للمرْء من أنْ يرى نفْسه في طاعة الله ، وأتَحَدى من أن يكون هناك شُعور أسْعد من أنْ يسعد الإنسان بطاعة الله ، إذا الإنسان اقْتَرف معْصِيَة يشْعر بِكآبة ووَحْشة وضيقٍ ويُعْصر قلبه ، أما إذا كان في طاعة الله فإنَّهُ يشعر وكأنه في ظِلِّ الله .
قال : وأنْ تسْمع داعيهِ ثمَّ تتأخَّر عن الإجابة ؛ فهذا شيءٌ عجيب أنْ تعرفه ثمَّ لا تُحَبَّهُ ، ومن أعْجَب الأشياء أيْضاً أنْ تسْمَعَ داعيهِ ثمَّ تتأخَّرُ عن الإجابة ، وأن تعرف قدْر الرِّبْح في مُعامَلَتِه ، تضعُ مالك بِجِهَة يقولون لك ربحنا ثمانية عشرة بالمئة ، فإذا ضَحْكَتُك ملْء فمك حتى بدت جميع نواجذك ، وأحياناً ثمانية وعشرون ، قال : وأن تعرف قدْر الرِّبْح في مُعامَلَتِه ثمَّ تُعامل غيره ، فالله تعالى خلقنا لِنَرْبح عليه ، سنوات معدودة تضبط لسانك وتغضّ بصرك ولك جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض ، لا عطاءَ يُقابل عطاء الله ، الواحد يُقابل ألف ملْيار ، بل أكثر، فَهُوَ أَعْطاك الأبد ، أَطَعْتَهُ مُدَّةً محْدودة ، ومنَحَك الأبد ، هكذا يُعامل الله عباده ، قال وأن تعرف قدْر الرِّبْح في مُعامَلَتِه ثم تعامل غيره ، وأقول لكم مرَّةً ثانية وثالثة ورابعة : حينما تكون لِغَيْر الله تَحْتَقِرُ ذاتك ، هل يُمكن أنْ تشْتري حاسوباً ثمنه ثلاثون مليوناً يُؤدي وظيفة مُعَيَّنة أفتسْتخدمهُ طاولة؟ وهل يمكن أن تسْتعمل آلة في المطبخ لِجَمْع القُمامة وهي من ذَهَبٍ خالص ؟! فالإنسان خُلِقَ لِطاعة الله ومعْرِفَتِه ، الماء للأرض والأرض للنبات والنبات للحيوان ، والحيوان للإنسان ، والإنسان لِمَن ؟! للواحد الدَيان ، لذلك لا يليق بك أنْ تكون لِغَيْر الله ، أحْياناً يكون إنسانٌ ما مَحْسوباً على إنْسانٍ آخر ، هذا الذي أنت مَحْسوبٌ عليه ضعيفٌ مثلك ويخاف مثلك ، وفقير مثلك، وقد يكون لئيماً ، سمِعْتُ مرَّةً عالماً جليلاً أحْسِبُه كذلك - وهو من بلد إسلامي آخر - أُصيب بِمَرض فذَهَب إلى بلد أجْنبي للمُعالجَة فجاءَت هواتف بِعَدد غير معْقول ؛ برْقيات وفاكْسات وكانت هناك إذاعة لَفَتَ نَظَرَها هذا الشأن الكبير لهذا العالم ؟! فأجْرَوا معه مُقابلة : وقالوا له لمَ أنت بِهذه المكانة الكبيرة جداً ، إذْ ما تَمَتَّعَ بها ملِك ! فأجاب إجابَةً رائِعَة فقال : لأنَّني مَحْسوبٌ على الله ، وهذه العبارة فيها أدَب إذْ إِنَّهُ ليس أهْلاً ولكن مَحْسوبٌ على الله ، فأنت كإنسان مؤمن مَحْسوبٌ على الله لذلك قال تعالى :

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[الإنسان : الآية 9]
المؤمن عجيبٌ حالهُ يشْتغل عشرين ساعة لِوَجْه الله بِلا مُقابل ، ويتمنى أنْ يرضى الله عنه :

فَلَيْتَكَ تَحْلو والحيــاةُ مريرةٌ ولَيْتَك تَرْضى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بينك وبيني عامـر ٌ وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صَحَّ منك الوصْل فالكُلُّ هَيِّنٌ وكُلُّ الذي فوق التراب تراب

لا يكْفي أنْ يكون الدِّين فِكْر ومنْطق وعقيدة سليمة ؛ الدِّينُ حُبٌّ ومشاعر وإخلاص في أنْ تُحِبَّ الله، والله أثبَتَ هذا في كتابه فقال تعالى :
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[المائدة : الآية 54]
فالحُبّ من علامة الإيمان ، قال وأن تعرف قدْر الرِّبْح في مُعامَلَتِه ثمَّ تعاملُ غيره ، الرِّبْحُ معه كبير جداً ، قد تؤثر الآخرة على الدنيا فَيُعْطيك الدنيا والآخرة ، والعجيب مع الله تعالى أنَّك تؤاثره على شيء فَيُعْطيك رِضاه وتجَلِّيه ورحْمته وهذا الشيء أيضاً ، من أحَبَّنا أحْببْناه ومن اكْتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا ، أوَّل نقطة أنْ تعرفه ثمَّ لا تُحِبَّهُ ، وثاني نُقطة أنْ تسْمع داعيهِ ثمَّ تتأخَّر عن الإجابة ، دعاك إلى بيتِهِ للصلاة ، أنا أرى أنَّ الذين يأتون إلى بُيوت الله لا يأتون إلى أشْخاص مُعَيَّنين ، إنما يأتون إلى الله ، أنت تأتي بيْتَ الله ولِتَنالكَ رحْمَتُه ، إنَّ بُيوتي في الأرض المساجد وإنَّ زُوارها هم عُمَّارُها ، فَطوبى لِعَبْدٍ تطَهَّر في بيْتِهِ ثمَّ زارني ، وحُقَّ على المزور أنْ يُكْرم الزائِر ، إخْوَةٌ كثيرون حَدَّثوني أنَّهُ لم يبْق من الدرس إلا ربْعَ ساعة ويقول سآتي إلى الدرْس، فيصلُ مع قولي ؛ والحمد لله ربّ العالمين ، ومع أنَّهُ جاء مُتأخِّراً تُصيبُهُ رَحْمةُ الله ولو لم يسْمع الدرْس لأنَّهُ دخل بيت الله . إذا دخل الإنسان إلى بيْتك فمُسْتحيل ألّا تضيّفَهُ ، ولو سُكَّرة، فإذا دَخَلْتَ بيْت الله وصَلَّيْت فيه مُسْتحيل ألّا يتجلى الله على قلْبك ، تَحُسُّ بالراحة ، وهناك نقْطة أُحِبُّ أنْ أقولها لكم وهي : أنَّ الإنسان إذا حضر مجْلس العِلْم غير سماع العِلْم ، وهي أنْ يُغني هذا المجْلس بوجوده فلا بدّ من أن تساهم في المؤازرة وتكثير سواد المُسْلمين ، ففي الدرْس قد تأتيك رحْمةُ الله، ولا يسْتلزم أن تتعلَّم شيئاً جديداً دائِماً ، ولا تقلْ إنَّ فلاناً وفلاناً ما حضروا ، ويأتيك التَّوْفيق في المسْجد ، هم في مساجدهم والله في حوائِجِهم ، فالإنسان يأنس بِإخوانه فإذا كان الكُلُّ موْجودين يستأنسون ببَعْضِهِم بعْضاً .
ثمَّ قال : والأعْجب من هذا أنْ تذوق ألَمَ الوَحْشة في معْصيتِه ، هذا الكلام مُوَجَّه للذي يتعامل مع الله ، وله صِلَة بالله ، هذه الصِّلة تزْداد أو تنْقص وتشْتدّ أو تضْعُف فالذي على صِلَة بالله يفْهم هذا الكلام ، لا يوجد إنسان يؤثر شيئاً من الدنيا إلا ويشْعُر بِأَلَمِ الوَحْشة ، لقد ذَهَبْتُ إلى بلادٍ فيها كُلُّ ما تشتهي ولكنك لا تجد فيها السعادة ، لأنَّ القرب منه منعدِم ؛ تجد غابات وبلاد خضْراء وغنِيَّة جداً ، وقد تجد إنساناً مُقيماً في كوخ ، وبِدَخْلٍ محْدود وهو أسْعد الناس لأنَّهُ موصول بالله ، قد يحْجُبُ عنك الدنيا ويتجَلى على قلْبك فإذا بك أسعدهم ، وقد يُعْطيك الدنيا كُلَّها ويحْجُبُ عنك رحْمته فأنت أشْقى الناس فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يسْأل رحمته تعالى ويقول : فلا تكِلني إلى نفسي طرْفة عين .
قال : وأنْ تذوق ألَمَ الوَحْشة في معْصيتِه ثمَّ لا تطْلب الأُنس بِطاعَتِه ، قلبُك دليلك فحين تعْصيه تشْعر بِضيقٍ ، يقول لك شخص أحْياناً : والله في قلْبي ضِيق لو وُزِّع على أهْلِ بلدٍ لَكَفاهُم ، والطريق سالك ، كيف تذوق أَلَمَ الوَحْشَة في معْصِيَته ثمَّ لا تطْلُب الأُنْس بِطاعَتِه ؟ وكيف تعرف قدْر الرِّبْح في مُعامَلَتِه ثمَّ تُعامِلُ غيره ؟ كيف تعرِفُ قدْر غَضَبِه ثمَّ تتعَرَّضُ له ؟ كُلُّ كلمة تُكْتبُ بِماء الذَّهَب ، قال : من أعْجَب الأشياء أنْ تعرفه ثمَّ لا تُحَبَّهُ ، وأنْ تسْمَعَ داعيهِ ثمَّ تتأخَّرُ عن الإجابة ، وأن تعرف قدر الرِّبْح في مُعامَلَتِه ثمَّ تُعامِلَ غيره ، وأن تعرف قدْر غضَبِه ثمَّ تتعرَّضُ له ، وأن تذوق أَلَم الوحْشة في معْصِيَّتِه ثمَّ لا تطلب الأُنْس بِطاعتِه ، وأن تذوق عَصْرة القلب عند الخَوْض في حديث غير حديثه ؛ هذا شيء واضِح أنَّك إذا تَحَدَّثْت في مَجْلس عن الدنيا وعن أسْعار العُمْلات ، وعن أنواع السيارات ، وأسْعار البُيوت تَحُسُّ بالضِّيق وعصْرة القلب ، لأنَّ الحـديث عن غيرهِ مُمْقِت قال عليه الصلاة والسلام :


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُم *

[ رواه الترمذي ]
أحْياناً يسمر الإنسان مع أصْدِقائِه ، فإذا بالسَّهْرة تنْتهي وبَدَنُه مُكَسَّر ! فالحديث كُلُّه كان عن الدنيا.
قال : وأن تذوق عَصْرة القلب عند الخَوْض في حديث غير حديثه ، ثمَّ لا تشْتاق إلى انْشِراح الصَّدْر بِذِكْرِهِ ومُناجاتِه ؛ هذه أيْضاً من عجائِب الدنيا لذلك المؤمن حديثه عن الله دائِماً ، ولا يُسْعِدُهُ إلا الحديث عن الله عز وجل ، ولا يُسْعِدُهُ إلا ذِكْر الله وما والاه .
قال : وأن تذوق العذاب عند تَعَلُّق القلب بِغَيْر الله ، إذا تَعَلَّقْتَ بِغَيْر الله وَجَدْتَ وَحْشَةً ، والإنسان ضعيف ، قد يكون أحْياناً مُتألِّقاً فإذا أقْبَلْتَ على الله شَعَرْتَ بِسَعادة ، وقد يكون غافِلاً وفاتراً فتأتيه مُقْبلا فلا شيء عنده ، أما إذا كنت مع المؤمنين الصادقين فالأمر خِلاف هذا ، والمؤمن الصادِق من ميِّزاته ، لا يُصاحب إلا من هو أعْلى منه ، لا تُصاحب من لا يُنْهِضُكَ حاله ولا يَدُلُّك على الله مقالُه .
قال : وأن تذوق العذاب عند تَعَلُّق القلب بِغَيْره ثمَّ لا تهرب منه إلى نعيم الإقْبال عليه ، سَنَجْمَعُهُنَّ بِكَلمات موجَزة ؛ يجبُ أنْ تُحِبَّهُ وأنْ تسْتجيب إلى داعيهِ وأنْ تُعامِلَهُ ، وألّا تتعَرَّض لِغَضَبِه ، وأنْ تطلبَ الأُنْس بِطاعَتِه وأن تتحَدَّثَ عنه دائِماً ، وأنْ تبحَث عن انْشراح صدْرك بالإقْبال عليه ومُناجاته، وأن تهرب إلى نعيم الإقْبال عليه ، هذا هو مُلَخَّص هذه الكلمات وأعْجَبُ من هذا كُلِّه : عِلْمُكَ أنَّهُ لا بدّ لك منه ، وأنَّكَ أحْوَجُ شيءٍ إليه وأنت عنه مُعْرض وفيما يُبْعِدُك عنه راغِب ؛ ليس لك إلا الله ، والله حَدَّثني البارحة إنسانٌ من بلد بعيد فقال لي : إنَّني في المُستشْفى ، وقد لا أخرج منه ، أوصيك بابني خيراً ، وصار يبْكي على الهاتف ، وهو بِبَلَد أجنبي أصابتْهُ أزْمَة قَلْبِيَّة ، ليس له إلا رحْمة الله ، والله إنه إنسانٌ صالح أعرفُهُ ولا أُزَكي على الله أحداً وأنا أُحِبُّه ، من منا يمْلك ساعة قادِمَة ؟! أتمنى على الإنسان أن يعْرف الله وهو في صِحَّة وقوّة وعافية ويُقْبل عليه ويَخْدُم عباده ، أما عند المرض فالكُلُّ يبْكي ، لكن البُطولة وأنت في الرَّخاء ، أكثر شيءٍ لَفَت نظري قَوْلُ سيدنا عَلِيٍّ : والله لو علمت أنّ غداً أجَلي ما قَدَرْتُ أن أزيد في عَمَلي، وكان يقول أيْضاً والله لو كُشِف الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً.
قال : أعْجَبُ من هذا كُلِّه عِلْمُكَ أنَّك لا بد لك منه ، وأنت أحْوَجُ شيءٍ إليه وأنت عنه مُعْرض وفيما يُبْعِدُكَ عنه راغِب .
أحْياناً الإنسانُ يُحِبُّ أن يصِل إلى مَوْضوعاتٍ دقيقة في علاقته مع الله ، هناك كلامٌ سطحي للعَوَام ، أما الإنْسانٌ المُلْتَزِمٌ بالمَسْجد من خَمْسَ عشرة سنة مثلاً فعلاقته بربه متميزة ، هناك مَوْضوعاتٍ دقيقة في علاقتك مع الله يجب أن تضع يدك عليها ؛ من هذه الموضوعات
قال: من فَقَدَ أُنْسَهُ بين الناس ، ووَجَدَهُ في الوحْدة فَهُوَ صادِقٌ ضعيف فإذا كان يصلي وَحْده بكى، وإذا قرأ القرآن تأثَّر تأثُّراً شديداً ، وإذا ذكر الله يتألَّق أما مع الناس فله حال آخر ! فَهُوَ صادِقٌ ضعيف .
قال : ومن وَجَدهُ بين الناس وفَقَدَهُ في الخَلْوة فَهُوَ مَعْلول - هذه مُشْكلة - بين الناس يتألَّق ويأنَسُ، أما في حال الخَلْوة لا يشْعر بِشَيْء ، قرأ القرآن فلم يتأثَّر ، وذكر الله فلم يشعر بِشَيْء، فهذا لَدَيْه عِلَّة ، وإذا كان الإنسان مع الناس لا يسْتطيع أن يتكَلَّم كلمة واحدة ، لكن في خَلْوَتِهِ يتأثَّر ، فهذا جيِّد ولكن ضعيف ، هذا الأُنْس من فَقَدَهُ بين الناس ، وفقده في الخَلْوَة معاً فهو ميِّتٌ مطْرود والله عز وجل قال :

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾

[النحل : الآية 21]
ومن وَجَدَهُ في الخلوة والناس معاً فَهُوَ المُحِبُّ الصادِقُ القَوِيّ ، فالذي في خَلْوَتِهِ له صِلَة بالله ويتأثَّر و له مشاعر عالية وكذا بين الناس يتألَّق فهذه حالةٌ عالِيَة جداً ، فهذا قَوِيٌّ ومُخْلِص ومَوْصولٌ بالله عز وجل ، هذه أعْلى حالة ، فَصار لدينا أربع حالات : من فقَدَ الأنْس بين الناس ووجَدَهُ في الوَحْدة فهو صادِقٌ ضعيف ومن وَجَدهُ بين الناس وفَقَدَهُ في الخَلْوة فَهُوَ مَعْلول ، ومن فقَدَهُ بين الناس وفي الخَلْوة معاً فَهُوَ ميِّتٌ مَطْرود ، ومن وَجَدَهُ في الخَلْوة والناس معاً فَهُوَ المُحِبُّ الصادق القوِيُّ في حاله ، ومن كان فَتْحُهُ في الخَلْوة لم يكن مزيدُهُ إلا منها ، فإذا كان فَتْحُهُ وإشْراقاتُهُ وتألُّقُهُ في الخَلْوة ، إنْ أراد الزِّيادة فَعَلَيْه بالخَلْوة ، فالذي فُتِحَ عليه بين الناس فَمَزيدُ الفَتْح بين الناس ، والذي فَتَحَ عليه في الخَلْوة فَمَزيدُ الفَتْح في الخَلْوة ، أين صار التألُّق ؟ أردْتَ الزِّيادة فَعَلَيْكَ بِمظانِّها ، هناك من يتألَّق بين المؤمنين ويجود ويتكلَّم بكلام طيِّب فإذا أراد المزيد فعَلَيْه أن يكون بين الناس هكذا دائِماً ، أما هناك إنسان بلغ من الأدب مع الله درجة أنَّهُ لا يرْضى إلا بما أراده الله له ، يجب أنْ تُحِبَّ مُراد الله فيك ، هناك من أقامه بالعِلم وهناك من أقامه بالدَّعْوة ، وآخر أقامه بالعمل الصالح ؛ هذه أبواب إلى الله تعالى كثيرة جداً ، تجد أحْياناً إخوة لهم خَدَمات تفوق حدّ الخيال ، لكن الدرْس لا يقدر على متابعته وليس له قُوَّة الإدْراك لِفَهْم دقائِق الدرْس ، فهذا لا يقِلّ عن أكبر واحد مهتَمّ بالدرْس ، فهؤلاء كُلُّهم عباده ، وكلّ واحد يُقَرِّبُه من زاوية ، فهذا بِماله وذاك بِعِلْمِه وذاك بِذكائِه والآخر بِجاهِه ، فالطرائِق إلى الخلالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق .
قال : ومن كان فَتْحُهُ في وُقوفه مع مراد الله حيْث أقامه ، أيْ أقامِكَ مُتَفَرِّغاً أو أقامَكَ غير مُتَفَرِّغ، مثلاً أقامَكَ بِلا أوْلاد ؛ فهذا مُرادُ الله ، أحد إخْواننا جاءَهُ مَوْلود بِعَمَلِيَّة وِلادة صَعْبة فتأذى هذا المَوْلود بِدِماغِهِ فصار عنده حالة اضْطِراب كُلّ دقيقتَيْن ، فأوَّل طبيب قال : هذه أذية ثابتة ومُتنامِيَة وهذا الطِّفْل مصيرُهُ أعْمى أو مَشْلول أو مَجْنون ، وكذا الطبيب الثاني والثالث فأبوهُ رَكِبَهُ الهَمّ وقال : والله أتمنى لو وُلد ميِّتاً ، فَمَرَّةً كان مُنْقَبِض الصدْر بهذا الكلام فألْهَمني الله كلمَةً قُلْتُها له : الذي تُحِبُّهُ هو الله وهذه هي إرادَتُه ألا تَحْتَرِمُها ؟! أحْياناً المؤمن يصِل إلى حالة مع الله يحْترم إرادة الله عز وجل ، هذه مشيئة الله ، سبحان الله بعد شَهْر اِلْتَقَيْنا بِطَبيب فقال هناك مجال للشِّفاء إن شاء الله وكُنتُ مع والد الطفل ، طلب تَصويراً وتحْليلاً وأعْطاهُ أدْوِيَة وبعد فَتْرة كأنّ لم شيئاً يكن ، وهو الآن بالأزْهر يدْرس فأنت ما عليك إلا الرِّضى والله بِيَدِهِ الخير وهو على كُلُّ شيء قدير.
قال : ومن كان فَتْحُهُ في وُقوفه مع مراد الله حيْث أقامه ، وفي أيِّ شيءٍ استَعْملهُ كان مزيدُه في خلْوته ومع الناس ، المُهِمّ أن ترضى بما أقامك الله به ، لكن أنصحُ كُلَّ أخٍ إذا أقامه الله بالحقّ ، وأقامه في الدَّعْوة والعمل الصالح أن يشْكر الله ، فإذا أردْتَ أن تعرف مقامك فانْظر إلى ما اسْتَعْمَلَك فيه .
إنسان بنى مسْجداً وافْتَتَحَهُ ، وآخر بنى مَلْهى وافْتَتَحَهُ ، إنسان يُعَيّن إماماً وآخر يعين راقِصَاً أو مهرجاً ، دائِماً انظر كيف اسْتَعْمَلَك الله ، والدعاء الشريف اللهم ارْزُقني طيِّبا واسْتَعْملني صالحاً .
قال : أشْرف الأحْوال ألّا تخْتار لِنفسك حالةً سِوى ما يخْتارُه لك الله عز وجل ، هناك من إذا مات ابنه نقم على الله ، أعرف رجُلاً داومَ بالمساجد عشرين سنة ، له ابن تُوُفي فإذا به ترك الصلاة ، فهذا نبيُّنا وقد مات ابنه ابراهيم فقال :

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّه عَنْه وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ*

[ رواه البخاري ]
هذا هو الموقف النبوي الشريف فأشْرف الأحْوال ألّا تخْتار لِنفسك حالةً سِوى ما يخْتارُه لك الله عز وجل فَكُن مع مُرادِهِ منك ، ولا تكن مع مُرادك منه ، (فإذا سَلَّمْتَ لي فيما أُريد كَفَيْتُكَ ما تريد، وإنْ لم تُسَلّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تُريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد) أرْوَعُ شيء بالإسلام هذا الاسْتِسْلام لله عز وجل ، مرَّةً قال لنا أستاذ بالجامعة في كُلِيَّة الترْبِيَة وقد حضر مؤتمرَ طِبٍّ نفْسي في أوروبا: قال بِبَساطةٍ ليس عندنا أمْراض نفْسِيَّة بالمعنى الوبائي وذلك بِسَبب الإيمان ، فالإنسان المسلم يؤمن أنَّ الله عز وجل هو الذي اخْتار له هذا ، وهو راضٍ عن الله ، قال له : يا رب هل أنت راضٍ عنِّي ؟ وكان وراءهُ الإمام الشافِعي فقال له : وهل أنت راضٍ عنه حتى يرْضى عنك ، فقال له يا سبحان الله من أنت ؟! فقال : أنا محمّد بن إدْريس ، فقال له : كيف أرْضى عنه وأنا أتمنى رِضاه؟ قال له إذا كان سُرورك بالنِّقْمة كَسُرورك بالنِّعْمة فقد رضيتَ عن الله ، فالبُطولة أنْ ترْضى بِمَكْروه القضاء أما أنْ ترضى بِمَيْسور القضاء ، فأنت لا تحْتاج إلى بُطولة فإذا كان الإنسانُ غَنِياً وقال لك: الله مُيَسِّرُها ، فقد لا يكون له جزء من الإيمان ! فالبطولة أْن ترْضى عن الله وأنت في مُشْكلة ، لأنَّ هذه المُشْكلة امْتِحانٌ لك ، ولا أحد يُجَرِّب السيارة بالنزول ، ولكن بالطلوع . والحُزْن خلاق أمااللذائذ فلا تصْنعُ بَطَلاً ، أما الحُزْن فَيَصْنَعُها قال : كن مع مٌراده منك ، ولا تكن مع مُرادك منه.
أيها الإخوة ، آخر موضوع ، قال : ما أخذ العَبْدُ ما حُرِّمَ عليه إلا من جِهَتَيْن ، وهذه فلْسَفَةُ المعْصِيَة ، الإنسان متى يعْصي الله ؟ كيف يُقَصِّر في بعض الواجبات ؟ كيف يأخذ ما ليس له ؟ قال : ما أخذ العَبْدُ ما حُرِّمَ عليه إلا من جِهَتَيْن ؛ إحداهما : سوء ظَنِّهِ بِرَبِّه ، وأنَّهُ لو أطاعه وآثره لم يُعْطِهِ خيراً مما تركه ، يتوَهَّم أنَّ سعادَتَهُ بِهذه المعْصِيَة ولو أطاع الله لم يكن سعيداً وهذا هو مُنتهى الجهْل وهو أنَّك تتوهَّم أنَّك تخْسر بالطاعة وترْبحُ بالمعْصِيَة فالإنسان الجاهل يظنُّ أنَّهُ إذا غضَّ بصره ينْحرم بالتمتُّع بِمَنْظر الحَسْناوات ، والذي يُطلق بصره أكثر اسْتِمْتاعاً منه ، مع أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا *

[ رواه أحمد ]
قلتُ لأخٍ منذ يومين كُلُّ من غضَّ بصره عن امرأة لا تَحِلُّ له يكون مثل من وضع ليرة ذهب في صُندوق ، ثم تفتحُ هذا الصندوق يوم زواجِك ، فالله تعالى يُعَوِّضُكَ أضْعافاً مُضاعَفَة ، إنسان يضْبط نفْسه قبل الزواج هل يستوي مع من أطلق بصره قبل الزواج ؟ أنا أقول كلمات أرْجو أنْ تكون واضِحَة لديكم ، هل يسْتوي الذي يغُضُّ بصره مع الذي يُطلقُهُ ؟ هل يستوي الصادق مع الكاذب ، والمُحْسِن مع المُسيء ، والورِع مع المُتَفَلِّت أو المُنْصِف مع الظالم ، والمُستقيم مع المُنْحرف ؟ هل يستوي هذان النموذجان؟ هذا لا يتناقض مع عدالة الله بل يتناقض مع وُجوده ، إذا كنت مؤمناً به تعالى لن يكون الذين اجترح السيِّئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، مُستحيل أنْ تُطيعَهُ وتخْسر وأن تعْصِيَهُ وترْبح ، فقد تُسْتَدْرج فالعاصي يصْعد صُعوداً حاداً ثمَّ يسْقط سقوطاً مُريعاً ، أما المؤمن فَيَصْعد صُعوداً مُسْتَمِراً ، قال تعالى :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)

[التوبة الآية 51]
ذكر لي أحد الإخوة الكرام وكان أبوهُ عالِماً جليلاً توفي رحمه الله : قال قبل وفاتِهِ بِأيامٍ كان يتكلَّم وَحْده بالليل ، فَخِفْتُ أنْ يكون قد حدث معه شيء بِعَقْلِه ! فقال له : قد ألَّفْتَ يا أبي كتاباً موضوعه كذا فأكْمل له أبوه ما تبقى والموضوع كذا فأتَمَّهُ ، بعدما انتهى قال له : إنَّ أباك بِخَيْر يا ابني - وهذا من شِدَّة ذكائِهِ - يمكن أنَّهُ رأى بعض الملائِكَة ، فالإنسان قبل وفاتِهِ لِكرامَتِهِ عند الله يُلْقي في روعِهِ أنَّ اللِّقاء قد اقْتَرَب ، وتأتيه الملائِكَة بأحبِّ الناس إليه فقال له يا ابني الذي يُعَلِّمُ العِلْم يحْفَظُهُ الله ، وأكبر كرامة للإنسان أنَّهُ إذا أمْضى شبابه بِطاعة الله يكون له خريف عُمر مُتألِّق جداً. وكذلك والله حَدَّثني أحدهم عن أحد علماء دمَشق رحمهم الله : كان عمرهُ يُناهز التسعين ولا يزال مُتألِّقاً ، اشْترى قبراً قبل خمس سنين من وفاته ، وكُلّ خميس كان يأتي إلى هذا القبر لعلمِهِ أن هذا بيتُهُ الأخير!
وسمِعْتُ عن رجُلٍ صالح تُوُفي قبل أيام ، قبل أسبوعَين نزل بِقَبْره ، وجمع عظام والدِه، ومدَّ في القبر رمل مزار وقال : هكذا أرْيَحُ لي ، ثمَّ بعد أسبوعَين تُوُفي! هذا القبْر مصير كُلِّ إنسان ويغْدو رَوْضة من رِياض الجنَّة بالعمل الصالح ، والعِبْرة أنْ تُقَدِّم شيئاً لله كي تكون لك الراحة النَّفْسِيَّة ، والقبر صُندوق العمل.
أوَّلُ سبب للمعصية أن تسيء الظنّ بِرَبِّك ، وتعتقد أنَّك إنْ أطَعْتَهُ وآثرتهُ على غيره خَسِرْتَ والأمر الثاني أنْ تكون عالِماً بذلك ولكن تغْلب شَهْوَتَك صَبْرك ، وهواك عقْلك ، فالأوَّل من ضَعْف عِلْمه والثاني من ضعْف صَبره ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عَوَّضَهُ الله خيراً منه في دينه ودُنْياه ، أي أنّ كُلّ إنسان صَبَر عن الحرام منَحَهُ الله الحلال ، وقال بعض العلماء في نهاية المطاف : إذا اجْتَمَع قلبُك على الله ، وقَوِيَ رجاؤُك فيه فلا يكادُ يُرَدُّ دُعاؤُك ، ومن كرامة المؤمن على الله أن يكون مُسْتجاب الدَّعْوة .
والحمد لله رب العالمين [/align]


2 
عمرو شعبان

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ، لازلنا مع بعض الفوائِد التي أدْرجَها بعض العلماء الأجِلاء في كتاب عَنْوَنَهُ بِكَلِمَة الفوائِد .
يقول هذا العالم الجليل : للعَبْد سَتْرٌ بينه وبين الله ، وسَتْرٌ بينه وبين الناس ، الله عز وجل من أسمائِه الستار ، فهو يسْتُر ، مثلاً : لك سُمْعَة طيِّبَة فالله تعالى يحْفظها ، ولن تُخْدَش، ثمَّ قال : فَمَن خرق السَّتْر الذي بينه وبين الله خرق الله له السَّتْر الذي بينه وبين الناس ، هذا الكلام يقودنا إلى حقيقة ، وهو أنَّ للعَبْد علاقتان ؛ علاقة مع الله ، وعلاقة مع عِباد الله ، وأصْل الدِّين كما قال تعالى :

﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾
[سورة مريم]
فالصلاة اتِّصال بالخالق ، والزكاة إحْسان للمَخْلوق ، فأنت بين علاقَتَيْن علاقة بينك وبين الله، وعلاقة بينك وبين عباد الله ، دَقِّق أيها الأخ الكريم ؛ إنْ صَحَّت علاقتك مع الله سَلِمَت ونَمَتْ علاقتك مع الناس ، قال تعالى : (وألْقَيْت عليك محبَّةً مِنِّي ) فإذا أحَبَّك الله أحَبَّك الناس ، لأنَّ الله جلَّ جلاله بقُدْرَتِه وحِكْمته يُلْقي مَحَبَّتَك في قلوب الخلْق ، إن صَحَّتْ علاقتك به ، وإنْ خَرَقْتَ السَّتْر الذي بينك وبين الله تعالى خرق الله لك الستْر الذي بينك وبين الناس ، أحد أصْحاب النبي وهو سيّدنا كعْب بن مالك رضي الله عنه تَخَلَّفَ عن رسول الله في بعض الغزوات ، فلما عاد النبي عليه الصلاة والسلام ، حَدَّث نفْسه : ماذا يقول له ؟ قال : والله لئِنْ أرْضَيْتُهُ بِلِساني لَيوشِكَنَّ الله تعالى أن يُسَخِّطَهُ عليّ ، قال : فأجْمَعْتُ صدْقاً ، فما كان من النبي إلا أنْ رتَّبَ له ترْتيباً بِوَحْيٍ من الله فَقُطَعَ خمْسين يوماً ثمَّ تاب الله عليه .
بالطبّ هناك شيء اسمه أصْل المرض ، وأعْراض المرض ، الطبيب الماهِر هو الذي يُعالج أصْل المرض ، أمَّا الطبيب الذي يُعالجُ الأعْراض فليس طبيباً ماهِراً ، فإذا كان هُناك الْتِهاب داخلي وحرارة ، فالطبيب غير الماهر يُعْطي مُخَفِّض حرارة ، أما الطبيب الماهر فيُعالِجُ الالْتِهاب من أصْلِه ، فهناك مليون مشكلة بيننا وبين الناس ممن حوْلنا ، مع من هو أقْوى منَّا ، ومع من هو أضْعف مِنَّا ، مع أقربائِنا ومع جيراننا إلخ.. هذه العلاقات مع الناس متى تَسْلم وتنْمو؟ إذا صَحَّتْ علاقتك مع الله تعالى .
يقول ابن القَيِّم رحمه الله تعالى : للعَبْد سَتْرٌ بينه وبين الله ، إذا قلنا سَتْرٌ نعْني شيئاً ، وإذا قلنا سِتْر نعني شيئاً آخر ! السَّتْر بفتح السين مصْدر ، واسمٌ سَتَر يسْتُر ستْراً ، أما هذا القماش الذي تضعُهُ على النافذة اسمه سِتْر وهو اسم ، وكلا اللفظين مَقْبول في هذه العبارة .
للعَبْد سَتْرٌ بينه وبين الله ، وستر بينه وبين الناس ، فَمَن هتَكَ السِّتْر الذي بينه وبين الله هتك الله السِّتْر الذي بينه وبين الناس ، فأنت مبْدئِياً أصْلِحْ علاقتك مع الله ، ولا تعْبأ بِمَنْ حولك ، فإذا أصْلَحْتَ علاقتك مع الله دافع الله عنك وأيَّدَك و ألْقى مَحَبَّتك في قلوب الخلْق ، ومنع الأشْرار أن يَصِلوا إليك كُلُّ الثِّمار الطيِّبَة تنالها إذا صَحَّتْ علاقتك مع الله ، فإن صَحَّتْ صَحَّتْ علاقتك مع البشَر ، فانْظر دائِماً إلى علاقتك مع الله ، واحْرص عليها لأنَّ كلَّ الخلْق بِيَد الله ، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء ، فإذا أحَبَّك الله ألْقى حُبَّك في قلوب الناس ، وإذا أبْغَض الله عبداً ألقى بغْضه في قلوب الخلْق ، فالمُلَخَّص أنَّ كُلَّ المشْكلات التي تُعانيها مع الناس ليْسَت أمراضاً ، بل هي أعراض مرَضٍ واحِدٍ ؛ إنها أعْراض ، والإعْراض مُشْكلات وخُصومات، واتِّهام باطل ، وطعْن ، فإن أردْتَ أن تسلم فاصْطَلِح مع الله عز وجل ، وأمر كُلِّ الخلْق بِيَدِه ، وهذا هو التَّوْحيد ، وما تعَلَّمَت العبيد أفْضل من التَّوْحيد ، وهذا هو الدِّين كُلُّه ، اتِّصال بالخالق وإحْسانٌ إلى الخلْق ، صَحِّحْ علاقتك مع الله تعالى ولا تعْبأ، الكُلّ في خِدْمَتِك ؛ أعْداؤُك يخْدِمونك ، والأشْرار يُمنعون عنك ، أنت في حِفْظٍ إلهي ، والأخْيار يخْدِمونك ، لأنَّ الله رضِيَ عنك ، فأرْضى عنك الخلْق ، أما إنْ أرْضَيْتَ الناس بِسَخَطِ الله سَخِطَ الله عنك وأسْخط عنك الخلائِق ، فأرجو أن تكون واضِحَة هذه العلاقة ؛ الدِّين علاقتان : علاقة نحو السماء ، وعلاقة نحو الأرض ، علاقة عمودِيَّة ، وعلاقة أُفقيَّة ، لا تجعل المُشكلات مع من حوْلك قَضِيَّة ، فالقضِيَّة مع الله ، فإن صحَّتْ تَيَسَّرَتْ الأمور ومنعك الله من الأشْرار وألقى محبَّتَك في قلوب الخلْق ، واذكروا النصيحة التي تسْمعونها مِنِّي دوْماً : أنَّ والي البصْرة كان عنده الحسن البْصْري سيِّد التابِعين ، وجاء توجيهٌ من يزيد ، ولو نفَّذ والي البصْرة هذا التوجيه لكان في مُشْكلة مع الله، ولو لم يعْبأ به لكان في مُشْكِلَة مع يزيد ، وقعَ في حَيْرة ، فسأل الحسن البصْري ماذا أفْعل ؟ فأجابه قائِلاً : إنَّ الله سبحانه يمْنعك من يزيد ، ولكِنَّ يزيد لا يمْنعك من الله ، وحَبَّذا لو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَّا عمّق هذه المقولة في ذهنه وقلبه .
قال : للعَبْد ربٌّ هو مُلاقيه ، وبيتٌ أخير هو ساكِنُه لامحالة ، فينْبغي له أن يسْترضي ربَّهُ قبل لِقائِه ، وأن يعْمر بيْتَهُ قبل الانْتِقال إليه ، تنتهي إلى الله، وتنتهي إلى ما تحت الأرضْ وهو القبر، قال تعالى :
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
[سورة الغاشية]
فأعْقَلُ العقلاء الذي أصْلح علاقته بالله تعالى لأنَّهُ صائِرٌ إليه ، وعَمَّرَ قبْره بالأنوار وهي الأعمال الصالحة لأنَّ مصيرهُ إليها ، فالقبْرُ صندوق العَمَل لا بدّ من عملٍ صالحٍ وخالِصٍ لله عز وجل يكون لك نوراً في القبر ،يجْعل قبْرَكَ رَوْضَةً من رِياض الجَنَّة ، الانْتِقال من بيتٍ فَخْمٍ إلى متْر ونصف أو مترين تحت الأرْض ، دون إضاءة ولا سيراميك ، ولا إضاءة مَخْفِيَّة ولا تزْيين ، فلا قبْرَ بِخَمْس نُجوم أساساً ، إنما قبْرٌ تحت الأرْض ، فالانْتقال من هنا إلى هناك شيءٌ مُخيف ، أمَّا المؤمن فينْتَقِل إلى روْضَة من رياض الجنَّة ، للعَبْد ربٌّ هو مُلاقيه ، وبيتٌ أخير هو ساكِنُه لامحالة ، فينيغي له أن يسْترْضِيَ ربَّهُ قبل لِقائِه وأن يعْمر بيته قبل الانتِقال إليه .
ولأنَّ الإنسانَ وقْتٌ ، ولأنَّ أثْمن شيءٍ تمْلِكُهُ هو الوقْت ، وهو رأس مالك وأنَّ أكبر خسارةٍ أن تخْسِرَ رأس مالك كُلِّه فقال : إضاعةُ الوقْت أشَدُّ من الموت ، لأنَّ إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة ، والموت يقْطعك عن الدنيا وأهْلها ، وينقلك إلى الدار الآخرة ونعيمها ، فأيُّهما أخْطر الذي يقطعك عن الله أم الذي يقطعك عن الدنيا ، فإضاعة الوقت أشَدُّ من الموت ، بِرَبِّكم لو وجدت إنساناً يمْسك خمسين ألفاً فوق حاويَة ويحْرِقُها وثيابه رثَّة أي فقير ، خمسين ألف يحْرقها وهو فقير ! هل عندك شكّ في لحْظة واحدة أنَّهُ مجْنون ؟! أو سفيه والسفيه في القوانين الإلهيَّة والوضْعِيَّة يُحْجَر على تَصَرُّفاته ، فأيهما أثْمن الوقت أم المال ؟! مُحاكمة منطِقِيَّة ؛ أيُّ إنسان لو أُصيب بِمَرض عُضال وهناك عَمَلِيَّة اِحتِمال نجاحِها خمْسون بالمئة تجرى في بلدٍ بعيد، وكُلْفَة هذه العَمَلِيَّة بِثَمن هذا البيتْ الذي يمْلِكُه فَهَل يترَدَّد في بيْعِ بيْتِه وإجْراء هذه العَمَلِيَّة ، لماذا فَعَلَ هذا ؟! لأنَّه ينْطَلِق من أنَّ الوقت وهي السنوات المعْدودة التي يُحْتَمَل أن يعيشَها أثْمَنُ عنده من البيْت كُلِّه، فلن يتردد الإنسان في بذل المال كُلِّه من أجل سنوات يحْياها زيادة عن تَوَهُّمِهِ ! ففي أعْماق كُلٍّ مِنَّا مُرَكَّبٌ أنَّ الوقْت أثْمن من المال ، فالذي يُحْرِقُ المال بالحاوِيَة يُتَّهَم بالجنون والسَّفه فكيف بالذي يُضَيِّعُ وقْته في أشياء تافِهَة وفي المعاصي ، أليْس بالمنطِق السَّليم أنَّهُ أشَدُّ سَفَهاً من ذاك الأوَّل ؟ لذلك أشَدُّ أنواع المَقْت إضاعةُ الوقْت ، وقْتُكَ هو أنت ، وأنت بِضْعَةُ أيام كلما انْقضى يومٌ انْقضى بِضْعٌ منك ، والشيء الخطير أنَّ الماضي لا تمْلِكُه فقد مضى وانتهى ، والمُسْتقبل لا تمْلِكُه فقد لا يأتي ، فأنت إذاً تمْلِكُ فقط لحْظَةً واحدة ، ما مضى فات ، والمُؤَمَّل غيْبٌ ، ولك الساعة التي أنت فيها قال : الدنيا من أوَّلِها إلى آخِرِها لا تُساوي غمّ ساعة ، فَكَيْف بِغَمِّ العُمُر كُلِّه ؟ وغمِّ الآخرة كُلِّها ؟ غمٍّ إلى أبد الآبدين ، مرَّةً داعَبْتُ إنساناً فقلتُ له : لو أعْطيْناك مئة مليون دولار ، وقلنا لك اذْهَب إلى أيِّ مكانٍ بالعالم وانزل في أفْخم الفنادق ، وادخل إلى كُلِّ الملاهي والحانات ، وأيُّ شيء تتمناه نفسُك افْعَله ، إلا أنَّنا بعدها نُعَذِّبُكَ عَشْر ساعات أو شَهْراً، فقال لي : والله لا أرْضى فقلتُ له: إذاً فكيفَ يَرْضى الإنسان أن يسْتَمْتِع وقْتاً محْدوداً وأن يتعَذَّب إلى أبد الآبدين ؟ الدنيا من أوَّلِها إلى آخِرِها لا تُساوي غمَّ ساعة ، فَكَيْف بِغَمِّ العُمُر ، إذا تألَّم الواحد مِنَّا في ساعة مُتأخِّرة من الليل من أسنانه ولم يتمَكَّن من أن يتَّصِل بِطَبيب الأسْنان، وهو يتألَّم ويتلوّى بالفِراش ثم اسْتَعْرَضَ الولائِم التي دُعي إليها ، فهل تُنْسيهِ الألَم ؟ يأتي على الإنسان ساعة يقول : لم أر خيراً في حياتي قطّ من شِدَّة الألَم ، وهذا الذي يُحَذِّرُنا الله منه ، قال تعالى فما أصْبَرَهُم على النار ) الدنيا من أوَّلِها إلى آخِرِها لا تُساوي غمَّ ساعة فَكَيْف بِغَمِّ العُمُر ‍! لذلك قالوا : مَحْبوب اليوم يعْقِبُهُ المَكْروهُ غداً ، ومَكْروهُ اليوم يعْقِبُهُ المحْبوب غداً ، المَكْروه مُؤَقَّتاً ، والسعادة أبَدياً ، أما إذا كان المحْبوب مُؤقت والشقاء أبدي فهذه هي الخَسارة التي لا تُعَوَّض ، عندنا قاعِدَة هي لحْظة الوفاة ، أنت لك نشاطات وأعْمال وحركة وسَفر وإقامة وكسْب رزق ؛ مجموعة نشاطك ، اِجْعل لحْظة الوفاة حداًّ واضِحاً ، كُلُّ هذه الأعمال إذا كنت تقْطِفُ ثِمارَها بعد الموت فهي من أعمال الآخرة ، أما إذا كنت تقْطِفُ ثِمارَها في الدنيا فهي من الدنيا ، والدنيا فانِيَة ، فأنت بِإمْكانك أنْ تُقَيِّم كُلَّ أعْمالك ، هناك عمل ينتهي عند الموت ، وآخر يبْدأ بعد الموت ، طلب العِلْم مثلاً ومعْرِفَة منهج الله تعالى ، والعمل الصالح ، والدعْوة إلى الله ، والأمْر بالمعْروف والنَّهي عن المنكر هذه كُلُّها تبْدأ حصادها بعد الموت ، والعقلاء هم المؤمنون ، وما رأيتُ أعْقل منهم وأذْكى منهم ، من السابقين السابقين الذين اسْتَهْلكوا وقْتَهُم اسْتِهْلاكاً اسْتِثْمارِياً فقَطَفوا أيْنَعَ الثِّمار بعد مجيء الأجل ، إذاً أعْظم الرِّبْح في الدنيا أن تشْغل نفْسَكَ في كُلِّ وقْتٍ بما هو أوْلى لها وأنْفع لِمَعادِها .
وكيفَ يكون عاقِلاً من باع الجَنَّة بما فيها بشَهْوة ساعة ؟!
ألا يا رب شهْوة ساعةٍ أوْرَثَتْ حُزْناً طويلاً
هناك بالقضاء جرائِم ومِلَفات ، شَهْوة ساعةٍ ، أو غضب ساعة ، ثمَّ بعدها السجن : ثلاثون سنة، عشْرون سنة ، أو شَهْوة ساعة تجْعلهُ فريسةَ مرَضِ الإيدز لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ألا يا رب مُكْرِمٍ لنَفْسِه وهو لها مُهين . ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم . ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية في الآخرة .
وقال : يخرج المؤمن من الدنيا ولم يقْضِ وطْرهُ بِشَيْئين : بُكاؤُه على نفْسه وثناؤُهُ على رَبِّه، حالة المؤمن دائِماً ثناءٌ على الله وشُعورٌ بالتَّقْصير دائماً والشيءُ الثابت أنَّ كل الناس عند الموت ينْدمون حتَّى المؤمنين ، يندمُ المؤمن على ساعة مَضَتْ لم يَسْتَغِلَّها في معْرفة الله أو في العمل الصالح أو فيما يُقَرِّبُه من الله .
هناك تفْريقٌ لطيفٌ جداً بين خوْفَيْن ؛ قال : المخْلوق إذا خِفْتَهُ واسْتَوْحَشْتَهُ هَرَبْتَ منه ، والربُّ إذا خِفْتَ منه أنِسْتَ به وقَرُبْتَ منه ، فالخوف من العباد موحِش ، أما الخوف من رب العباد مُؤْنِس ، وكلما ارْتَفَعَ مُسْتوى خوفك منه كنت أقرب منه تعالى .
وقال : لو نفع العِلْم بلا عمل ، لما ذَمَّ الله تعالى أحْبار أهْل الكتاب ، ولو نفع العمل بلا إخْلاص لما ذَمَّ الله المنافقين ؛ عِلْمٌ وعَمَلٌ وإخْلاص ، فالقاعدة : لا ينفع عِلْمُ بلا عمل ، ولاعمل بلا إخْلاص .
هناك تحْليل نفْسي دقيق ، قال : دافِعْ الخَطْرة التي تَرِدُ إليك وادفعها ، وهي الخواطر ، فأنت مثلاً جالس بِسَيارة مُسافراً ، وهذا بِعَمَلِه ، وذاك يمْشي ، فأنت ساكت ولكن مع حديثٍ طويلٍ مع النَّفْس يُسَمُّونه حديث النَّفْس ، لو سافَرْتَ إلى حلب وحدك هناك خمْس ساعات مسافة الطريق ؛ ذِهْنُك لا يفْتر ولو دقيقة واحدة ! وهذه الحالة أحْياناً تتضَخّم فَتُصْبِحُ تتكلَّم وَحْدك وأنت في الطريق، فهذا الحديث مُسْتَمِرّ ، وحديث النفس إذا كان في المعْصِيَة فهذه مُشْكِلَة كبيرة ، كأن يخْطر بِبَاله خواطر لا تُرْضي الله عز وجل ، فالآن دَقِّقوا هذا التَّحْليل :
قال : اِدْفَعْ عنك الخاطِرَة التي لا تُرْضي الله ، فإنْ لم تفْعل صارَتْ فِكْرة فادْفَعْ هذه الفِكْرة فإن لم تفْعل صارتْ شَهْوة ، فادْفَعها فإن لم تفْعل صارتْ عزيمة ، فادْفَعْ هذه العزيمة وقاوِمْها فإن لم تفْعل صارتْ فِعْلاً ، تدارَك هذا الفِعْل بالتوْبة فإن لم تفْعل صار عادة ، وإذا أصْبَحَتْ العادات مُسْتَحْكِمة صار من الصَّعْب ترْكُها ، من خاطرة إلى فكْرة إلى شَهْوة إلى عزيمة إلى عمل إلى عادة! طبْعاً الحِساب على العمل فقط ، لكن هذه الخواطِر التي لا تُرْضي الله عز وجل إن لم تدْفَعْها عنك انْقَلَبَتْ إلى أفْكار ، والأفْكار إلى شَهوات ، والشَّهوات إلى عزائِم ، والعزائِم إلى أعْمال ، والأعْمال إلى عادات ، والشيء المُلاحظ أنَّ الإنسان حينما يصلبُ عوده على عادة سيِّئَة من الصَّعْب جداً أن يتْركها ، فأحْياناً يلْعب الإنسان النَّرْد ، وتأتي له بالحديث الشريف : "من لعب النرْد فكأنَّما غَمَس يده في لحْم خنزير " فلا يعبأ ويبقى في لعبه وعبثه ، ومن علامات المَقْت إضاعة الوقت ، والأدِلَّة والبراهين ، ثمَ حين تنتهي يقول أين الطاولة ؟! وكأنَّك لم تتكَلَّم شيئاً !! فأخطر شيءٍ أن تنقلب المعاصي إلى عادات ، مِنذ يومين زارني شَخْص من بلدٍ مُجاور فقال لي: عندي سؤال ولكني والله لا أسْتطيع أن أبوح به لك لأنَّني أسْتحيي ولكن أُعْطيك شريطاً فاسْمَعْهُ ، فسمعته وخلاصته : معْصِيَةٌ كبيرة تاب منها ألف مرَّة ثمَّ يعود إليها لأنَّها أصْبَحَت عادة ، كلَما أقْلع عنها وَقَع فيها ، يبكي ويتألَّم لذلك العمل فقد اسْتَحْكم في نَّفْسه ، فلا تقل التَّوْبة منه سهلة . فهذا الرجل مثال صارخ أمامك .
قال التقْوى ثلاثة مراتب : حِمْيَةُ القلب والجوارح عن الآثام والمُحَرَّمات وهو أن تسْتقيم على أمْر الله ، فهذه مرْتَبة ، والمرْتبة الأعلى : حِمْيَتُها عن المَكْروهات ، والأعلى منها : الحِمْيَة عن الفُضول وما لا يعْني ، حتى إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (إياكم وفضول النَّظر فإنه يبذر في النفس الهوى ) شيءٌ لا علاقة لك فيه تجد نفْسَكَ تتأمَّلُ فيه بِعُمْق حتى تشْتهيه ، وبعد أن تشْتهيه تشْعر بالحِرْمان ، هناك من يتأمَّل بالزيادة في البضائِع والسيارات والأجْهزة ويتخَيَّل أنَّها عنده ومالكها ، فهذا الفضول الزائِد يُوَرِّث شعوراً بالحرمان وهذا الشعور مُشْكلة ، والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا: كلما رأيْتَ شيئاً جميلاً قل اللهم لا عيْش إلا عيْش الآخرة ).
قال : الحِمْيَةُ الأولى تُعْطي العبْد حياته الصحيحة ، وسلامته ، والحِمْية الثانِيَة تُقَوِّيه ، والثالثة : تُسْعِدُه ، فبين أن تُحافظ على سلامتك ، وبين أن تُقَوِّيها ، وبين أن تُضيف إلى سلامتك وقُوَّتِك سعادَةً ؛ ثلاث حِمْيات : حمية عن المعاصي والآثام ، وحمية عن المكْروهات ، وحمية عما سِوى الله .
قال : مَن خلقه الله للجَنَّة ، لم تزَل هداياها تأتيه من المكاره ، في الدنيا جنَّة من لم يدْخلها لم يدْخل جَنَّة الآخرة ، ماذا يفعل أعْدائي بي ؟ فبُسْتاني في صَدْري ، إن أبْعَدوني فإبْعادي سِياحة وإن حَبَسوني فَحَبْسي خَلْوة ، وإنْ قتلوني فقَتْلي شهادة ، إن لم تكن أسْعد الناس وأنت مؤمن فهذا دليل أنَّ هناك خللاً لا بدّ أن تبْحث عنه ، يجب أن تكون أسْعد الناس بِمَعْرِفَة الله . أسعد الناس لِطَلب رِضْوانه فَمَن خلقه الله للجنَّة لم تزل هداياها تأتيه بالمَكارِه ، ومن عمل للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشَّهوات ، فسعادة المؤمن من أعْمال يكْرهها ولكِنَّها تُسْعِدُه وملذات الكافر شَهَواتٌ يقْتَرِفُها لكِنَّها تُشْقيه ، حُفَّت الجنَّة بالمكاره وحُفَّت النار بالشَّهوات .
قال : إذا جرى على العبْد مقْدور يكْرههُ - وهي في الحقيقة أحد مُؤشِّرات الإيمان - فلهُ فيه سِتُّ مشاهد :
أوَّلُ شيء : مشْهد التَّوْحيد ، فالمُصيبة إياك أن تعْزوها إلى زيْد أو عُبَيْد فالله هو الذي قَدّر هذا وأراد هذا وخلق هذا ، وسَمَح إلى هذا الشيء أن يصل إليك ، إنسان مرض أو أصابَتْهُ عدْوى، فالقَضِيَّة إرادة الله فهذا الجرْثوم لولا إرادة الله لما انتقل إليك ، فالنبي ما نفى العَدْوى ، إلا أنَّهُ نفى أن تعْزو المرض للجُرْثوم ، شاء الله لهذا الجرْثوم أن ينتقل إليك ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، لا يقع في ملكه شيء إلا إذا أراده ، ولكلِّ واقِعٍ حِكْمة ، هذه أوَّل حقيقة ، فالله تعالى رحيم وحكيم وهو العدْل واللطيف إذا علمتَ هذا ترْتاح ، قال : أوَّل حال ينبغي أن يُرافق المؤمن إذا ألَمَّتْ به نازلة أن يشْهد التوحيد فالله وحْده هو الذي قَدَّر وشاء وأراد وخلق وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، كأنَّك أطْفأت الجمر بالماء ، أحد المرات قلتُ لأخٍ ابنه مريضٌ بِمَرض شديد ومُغْتَمّ قلتُ له : الذي تُحِبُّه وهو الله هذه هي مشيئَتُه ، وهذه إرادته وهذه حِكْمته أفلا ترْضى بِقَضائه ؟
المَشْهد الثاني : إياك أنْ تتَّهِمَ الله تعالى في عدالته ، لا تقل أنَّ فلاناً مسكين أن يلُمَّ به ما ألمّ ! هناك حكمة ، فالله عز وجلل لا يسوق شِدَّة بِلا سبب ، ولا مُبَرِّر ولا مُسَوِّغ ، فهذا مُسْتحيل ! قال: المشْهد الثاني مَشْهد العَدْل وأنَّ العَدْل ماضٍ فيه حُكمه قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا *
[ رواه أحمد ]
كُلُّ شيء يفعله الله عز وجل فهُوَ مَحْضُ عَدْلٌ وحِكْمة ورحْمة .
المَشْهد الثالث مَشْهد الرحْمة ، وأنَّ رحْمته في هذا المَقْدور غالِبَة لِغَضَبِه وانتِقامِه لذلك، فالله عز وجل يسوق الشِدَّة ويسوق معها المُخَفِّفات ، تجد مريض ألمَّ به مرض فيلهم الله الطبيب فيعْتني فيه بِزِيادة ، والدواء المناسب، فالمرض مؤلِمٌ ومُخيف لكنَّ الله تعالى قَدَّر المَرَض وردعَكَ ثمَّ قدَّر الشِّفاء .
سَمِعْتُ قِصَّة مُفيدة ؛ شَخْصٌ له عملٌ تِجاري ، وتألَّق تألُّقاً شديداً ، وأحَبَّ أن يسُرَّ نفْسَهُ وهو من الفئة غير الملتَزِمَة ، وضَعَ بِجَيْبِه مَبْلغاً ضَخْماً وسافر إلى بلادٍ بعيدة ، حتى يتنعَّمَ بالحياة ويقْضي أياماً تَسُرُّه ، فهو لا مُشْكِلَة له ، ولو فعل بعض المعاصي والمُنْكرات هكذا يعتقد ، فهو يريد أن ينْبسِط فلا تُدَقِّق عليه كثيراً ! وصل إلى هذه البلاد البعيدة جداً ، شَعَر بآلام في ظَهْره ، ذهب إلى الطبيب فقال له : بوادِر سرطان بالنُّخاع الشَّوْكي !! قَطَعَ إجازته وعاد إلى البلاد وتاب إلى الله توْبَةً نصوحاً ، ثمَّ تَبَيَّن أنَّ هذا التَّشْخيص كان خاطِئاً !! انْخَلَع قلبهُ ، فأرْجَعَهُ الله كي يتوب، وشُفِي ، فلو قَدَّر الله لك شيئاً مُؤْلِماً إلا أنَّ الشِّفاء جاهِز ، والله قال :
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
[سورة الانشراح]
بِالمنطق بعد العُسْر اليُسْر ، لكنَّ الله تعالى قال : إنّ مع العسر يسرين ، كي تطْمئِنّ ، فهذه المُشْكِلة معها الفَرَج ، والانْفِراج ، والله أيها الإخوة ، سمِعْتُ عن إنسان أنَّهُ فقدَ حركتهُ فجْأةً وهو في أشَدِّ التألُّق العِلْمي والاقْتِصادي ؛ دَخْلٌ وافر جداً وشُهْرة ومكانة ، خِلال ساعات أصْبَحَ مَشْلولاً!! دخل على قلْبِهِ من الألم ما لا يُوصف ، فدعا الله أن يُميته ، وهو أهْون عليه مما هو فيه!! بعْد ساعَتَيْن أو ثلاثاً قام وكأنَّه لا شيء به ، وانْقَلَبَتْ حياتهُ مئة وثمانون درجة لأنه كان إنساناً خيّراً ! هَمُّه الأوَّل خِدْمة الخَلْق ، ونَشْر الحق ، فهذا المرَض كان له الفضْل وهناك ألف قِصَّة وقِصَّة المرَض نفْسه يُصبح خيراً ، فالله تعالى ابْتِلاؤه فيه حِكْمة إذا عالجَ حَمَلَكَ على الطاعة، أعْرِفُ شَخْصاً مُتَفَلِّتْ جداً ، وله بنْت صغيرة كاد عقْلُه يذهب مَحَبَّةً لها ، أصابها مرض خبيث بِدَمِها ، وما ترك طبيباً إلا وزاره ، مما جعله يأخذها إلى بريطانيا ، قال لي : بعدها خَطَر بِبَالي خاطِر رحْماني ، أنَّني لو تُبْتُ أنا وزَوْجتي لعلَّ الله يُشْفي هذه البنْت فعقد العزم على التوبة! فَحَجَّبَ زَوْجَتَه وبدأ يُصلي ولزِمَ بعض الدروس ، بعد عشْر سنوات دعاني لِحُضور عَقْد قِران وألْقَيْتُ كلمة، وأنا في طريقي للذهاب والعَوْدة ودَّعني إلى الباب فقُلْتُ له : هي هي مُداعِباً، فقال لي : هي هي !! تلِكمُ البنت التي كانت سبباً لِتوبته وعَوْدَتِه إلى الله ؛ شفاها الله وزَوَّجها وفَرِحَ بها، فأنت لا تنْظر للمُصيبة بأوَّلِها ولكن انْظر إليها عند النهاية ، آخرها توبة وصُلْح مع الله ، تبدُّل المواقف بنسبة مئة وثمانين درجة ، فَكُلُّ مشكلة فيها مشهد التوحيد ، وأنَّ الله تعالى هو الذي شاء وقَدَّر وأراد ، والمشْهد الثاني مشْهد العَدْل وأنَّه ماضٍ فيّ حُكْمك وعدْلٌ فيَّ قضاؤك والمشْهد الثالث هو الرحمْة وأنَّ رحمته في هذا المقْدور غالبة لِغَضَبِه .
والمَشْهد الرابع : مَشْهد الحِكْمة ، فقد تكون بموقف فيه الرَّحْمة والعدْل ، ولكن دون حكمة، سألني أخٌ منذ يومين : كيف أحكم علاقتي مع أهْل الدنيا؟ فقلْتُ : احْكم علاقتك معهم بِمَبْدأين : مبْدأ شَدِّ الحَبْل ، ومبْدأ شَدّ البرْغي ، فإذا كان ممكناً أن يشُدُّوك فَدَعْهُم ، وإذا كان ممكناً أن تشُدَّهم فَكُن معهم .
إذاً مَشْهد الحِكْمة أنَّ حِكْمته تعالى اقْتَضَتْ ذلك ، ولم يقَدَّر الأمْر سُدى ولا عبثاً .
المشهد الخامس هو مشهد الحمد فالله يُحْمد على أنَّ الأمْر بِيَدِه ؛ له الملك وله الحمد وهو على كُلِّ شيء قدير ، وعلى أنَّ فِعْله عدْل ، وفعْله رحْمة وحِكْمة ويُحمد على ذلك .
المشهد السادس العبودية أنت عبْدٌ والله ربّ ، ماذا تسْتطيع أن تفْعل ؟ أحد الدعاة مَرَّةً قال: إذا أراد الله تعالى أن يضعَ فُلاناً الفُلاني بِجَهَنَّم فماذا نسْتطيع أن نعْمل ؟! فأنت لا تمْلك شيئا، إذاً إذا نَزَلَتْ بك نازلة وشَعَرْتَ بِعُبودِيَّتِك ، وأدركك الحمْد والحِكْمة والرَّحْمة والعدْل والتَّوْحيد ، فأنت مؤمنٌ ورَبِّ الكعْبة ، وهي علامة الإيمان أن ترْضى بِمَكْروه القَضاء ، الدنيا دار ابْتِلاء لا دارُ اسْتِواء ، تصِحّ من جهة وتنْقص من جِهَة أخْرى ، امْتِحان ، فأنت مُمْتَحنٌ فيما أعْطاك وفيما منَعَك وهي قاعِدَة ثابتة مُمْتَحَن مَرَتين : مرة فيما أعْطَاك ، ومرة فيما حَرَمَك ، مرَّة يُعْطِيكَ صِحَة و لكن يعوزك المال، وبالعَكْس مال و لكن تتمنى صِحَة و قد يُعْطِيكَ مالاً وصِحَة ولكن زَوْجَة مُتْعِبَة ، و في حالة أخْرى يُعْطِيك مالاً و صِحَة وزَوْجَة صَالِحَة و لكن بلا أوْلاَد ، وقد يُعْطِيك أوْلاَداً بلاَ مال ، فلا بدّ من مشْكلة ، هذه يُمْتحَنُ بها المؤمن ، وكُلّ واحد يظنّ أنّ مشْكلته هي أكْبر مُشْكِلة ، فالبُطولة أن تنْجح بالابْتِلاء ، لذلك مشْهد العبودِيَّة أنَّك عبْدٌ مَحْضٌ من كُلِّ وَجْهٍ تجْري عليه أحْكام سيِّده بِحُكم كَوْنه مالكاً لك وأنت عبْده فأنت خاضِع له ، فالله له المُلْك وله الحمْد،
قال رسول الله فيما يرويه عن ربِّه : عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا...*
[رواه مسلم ]
لكن هذه مشيئة الله وأنت عبْد ولسْتَ نِداً لله ، مَشْهد التوحيد مع مشْهد العدْل مع مَشْهد الرحْمة مع مَشْهد الحكمة مع مَشْهد الحمد مع مَشْهد العبودِيَّة أقول لك مرَّةً ثانِيَة فأنت مؤمنٌ وربِّ الكعْبة ، وامْتَحِن نفْسَك بالمُشْكِلات إذْ لا أحد يمْتحِن المَرْكبة بالنزول أما الامْتِحان فبالصعود، لا تتَوَهَّم نفْسك مؤمناً إلا بالمكاره ، وترى أنَّ هذا فعْل الله وقضاؤُه ، وأنَّ هذا فيه الحكمة والعدْل والرحمة ، وأنت عبْدٌ له فهذه حالات أهل الإيمان ، حالات مسعدة .
وبعد فما هي نتائِج المعْصِيَة ؟ دقِّقوا فهذه كلمات دقيقة : قِلَّةُ التَّوْفيق ، كُلُّ الطرُق مَسْدودة، وفساد الرأي ، فالله يحجبُ عنك الصَّواب ، قال تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)
[ سورة محمد ]
وخفاء الحقّ ، لأنَّهُ مقْطوع عن الله ، وهذا يسْتلزم العَمى ، وفساد القلب وخمول الذِّكْر لا يرْفع لك ذِكْرك ، وإضاعة الوقْت لأسباب ، وما من إنسان يُؤدي زكاة الوقْت أيْ أنّه يُصَلي ، يحْضر مجالس العِلْم ، ويقتطِع من وقته لِطاعة الله ، فَكُلُّ إنسان يُؤدي زكاة الوقْت يحْفظ الله له بَقِيَّةَ الوقْت ، وكُلُّ من يضن أن يؤدي عبادة أو يطْلب العلم فالله يُضَيِّع له الوقْت من حيث لا يشْعر ولأسباب تافِهَة ، فالله قادر على أن يُضَيِّع لك مليون ساعة دون جَدْوى ، مرض يُلِمُّ بك فإذا بك تدْفع اثني عشر ألف ليرة ! تضْييع وقْت وضيق ودُيون فإياك والضن بوقتك لطاعة الله وطلب العلم، فحينها يُتْلف الله لك الوقْت أي أن العمر يتبدد ، فكما أنك إذا أدَّيْت زكاة مالك حفظ الله لك بقية مالك كذلك إذا أدَّيْت زكاة وقْتك حفظ الله لك بقية وقْتك ، قال لي أحدهم : أنَّهُ كان على الْتِزام كامل بالدُروس ، وبإلحاح من أهل بيته ذهب إلى النُّزْهة في يوْمٍ جمعة وترك الدرس ، ولما كان في النُّزْهة أراد أن يمْلأ دَلْواً فإذا بولدٍ يقول له دعني أنا الذي أمْلؤه لك ! بِكُلِّ أدَب ، فإذا به وهو عائد بالطريق يجد أنَّهُ قَد سُرق منه دفْتر الصكوك المصرفية النقود والهَوِيَّة وجميع الأوْراق الخاصَّة !!! سِتَّةُ أشْهر من فَرْعٍ لآخر حتى جَدَّدهُ ، لأنَّه غَيَّر الوِجْهة إلى لا فائِدَة فيها ، فإذا كان للإنسان مَجْلس عِلْم فلا يضيعه .
قِلَّةُ التوفيق وفساد الرأي وخفاء الحق وخمول الذِّكْر ، وإضاعة الوقْت ، ونفْرة الخلق ، يقولون عنه دمُهُ ثقيل ، الناس يتضايَقون منه ، فالله عز وجل يُنَفِّرُ الخَلْق منك ، وذلك للوَحْشَة بين العبْد ورَبِّه ، والطريق غير سالك ، وكذلك مَنْعُ إجابة الدعاء ، وقَسْوة القلب ، فلا يَرْحم ، مَحْقُ البَرَكَة في الرِّزْق دَخْل كبير ولا بركة ، بينما تجد مؤمناً دَخْلُهُ مَحدود والبركة عامَّة في بيْته ، كيف ؟ الله أعلم ، هذا مما لا نعْلَمُه ! ما معنى البركَة ؟ أن يخْلق الله من شيء قليل شيئاً كثيراً ، وهذه أراها بِعَيْني فهناك أشْخاص فِعْلاً دَخْلُهم مَحْدود لكن كُلَّ شيء موجود بالبيت فالحلال يأتي بالبركة، وآخر لا شيء عنده مع أنَّ الدَّخْل كبير ولكن لا بركة ، والحِرْمان من العِلْم، ويلبسه الله لِباس الذلّ وإهانة العَدُوّ ، وضيق الصَّدْر ، والابْتِلاء بِقُرناء السُّوء ، وطول الهَمّ والغمّ وضَنْكُ المعيشة ، قال تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى

[ سورة طه ]
قالوا : فالمعْصِيَةُ تُوَلِّد الغفْلة عن ذِكْر الله ، والإحْراق في النار ، لكنّ أضْداد هذه الصِّفات تتَوَلَّدُ عن الطاعات ؛ توفيق ورأيْ سديد ، جلاء الحق، القلب عامر بِذِكْر الله ، بركة الوقت ، حَبَّبَك لِلْخَلق فأنت محبوب ، ومُسْتجاب الدَّعْوة وصار قلْبُك رحيما ، ومنحكَ كرامة العِلْم، أعَزَّك وجعل عَدُوَّك في خِدْمَتِك شَرَحَ الله لك صَدْرك ، وأكْرمك بإخوة مؤمنين صادِقين ، ونزع عنك الحُزْن وكانت عيشتُك راضِيَة ، وكُلُّ هذا بِفَضْل الطاعات .
فهذه الفقرات جاءت تحت عنوان فوائِد ، وهي تَجارب مُكَثَّفَة في كلمات .
والحمد لله رب العالمين
[/align]


3 
عمرو شعبان

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، إنّ مِن أدَقِّ الموضوعات التي يهْتَمُّ لها المؤمن هذا الصِّراع المُسْتمرّ بين أن يُلَبِّي حاجَةً ، وبين أن يُطَبِّقَ أمْراً ، ما مِن يومٍ وما من ساعةٍ ، وما من دقيقة إلا وأنت بين شيئين : بين أن تُطيع وبين أن تسْتجيب لِنَزْعة أو رغْبة أو مَيْلٍ أو هوى .
هناك موضوع حوْل ما إذا كان الصبْر عن الشَّهْوة أسْهل ألف مرَّة من الصبْر على ما توجبه الشَّهْوة ، فَبَعْض الأئمَّة الكرام يُفَصِّل في هذا الموضوع يقول : الشَّهْوة إما أن توجب ألَماً أو عُقوبةً
ألا يا ربّ شَهْوة ساعة أورَثَتْ حزْناً طويلا
إنسان سافر إلى بلد آخر ، وعنده في بلده زوْجة وأولاد وهو مُحْترم اجتماعياً ، وله مكانة فَزَلَّتْ قَدَمُه هناك ، فأُصيب بِمَرض ولا يجْرؤ أن يذكر هذا المرَض خوْفاً من أن يسْقط من عيو ن الناس ، يقول مرَّةً : والله عانَيْتُ منه ستَّةَ عَشَر عاماً وأنا أتَألَّم وكُلُّ هذا الغلط والألم وهذا الحزْن وهذا الخوْف من شَهْوة ساعة
ألا يا ربّ شَهْوة ساعة أورَثَتْ حزْناً طويلا
فقال : الصبر عن الشَّهْوة أسْهل من الصبْر على ما توجبه الشَّهْوة ، ماذا توجب الشَّهْوة ؟ طبْعاً الشَّهْوة المُحَرَّمة ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة القصص]
المعنى أنّ المُخالف الذي يتَّبِعُ هواه وَفْق هُدى الله لا شيء عليه ؛ اِشْتهى المرأة فَتَزَوَّج، واشْتهى المال فَعَمِلَ عمَلاً شريفاً ، واشْتهى أن يكون ذا سُمْعةِ طيِّبَة فأطاع الله عز وجل فهُوَ حَقَّقَ كُلَّ هذه الشَّهوات وِفْق منْهج الله تعالى ، فالإسْلام لا حِرْمان فيه ، هناك تنْظيم، وطهارة ونِظام وراحة نفْسِيَّة عَقِبَ كُلِّ شَهْوة يفْعلها الإنسان وَفْق منهج الله ، وأنا أُكَرِّر هذا المَثَل ؛ وهو أنَّ الإنسان قد يُقارب زوْجته ويصلي قيام الليل ، ويبْكي في قِيام الليل لأنَّهُ ما فعلَ شيئاً خِلاف منهج الله ، أما إنْ ملأ عَيْنَيْه مِن مَحاسِن امْرأة أجْنَبِيَّة لا تَحِلُّ له يُحْجَبُ عن الله ، نظْرَةٌ فقط تحْجب وعلاقة كاملة لا تحْجب ! هذه وفق منهج الله ، وتلك على خلاف منهج الله ، فالصبر عن الشَّهْوة أسْهل من الصبر على ما توجِبُه الشَّهْوة .
هذه الشَّهْوة إما أنْ توجب ألماً وعُقوبَةً ، وإما أن تقْطَعَ لذَّةً أكْمَل منها ، فلو أنَّ إنساناً زَلَّتْ قَدَمُه لَحُرِمَ لَذَّةً مَشْروعة أكْمل منها ، فهاتان امرأتان مثلاً إحداهما امْرأة مُنْحَرِفة ترى امْرأة مُلْتَزِمَة تحْمِلُ ابناً على يَدَيْها وتَرْعاه ولها زَوْج ومُحْتَرَمة اجْتِماعِياً ، ومُعَزَّزة ومُكَرَّمة ، وتأتيها حاجاتها إلى البيت ولا يجرؤ أحدٌ أن يُكَلِّمها كلمة ، لها زوْج مُحْتَرم ، فهذه أشْبَعَت رَغْبتها من الرِّجال ولكن وَفْق طريقٍ مَشْروع ، والثانِيَة تتألَّم وتتلَوَّى حَسْرَةً على ما هي فيه فالشهوة إذاً إما أن تُوجب ألماً وعُقوبَةً ، وإما أن تقْطع لَذَّةً أكْمل منها .
ذكر لي أحدهم ، وكان مُوَظفاً في التَّعْليم ، فقال : أنا لي جاهِلِيَّة ثمَّ تبْتُ إلى الله عز وجل ثم قال : والله ، ساعَةٌ مع زَوْجة طاهِرَة مُخْلِصَة عفيفة ومُحِبَّة أفْضل من مليون ساعة مع امْرأة مُنْحَرِفة .
إذاً : إما أنْ تُضَيِّعَ وَقْتاً إضاعَتُهُ حَسْرة وندامة ، وإما أن تثْلِمَ عِرْضاً توْفيرُه أنفع للعَبْد من ثلمه عِرْض الإنسان سُمْعَتُه ، وكلمة عِرْض يفْهمها الناس للنساء فقط ! بل العِرْض للنِّساء والرِّجال، العِرْض موْضِعُ المَدْح والذَمِّ في الإنسان ومن باب الدُّعابة أقول : عِرْض التاجِر دَفْعُه ما عليه فإذا لم يدْفع ما عليه انْتُهِكَ عِرْضُه ، وعِرْضُ المُدَرِّس أن تكون الأسْئِلة سِرِيَّة ، فإذا تَسَرَّبَتْ انْتُهِك عِرْضُه ، عِرْض الإنسان صِدْقُهُ فإذا كَذَب انتُهك عرضه كذلك ، فالعِرْض موضِعُ المَدْح والذَمِّ في الإنسان .
قال : وإما أن تثْلِمَ عِرْضاً توْفيرُه أنفع للعَبْد من ثلمِه ، وإما أن تذهِب مالاً بقاؤُه خيرٌ له من ذَهابه ، أحْياناً الشَّهْوة المُحَرَّمة تُتْلف الأمْوال والحلال رخيص ، أما الحرام فغالٍ جداً ، إذْ يمْكن للواحد أن يدْفع مئات الآلاف على الحرام ، أما زوْجة طاهِرَة عفيفة ، يدْفعُ المَهْر مَرَّةً واحدة طوال حياته ، هي وما آتاها الله تعالى من جمال وخِدْمتها وخِبْرتها وتُنْجِبُ له الأوْلاد ، إذا أكَلْتَ الطعام مع أهْلك مهما كان غالٍ فَهُوَ رخيص ولكن بِأيِّ مطْعم بِعَشرة أمْثال ما تدْفع في البيت ، فالإنسان إذا فعل شيئاً مُحَرَّما ربَّما أتلَفَ مالاً بقاؤُه خيرٌ له من ذهابه .
وإما أن تضَعَ قَدْراً وجاهاً قِيامُه خيرٌ من وَضْعِهِ ، أكبر دوْلة وأعظمها في العالم ذهب حاكِمُها إلى المَحْكمة لِيُدْلي بِإفادَتِه حول تَحَرُّشِهِ بِفَتاة كانت تعْمل عنده ! أما الإنسان المُسْتقيم فَيَكون دائِماً مَرْفوع الرأس ، وطالَبَتْه تلك الفتاةُ بِثَلاثة ملايين دولار تعويضاً لها !! معنى هذا أنَّ كُلّ تَحَرُّش بِمَلْيون ، شيءٌ غالٍ !!
والإنسان يبْقى عزيز النفْس ورافِعَ الرأس ولو كان فقيراً ، ولو كان ضَعيفاً ، فالعِزَّة والكرامة، لا علاقة لها بالمال والقوَّة ، فقد تكون أضْعف إنسان بِهذه الدائِرة إلا أنَّك مُسْتقيم ، واسْتِقامَتُك تَحْمِلُكَ على أن ترْفع رأسَكَ نظيف اللِّسان والشَّخْصِيَّة واليد والخَلْفِيَّة ، هدفك واضِح، ولا شيء عندك تسْتحي به أبداً ، سِرُّكَ كَعَلانِيَّتِك ، وعلانِيَّتُك كَسِرِّك ، خَلْوَتُكَ كَجَلْوَتِك أرْوَع ما في حياة المؤمن أنه لا شيء عندهُ مُسْتحيل ! مرَة َّسمعنا عن إنسان له مكانة وكان له عمل ثانٍ خسيس ووضيع ، فَرَجُلٌ اسْتطاع أن يلْتَقِط له تسْجيلاً في أثْناء خَلْوَتِه الوَضيعة ، ونُشَر هذا التَّسْجيل ! فأصْبَحَ بِالوَحْل فمَن أسَرَّ سريرةً ألْبَسَهُ الله إياها ، هناك سَتْرٌ للإنسان فيما بينه وبين الله وسَتْرٌ فيما بينه وبين الناس ، فإذا خرق الإنسان سَتْرَهُ الذي مع الله خرَقَ الله له سَتْرَهُ مع الناس ، مهما كان الإنسان ذَكِياً ، فهذا إنسان معهُ إزْدِواج شَخْصِيَّة ، له حالة أمام الناس مَرَضِيَّة مَقْبولة ومُحْتَرَمة يُحافِظ عليها ، وله خَلْوات لا تُرْضي الله عز وجل ، فهذه الأخيرة أحْياناً تَتَسَرَّب لِحِكْمة إلهيَّة ، فإذا لم يَسْتحِ من الله تعالى في خَلْوته وأخْفاها عن الناس، خرقَ الله له هذا السِّتْر الذي بينه وبين الناس .
وإما أن تضَعَ قَدْراً وجاهاً قِيامُه خيرٌ من وَضْعِهِ ، وإما أنْ تسْلب نِعْمَةً بقاؤُها ألَذُّ وأطْيَبُ من قضاء الشَّهْوة ، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ألا يا رب شهوة ساعة أورثَت حُزْناً طويلاً " .
وإما أن تجْلب هَمًّا وغَمًّا وحُزْناً وخَوْفاً لا يُقارب لَذَّةَ الشَّهْوة ، فممكن للإنسان أن يغلط إلا أنّهَ بعد هذا ستكون فضيحة وانْهيار نفْسي ، فأنت يمكن أنْ تظنَّ الأمرً سَهْلاً إلا أنَّهُ في النتيجة صَعْب جداً .
وإما أن تُطَرِّقَ لِوَضيعٍ طريقاً إليك لم يكن يجدها قبل ذلك ؛ قد تكون إنساناً مُحْترماً وغلطْت وزلت قدمك ، فإذا بإنسان وضيع يأتي لِيُحقِّقَ معك ، ويُخَوِّفُك ويُهَدِّدُك ! فَغَلَطُكَ هذا جعل لإنسان وضيع طريقاً إليك ، ويُهَيْمِن عليك وصارت له سُلْطة ، فالمُسْتقيم لا يسْتطيع أحد أن ينال من كرامته ، أما المُنْحرف يَضْعفُ مَرْكزه .
إذاً إما أن تجْلب هَمًّا وغَمًّا وحُزْناً وخَوْفاً لا يُقارب لَذَّةَ الشَّهْوة ، وإما أن تُنْسي عِلْماً ذِكْرهُ ألذّ من نيل الشهوة ، قد ينسى المرء بعض العِلْم بالمعْصِيَة ، فالإنسان العاصي سميك الذِّهْن لأن الشَّهْوة حِجاب ، والله عز وجل يُعاقب المُنْحرف بأن يحْجب عنه علمه .
وإما أن تُشْمِتَ عَدُوًّا وتُحْزنَ ولِياً ؛ فإذا قَصَّر شخص مستقيم واسْتَحَقَّ العِقاب من الله ، فإنّ الكافر يشْمت به أشَدَّ الشماتة ، أما المؤمن فَيَحْزن عليه فعلى الإنسان قبل أن يعْصي الله أن يَعُدّ للملْيون ، فالشيطان يُزَيِّن له المعْصِيَة ويُهَوِّن عليه الأمور ، ثمَّ الأمْر ينْفجر ويتفاقَم .
وإما أن تقْطع الطريق على نِعْمة مُقْبلة ؛ فقد كان فلان مُوَفَّقاً ثمَّ أصْبح عديم التوفيق ، كان لديْك زوْجة ترْضى بك وهي مُمْتازة فلما سَمِعَتْ عنك هذه القِصَّة رَفَضَتْك ورفْضُها أوجعك.
وإما أن تُحْدِث عيْباً يُبقى صِفَةً لا تزول ، فإنَّ الأعمال تورث الصِّفات والأخلاق ، فهذه فقْرَةٌ مُوَفَّقَة جداً لِمُؤَلِّف هذا الكتاب ؛ الصبْر عن الشَّهْوة أسْهل ألْف مَرَّة من الصبْر على ما توجبه الشَّهْوة ! فهي إماً أن توجبَ ألماً وعُقوبةً ؛ هذا أوَّل شيء ، وإما أن تقْطع لذَّةً أكْمل منها ثانياً، وإما أن تقْطعَ وقْتاً إضاعَتُهُ حَسْرةٌ وندامة وهو الأمْر الثالث ، وإما أن تثلِمَ عِرْضاً توفيرُهُ أنفع للعبْد من ثلْمِه ، وإما أن تُذْهب مالاً بقاؤُه خيرٌ من ذهابه ، وإما أن تضع قدْراً وجاهاً قِيامهُ خيرٌ من وَضْعِهِ ، وإما أن تسلب نِعْمَةً بقاؤُها خيرٌ وألذُّ من قضاء الشَّهْوة ، وإما أن تُطَرِّقَ لِوَضيعٍ إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك ، وإما أن تجْلب هما وغماً وحُزْناً وخَوْفاً لا يُقاربُ لَذَّةَ الشَّهْوة ، وإما تنسي علماً ذكْره ألَذُّ من نَيْل الشَّهْوة ، وإما أن تُشْمِتَ عَدُوًّا ، وتُحْزِنَ وَلِياً ، وإما أن تقْطع الطريق على نِعْمَةٍ مُقْبِلَة وإما أن تُحْدِثَ عيْباً يبْقى صِفَةً لا تزول، فإنَّ الأعمال تورث الصِّفات والأخْلاق ، لذلك مُلَخَّصُ هذا الكلام كُلِّه قوله تعالى :
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب]
وبعدُ ، فانْطِلاقاً من حُبِّكَ لِنَفْسِك وحِرْصاً على سَلامتها وعلى سعادتها وسُمعتِها وعلى توفيقها وعلى فلاحها : أطِعْ أمْرَنا نرْفع لأجْلك حُجْبنا فإنا منَحْنا بالرِّضى من أحبَّنا
ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجَنابِنــا لِنَحْميك مما فيه أشْرار خلقنا
وعن ذِكْرنا لا يشْغلَنَّكَ شاغِلٌ وأخْلِص لنا تلقَ المَسَرَّة والهنا
وسَلِّمْ إلينا الأمْر في كلِّ ما يكن فما القرب والإبْعاد إلا بِأمْرنا

أيها الإخوة ، هذا الأمر يقتضي موضوعاً آخر أساسه آيةٌ كريمة وهي قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْر ٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة 216]
والله أيها الإخوة هذه الآية وحْدها تكْفي المؤمن ، إذْ تُلْقي في قلبه طُمأنينةً ورِضىً بما قدَّر الله له ! قال تعالى :
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
[سورة النساء]
فالآية الأولى في الجهاد وهو كمال القوَّة ، والآية الثانية في النِّكاح وهو كمال الشَّهْوة، فالإنسان يعْتزّ بِقُوَّتِه وشَهْوَته ، والعبد يكْرهُ أن يُواجه العدوّ بِقوته خشيةً على نفْسِه ، وهذا المكْروهُ خيرٌ له في معاشِهِ ومعاده ويُحِبُّ الموادعة والمتاركة ، وهذا المحْبوب شرّ له في معاده ومعاشِه .
الآن بالتاريخ البشَري ، الأُمَم التي قاوَمت أعْداءَها وضَحَّت وبذَلت الغالي والرخيص والنفْس والنفيس تَمَتَّعَتْ باستقلالها بعِزَّتِها وكرامتها ، ليس بعيداً عنكم هؤلاء الذين في الشمال ، قاوموا ثاني أكبر قُوَّة في العالم وانتَصروا عليها والشيء الآخر أنَّ العبْد قد يكْرهُ المرأة لِوَصْفٍ من أوْصافها ، وله في إمْساكِها خيرٌ كثير إلا أنَّهُ لا يعْرفُه ، ويُحِبُّ المرأة لِوَصْفٍ من أوْصافِها وله في إمْساكها شرٌّ كبير ، فالله تعالى يعْلم وأنت لا تعلم ! والقِصَّة التي تعْرفونها جميعاً أنّ رجلاً في المدينة تَزَوَّج امْرأةً فلما دَخَل بها لم تُعْجِبْهُ إطْلاقاً فتألَّمَ ألَماً شديداً وهام في اليوم الثاني على وجْهه ، وغاب عن المدينة عشرين عاماً ، قالتْ له كلمة حينما رأتْ أنَّهُ أعْرض عنها ولم تُعْجِبْهُ : قد يكون الخير كامناً في الشرّ ، قالوا: هذا الإنسان عاد بعْد عشرين سنة فَدَخَل إلى المسْجد فإذا به يطالعُهُ عالمٌ شابٌ جليل حَوْله أُلوفٌ مٌؤَلَّفة يُلْقي دَرْساً فإذا هو ابنه ! فقال : يا بُنَيّ قُلْ لأُمِّك :إنّ في الباب رجلاً يقول لك : قد يكون الخير كامنا في الشرّ ! قالتْ : يا بنَيّ إنَّهُ أبوك أحْياناً لا تهرب من بعْض صِفات زوْجتك ، وفيها كُلُّ الخيْر ، وأحْياناً تتَّجِه نحْو امْرأة فيها رِقَّة ، في دينها وبالنهاية كُلُّ الشَّرّ فيها ، لذلك من تَزَوَّج امْرأة لِجَمالها أذَلَّهُ الله ، ومن تزَوَّجها لِمالها أفْقَرَهُ الله ، ومن تَزَوَّجَها لِحَسَبِها زادَهُ الله دناءَةً ، فَعَليك بِذات الدِّين تَرِبَتْ يداك !
أخْطر فِكْرة بالدَّرْس ، قوله رحمه الله : لا ينبغي أن تجعل أيها الإنسان المعيار على ما يَضُرُّكَ وينْفعُك مَيْلُكَ وحُبُّك ، ونَفْرَتُكَ وبُغْضُك ، بل المِعْيار على ذلك ما اخْتارَهُ الله لك ، لذلك أجْمَل ما قيل في هذا المَعْنى قَوْل الإمام الغزالي : ليس في الإمكان أبْدع مما كان ، أنا أقول كلمة دائِماً: إذا كان الإنسان المؤمن عنده مُشْكلة ، وكنت لا أعلم تفْصيلها وإنما أعرف فقط مبْدأ المشْكلة ، أقول له : والله ، لو أنَّ الله سبحانه وتعالى كَشَفَ لك عن حِكْمهِ ماساقهُ إليك مِن مرضٍ أو من خوفٍ أو من فقْرٍ أو من مُشْكلةٍ أُسَرِيَّة أو من مشْكلة في العمل لَذابَتْ نَفْسُكَ كالشَّمْعة حُباً منك له سبحانه وتعالى ! لذلك مُلَخَّصُ علاقتك بالله يوم القِيامة قوله تعالى :
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة يونس]
لما انتهى أحد الدروس تَبِعَني أخٌ كريم وقال لديّ قِصَّة أتَمَنَّى أن أضَعَها بين يَدَيْك ، فقلْتُ تَفَضَّلْ ! وذَهَبْت به إلى البيت فقال : أنا مُلْتَزِم عندك بالمسْجد منذ عِدَّة سنوات ، لكِنَّك لا تعْرِفُني ، أنا رجُلٌّ دَرسْتُ بِفرنسا ، وأحمل شهادة عالية جداً بالكمبيوتر وبعيد عن الدِّين بِشَكْل كبير ، فما صلَّيْتُ ولا صُمْتُ إطْلاقاً ! وما من معْصِيَة تخْطر بالبال إلا فعلْتُها عدا القَتْل ، وعِشْتُ حياةً مُتَفَلِّتَة وأنْهَيْتُ الدِّراسة وعُدْتُ إلى الشام ، وعُيِّنْتُ بِمَرْكز جيِّد ، وله زوْجة مُتَفَلِّتَة مثله ، وجعلتُ من بيتي باراً- كلمة فرنسيَّة تعني خمارة - وحتى في أيام العيد أذهب أنا وزوْجتي إلى الفنادق ، وفجْأةً أُصِبْتُ بِمَرض نادر فالصورة أمامي تهْتزّ عشرين سنتمتراً ، وفقَدْتُ التوازن العضلي والحركي ، وعَرَضْتُ مرضي على أكثر من ثلاثين طبيباً بالشام فلا أحد منهم فَهِم نوع المرض ، فَذَهَبْتُ إلى فرنسا ؛ أوَّل ما وَصَلْتُ عَرَفوا أنَّ هذا المرض من أنْدر الأمراض بالعالم ونسبة حدوثه واحد بالثلاثة عشر مليوناً !! هكذا قال له الطبيب وهو من المختصين فيه ، والذي آلمني أنّه قال لي : سفرك إلينا وإقامتك في بلدك وعودتك إلى بلدك على حِساب فرنسا ؛ جعلوه حَقْل تجارب وبعد مُعالجة دامتْ سِتَّة أشْهر قال له الطبيب بالحَرْف الواحد : مرضك لا شِفاء له ، إلا أن تذهب إلى الهند واجْلس مع أصحاب اليوجا !! فعاد إلى الشام ، وكان له قريب يحْضر دُروس الجمعة والأحد فَحَمَلَهُ على أن يحْضر درْساً ، وكنت قد حَضَرْتُ لك درْساً قبل أن أُصاب بالمرض فَكُنْتَ أنت في واد وأنا في وادٍ آخر ! إذْ لا شيء يجْمعني معك ، فأنت تُفَسِّرُ القرآن وأنا أُفَكِّرُ في المعاصي ، هذا قبل المرض أما بعد المرض أصْغى قليلاً . هكذا قال : وأنَّهُ بعد ما سَمِعَ الدرْس وهو مريض دعا الله تعالى فقال : يا رب ، إذا شَفَيْتني أُصَلي ! وكانت هذه أوَّل حركة مني إلى الله ، في الدرْس الثاني قال لي قلتَ أنت : إنَّ الله تعالى لا يُشْترط عليه ولا يُجرب فعاد إلى البيت وصلى أوَّل صلاةٍ بِحَياته! ويقْسِم بالله وهو صادِق أنَّهُ بعد ساعة صَحَّتْ حركته وصَحَّ توافقه الحركي وشفاه الله عز وجل والْتَزَمَ واسْتقام وتاب ، بِرَبِّكم هذا المرض خيرٌ أم شرّ ؟! خيرٌ مطلق لولاه لما عرف الله ولا اسْتجاب له ، قِصَصٌ كثيرة على هذا المنوال إلا أنَّهُ يجب أن تعلم أنَّهُ ما من مصيبة على وجْه الأرْض إلا ولها حكمة بالغة بالغة ، لكن لا تجد من يعرف حِكَم المصائب ، ولكنْ هناك مبْدأ عام : كُلُّ شيء يقع أراده الله ، وكُلّ شيء أراده الله تعالى وقع ، وإرادته مُتَعلِّقَة بِحكمته المطلقة ، وحكمته المطلقة مُتَعَلِّقَة بالخير المُطْلق ، فالله عز وجل وَصَفَ أصْحاب الجنَّة في سورة القلم فقال : ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة القلم]
أيْ أيُّ عذابٍ يُساق للبشر من هذا القبيل ، لذلك لا ينبغي أن يجْعل الإنسان المِعْيار على ما يَضُرُّه وما ينفعُهُ مَيْلَهُ وحُبَّه ! لا أبداً ، إنما المِعْيار ما اخْتاره الله إليه ، اِخْتار لك دَخْلاً مَحْدوداً فالحمد لله رب العالمين ودَخْلاً غير مَحْدود فالحمد لله ، اخْتار لك مِهْنة صَعْبة فالحمد لله، وأخْرى سَهْلة فالحمد لله ، اخْتار لك بناتٍ فقط الحمد لله أو ذُكوراً فقط فالحمد لله ، واخْتار لك الاثنين فالحمد لله ، وأولاد نُجباء فالحمد لله. فهؤلاء الأنبياء وابتلوا بأبناء غير مُلتزمين ، واخْتار لك زوجة سيِّئة الحمد لله ، واخْتار لك بيْتاً ضيِّقاً الحمد لله ، وليس المعنى ألّا يُغَيِّرَ بيْته، فإذا استطاع التوسيع فليفعل ، أما إذا انتهى سَعْيُه هنا فلا ينتحر ، إنما عليه أن يرْضى بِقَضاء الله تعالى وقَدَرِه ، وهذه نقْطة دقيقة مَسْموحٌ لك بِرَفْع دَخْلك وتحْسين دَخْلك ، وتوسيع بيْتك ، وتحْسين مُستوى معيشتك إلا أنَّهُ لا يُسْمح لك أن تعْتَرِضَ على الله عز وجل حينما تنقطِع أمامك الوسائِل ، إذا غلبك أمْرٌ فقُل : حَسْبِيَ الله ونِعْم الوكيل ، أوْضَح مَثل: طالبٌ لا يدْرس ورَسَبَ فقال : حسبي الله ونعم الوكيل هذه زعبرة ، أما إذا درس دِراسة جيِّدة وأُصيب بِمَرض أيام الإمتحان حال بينه وبين الإمتحان فهنا يقول : حسبي الله ونِعْم والوكيل ، إذا غلبك أمْرٌ وقَهَرك شيءٌ طارئ فقل حسبي الله ونعم الوكيل ، أما من دون ذلك فاعْمَل لِآخرتك وأصْلح دُنْياك .
شرْحٌ لطيفٌ جداً ، قال : أنْفعُ الأشياء له على الإطْلاق طاعة ربِّه بِظَاهِرِه وباطنه ، من دون تَرَدُّد أوتريُّث أوتوقّف أطع الله ، ومُقابلها أسْعد شُعور وأعلى درجة نفْسِيَّة أن تشْعر أنَّك في طاعة الله تعالى ، فمن صَحَّتْ معْرفته بِرَبِّه وتَمَكَن من التفَقُّه في أسْمائِه وصِفاته عَلِمَ يقيناً أنّ المكْروهات التي تُصيبهُ والمِحَن التي تنْزل به فيها ضُروب مصالحه ومنافعه التي لا يُحْصيها، بل مصْلحة العبْد فيما يكْره أعْظم فيها مما يُحِبّ ، مَثَلاً من أمثلة الدنيا : تجد شخْصاً يتَحَرَّك حركتين فقط فإذا بِدَخْلِه اليومي ثلاثين ألفاً ، فهذا متى أصْبح حاله كذلك : لقد درس الطب ثلاثين سنة وتعِبَ وسَهِر حتى حصل على شهادة الاختصاص العليا وحُقَّ له الآن أن يمارس مهنته ويأخذ الآلاف من الدراهم أما لو أنَّهُ أمْضى سنوات شبابه بالنوم واللَّعِب فإنَّهُ لا يجد نفسه كذلك ، لذا الحياة مُتوازنة بِقَدْر ما تسْعى تنال ، وطَبِّق هذا على الآخرة : بِقَدْر ما تُجاهِد نفْسَكَ وهواك فلك عند الله مكانة عالية ، فعامَّة مصالِحِ النفوس في مكْروهاتها ، كما أنَّ عامَّة مضارِّها وأسْباب هَلَكَتِها في مَحْبوباتها ، والآن أنت في المسْجد جالسٌ على الأرض دون كُرسيّ ولا كأس شاي فقط هناك كلام ، أما بالبيْت تجْلس جلْسة مُريحة وتطلب كأس شاي وتمْزح وتضْحك دون أيَّة قُيود ، ثمَّ يأتي الإنسان إلى المسْجد ويترك البيت كي يطلب العِلْم ، والعِلْم يتراكم ، وتراكمه والعمل به يورث الاسْتِقامة ، والاسْتقامة عَيْن الكرامة ، أحد أكْبر أسباب التوفيق اسْتِقامتك ، وأحد أكْبر أسباب مكانتك ، أحد أكْبر أسباب تألّقك استقامتك ، أحد أكْبر أسباب رضاك بالله استقامتك قال : إنَّ عامَّة مصالِحِ النفوس في مكْروهاتها ، كما أنَّ عامَّة مضارِّها وأسْباب هَلَكَتِها في مَحْبوباتها ، مثَلاً ، لدينا بالبلاغة باب اسمه التَّشْبيه الضِّمْني، وهو أنّ فِكْرة مُجرَّدة غير واضِحَة تُشَبَّه بِمَثل حِسِّي
وإذا أراد الله نشْر فضيلةٍ طُوِيَتْ أتاح لها لِســـان حســود

لولا اشْتِعال النار فيما جاوَرَتْ ما كان يُعْرف طيبُ عُرْف العود

فإذا أراد إنسان أن ينشر فضْله بين الناس ، هَيَّأ الله تعالى له عَدُواً يَذُمُّه فإذا ذَمَّه انبرى الناس إلى مديحه فصارت له سُمْعة طيِّبة ، أين السبب ؟ الحسود ، فقطعة البخور لو لم تُشْعلها لما ظَهَر طيبها !
محمَّدٌ بشرٌ وليس كالبشر فهو جَوْهرة والناس كالحجر
فالجَوْهرة أساسها حجر ولكن ليس كالحجر العادي ، رأيْتُ جَوْهرة بإستنبول ثَمَنها مئة وخمسون مليون دولار ، وهي أكبر جَوْهرة بالعالم بِحَجْم البيْضة ، مَوْضوعة بِمَكان وإضاءة شديدة وكأنَّها الشَّمْس ، فالجَوْهر أصله حجر ، وهو فَحْم جاءهُ ضَغْطٌ شديد وحرٌّ شديد فأصبح ألْماساً ، الحُزْن خلاق أما النعيم فلا يخْلق شيئاً في الإنسان ، أحْياناً الخوف يقرِّبُك من الله ، وأحياناً الفقْر يجْعلك تبْكي من أجل أن تنفق شيئاً في سبيل الله قال تعالى :
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾
[سورة التوبة]
أحياناً يضعُكَ الله في ظَرْفٍ صَعْب يظْهر كمالك فيه ، فالحُزْن خلاق والضَّغْط الشديد يجْعلك ألْماساً كما أنَّ الحرارة تجعلك كذلك ، فالحرارة العالية والضَّغْط الشديد يحولان الحجر إلى ألماس والآن هناك ألْماس صِناعي يُسَمُّونه الزركون يأتون بالفحْم العادي يضغطونه ويجعلونه تحت الحرارة العالية فيُصبح ألْماساً إلا أنَّه عند الاسْتعمال يطفؤ أما الأصلي فلا، فهذا هو التشْبيه الضِّمني محمَّدٌ بشرٌ وليس كالبشر فهو جَوْهرة والناس كالحجر
فإن تفُقِ الأنام فأنت منهم فإنّ المِسْك بعض دَمِ الغزال
من يَهُن يسْهُل الهوان علي ه ما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيـــلام

وبعدُ فهناك مَثَل جميلٌ جداً يُوَضِّح هذه الآية ، قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة البقرة ]
انْظر إلى غارس جنَّةٍ من الجنات وهو البسْتان ، خبيرٍ بالفِلاحة ، غَرَسَ أشْجاراً وتعاهَدَها بالسّقْيِ والإصْلاح حتى أثْمَرَتْ أشْجارُها ، فأقْبَلَ عليها يفْصِل أوْصالها ، ويقطع أغْصانها لِعِلْمِه أنَّها لو تركتْ على حالها لم تطب ثِمارها ، والتَّقْليم بتْر بعض أغصانها الضعيفة وهو الذي يجْعل ثِمارَها يانِعَة ، فَيُطَعِّمُها من شَجَرة طيِّبَة الثَّمْرة حتى إذا الْتَحَمَتْ بها واتَّحَدَت وأعْطَتْ ثَمَرَتها ، أقْبل يُقَلِّمُها ويقْطع أغْصانها الضعيفة التي تُذْهبُ قُوَّتها ، ويُذيقها ألَمَ القطْع والحديد لِمَصْلَحَتِها وكمالها لِتَصْلُحَ ثَمَرَتها أن تكون بِحَضْرة المُلوك ، ثمَّ لا يدعُها ودواعي طبعها الشرب كلّ وقْتٍ بل يُعَطِّشُها وقْتاً ، ويسْقيها وَقْتاً ، والإخوة المُزارِعون يعْرِفون هذا الأمْر ، هناك شيء إذا عَطَّشْتهُ يجود ثَمَرُه ، ولا يتْرك لها الماء دائِماً وإن كان ذلك أنْضر لِوَرَقِها ، وأسْرع لنباتها بل يعْمد لِتِلْك الزِّينة التي زُيِّنَت بها من الأوْراق فَيُلْقي عنها كثيراً منها، ويساقط الأوراق حتى لا تسْتهلك الغِذاء وينقلب الغِذاء للثَّمْرة ، لأنّ تلك الزينة تَحول بين ثَمَرِها وبين نُضْجِها واسْتِوائِها كما في شَجَر العِنَب ونحْوِه فَهُوَ يقطع بعض أعضائها بالحديد ، ويُلْقي عنها كثيراً من زينتها ، وذلك عَيْنُ مَصْلحتها ، فلو أنَّها ذات تمْييز كالحيوان لَتَوَهَّمَتْ أنَّ ذلك إفْسادٌ لها ، وإضْرارٌ بها ، وإنَّما هو عين مصْلَحَتِها .
فالمُصيبة هذه هي مُشْكِلَتُها ؛ أنّ المؤمن يفْهَمُها وغيره لا يفْهَمُها ويشْقى بها أما المؤمن فَيَسْعَدُ بها .
قال : أحكم الحاكمين ، وأعلم العالمين ، وأرحم الراحمين ، وهو الذي أرْحم بِعِباده منهم من أنفسِهِم ، ومن آبائِهم وأُمَّهاتهم إذا أنْزل بهم ما يكْرهون كان لهم خيراً من ألّا يُنْزِلُه بهم ، نَظَراً منه لهم وإحْساناً إليهم ولُطْفاً بهم ، والدعاء النبوي الشَّهير:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا *
[ رواه أحمد ]
أيها الإخوة ، مِحْوَرُ هذا الدرْس قوله عليه الصلاة والسلام : والذي نفس محمد بيده - هذه بشارة لنا جميعاً إن شاء الله - لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له وليس ذلك لغيرالمؤمن.
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلمَ عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ *
[ رواه مسلم ]
فالله هو رب العالمين وهو المُرَبِّي وما عليك إلا أن تفْهم ترْبِيَتَهُ لك ، وأنا لي كلمة باللُّغة الدارجة : إذا فهِمْت على الله تكون قد قطعت أربع أخْماس الطريق إليه ، لماذا فعل بك هكذا ؟ ابْحث عن السبب ، فإذا بحثْتَ عنه بطل العجب .
حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتِ الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ *
[ رواه مسلم ]
إذا آمنت بالله واستَقَمْتَ على أمْره كان هذا كُلُّه خير ، وقد تجد أنَّ المَنْع عَينُ العطاء ، ربما منعَكَ فأعْطاك وربَّما أعْطاك فَمَنَعك ، ومِحْوَر الدرْس قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة البقرة ]
والحمد لله رب العالمين
[/align]


4 
عمرو شعبان

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، إنّ مِن أدَقِّ الموضوعات التي يهْتَمُّ لها المؤمن هذا الصِّراع المُسْتمرّ بين أن يُلَبِّي حاجَةً ، وبين أن يُطَبِّقَ أمْراً ، ما مِن يومٍ وما من ساعةٍ ، وما من دقيقة إلا وأنت بين شيئين : بين أن تُطيع وبين أن تسْتجيب لِنَزْعة أو رغْبة أو مَيْلٍ أو هوى .
هناك موضوع حوْل ما إذا كان الصبْر عن الشَّهْوة أسْهل ألف مرَّة من الصبْر على ما توجبه الشَّهْوة ، فَبَعْض الأئمَّة الكرام يُفَصِّل في هذا الموضوع يقول : الشَّهْوة إما أن توجب ألَماً أو عُقوبةً
ألا يا ربّ شَهْوة ساعة أورَثَتْ حزْناً طويلا
إنسان سافر إلى بلد آخر ، وعنده في بلده زوْجة وأولاد وهو مُحْترم اجتماعياً ، وله مكانة فَزَلَّتْ قَدَمُه هناك ، فأُصيب بِمَرض ولا يجْرؤ أن يذكر هذا المرَض خوْفاً من أن يسْقط من عيو ن الناس ، يقول مرَّةً : والله عانَيْتُ منه ستَّةَ عَشَر عاماً وأنا أتَألَّم وكُلُّ هذا الغلط والألم وهذا الحزْن وهذا الخوْف من شَهْوة ساعة
ألا يا ربّ شَهْوة ساعة أورَثَتْ حزْناً طويلا
فقال : الصبر عن الشَّهْوة أسْهل من الصبْر على ما توجبه الشَّهْوة ، ماذا توجب الشَّهْوة ؟ طبْعاً الشَّهْوة المُحَرَّمة ، قال تعالى :
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة القصص]
المعنى أنّ المُخالف الذي يتَّبِعُ هواه وَفْق هُدى الله لا شيء عليه ؛ اِشْتهى المرأة فَتَزَوَّج، واشْتهى المال فَعَمِلَ عمَلاً شريفاً ، واشْتهى أن يكون ذا سُمْعةِ طيِّبَة فأطاع الله عز وجل فهُوَ حَقَّقَ كُلَّ هذه الشَّهوات وِفْق منْهج الله تعالى ، فالإسْلام لا حِرْمان فيه ، هناك تنْظيم، وطهارة ونِظام وراحة نفْسِيَّة عَقِبَ كُلِّ شَهْوة يفْعلها الإنسان وَفْق منهج الله ، وأنا أُكَرِّر هذا المَثَل ؛ وهو أنَّ الإنسان قد يُقارب زوْجته ويصلي قيام الليل ، ويبْكي في قِيام الليل لأنَّهُ ما فعلَ شيئاً خِلاف منهج الله ، أما إنْ ملأ عَيْنَيْه مِن مَحاسِن امْرأة أجْنَبِيَّة لا تَحِلُّ له يُحْجَبُ عن الله ، نظْرَةٌ فقط تحْجب وعلاقة كاملة لا تحْجب ! هذه وفق منهج الله ، وتلك على خلاف منهج الله ، فالصبر عن الشَّهْوة أسْهل من الصبر على ما توجِبُه الشَّهْوة .
هذه الشَّهْوة إما أنْ توجب ألماً وعُقوبَةً ، وإما أن تقْطَعَ لذَّةً أكْمَل منها ، فلو أنَّ إنساناً زَلَّتْ قَدَمُه لَحُرِمَ لَذَّةً مَشْروعة أكْمل منها ، فهاتان امرأتان مثلاً إحداهما امْرأة مُنْحَرِفة ترى امْرأة مُلْتَزِمَة تحْمِلُ ابناً على يَدَيْها وتَرْعاه ولها زَوْج ومُحْتَرَمة اجْتِماعِياً ، ومُعَزَّزة ومُكَرَّمة ، وتأتيها حاجاتها إلى البيت ولا يجرؤ أحدٌ أن يُكَلِّمها كلمة ، لها زوْج مُحْتَرم ، فهذه أشْبَعَت رَغْبتها من الرِّجال ولكن وَفْق طريقٍ مَشْروع ، والثانِيَة تتألَّم وتتلَوَّى حَسْرَةً على ما هي فيه فالشهوة إذاً إما أن تُوجب ألماً وعُقوبَةً ، وإما أن تقْطع لَذَّةً أكْمل منها .
ذكر لي أحدهم ، وكان مُوَظفاً في التَّعْليم ، فقال : أنا لي جاهِلِيَّة ثمَّ تبْتُ إلى الله عز وجل ثم قال : والله ، ساعَةٌ مع زَوْجة طاهِرَة مُخْلِصَة عفيفة ومُحِبَّة أفْضل من مليون ساعة مع امْرأة مُنْحَرِفة .
إذاً : إما أنْ تُضَيِّعَ وَقْتاً إضاعَتُهُ حَسْرة وندامة ، وإما أن تثْلِمَ عِرْضاً توْفيرُه أنفع للعَبْد من ثلمه عِرْض الإنسان سُمْعَتُه ، وكلمة عِرْض يفْهمها الناس للنساء فقط ! بل العِرْض للنِّساء والرِّجال، العِرْض موْضِعُ المَدْح والذَمِّ في الإنسان ومن باب الدُّعابة أقول : عِرْض التاجِر دَفْعُه ما عليه فإذا لم يدْفع ما عليه انْتُهِكَ عِرْضُه ، وعِرْضُ المُدَرِّس أن تكون الأسْئِلة سِرِيَّة ، فإذا تَسَرَّبَتْ انْتُهِك عِرْضُه ، عِرْض الإنسان صِدْقُهُ فإذا كَذَب انتُهك عرضه كذلك ، فالعِرْض موضِعُ المَدْح والذَمِّ في الإنسان .
قال : وإما أن تثْلِمَ عِرْضاً توْفيرُه أنفع للعَبْد من ثلمِه ، وإما أن تذهِب مالاً بقاؤُه خيرٌ له من ذَهابه ، أحْياناً الشَّهْوة المُحَرَّمة تُتْلف الأمْوال والحلال رخيص ، أما الحرام فغالٍ جداً ، إذْ يمْكن للواحد أن يدْفع مئات الآلاف على الحرام ، أما زوْجة طاهِرَة عفيفة ، يدْفعُ المَهْر مَرَّةً واحدة طوال حياته ، هي وما آتاها الله تعالى من جمال وخِدْمتها وخِبْرتها وتُنْجِبُ له الأوْلاد ، إذا أكَلْتَ الطعام مع أهْلك مهما كان غالٍ فَهُوَ رخيص ولكن بِأيِّ مطْعم بِعَشرة أمْثال ما تدْفع في البيت ، فالإنسان إذا فعل شيئاً مُحَرَّما ربَّما أتلَفَ مالاً بقاؤُه خيرٌ له من ذهابه .
وإما أن تضَعَ قَدْراً وجاهاً قِيامُه خيرٌ من وَضْعِهِ ، أكبر دوْلة وأعظمها في العالم ذهب حاكِمُها إلى المَحْكمة لِيُدْلي بِإفادَتِه حول تَحَرُّشِهِ بِفَتاة كانت تعْمل عنده ! أما الإنسان المُسْتقيم فَيَكون دائِماً مَرْفوع الرأس ، وطالَبَتْه تلك الفتاةُ بِثَلاثة ملايين دولار تعويضاً لها !! معنى هذا أنَّ كُلّ تَحَرُّش بِمَلْيون ، شيءٌ غالٍ !!
والإنسان يبْقى عزيز النفْس ورافِعَ الرأس ولو كان فقيراً ، ولو كان ضَعيفاً ، فالعِزَّة والكرامة، لا علاقة لها بالمال والقوَّة ، فقد تكون أضْعف إنسان بِهذه الدائِرة إلا أنَّك مُسْتقيم ، واسْتِقامَتُك تَحْمِلُكَ على أن ترْفع رأسَكَ نظيف اللِّسان والشَّخْصِيَّة واليد والخَلْفِيَّة ، هدفك واضِح، ولا شيء عندك تسْتحي به أبداً ، سِرُّكَ كَعَلانِيَّتِك ، وعلانِيَّتُك كَسِرِّك ، خَلْوَتُكَ كَجَلْوَتِك أرْوَع ما في حياة المؤمن أنه لا شيء عندهُ مُسْتحيل ! مرَة َّسمعنا عن إنسان له مكانة وكان له عمل ثانٍ خسيس ووضيع ، فَرَجُلٌ اسْتطاع أن يلْتَقِط له تسْجيلاً في أثْناء خَلْوَتِه الوَضيعة ، ونُشَر هذا التَّسْجيل ! فأصْبَحَ بِالوَحْل فمَن أسَرَّ سريرةً ألْبَسَهُ الله إياها ، هناك سَتْرٌ للإنسان فيما بينه وبين الله وسَتْرٌ فيما بينه وبين الناس ، فإذا خرق الإنسان سَتْرَهُ الذي مع الله خرَقَ الله له سَتْرَهُ مع الناس ، مهما كان الإنسان ذَكِياً ، فهذا إنسان معهُ إزْدِواج شَخْصِيَّة ، له حالة أمام الناس مَرَضِيَّة مَقْبولة ومُحْتَرَمة يُحافِظ عليها ، وله خَلْوات لا تُرْضي الله عز وجل ، فهذه الأخيرة أحْياناً تَتَسَرَّب لِحِكْمة إلهيَّة ، فإذا لم يَسْتحِ من الله تعالى في خَلْوته وأخْفاها عن الناس، خرقَ الله له هذا السِّتْر الذي بينه وبين الناس .

وإما أن تضَعَ قَدْراً وجاهاً قِيامُه خيرٌ من وَضْعِهِ ، وإما أنْ تسْلب نِعْمَةً بقاؤُها ألَذُّ وأطْيَبُ من قضاء الشَّهْوة ، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ألا يا رب شهوة ساعة أورثَت حُزْناً طويلاً " .
وإما أن تجْلب هَمًّا وغَمًّا وحُزْناً وخَوْفاً لا يُقارب لَذَّةَ الشَّهْوة ، فممكن للإنسان أن يغلط إلا أنّهَ بعد هذا ستكون فضيحة وانْهيار نفْسي ، فأنت يمكن أنْ تظنَّ الأمرً سَهْلاً إلا أنَّهُ في النتيجة صَعْب جداً .
وإما أن تُطَرِّقَ لِوَضيعٍ طريقاً إليك لم يكن يجدها قبل ذلك ؛ قد تكون إنساناً مُحْترماً وغلطْت وزلت قدمك ، فإذا بإنسان وضيع يأتي لِيُحقِّقَ معك ، ويُخَوِّفُك ويُهَدِّدُك ! فَغَلَطُكَ هذا جعل لإنسان وضيع طريقاً إليك ، ويُهَيْمِن عليك وصارت له سُلْطة ، فالمُسْتقيم لا يسْتطيع أحد أن ينال من كرامته ، أما المُنْحرف يَضْعفُ مَرْكزه .
إذاً إما أن تجْلب هَمًّا وغَمًّا وحُزْناً وخَوْفاً لا يُقارب لَذَّةَ الشَّهْوة ، وإما أن تُنْسي عِلْماً ذِكْرهُ ألذّ من نيل الشهوة ، قد ينسى المرء بعض العِلْم بالمعْصِيَة ، فالإنسان العاصي سميك الذِّهْن لأن الشَّهْوة حِجاب ، والله عز وجل يُعاقب المُنْحرف بأن يحْجب عنه علمه .
وإما أن تُشْمِتَ عَدُوًّا وتُحْزنَ ولِياً ؛ فإذا قَصَّر شخص مستقيم واسْتَحَقَّ العِقاب من الله ، فإنّ الكافر يشْمت به أشَدَّ الشماتة ، أما المؤمن فَيَحْزن عليه فعلى الإنسان قبل أن يعْصي الله أن يَعُدّ للملْيون ، فالشيطان يُزَيِّن له المعْصِيَة ويُهَوِّن عليه الأمور ، ثمَّ الأمْر ينْفجر ويتفاقَم .
وإما أن تقْطع الطريق على نِعْمة مُقْبلة ؛ فقد كان فلان مُوَفَّقاً ثمَّ أصْبح عديم التوفيق ، كان لديْك زوْجة ترْضى بك وهي مُمْتازة فلما سَمِعَتْ عنك هذه القِصَّة رَفَضَتْك ورفْضُها أوجعك.
وإما أن تُحْدِث عيْباً يُبقى صِفَةً لا تزول ، فإنَّ الأعمال تورث الصِّفات والأخلاق ، فهذه فقْرَةٌ مُوَفَّقَة جداً لِمُؤَلِّف هذا الكتاب ؛ الصبْر عن الشَّهْوة أسْهل ألْف مَرَّة من الصبْر على ما توجبه الشَّهْوة ! فهي إماً أن توجبَ ألماً وعُقوبةً ؛ هذا أوَّل شيء ، وإما أن تقْطع لذَّةً أكْمل منها ثانياً، وإما أن تقْطعَ وقْتاً إضاعَتُهُ حَسْرةٌ وندامة وهو الأمْر الثالث ، وإما أن تثلِمَ عِرْضاً توفيرُهُ أنفع للعبْد من ثلْمِه ، وإما أن تُذْهب مالاً بقاؤُه خيرٌ من ذهابه ، وإما أن تضع قدْراً وجاهاً قِيامهُ خيرٌ من وَضْعِهِ ، وإما أن تسلب نِعْمَةً بقاؤُها خيرٌ وألذُّ من قضاء الشَّهْوة ، وإما أن تُطَرِّقَ لِوَضيعٍ إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك ، وإما أن تجْلب هما وغماً وحُزْناً وخَوْفاً لا يُقاربُ لَذَّةَ الشَّهْوة ، وإما تنسي علماً ذكْره ألَذُّ من نَيْل الشَّهْوة ، وإما أن تُشْمِتَ عَدُوًّا ، وتُحْزِنَ وَلِياً ، وإما أن تقْطع الطريق على نِعْمَةٍ مُقْبِلَة وإما أن تُحْدِثَ عيْباً يبْقى صِفَةً لا تزول، فإنَّ الأعمال تورث الصِّفات والأخْلاق ، لذلك مُلَخَّصُ هذا الكلام كُلِّه قوله تعالى :
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب]
وبعدُ ، فانْطِلاقاً من حُبِّكَ لِنَفْسِك وحِرْصاً على سَلامتها وعلى سعادتها وسُمعتِها وعلى توفيقها وعلى فلاحها : أطِعْ أمْرَنا نرْفع لأجْلك حُجْبنا فإنا منَحْنا بالرِّضى من أحبَّنا
ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجَنابِنــا لِنَحْميك مما فيه أشْرار خلقنا
وعن ذِكْرنا لا يشْغلَنَّكَ شاغِلٌ وأخْلِص لنا تلقَ المَسَرَّة والهنا
وسَلِّمْ إلينا الأمْر في كلِّ ما يكن فما القرب والإبْعاد إلا بِأمْرنا

أيها الإخوة ، هذا الأمر يقتضي موضوعاً آخر أساسه آيةٌ كريمة وهي قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْر ٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة 216]
والله أيها الإخوة هذه الآية وحْدها تكْفي المؤمن ، إذْ تُلْقي في قلبه طُمأنينةً ورِضىً بما قدَّر الله له ! قال تعالى :
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
[سورة النساء]
فالآية الأولى في الجهاد وهو كمال القوَّة ، والآية الثانية في النِّكاح وهو كمال الشَّهْوة، فالإنسان يعْتزّ بِقُوَّتِه وشَهْوَته ، والعبد يكْرهُ أن يُواجه العدوّ بِقوته خشيةً على نفْسِه ، وهذا المكْروهُ خيرٌ له في معاشِهِ ومعاده ويُحِبُّ الموادعة والمتاركة ، وهذا المحْبوب شرّ له في معاده ومعاشِه .
الآن بالتاريخ البشَري ، الأُمَم التي قاوَمت أعْداءَها وضَحَّت وبذَلت الغالي والرخيص والنفْس والنفيس تَمَتَّعَتْ باستقلالها بعِزَّتِها وكرامتها ، ليس بعيداً عنكم هؤلاء الذين في الشمال ، قاوموا ثاني أكبر قُوَّة في العالم وانتَصروا عليها والشيء الآخر أنَّ العبْد قد يكْرهُ المرأة لِوَصْفٍ من أوْصافها ، وله في إمْساكِها خيرٌ كثير إلا أنَّهُ لا يعْرفُه ، ويُحِبُّ المرأة لِوَصْفٍ من أوْصافِها وله في إمْساكها شرٌّ كبير ، فالله تعالى يعْلم وأنت لا تعلم ! والقِصَّة التي تعْرفونها جميعاً أنّ رجلاً في المدينة تَزَوَّج امْرأةً فلما دَخَل بها لم تُعْجِبْهُ إطْلاقاً فتألَّمَ ألَماً شديداً وهام في اليوم الثاني على وجْهه ، وغاب عن المدينة عشرين عاماً ، قالتْ له كلمة حينما رأتْ أنَّهُ أعْرض عنها ولم تُعْجِبْهُ : قد يكون الخير كامناً في الشرّ ، قالوا: هذا الإنسان عاد بعْد عشرين سنة فَدَخَل إلى المسْجد فإذا به يطالعُهُ عالمٌ شابٌ جليل حَوْله أُلوفٌ مٌؤَلَّفة يُلْقي دَرْساً فإذا هو ابنه ! فقال : يا بُنَيّ قُلْ لأُمِّك :إنّ في الباب رجلاً يقول لك : قد يكون الخير كامنا في الشرّ ! قالتْ : يا بنَيّ إنَّهُ أبوك أحْياناً لا تهرب من بعْض صِفات زوْجتك ، وفيها كُلُّ الخيْر ، وأحْياناً تتَّجِه نحْو امْرأة فيها رِقَّة ، في دينها وبالنهاية كُلُّ الشَّرّ فيها ، لذلك من تَزَوَّج امْرأة لِجَمالها أذَلَّهُ الله ، ومن تزَوَّجها لِمالها أفْقَرَهُ الله ، ومن تَزَوَّجَها لِحَسَبِها زادَهُ الله دناءَةً ، فَعَليك بِذات الدِّين تَرِبَتْ يداك !
أخْطر فِكْرة بالدَّرْس ، قوله رحمه الله : لا ينبغي أن تجعل أيها الإنسان المعيار على ما يَضُرُّكَ وينْفعُك مَيْلُكَ وحُبُّك ، ونَفْرَتُكَ وبُغْضُك ، بل المِعْيار على ذلك ما اخْتارَهُ الله لك ، لذلك أجْمَل ما قيل في هذا المَعْنى قَوْل الإمام الغزالي : ليس في الإمكان أبْدع مما كان ، أنا أقول كلمة دائِماً: إذا كان الإنسان المؤمن عنده مُشْكلة ، وكنت لا أعلم تفْصيلها وإنما أعرف فقط مبْدأ المشْكلة ، أقول له : والله ، لو أنَّ الله سبحانه وتعالى كَشَفَ لك عن حِكْمهِ ماساقهُ إليك مِن مرضٍ أو من خوفٍ أو من فقْرٍ أو من مُشْكلةٍ أُسَرِيَّة أو من مشْكلة في العمل لَذابَتْ نَفْسُكَ كالشَّمْعة حُباً منك له سبحانه وتعالى ! لذلك مُلَخَّصُ علاقتك بالله يوم القِيامة قوله تعالى :
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة يونس]
لما انتهى أحد الدروس تَبِعَني أخٌ كريم وقال لديّ قِصَّة أتَمَنَّى أن أضَعَها بين يَدَيْك ، فقلْتُ تَفَضَّلْ ! وذَهَبْت به إلى البيت فقال : أنا مُلْتَزِم عندك بالمسْجد منذ عِدَّة سنوات ، لكِنَّك لا تعْرِفُني ، أنا رجُلٌّ دَرسْتُ بِفرنسا ، وأحمل شهادة عالية جداً بالكمبيوتر وبعيد عن الدِّين بِشَكْل كبير ، فما صلَّيْتُ ولا صُمْتُ إطْلاقاً ! وما من معْصِيَة تخْطر بالبال إلا فعلْتُها عدا القَتْل ، وعِشْتُ حياةً مُتَفَلِّتَة وأنْهَيْتُ الدِّراسة وعُدْتُ إلى الشام ، وعُيِّنْتُ بِمَرْكز جيِّد ، وله زوْجة مُتَفَلِّتَة مثله ، وجعلتُ من بيتي باراً- كلمة فرنسيَّة تعني خمارة - وحتى في أيام العيد أذهب أنا وزوْجتي إلى الفنادق ، وفجْأةً أُصِبْتُ بِمَرض نادر فالصورة أمامي تهْتزّ عشرين سنتمتراً ، وفقَدْتُ التوازن العضلي والحركي ، وعَرَضْتُ مرضي على أكثر من ثلاثين طبيباً بالشام فلا أحد منهم فَهِم نوع المرض ، فَذَهَبْتُ إلى فرنسا ؛ أوَّل ما وَصَلْتُ عَرَفوا أنَّ هذا المرض من أنْدر الأمراض بالعالم ونسبة حدوثه واحد بالثلاثة عشر مليوناً !! هكذا قال له الطبيب وهو من المختصين فيه ، والذي آلمني أنّه قال لي : سفرك إلينا وإقامتك في بلدك وعودتك إلى بلدك على حِساب فرنسا ؛ جعلوه حَقْل تجارب وبعد مُعالجة دامتْ سِتَّة أشْهر قال له الطبيب بالحَرْف الواحد : مرضك لا شِفاء له ، إلا أن تذهب إلى الهند واجْلس مع أصحاب اليوجا !! فعاد إلى الشام ، وكان له قريب يحْضر دُروس الجمعة والأحد فَحَمَلَهُ على أن يحْضر درْساً ، وكنت قد حَضَرْتُ لك درْساً قبل أن أُصاب بالمرض فَكُنْتَ أنت في واد وأنا في وادٍ آخر ! إذْ لا شيء يجْمعني معك ، فأنت تُفَسِّرُ القرآن وأنا أُفَكِّرُ في المعاصي ، هذا قبل المرض أما بعد المرض أصْغى قليلاً . هكذا قال : وأنَّهُ بعد ما سَمِعَ الدرْس وهو مريض دعا الله تعالى فقال : يا رب ، إذا شَفَيْتني أُصَلي ! وكانت هذه أوَّل حركة مني إلى الله ، في الدرْس الثاني قال لي قلتَ أنت : إنَّ الله تعالى لا يُشْترط عليه ولا يُجرب فعاد إلى البيت وصلى أوَّل صلاةٍ بِحَياته! ويقْسِم بالله وهو صادِق أنَّهُ بعد ساعة صَحَّتْ حركته وصَحَّ توافقه الحركي وشفاه الله عز وجل والْتَزَمَ واسْتقام وتاب ، بِرَبِّكم هذا المرض خيرٌ أم شرّ ؟! خيرٌ مطلق لولاه لما عرف الله ولا اسْتجاب له ، قِصَصٌ كثيرة على هذا المنوال إلا أنَّهُ يجب أن تعلم أنَّهُ ما من مصيبة على وجْه الأرْض إلا ولها حكمة بالغة بالغة ، لكن لا تجد من يعرف حِكَم المصائب ، ولكنْ هناك مبْدأ عام : كُلُّ شيء يقع أراده الله ، وكُلّ شيء أراده الله تعالى وقع ، وإرادته مُتَعلِّقَة بِحكمته المطلقة ، وحكمته المطلقة مُتَعَلِّقَة بالخير المُطْلق ، فالله عز وجل وَصَفَ أصْحاب الجنَّة في سورة القلم فقال : ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة القلم]
أيْ أيُّ عذابٍ يُساق للبشر من هذا القبيل ، لذلك لا ينبغي أن يجْعل الإنسان المِعْيار على ما يَضُرُّه وما ينفعُهُ مَيْلَهُ وحُبَّه ! لا أبداً ، إنما المِعْيار ما اخْتاره الله إليه ، اِخْتار لك دَخْلاً مَحْدوداً فالحمد لله رب العالمين ودَخْلاً غير مَحْدود فالحمد لله ، اخْتار لك مِهْنة صَعْبة فالحمد لله، وأخْرى سَهْلة فالحمد لله ، اخْتار لك بناتٍ فقط الحمد لله أو ذُكوراً فقط فالحمد لله ، واخْتار لك الاثنين فالحمد لله ، وأولاد نُجباء فالحمد لله. فهؤلاء الأنبياء وابتلوا بأبناء غير مُلتزمين ، واخْتار لك زوجة سيِّئة الحمد لله ، واخْتار لك بيْتاً ضيِّقاً الحمد لله ، وليس المعنى ألّا يُغَيِّرَ بيْته، فإذا استطاع التوسيع فليفعل ، أما إذا انتهى سَعْيُه هنا فلا ينتحر ، إنما عليه أن يرْضى بِقَضاء الله تعالى وقَدَرِه ، وهذه نقْطة دقيقة مَسْموحٌ لك بِرَفْع دَخْلك وتحْسين دَخْلك ، وتوسيع بيْتك ، وتحْسين مُستوى معيشتك إلا أنَّهُ لا يُسْمح لك أن تعْتَرِضَ على الله عز وجل حينما تنقطِع أمامك الوسائِل ، إذا غلبك أمْرٌ فقُل : حَسْبِيَ الله ونِعْم الوكيل ، أوْضَح مَثل: طالبٌ لا يدْرس ورَسَبَ فقال : حسبي الله ونعم الوكيل هذه زعبرة ، أما إذا درس دِراسة جيِّدة وأُصيب بِمَرض أيام الإمتحان حال بينه وبين الإمتحان فهنا يقول : حسبي الله ونِعْم والوكيل ، إذا غلبك أمْرٌ وقَهَرك شيءٌ طارئ فقل حسبي الله ونعم الوكيل ، أما من دون ذلك فاعْمَل لِآخرتك وأصْلح دُنْياك .
شرْحٌ لطيفٌ جداً ، قال : أنْفعُ الأشياء له على الإطْلاق طاعة ربِّه بِظَاهِرِه وباطنه ، من دون تَرَدُّد أوتريُّث أوتوقّف أطع الله ، ومُقابلها أسْعد شُعور وأعلى درجة نفْسِيَّة أن تشْعر أنَّك في طاعة الله تعالى ، فمن صَحَّتْ معْرفته بِرَبِّه وتَمَكَن من التفَقُّه في أسْمائِه وصِفاته عَلِمَ يقيناً أنّ المكْروهات التي تُصيبهُ والمِحَن التي تنْزل به فيها ضُروب مصالحه ومنافعه التي لا يُحْصيها، بل مصْلحة العبْد فيما يكْره أعْظم فيها مما يُحِبّ ، مَثَلاً من أمثلة الدنيا : تجد شخْصاً يتَحَرَّك حركتين فقط فإذا بِدَخْلِه اليومي ثلاثين ألفاً ، فهذا متى أصْبح حاله كذلك : لقد درس الطب ثلاثين سنة وتعِبَ وسَهِر حتى حصل على شهادة الاختصاص العليا وحُقَّ له الآن أن يمارس مهنته ويأخذ الآلاف من الدراهم أما لو أنَّهُ أمْضى سنوات شبابه بالنوم واللَّعِب فإنَّهُ لا يجد نفسه كذلك ، لذا الحياة مُتوازنة بِقَدْر ما تسْعى تنال ، وطَبِّق هذا على الآخرة : بِقَدْر ما تُجاهِد نفْسَكَ وهواك فلك عند الله مكانة عالية ، فعامَّة مصالِحِ النفوس في مكْروهاتها ، كما أنَّ عامَّة مضارِّها وأسْباب هَلَكَتِها في مَحْبوباتها ، والآن أنت في المسْجد جالسٌ على الأرض دون كُرسيّ ولا كأس شاي فقط هناك كلام ، أما بالبيْت تجْلس جلْسة مُريحة وتطلب كأس شاي وتمْزح وتضْحك دون أيَّة قُيود ، ثمَّ يأتي الإنسان إلى المسْجد ويترك البيت كي يطلب العِلْم ، والعِلْم يتراكم ، وتراكمه والعمل به يورث الاسْتِقامة ، والاسْتقامة عَيْن الكرامة ، أحد أكْبر أسباب التوفيق اسْتِقامتك ، وأحد أكْبر أسباب مكانتك ، أحد أكْبر أسباب تألّقك استقامتك ، أحد أكْبر أسباب رضاك بالله استقامتك قال : إنَّ عامَّة مصالِحِ النفوس في مكْروهاتها ، كما أنَّ عامَّة مضارِّها وأسْباب هَلَكَتِها في مَحْبوباتها ، مثَلاً ، لدينا بالبلاغة باب اسمه التَّشْبيه الضِّمْني، وهو أنّ فِكْرة مُجرَّدة غير واضِحَة تُشَبَّه بِمَثل حِسِّي
وإذا أراد الله نشْر فضيلةٍ طُوِيَتْ أتاح لها لِســـان حســود
لولا اشْتِعال النار فيما جاوَرَتْ ما كان يُعْرف طيبُ عُرْف العود

فإذا أراد إنسان أن ينشر فضْله بين الناس ، هَيَّأ الله تعالى له عَدُواً يَذُمُّه فإذا ذَمَّه انبرى الناس إلى مديحه فصارت له سُمْعة طيِّبة ، أين السبب ؟ الحسود ، فقطعة البخور لو لم تُشْعلها لما ظَهَر طيبها !
محمَّدٌ بشرٌ وليس كالبشر فهو جَوْهرة والناس كالحجر
فالجَوْهرة أساسها حجر ولكن ليس كالحجر العادي ، رأيْتُ جَوْهرة بإستنبول ثَمَنها مئة وخمسون مليون دولار ، وهي أكبر جَوْهرة بالعالم بِحَجْم البيْضة ، مَوْضوعة بِمَكان وإضاءة شديدة وكأنَّها الشَّمْس ، فالجَوْهر أصله حجر ، وهو فَحْم جاءهُ ضَغْطٌ شديد وحرٌّ شديد فأصبح ألْماساً ، الحُزْن خلاق أما النعيم فلا يخْلق شيئاً في الإنسان ، أحْياناً الخوف يقرِّبُك من الله ، وأحياناً الفقْر يجْعلك تبْكي من أجل أن تنفق شيئاً في سبيل الله قال تعالى :
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾
[سورة التوبة]
أحياناً يضعُكَ الله في ظَرْفٍ صَعْب يظْهر كمالك فيه ، فالحُزْن خلاق والضَّغْط الشديد يجْعلك ألْماساً كما أنَّ الحرارة تجعلك كذلك ، فالحرارة العالية والضَّغْط الشديد يحولان الحجر إلى ألماس والآن هناك ألْماس صِناعي يُسَمُّونه الزركون يأتون بالفحْم العادي يضغطونه ويجعلونه تحت الحرارة العالية فيُصبح ألْماساً إلا أنَّه عند الاسْتعمال يطفؤ أما الأصلي فلا، فهذا هو التشْبيه الضِّمني محمَّدٌ بشرٌ وليس كالبشر فهو جَوْهرة والناس كالحجر
فإن تفُقِ الأنام فأنت منهم فإنّ المِسْك بعض دَمِ الغزال
من يَهُن يسْهُل الهوان علي ه ما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيـــلام

وبعدُ فهناك مَثَل جميلٌ جداً يُوَضِّح هذه الآية ، قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة البقرة ]
انْظر إلى غارس جنَّةٍ من الجنات وهو البسْتان ، خبيرٍ بالفِلاحة ، غَرَسَ أشْجاراً وتعاهَدَها بالسّقْيِ والإصْلاح حتى أثْمَرَتْ أشْجارُها ، فأقْبَلَ عليها يفْصِل أوْصالها ، ويقطع أغْصانها لِعِلْمِه أنَّها لو تركتْ على حالها لم تطب ثِمارها ، والتَّقْليم بتْر بعض أغصانها الضعيفة وهو الذي يجْعل ثِمارَها يانِعَة ، فَيُطَعِّمُها من شَجَرة طيِّبَة الثَّمْرة حتى إذا الْتَحَمَتْ بها واتَّحَدَت وأعْطَتْ ثَمَرَتها ، أقْبل يُقَلِّمُها ويقْطع أغْصانها الضعيفة التي تُذْهبُ قُوَّتها ، ويُذيقها ألَمَ القطْع والحديد لِمَصْلَحَتِها وكمالها لِتَصْلُحَ ثَمَرَتها أن تكون بِحَضْرة المُلوك ، ثمَّ لا يدعُها ودواعي طبعها الشرب كلّ وقْتٍ بل يُعَطِّشُها وقْتاً ، ويسْقيها وَقْتاً ، والإخوة المُزارِعون يعْرِفون هذا الأمْر ، هناك شيء إذا عَطَّشْتهُ يجود ثَمَرُه ، ولا يتْرك لها الماء دائِماً وإن كان ذلك أنْضر لِوَرَقِها ، وأسْرع لنباتها بل يعْمد لِتِلْك الزِّينة التي زُيِّنَت بها من الأوْراق فَيُلْقي عنها كثيراً منها، ويساقط الأوراق حتى لا تسْتهلك الغِذاء وينقلب الغِذاء للثَّمْرة ، لأنّ تلك الزينة تَحول بين ثَمَرِها وبين نُضْجِها واسْتِوائِها كما في شَجَر العِنَب ونحْوِه فَهُوَ يقطع بعض أعضائها بالحديد ، ويُلْقي عنها كثيراً من زينتها ، وذلك عَيْنُ مَصْلحتها ، فلو أنَّها ذات تمْييز كالحيوان لَتَوَهَّمَتْ أنَّ ذلك إفْسادٌ لها ، وإضْرارٌ بها ، وإنَّما هو عين مصْلَحَتِها .
فالمُصيبة هذه هي مُشْكِلَتُها ؛ أنّ المؤمن يفْهَمُها وغيره لا يفْهَمُها ويشْقى بها أما المؤمن فَيَسْعَدُ بها .
قال : أحكم الحاكمين ، وأعلم العالمين ، وأرحم الراحمين ، وهو الذي أرْحم بِعِباده منهم من أنفسِهِم ، ومن آبائِهم وأُمَّهاتهم إذا أنْزل بهم ما يكْرهون كان لهم خيراً من ألّا يُنْزِلُه بهم ، نَظَراً منه لهم وإحْساناً إليهم ولُطْفاً بهم ، والدعاء النبوي الشَّهير:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا *
[ رواه أحمد ]
أيها الإخوة ، مِحْوَرُ هذا الدرْس قوله عليه الصلاة والسلام : والذي نفس محمد بيده - هذه بشارة لنا جميعاً إن شاء الله - لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له وليس ذلك لغيرالمؤمن.
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلمَ عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ *
[ رواه مسلم ]
فالله هو رب العالمين وهو المُرَبِّي وما عليك إلا أن تفْهم ترْبِيَتَهُ لك ، وأنا لي كلمة باللُّغة الدارجة : إذا فهِمْت على الله تكون قد قطعت أربع أخْماس الطريق إليه ، لماذا فعل بك هكذا ؟ ابْحث عن السبب ، فإذا بحثْتَ عنه بطل العجب .
حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتِ الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ *
[ رواه مسلم ]
إذا آمنت بالله واستَقَمْتَ على أمْره كان هذا كُلُّه خير ، وقد تجد أنَّ المَنْع عَينُ العطاء ، ربما منعَكَ فأعْطاك وربَّما أعْطاك فَمَنَعك ، ومِحْوَر الدرْس قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة البقرة ]
والحمد لله رب العالمين
[/align]



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.