العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
اسيل


[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

مطلع الشمس



بسم الله الرحمن الرحيم




و الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد

لقد كتبت من قبل عن يأجوج ومأجوج وكتبت انني سوف اتطرق في موضوعاً اخر عن مطلِع الشمس ومغربها او مطالع الشمس ومغاربها لصلتها بقصة ذي القرنين لقد بحثت وقراءة واجتهد كثيراُ في الكتب والمواقع الالكترونيه وجدت العديد من الكُتٌاب منهم من يستدل من القران والسنه و يكتب لوجه الله ولا يريد جزاءً ولا شكوراً وإنما يريد العظةِ والعبره لاٌولو الالباب للذين يعقلون ومنهم من يستدل بمن قالوا وقيل ويقولون... من هم لا ندري؟!!.. انه فقط يريد الشهره والمال ويدعي انه طبع من كتابه اربعين الف نسخه لفكه سر يأجوج ومأجوج ونحن نعلم ان يأجوج ومأجوج من علامات الساعه الكبرى والعلامات الكبرى لا يعلمها الا الله نعم انا ايضا كتبت عن يأجوج ومأجوج ولكن لم ادعي انني وجدت ردم يأجوج ومأجوج ووقفت على شرفته....لكن حيرتني هذه القصة كثيراً ...

مطلع الشمس

ذكر طلوع الشمس وغروبها في ايات عده قال الله تعالى

وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: 39]،

130 {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها} طه:

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ }الكهف17

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَة)الكهف86 )

الكهف90 ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا )

قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }البقرة258


لاحظ ان الله سبحانه وتعالى خص الشمس بالطلوع ولم يذكر لنا سبحانه وتعالى بدوران الأرض حول نفسها كنت دائما افكر كيف تدور الارض بينما ان الله سبحانه يخص كل الايات التي ذكرت فيها الشمس بالطلوع ..... اذا كنت انا جالسا وانت طلعت علي من ورائ حائط من هو المتحرك هنا ومن هو الثابت لقد كنت في حيرةً من أمري الى ان هداني الله الى هذا الكاتب الفذ اطلب منك ايها القارئ ان تقرأ بتمعن . وبتدبر . وبتفكر . ان هذا الكلام لأولو الالباب للذين يعقلون ولو اننا نجيد اللغة العربيه الفصحى لما احتجنا الى مفسرين قال الله تعالى إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون َ )صدق الله العظيم



أثبتنا بأكثر من دليل أن الأرض هي مركز الكون وأنها كرة وسط كرة السماء وبينها وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، أي حوالي 7 مليون كم. وإذا كانت الأرض مركز الكون فهي لا تتحرك. وقد ثبتها الله وأرساها بالجبال وبالتالي فإن الشمس هي التي تدور حول الأرض مرة كل يوم.

وليست الشمس مركز الكون، ولا مركز ما يطلقون عليها بالمجموعة الشمسية بل إن جاز تسميتها بالمجموعة الأرضية لكان أولى، ولكنها ليست مجموعة شمسية ولا مجموعة أرضية، بل هي مجموعة سماوية جعلها الله زينة للسماء الدنيا.

فالأرض هـي مركز الكـون ونسبة المسافة بين نصف قطـر الأرض ونصف قطـر السماء 1: 1000 وفي السماء شمس واحدة، وقمر واحد، وأحد عشر كوكبا وعدة آلاف من النجوم ومجرة واحدة، وشهبا تطلق من هنا وهناك لحفظ السماء ولدحر الشياطين الذين يصعدون للسماء يتسمعون الأخبار من الملائكة وكل ما في السماء لا يخرج عن ثلاث وظائف، هداية، وزينة، وحفظ.

وجريان الشمس حول الأرض ثابت بثبوت الأرض بالأدلة التي ذكرناها. وفيها الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ومع ذلك فسنذكر أيضا الأدلة الخاصة بالشمس وهي أدلة مستفيضة سنحاول بإذن الله ذكر بعضها لكثرتها ولأن تاريخ البشرية بكل ما فيه من حضارات وملل وأديان وثقافات قد أجمع على أن الشمس تجرى وأنها تدور حول الأرض كل يوم.

ولم يذكر التاريخ أن أحدا خالف ذلك قبل عصر النهضة سوى اثنين هما" فيثاغورث" اليوناني و" إريستاخـورس" السكندري وكـلاهما ظـهرا قـبل الميلاد. واثنين في عصـر النهـضة هما" كوبرنيقوس" البولندي و" جاليليو" الإيطالي ولم تلق أقوال الأربعة أي تأييد. وظلت البشرية حتى بداية القرن العشرين وهي تؤمن بقول الله في الشمس وتعتقد على اختلاف مشاربها وأماكنها بأن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها.

حتى بدأ العالم الإسلامي يقتنع بالفكرة التي غرره بها الاستعمار، وما لبث أن اقتنع بها الغرب نفسه الذي رفضها وأنكرها حتى بعد موت جاليليو بمائتي عام أي بعد قرنين كاملين.

ثم أقتنع بها الغرب عندما بدأ المسلمون يؤيدونها بالقرآن الذي لا يوجد فيه آية واحدة، بل لا توجد فيه كلمة واحدة تقول بأن الشمس ثابتة وأن الأرض هي التي تدور.

ودون أدلة، ودون جديد في الأمر. ترك اليهود ما في كتابهم، وترك النصارى ما في كتابهم وترك المسلمون ما في كتابهم. تركت الأمم الثلاثة كتبها الثلاثة التي تؤمن بأنها نزلت من عند الله. والتي تـدعي إيمانها بها، والتي تدعي اتباعها لما فيها تركت هـذه الكتب لتتبع كتاباً واحـدا اسمه" حركات الكرات السماوية" لأحد الناس، ليس بنبي ولا رسول، ولم يدع هو أنه كذلك، ولم يدع أيضا أنه أوحي إليه بما فيه ولم يـدع أن مـا فيه هـو الحقيقة، بل إن الرجل - وحسابه على الله - قـال إنـه مجرد فرض. وتـرك أهـل الكتب كتبهم، ورسلهم، وآمنـوا بما قـاله" كوبرنيقوس" بعد مرور 300 سنة على موته، وآمنوا بما قاله" جاليليو" بعد 200 سنة من موته وخالفوا جميعا ما نزل على محمد وما نزل على عيسى وموسى عليهم الصلاة والسلام.

معتقدات الشعوب في دوران الشمس

رغم اختلاف أهل الأرض في خالقهم ما بين مؤمن وكافر، واختلافهم في الأنبياء الذين أرسلوا إليهم ما بين مصدق ومكذب، إلا أنهم جميعا مؤمنهم وكافرهم لم يختلفوا في أمر الشمس والقمر وأنهما يدوران حول الأرض كل يوم.

وفى كتاب" معجم الحضارة المصرية القديمة" نقرأ عن صورة الكون:

كون المصريون فكرة عن صورة العالم. كانوا يعتبرون العالم أرضا يمرالنيل في وسطها، ويحيط بها الماء، هـذا الماء هـو المحيط الدائـري الأعظم (وكل هذا صحيح).. الذي أنتجه الإله الأول" نون" الذي خرجت منه الدنيا. وكان هو منشأ النيل والمطر. وفوق هذه الأرض المسطحة سماء أشبه بطبق مسطح، يفصله عن الأرض، الهواء.

أما حواف العالم فاعتقدوا أنها الأماكن التي تنشأ فيها الرياح. وأن حده الشرقي هو المكان الذي تخرج منه الشمس من المحيط في الصباح. ثم تعود ثانية في المساء عند حده الغربي، وتذهب إلى العالم السفلي.

واختلفت الآراء عن طبوغرافيا العالم السفلي للمعتقدات الدينية، فاعتقد المصريون أنه نسخة مقلوبة من الدنيا، سماؤه مقلوبة من الناحية الأخرى من الأرض.. وتخيلوه رقعة متسعة من الماء. حيث تستعيد الشمس قواها. بعد أن تموت في المساء".

للوهلة الأولى يظن قارئ هذا المعجم أن ما يذكره عن معتقدات قدماء المصريين هو أساطير الأولين، ولكن المتأمل لهذا الاعتقاد يجده متطابقا تماماً مع عقيدة أهل الكتب السماوية جميعا بعد تنقيح العبارات من أسماء الآلهة التي يذكرونها.

فالعالم الذي علموه: أرض يمر النيل في وسطها، والمتأمل لخريطة العالم سيجد أن النيل فعلا يمر وسط العالم.

كذلك اعتقدوا بأن هذه الأرض (اليابسة) يحيط بها الماء ويسمونه (المحيط الدائري الأعظم) وذكرنا أن المسلمين يقولون بذلك تماما، ويسمون هذا الماء الدائري الذي يحيط باليابس" البحر المحيط" و" المحيط الأعظم".

ويعتقدون بأن خالق هذا البحر العظيم هو الله أي بتسميتهم" نون" خالق الدنيا.

كذلك يعتقدون بأن النيل والمطر مصدرهما هذا البحر المحيط، الذي يتبخر منه الماء الذي يجرى منه النيل، ومنه يكون المطر. وأنهم يقولون بأن النيل والمطر من نشأة الله" نون". وأن هذه الأرض المسطحة فوقها سماء يفصل بينهما الهواء.

واعتقدوا بأن الرياح تأتى من أطراف اليابسة. وأن حدود الأرض اليابسة هو البحر المحيط من الشرق وهو أيضا الذي يحد اليابسة من الغرب. وهو حق إذ أن المحيط الهادي هو حدود القارات من الشرق ومن الغرب.

وكذلك يعتقدون أن الشمس تشرق من هذا البحر المحيط وتغرب أيضا فيه.

أما عن جغرافية الأرض فكما هو واضح، نفس ما نعرفه ونعلمه نحن عن الأرض. فقد عرفوا أنها مستديرة، كروية، وأن النصف الآخر للأرض هو نسخة مقلوبة من هذه الأرض التي نعيش عليها. فالأرض في النصف الآخر عكس هذا النصف. غير أن النصف السفلي رقعة متسعة من الماء. وهو المحيط الهادي. ثم إنهم كانوا يعتقدون بأن الشمس تغرب كل يوم في هذا المحيط وتشرق منه كل صباح.

إن هذا النص موجود بمعجم الحضارة المصرية القديمة صـ 207. يعنى هذا أن المصريين كانوا يعتقدون كغيرهم من سكان الأرض في كل زمان أن الشمس تدور حول الأرض الثابتة كل يوم.

وفى كتاب" المعتقدات الدينية لدى الشعوب" نقرأ عن الشمس:

" أنها تعبر السماء يوميا بعربة مبددة الظلام والشر. وتوزع أشعتها بالتساوي على جميع المخلوقات وعلى نحو صارم ودون تفرقة. وفى الليل تعبر العالم السفلي وتواصل دورتها".

وعن دورة القمر نقرأ: والقمر في قاربه الهلالي يعبر السماء المظلمة بانتظام.

ويقسم السنة إلى أشهر كل منها ثلاثون يوما". وهذه عقيدة بلاد ما بين النهرين التي قامت عليها أقدم الحضارات الإنسانية (السومريين والبابليين، والآشوريين).

ولم تشذ حضارة من الحضارات ولا أمة من الأمم عن هذه العقيدة في الشمس وأنها تدور حول الأرض كل يوم دورة.

دوران الشمس في الكتاب المقدس

لقد تصدت الكنيسة لتعاليم كوبرنيقوس التي أراد بها قلب أوضاع الدنيا والدين بقوله أن الشمس ثابتة وأنها مركز الكون، وأن الأرض هي التي تدور حولها وحول نفسها، كما وقفت بحزم لجاليليو الذي جـاء بعد كوبرنيقوس بقرنين، ليحيى تراثه ويردد قوله وينشر مذهبه. ونجحت الكنيسة في ردعه. ولم يكن ذلك تسلطاً من الكنيسة كما يفتري المفترون، ولم يكن ذلك منها دفاعا عن فلسفات قديمة، أو أساطير الأولين، وإنما كان ذلك حماية للدين، وتمسكا بتعاليم الكتاب المقدس والذي ينص صراحة على أن الشمس هي التي تدور حول الأرض وليس العكس.

ففي سفر (يوشع) الإصحاح العاشر الآية رقم 13نقرأ:

" حينئذ كلم يشوع الرب، يوم أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل. وقال أمام عيون بني إسرائيل: يا شمس دومي على جِعبون، ويا قمرعلى وادي أيلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر. فوقفت الشمس في كبد السماء. ولم تعجل للغروب يوم كامل".

دوران الشمس في القرآن

قلنا إن الله تعالى لم ينسب للأرض على كثرة ذكرها أي جري أو أي حركة، أو حتى أي فعل سوى التسبيح، والإتيان الذي حدث منها مـرة واحدة في بدء خلقها، ثم أقرها الله تعالى حيث أتت، وثبتها بالجبال، وأصبحت في مكانها هذا قائمة موضوعة وممسوكة. حتى التسخير لبني آدم، بل السجود لله رب العالمين، منعه الله عنها، وذلك لفائدة بني آدم.

أما الشمس فقد ذكرت في القرآن 32 مرة، منها مرتان عن نهايتها، والباقي 30 مرة عن حياتها في الدنيا، وهذا الرقم هو نفسه عدد أيام شهرها 30 يوم. وفى هذه المرات الثلاثين، تذكر الشمس بأفعال الحركة 23 مرة مثل:

(تأتي، بازغة، سخر، تدلك، تشرق، تطلع، تسجد، تجري، تدرك،.....).

وقد أخبر الله تعالى أنه سخر الشمس. ولا يعني ذلك سوى أنها تدور حول الأرض.

تسخير الشمس

في سبع آيات لا ثامن لها في القرآن يذكر تعالى أنه سخر الشمس:

(1)] وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى[ (الرعد:2)

(2) ]وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ[ (إبراهيم:33)

(3)] وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [ (النحل:12)

(4)] وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[ (لقمان:29)

(5) ]وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى [ (فاطر:13)

(6) ]وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى[ (الزمر:5)

(7) ]وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [(الأعراف:54).

ومعنى أن الشمس مسخرة أي مذلـلة، عاملة في طاعة، متحركة، دائبة. فالشمس مسخرة بالمعنى المعروف للكلمة، والمتبادر إلي الذهن من كلمة (مسخر).

ولا يمكن أن يتصور تسخير دون حركة. فكل ما سخره الله في الأرض ونص على أنه مسخر فهو يتحرك ويجرى في الأرض أو حولها، البحر والفلك والسحاب والريح والطير، والبغال والحمير والخيل فكل هذه مسخرات وكلها تتحرك وتجرى.

لذلك لم ينسب للأرض تسخير وإنما التسخير لمن هو فيها. فإن كان الأمر كذلك فأيهما الثابت وأيهما المتحرك؟

طلوع الشمس

يقول تعالى]وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ[ (الكهف:17).

إن هذه الآية تخبر عن حدث هام، سماه الله آية، وآية ظاهرة. وهذه الآية مرتبطة بالشمس. وهي تحدثنا عن أربعة أفعال للشمس، منهما فعلان مألوفان يتكرران كل يوم وهما: طلعت، وغربت.. وفعلان غريبان عن الشمس وهما: تزاور، وتقرض.

والتزاور من الزور وهو الميل. والقرض: العدول عن الشيء والتجاوز. وإحداث هذين الفعلين من الشمس هو الآية التي ذكرها تعالى في هذا الموضع، أي أن الشمس ليست فقط تطلع وتغرب، فهذا الأمر ليس فيه آية خاصة أو غريبة على الشمس، فطلوع وغروب الشمس هو آية دون شك، ولكنهما في هذه المناسبة بالذات وفي هذا الأمر ليس آية لكي يخصهما تعالى بالذكر، لذلك لم يوفق من المفسرين من قال بأن الكهف كان جهة الشمال، حيث لا تصيبه الشمس في طلوعها ولا في غروبها فلو كان الأمر كذلك ما قال تعالى أن في ذلك آية.

إن الآية تخبر بأمر غير عادى قد حدث، نستنتج ذلك من ذكر الأفعال الأربعة للشمس ومن وصف الله تعالى لما حدث بأنه آية، من إمكانية رؤية ذلك الأمر لقوله ]وَتَرَى[ وهذا الأمر غير العادى والذي سماه الله آية هو ميلان الشمس كل شروق وانحرافها كل غروب، وذلك كل يوم على مدار 300 سنة. كذلك تخبر الآية أنها في الصباح تميل عن ذات الكهف، وفي المساء تنحرف عن ذات الفتية وليس عـن الكهف وهـذا واضح مـن قوله: ]تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ[ ]تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ[. مما يدل على أن وضع الكهف المتسع في داخله كان يسمح للشمس بالسطوع في مدخل الكهف مما يجعل أشعتها في الغروب تصل إلى داخله.

وحتى لا تؤذى الشمس النائمين داخل فجوة الكهف كانت الشمس تعدل مسارها في طلوعها وفي غروبها، كآية من آيات الله، بحيث أننا الآن لو وجدنا هذا الكهف وهو في إحدى قرى الأردن لوجدناه مواجها للشمس بحيث تسقط أشعتها على مدخله في الشروق ولعلها تدخل بأشعتها إلى داخل الكهف عند غروبها وقد كانت أثناء وجود الفتية داخله تنحرف عنه.

هذه الآية دليل قاطع على أن الشمس هي التي تدور حول الأرض وإلا لما نسب الله تعالى هذه الأفعال للشمس.

إن حركة الشمس لا نتوهمها ولا نحس بها ولا نستنتجها، بل إننا نراها بأعيننا ومع ذلك فإنهم يقولون إن الأمر خلاف مـا نرى ونحن جميعا مخدوعون، أو موهومون فالحقيقة أن الشمس لا تتحرك، إنما الأرض هي التي تتحرك، ولكننا لا نشعر بحركتها، فنتخيل أن كل ما في السماء هو الذي يتحرك. تماما كما يتوهم راكب السفينة عندما تبحر السفينة فيتوهم أن المدينة بكل ما فيها هي التي تبتعد عنه والحقيقة أنه هو الذي يبتعد بسفينته، والأرض أمامه ثابتة، وكذلك، من يركب قطار فيتوهم أن الأرض أمامه والنخيل والأشجار تجرى والحقيقة أنها ثابتة والقطار هو الذي يجرى.

هل يصدق عقل أن هذا هو دليل كوبرنيقوس على دوران الأرض؟ وأن حالنا كحال راكب السفينة؟ هل يتصور عاقل أن البشرية من آدم إلى كوبرنيقوس ظلت تعيش في وهم وفيهم الأنبياء والمرسلين؟

يقول تعالى ]فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[ (الأنعام:78).

هذه الآية دليل آخر على حركة الشمس حول الأرض في الكلمتين (بازغة وأفلت) إن كلمة بزغ تعنى طلع، وكلمة أفل تعنى غاب. وهاتان الكلمتان لم تذكرا في القرآن إلا في هذه الآيات من سورة الأنعام:] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قـَالَ لَئِنْ لـَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)[ لم ترد كلمة بزغ أو أفل في القرآن إلا في هذه الآيات وهي عن حركة الكرات السماوية (الكواكب، والقمر، والشمس) وليس الأرض.

أما كلمة طلع التي ذكرت في القرآن 19 مرة منها خمس مرات عن طلوع الشمس ومرة واحدة عن مطلع الفجر. ولم يذكر القمر ولا الكواكب بالطلوع.


فهذه الكلمات (طلع، بزغ، أفل) تعنى أن الشمس تدور حول الأرض. إذ نسب الله تعالى الأفعال لها ولم ينسبها للأرض، وهذه الأفعال نسبت لمن فعلها، وفعلها يحتاج إلى حركة، لذلك لا يعتبر طلوعاً ولا بزوغاً ولا أفولاً، لو كانت الأرض هي التي تدور فتظهر هذه الأجرام السماوية، فإن ذلك لا يسمى بهذه الأسماء.

في كل هذه الآيات نرى ارتباطا وثيقا بين الشمس والقمر ففي آيات التسخير السبع وفي آيتي البزوغ والأفول نجد أن ذكر القمر مقترنا بذكر الشمس في كل الآيات. وهم يقولون بأن القمر يدور حول الأرض، والقرآن يقرن دائما الشمس بالقمر، فهي إذن تدور مثله حول الأرض، ولم يقترن ذكر الشمس بالأرض أبداً في القرآن.

فلا يقترن ثابت بمتحرك. وإنما يقترن الثابتان (السموات والأرض) ويقترن المتحركان (الشمس والقمر).

يقول تعالى] أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ[ (الإسراء:78).

والدلوك هو الزوال، وجنوحها للمغيب بعد ما تزول من كبد السماء. فهذا الميلان منسوب للشمس وليس للأرض. وهم يقولون بأن الأرض تميل ميلان دائم بمقدار 23.5 درجة وهذا أمر غير متصور ويستحيل وقوعه. والحق أن الأرض لا تميل أبدا وإنما الشمس هي التي تميل.

*************

يتبع
[/align]



2 
اسيل


الله يأتي بالشمس
يقول تعالى في سورة البقرة الآية 258:
] إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ [


في أول ذكر للشمس في القرآن، تكون على لسان أبي الأنبياء إبراهيم، وتذكر في موضع التحدي والإعجاز، وبيان للمقدرة الإلهية، ودليل هذه القدرة أن الله ] يَأْتِي بِالشَّمْسِ[ يقول تعالى]قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [(البقرة:258).
فالشمس ليست ثابتة، ولكنها تأتى.
وهي لا تأتى وحدها. ولا بفعل جاذبية نيوتن. وليست هي مركز الكون كما قال كوبرنيقوس وأيده جاليليو ثم نيوتن ثم أينشتاين ثم علماء المسلمين من بعدهم.
لم يذكر تعالى هنا أن الشمس تأتى كخبر من الأخبار أو معلومة من المعلومات. بل جاء ذكر إتيان الشمس في موضع التحدي. وبين من ومن؟ بين نبي من أعظم الأنبياء وهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء وأحد أولى العزم من الرسل، والنبي المجمع عليه من جميع أهل الأديان، ومتفق على نبوته بين كل الملل، بل وتدعي كل ملة أنه نبيها الخاص بها. وبين ملك من أكبر ملوك الأرض، وأول مـن ملك الأرض، وقـد كان يحكم دولة معبودهم الأول هو الشمس. ويحكم شعبا يعرف عـن الشمس والقمر والكواكب أكثر مـن أي أمـة وجـدت في التاريخ حتى الآن، وهـو الملك" النمرود".
بوضوح تام لا يحتمل مجازا ولا تأويلا ولا فلسفة قال إبراهيم:
] إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ [
وإبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يكذب. وهو أيضا لا يقول من عنده، وإنما قوله وحي يوحي. أي أن ما قاله هو قول الله عز وجل ولا يعرف الشمس مثل خالقها.
وأنتم بالطبع تقولون: إن الأرض تدور من الغرب إلى الشرق، وبالتالي تظهر الشمس من الشرق، فكأنها بظهورها تأتى من هناك.
وهذا القول مخالف تماما للقرآن والسنة، وللغة العربية، ولقول إبراهيم عليه السلام. بل إن النمرود الذي اعترض اعتراضا مثل هذا على القضية الأولى التي تحداه بها إبراهيم عليه السلام عندما قال: ]رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [لم يعترض على قول إبراهيم بأن الشمس تأتي من المشرق، وقال بأن الأرض هي التي تدور، تماما كما فعل في القضية الأولي. فقد استغبى الملك وجاء برد مثل هذا الاعتراض في القضية الأولي فقال: ]أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ[ ورغم أن هذه المسألة لا تحتمل جدلاً إلا أن الملك جادل وقال] أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [. كيف؟
إنه نفس أسلوب القائلين بأن الأرض عندما تدور تبدو الشمس من المشرق فتكون قد أتت. فشرح الملك لإبراهيم كيف يحيى ويميت، فقال: أأتى باثنين قد استوجبا الإعدام في حكمي، فأعفو عن أحدهما فأكون قد أحييته، وأنفذ في الآخر فأكون قد أمته.
هل قصد إبراهيم عليه السلام من قوله ]رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ[ هذا الذي يقول به الملك؟ بالتأكيد لا. ولكن الملك كان مجادلا متفلسفاً، متألهاً. فقال بمثل ما يقول به أصحاب دوران الأرض. ورغم أن الملك يبدو ملتويا في مناظرته إلا أنه لم يبد مثل هذا الاعتراض للمسألة الثانية التي ألجم فيها بالحجة وبهت لعجزه عن الرد ]فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ[. لقد كان أمام النمرود وقد عرفنا خبثه والتواءه أن يقول لإبراهيم عليه السلام: إن الله لا يأتي بالشمس من المشرق ولا يأتي بها من أي مكان بل إنها أصلا لا تأتي وإنما الأرض هي التي تأتي. إذن فقد كانت الآية واضحة وفهمها الملك كما أرادها إبراهيم، أن الشمس هي التي تتحرك وتأتى، فلم يستطيع جوابا ولم ينطق ببنت شفة.
هل يقول أحد من علمائنا أن الله تعالى أراد بقوله ]يَأْتِي بِالشَّمْسِ[ هو ظهورها لمن على الأرض عند دورانها حول نفسها؟ والإجابة على هذا السؤال أنه ليس واحدا فقط من علماء المسلمين يقول بذلك وإنما جميعهم يقول هذا.
لذلك سنوضح الأمر ونحتكم إلى كتاب الله لنفصل فيه وننظر في كلمة (أتى) في القرآن: لنعلم أن هذه الكلمة موضوعة في الآية لحكمة وفي مكانها الصحيح، وإلا لقال إبراهيم عليه السلام. إن الله يظهر الشمس من المشرق، أو قال يحضر أو يطلع أو يشرق. وهذه الألفاظ استعملها القرآن في أكثر من مـوضع لكنها لم تستعمل في هذه الآية، حتى نعلم أن كلمة (أتى) جاءت لتعطى دلالة خاصة ولا يوجد لفظ آخر يعطى مثل دلالة كلمة (أتى) التي تعنى: المجيء عن قصد وإرادة ومن الآتي ذاته.
وهذه بعض آيات القرآن التي توضح هذا المعنى:
]ْتَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا[ (الإسراء:92) ]فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ[ (مريم:27) ]فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ[ (الأعراف:138) ]حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ[ (النمل:18) ]قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ[ (النمل:39) ]وَإِنْ كَـانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا[ (الأنبياء:47) ]وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ[ (الفرقان:40) ]وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ[ ]فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين[ (فصلت:11) ]فَإِنْ لمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ[ (يوسف:60).
فكلمة أتى في الآيات لا يمكن استبدالها بكلمة أخرى كحضر مثلا. لأن (حضر) تعني الإتيان أيضا ولكن دون قصد وإرادة. بل تعنى مجرد التواجد. أما الإتيان ففوق ما ذكرنا يعنى الحركة والهمة والإرادة، يقـول تعالى:] وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [(النساء:8). أي إذا كانوا متواجدين أثناء القسمة. فالفعل لا يعنى أنهم طلبوا أو استدعوا، بل: إذا كانوا حاضرين أثناء القسمة. يختلف هذا تماما عن ما إذا كانت الآية (وإذا أتى القسمة أولوا القربى) فهذه العبارة تفيد أن المال لا يقسم إلا بوجود هـؤلاء فإتيانهم شرط للقسمة فإذا أتوا يقسم وإلا فلا. ولكن المراد غير ذلك.
يقول تعالى ]وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ[ (النساء) أي اسألهم عن أمر القرية التي كانت موجودة على شاطئ البحر (بحكم موقعها) ولم تأت هي للبحر عمدا أو بحركة منها.
يقول تعالى]فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[ (البقرة:196) أي أن هـذا الحكم يكون لمن يكن أهله من سكان الحرم. وكان الحرم موطنهم. ولو استبدل لفظ حضر بأتى لتغير المعنى تماما بل لا يستقيم المعنى بالمرة.
ويقول تعالى: ]فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا[ (الأحقاف:29) يخبرنا تعالى عن الجن لما جاءوا إلى مكان النبي e وسمعوا القرآن أعجبوا به وآمنوا من فورهم. ولم يقل تعالى (فلما أتوه) لأنهم لم يأتوا قاصدين مريدين لهذا الأمر، بل صرفهم الله تعالى إلى هذا المكان وساقهم إليه ]وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا [ فرغم انهم حضروا، ورغم أن الله تعالى أتى بهم إلا إنهم لم يأتوا، لانتفاء القصد.
والجن في حضورهم كانوا مثل الشمس في إتيانها، حيث أن الله تعالى في الأمرين هـو الآتي بهما، ولكن انتفاء القصد من الجن نفي عنهم تعالى الإتيان.
وهكذا كل لفظ (أتى) أو حضر لكل منهما معنى رغم اشتراكهما في التواجد والانتقال فالشمس هنا لم تحضر أي لم يكن ظهورها مجرد انتقال، بل انتقال وعن قصد وعمد وإرادة. فقال تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ[ ولم يقل (إن الله يحضر الشمس من المشرق) فربما التبس الأمر على الملتبسين وظنوا أنها تظهر بدوران الأرض وإن كان لفظ حضر أيضا يفيد هو الآخر الانتقال لكن ليس بقصد وإرادة.
حتى العبادات نجد أن اللفظ (أتى) له مدلول هام فيها. فأركان الإسلام الخمس تشترط خمـسة أفعال مختلفـة، كل فعل منها يعطى معنى مغايرا تماما عن غيره والأفعال هي (شهد،أقام، صام، أتى، حج) وكل فعل من هذه الأفعال يدل على عبادة متباينة تماماً عن غيرها. يقول رسول الله e :" بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيـلا". فجعل للقلب واللسان عبادة وهي الشهادة، فلا يحرك إلا اللسان مع إقرار القلب. وجعل للجوارح الظاهرة عبادة وهي الصلاة ويتحرك المصلى في مكانه بقيام وركوع وسجود. وجعل للجوارح الباطنة عبادة وهي الصوم. فيمتنع تحريك أي شهوة في نـهار رمضان. وجعل للمال عبادة في أن يتحرك المال وينتقل من يد المزكي إلى يد المزكي إليه، وهذا هو الإيتاء. من الفعل أتى، وهو يتضمن نفس المعنى الذي ذكرناه للإيتاء. فلا تعتبر زكاة ما لم ينتقل المال ويخرج من ملك المزكي إلى ملك المزكي إليه وأن يكون ذلك عن قصد وإرادة فلو تخلفا القصد والإرادة لا تعتبر زكاة. ولو وجد هذا القصد وهذه الإرادة ولم ينتقل المال ويتحرك لا تعبير زكاة.
ثم جعل لكل هذه الجوارح ولهذا المال عبادة مشتركة وهي الحج.
من ذلك نجد أن القول بأن الإتيان هو مجرد ظهور الشمس من جهة الشرق عند دوران الأرض من الغرب إلى الشرق قول باطل لغة وشرعا. فالشمس عندما تأتى تنتقل بنفسها من مكان إلى آخر بقصد وإرادة. وإذا تخلف أحد الأمرين تخلف الإتيان.
مطلع الشمس ومغربها
في سورة الكهف يقص الله تعالى خبرا عن" ذي القرنين" وهو أحد ملوك الأرض الصالحين. وسمي بذلك لأنه ملك ما بين مشرق الشمس ومغربها. فيخبرنا عز وجل أن" ذا القرنين" بلغ المغرب أولا فقال تعالى في الآية 86: ]حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ[ فالآية تتحدث عن غروب الشمس أي المكان الذي تغرب فيه والفعل منسوب للشمـس ]وَجَدَهَا تَغْرُبُ[ أي أن الشمس هي التي تغرب وليست الأرض هي التي تغرب. وقد حدد القرآن في هذه الآية مغرب الشمس، وأنه ]فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ[ أي ماء به طينة سوداء حامية.
ولتحديد هذا المكان على الأرض فإننا نقيس من مكة المكرمة تسعين خطا غربا - لأن مكة هـي مركز الأرض كما ذكرنا - فسنصل إلى خط الطول الذي يعطونه الآن رقم 50 وبالبحث في هذا المكان عن ما يمكن أن يكون ]عَيْنٍ حَمِئَةٍ[ فإننا نجد أن هذا الوصف لا ينطبق إلا على مصب نهر الأمازون.
وفي كتاب جغرافية العالم للدكتور كمال غلاب وصف لهذا النهر بأنه" حوض الأمازون يقطعه خط الإستواء وتنصرف مياهه في نهر الأمازون وهو أغزر الأنهار في العالم ويجري في اتجاه عام من الغرب إلى الشرق في سهل مستو وتحمل روافد النهر الهابطة من الإنديز ومنابع روافده الكبرى الهابطة من الكتل القديمة شماله وجنوبه كميات هائلة من الطمي ردمت هذا الحوض وملأته بطبقات سميكة من الطمي والصلصال".
وبينما تصف الآية الأولى المكان الذي تغرب فيه الشمس فإن الآية الثانية تصف السكان اللذين تطلع عليهم الشمس. يقول تعالى: ]حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطلعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطلُعُ عَلَى قَومٍ لم نَجعَل لهم مِن دُونِها سِتراَ[ فالآية تصف حال السكان اللذين وجدهم ذو القرنين عند مطلع الشمس حيث لم يجعل الله لهم حائلاً يظلهم من حر الشمس إذا اشتد. وقد حدد القرآن في هذه الآية مطلع الشمس، ولتحديد هذا المكان على الأرض فإننا نقيس من مكة المكرمة تسعين خطا شرقا، فنصل إلى خط الطول الذي يعطونه الآن رقم 130 وبالبحث في هذا المكان عن موضع لايمكن أن يقام عليه ما يستر فإننا نجده على جزيرة صغيرة بإندونسيا تسمى (هالماهيرا) وهي عبارة عن غابة استوائية مدارية لاتصلح لبناء قرى أو مدن لأنها كثيفة الأشجار، وهذان المكانان (مطلع الشمس ومغربها) يبعدان عن مكة المكرمة 90 درجة وكذلك عن المستقر.
ففي الآيتين نجد أن الفعلين للشمس ولا ذكر للأرض هنا ]تَغْرُبُ[ ]تَطلُعُ[ فكيف يقول تعالى إن الشمس تغرب وتطلع ونقول نحن إنها لا تفعل هذا ولا ذاك. بل إن الأرض هي التي تدور من الغرب إلى الشرق، فتبدو لنا الشمس تغرب وتطلع، بينما الحقيقة إنهـا لا تفعل ذلك؟ كيف يكذب أهل الأرض جميعاً الله عز وجل.
والشمس تجرى
كنت كلما قرأت القرآن أتعجب كثيرا من قول أولئك الذين كانوا يعبدون حجارة يصنعونها بأيديهم وقد يعلمون أنها لاتنفع ولا تضر، ولكنهم مجرد أتباع لآبائهم الأولين. ولا يقل عن ذلك تعجبي من عقول من يزعمون أنهم مؤمنون بالله، ومتبعون لكتابه. ثم هم يقولون بأن الأرض تجرى حول الشمس، بينما ربهم يقول في كتابه إن الأرض قارة ثابتة، وأن الشمس هي التي تجرى.
كيف طاوع المؤمنين إيمانهم وقالوا بأن الشمس ثابتة بالنسبة للأرض؟
من أجل ماذا يخالفون ربهم؟ وما دليلهم على هذه المخالفة؟
إن العقل والعلم يقولان أن أية نظرية تخالف تجربة واحدة مما تقرره هذه النظرية من نتائج تكون نظرية خاطئة. وأن ما بنى على باطل فهو باطل.
ومع ذلك رأينا نظرية ثبات الشمس ودوران الأرض قد أسست على باطل، ومع ذلك ظلت النظرية سارية. وأثبتت التجارب خلاف ما قال به واضعو النظرية ومع ذلك يتمسكون بصحتها. فقد أسست نظرية دوران الأرض على ثبات الشمس، ثم ثبت لهم بعد ذلك أن الشمس ليست ثابتة وإنما هي تجرى. وكان هذا حرياً بأن ينسف بالنظرية من جذورها. هكذا اتفق واضعو ومؤيدو ومروجو نظرية دوران الأرض على أن النظرية أساس بنيانها المتين هو ثبات الشمس ومركزيتها للكون، وثبت لهم بعد ذلك أن الشمس تجري، وأنها ليست مركز الكون. ورغم انهيار الأساس إلا أنهم لا زالوا متمسكين بقوة بنيانهم ومتانته وصحته فأنى لهم ذلك؟
قال فيثاغورث واضع بذرة دوران الأرض: " إن الأرض لا يمكن أن تكون نقطة العالم المركزية، إذ تقطنها نقائض عديدة. كما أنها في ذاتها مظلمة، ويجب أن يكون وسط الدنيا مضيئاً لأن الضوء إحدى الطيبات".
وقال كوبرنيقوس واضع نظرية دوران الأرض ومركزية الشمس:" في هذا المعبد الكبير من ذا الذي يستطيع أن يضع تلك الشعلة المضيئة في مكان آخر سوى المركز، حيث تضيء كل الأشياء في وقت واحد، فهذه الشمس هي نور العالم، بل هي روحه، بل هي التي تتحكم فيه، وهي جالسة على عرشها القدسي، ترشد أسرة الكواكب إلى طريقها".
وقال جاليليو الذي أقنع سكان الأرض أنها تدور وأن الشمس هي المركز - دون أي دليل:" إن الشمس تقف ساكنة في مركز الكون، والأرض لا تقف في مركز الكون وإنما تدور يوميا حول نفسها، وسنوياً حول الشمس".
هؤلاء الثلاثة هم صناع نظرية دوران الأرض فيثاغورث وكوبرنيقوس وجاليليو. الأول وضع البذرة والثاني سقاها والثالث رعاها. وقد انهدم نصف النظرية وشقها الأساسي. وهو قولهم إن الشمس ثابتة وأنها مركز الكون. وكان ينبغي أن يتبعه النصف الثاني القائل بدوران الأرض.
وكان ينبغي أن يتمسك أهل القرآن بموقفهم، فقرآنهم لم يخذلهم، وأن يزيدهم ذلك إيمانا به واستمساكاً. أما أن يغرر بهم ويغويهم الشيطان بأن جريان الشمس لم ينقض نظرية القائلين بثباتها. وإنما ينقض قول أهل القرآن القائل بأن الشمس تجرى، فهذا أمر لا يعقل ولا يتصور.
ولكن ذلك تم بالفعل وتراجع أهل القرآن عن موقفهم ووافقوا الشيطان والتجريبيين في أن الأرض هي التي تدور، رغم أنه ثبت لديهم أن الشمس تجرى كما يقول قرآنهم.
هكذا انقض أساس النظرية، والعقل والعلم يقولان بأن تنقض النظرية كلها ولكن ذلك لم يكن وتمادوا في غيهم وتمسكوا بإفكهم وقالوا: (ومع ذلك فالأرض تدور). وجريان الشمس؟ ماذا تفعلون فيه؟ ففكروا، ودبروا، ونظروا، ثم قالوا: إنها تجرى حول المجرة.
وليس على من صرفهم الله عن آياته وتركهم في الظلمات، وختم على سمعهم وأبصارهم بغشاوة، وجعل على قلوبهم أكنة، ليس عليهم جناح أن يقولوا بهذه الهرطقة والزندقة والشعوذة والخطرفة - على حد تعبير المجلس الكنسي - أما أن يتبعهم أهل القرآن الـذين بين لهم رسولهم ما قاله القرآن ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[ وأخبرهم عن مكان هذا المستقر. وأن الشمس بذلك تدور حول الأرض. فهذا لا يكون إلا في الزمن الذي أخبر عنه e بأن المسلمين سيتبعون فيه الغرب شبرا بشير حتى لو أتى أحدهم أمه لأتاها. وأحسب أننا نعيش هذا الزمن، وإيانا كان يعنى رسول الله.
ولو سألنا أهل الأرض الآن، مؤمنهم أو كافرهم، القائلين بدوران الأرض. وبأن الشمس إنما تجرى حول المجرة. لماذا تدور الشمس حول المجرة؟ فلن يجيبوا إلا بأن كل شيء في الكون يجذب كل شيء فيه - يريدون كوناً قائما بذاته - وما دامت الشمس تجذب الكواكب والأرض، فلا بد أنها الأخرى مجذوبة بشيء. هذا الشيء هو المجرة. والمجرة لابد أن يجذبها شيء آخر. ما هو؟ المجموعات النجمية. والمجمـوعات النجمية ماذا يجذبها؟ إلى هنا: لا يدرون.
وأيا ما كان الأمر، فهنا يظهر مرة أخرى السؤال الملح: لماذا تدور الشمس حول المجرة؟ وهي لن تكمل دورتها إلا بعد ملايين السنين الضوئية؟ وما هو دليلكم على ما تقولون؟ ولماذا لا يكون جريها حول الأرض وهو ما نراه بأعيننا؟ أهي المخالفة لقول الله وحسب؟
كان ينبغي على المؤمنين وهم (أولوا الألباب، أولوا النهي) أن يدركوا أن الشمس مسخرة للأرض وليس للمجرة، وأن فلـك الشمس الذي تسبح فيه حول الأرض وليس حول المجرة. وأن الشمس والقمر في سباق حول الأرض وليس حول المجرة وأن الله تعالى لم يذكر المجرة أبدا في كتابه، وأن الرسول لم يذكرها أبدا في حديثه. وما المجرة إلا تشكيل من النجوم يتكتل في منطقة معينة من السماء لأمر يريده الله وسنبينه عند الحديث عن المجرة. ثم إن الله تعالى الذي سخر الكون للإنسان لم يقل في القرآن. إني جاعـل في المجرة خليفة. بـل قال ]إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً[ (البقرة:30).
ثم هل أرسل الله إلى المجرة رسلاً؟
وهنا قد يقول أحد المغيبة عقولهم: إن الله لم يقل، ولم يحدد اتجاه جرى الشمس. ولم يقل أنها تجرى حول الأرض. فمن الممكن أنها تجرى إلى أي مكان.
وأشبه بهذا القائل بمن يتحدث إليه آخر وليس في المكان غيرهما ثم عند نهاية الكلام يسأل المستمع المتكلم: هل أنت تكلمني؟ ولو قلت له: هل هذا سؤال؟
فسيقول لك: إن المتحدث لم يقل لي في بداية حديثه: إنني أحدثك. ولكن الخطاب موجه لك وحدك؟ وليس ثم غيرك !!
هذه الحال أشبه بحال الذين يقول الله لهم: أن الشمس تجرى، وأنها مسخرة لكم. وأنها تطلع كل يوم عليكم. وأن الله يأتي بها لكم. ثم يقولون: إن الكلام ليس لنا. عندما يقول تعالى ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي[ ]إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ[ ]وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[ (يس:40) أهذا حديث يخص الأرض أم المجرة؟
ربما لم يقل القرآن صراحة أن الشمس تجرى حول الأرض. ولكنه قال ما هو أدق وأضبط وأبين من ذلك. فحدد مكاناً بعينه تجرى إليه الشمس وهو (المستقر) ثم بين رسوله مكان هذا المستقر تحديدا لا يقبل لبساً أو غـموضاً معه ]وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ[ وللمؤمنين بالله وكتبه ورسله القائلين بأن الشمس تجرى حول المجرة، ونحن نختلف معهم، هل يقبلون أن نحتكم إلى الله ورسوله كما دعانا الله لذلك في قوله ]فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا [هل يقبلون ذلك؟
إذن فلنبحث في القرآن عن وجهة الشمس وهي تجرى. وإن كان والله الأمر لا يحتاج إلى بحث. ولكن لا بأس.
يقول تعالى في سورة يس: ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعـَزِيزِ الْعـَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) [.
هذه الآيات تتحدث عن آية من آيات الله للناس، ونعمة من نعمه عليهم. في الحياة الدنيا، فلا شأن لهذه الآيات باليوم الآخر.
فيخبر الله تعالى: أن هذه الشمس المسخرة لنا والتي نراها بأعيننا تأتى من الشرق وتذهب في الغرب. إنما تجرى نحو مستقر لا نراه نحن. وليس الأمر مجرد شروق وغروب. هذا المستقر هو الذي تجرى من أجله، ومن أجل الوصول إليه، حتى إذا ما وصلت إليه استقرت فيه لمدة ثم تعاود جريها بعد ذلك، وهكذا، والأمر ليس متروكا لتقدير الشمس وجريها وإرادتها، ولكن الأمر بتقدير الله الذي لا يستطيع أحد أن يعقب على تقديره، لأن الله تعالى الإله الذي يأمر فيطاع، وثانيا أوامره وتقديراته بعلم وحكمه.
وهذا القمر الذي نراه بأعيننا يبزغ ويأفل، له أمور لا نراها بأعيننا، وهي أن الله تعالى ينزله منازل مقدرة تقديرا، فيمكث في كل منزل مدة حتى يعود متقوسا دقيقاً كالعرجون اليابس القديم، الذي قطع مـن نخلته منذ مدة، فيكون بذلك علامة أنـه نزل في كل منازله التي قدرها ربه، فيبدأ من جديد.
وحركة الشمس والقمر البادية لنا ونراها بأعيننا والتي تتقدم فيها الشمس على القمر نصف الشهر ثم يتقدم القمر النصف الآخر، فيها أمور لا ندركها نحن بأعيننا، هي من تدبير الله تعالى فيهما، والذي قدر ألا تدرك الشمس القمر لحكمة بالغة ولا تلحقه في جريه، رغم أنها أكبر منه، وأسرع منه، وأضوأ منه، ورغم أنها تجرى في نفس اتجاهه، ولكنها لا تلحق به، وذلك لأنه تعالى جعل حركتهما مستديرة متوازية حول الأرض. وجعل لكل منهما فلكاً يدور فيه موازياً تماما لفلك الآخر. غير أن فلك القمر هو الأقرب للأرض، وفلك الشمس هو الأبعد والأكبر إذ أن فلكها أربعة أضعاف فلك القمر، لذلك فرغم سرعتها فإنها لا تدركه، أي لا تقطع فلكها وتدور في أبراجها وتنزل منازلها في نفس المدة التي يفعل هو فيها كل ذلك. في هذا السباق السماوي.
والشمس والقمر، لا يصنعان الليل والنهار وإنما هما فقط يجريان فيهما، فالليل والنهار هما الوقتان اللذان يجري فيهما الشمس والقمر. وكل منهما (الشمس والقمر والليل والنهار) في فلك يسبحون. أي في مدار دائري يسبحون. وليس في مدار بيضاوي أو إهليليجي كما يقولون الآن. ولكل حكمه وعمله.
فهذه هي الآيات التي يفعلها الله للشمس والقمر والليل والنهار مغايرة لما نراه بأعيننا ونحن لا نرى إلا مظاهر هذه الآيات وآثار فعل الله فيها.
تماما كما أخبر تعالى في آيات الأرض التي تسبق آيات السماء هـذه وقـال فيها: ]وَآيَةٌ لَهُمْ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36)[ (يس).
فهذه الآيات تخبر أن الله تعالى هو الفاعل لما تخرجه الأرض من زروع وثمار وأنه تعالى له تدبير في الأرض لا نراه بأعيننا وإنما نرى أثره. واضح ذلك من الآيات ]الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ[ فالذي أحياها هو الله والذي أخرج منها هو الله وفي الكلمات (وجعلنا) (وفجرنا) فهذه أعمال الله في الأرض كما رأيناها في السماء لذلك يقول تعالى في سـورة الـواقعة ]أَفَـرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعـُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُـونَ (64)[ فهذه الآيات الأرضية سبقت هذه الآيات السماوية، ثم ذكر تعالى بعد ذلك آيات بحرية تخبرنا أيضا أنه تعالى له شأن وأمر في البحر الذي نرى أثره فقط بأعيننا. يقول تعالى: ]وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ (43) إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) [ (يس).
فـواضح من الآيات أن حقيقة الأمر غير ما نرى، فليست الفلك هي التي تحملنا رغم رؤيتنا لذلك، وليس الريح هو الذي يسيرنا، وليست نجاتنا من الغرق لأن البحر هادى والريح طيبة، بل إن الأمر غير ذلك، فالحقيقة التي لا نراها أن لله الأمر من قبل ومن بعد ولـه تـعالى تدبير في البـحر لا نـراه ولكــننا نـرى أثــره، فهو تعالى ]حَمَلْنَا[ ]وَخَلَقْنَا [و] نُغْرِقْهُمْ[ و ]رَحْمَةً مِنَّا [. فالأمر من قبل ومن بعد لله.
فآيات السماء التي ذكرها لنا تعالى للشمس والقمر والليل والنهار هي التدابير التي لا نراها بأعيننا وإن كنا نرى أثرها. وما نراه هو ما قاله عنهم تعالى أنهم جميعا يدورون حول الأرض. يقول تعالى ذاكرا الجري لمخلوقاته الأربع (الشمس والقمر والليل والنهار) في أربع آيات لا غير في القرآن الكريم:
(1) ]اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ
رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [.
(2) ]يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ
يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا
يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [(فاطر:13)
(3) ]أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [(لقمان:29)
(4) ]خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [ (الزمر:5).
فهذه الآيات الأربع هي التي قال فيها تعالى ]كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى[ وفيها الشمس والقمر والليل والنهار. وفي الآيات أيضا خلق السموات والأرض، وفي الآيات ولوج الليل في النهار والنهار في الليل، وفي الآيات تكوير الليل على النهار والنهار على الليل، وما من شك أن هذا الولوج وهذا التكوير حول الأرض وليس حول المجرة، وهذا الجري في الآيات الأربع أجله المسمى هو يوم القيامة ومكان الجري هو حول الأرض.
ولا ذكر للمجرة هنا على الإطلاق بل لا ذكر للمجرة في القرآن الكريم أبدا.
ما هو المستقر؟
يقول تعالى: ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[ ما دمنا قد اتفقنا على أن الشمس تجرى، فنحن بحاجة أن نقف على معنى (المستقر) الذي تجرى الشمس إليه، فهو الفيصل بين ما نقوله نحن من أن الشمس تجري حول الأرض، وبين ما يقوله كل سكان الكرة الأرضية الآن أنها تجرى لتدور حول المجرة.
نريد أيضا أن نتفق أولا أن المستقر ليس هو النهاية، وهذه الآية كما قلنا تتحدث عن نعم الله تعالى على الإنسان في الأرض والسماء، في البر والبحر. فمن قال أن المستقر هو مصير الشمس يوم القيامة فقد جانبه الصواب.
والمستقر نقيض المفر. لذلك وردت الكلمتان في مناسبة واحدة في سورة (القيامة): ]قُولُ الإنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلا لا وَزَر َ(11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ(12) [.
فالمستقر يعنى الاستقرار في مكان معين فترة زمنية معينة، سواء كان هذا المكان كبيرا أو صغيرا، وسواء كان الوقت طويلا أم قصيرا وذلك: بقصد وإرادة.
هذا التعريف الذي نراه للمستقر مستقى من جملة الآيات المذكورة فيها، ومن المعنى المتعارف عليه في الذهن.
فعناصر المستقر هي: مكان، وزمان، وقصد وإرادة.
فالمكان: عنصر جوهري للمستقر وبدونه لا يكون المستقر، ولا يشترط في المكان مساحة فوجود النطفة في الصلب أو الترائب وهي لا ترى بالعين توجد في مستقر. ورحم الأم مستقر للجنين. والقبر مستقر للميت. والأرض مستقر للإنسان. واستراحات الطريق مستقرات للمسافر. والفنادق مستقرات للمغتربين. والبلاد مستقرات للمقيمين. والجنة مستقر للمؤمنين، والنار مستقر للكافرين.
أما الزمان: فهو ضروري أيضا للمستقر وإن كانت المدة ذاتها غير مشروطة.
فقد تكون دقائق معدودة كالاستقرار في الاستراحات. وقد تكون ساعات كالاستقرار في الفنادق. وقد تكون أياما كالاستقرار في الصلب، أو الترائب. وقد تكون شهورا كالاستقرار في الرحم. وقد تكون سنونا كالاستقرار في البلاد. وقد تكون أحقابا كالاستقرار في القبور. وقد تكون خلودا كالاستقرار في الجنة أو النار.
غـير أنه يشترط للاستقرار مدة من الوقت مهما قلت. ومن ثم لا يكون المرور استقرارا وإن تواجد في المستقر مادام على سبيل المرور..
كذلك القصد والإرادة: فهما عنصران أساسيان في المستقر فيكون النزول في المكان لوقت معين وبإرادة الاستقرار. فلو خرج المسافر من بلدته متوجها إلى مكان آخر ونوى أن ينزل في طريقه في استراحة معينة لراحته وراحة دابته فهذه الاستراحة مستقر. أما إن خرج لا ينوى التوقف ثم أصابته ضرورة ألجأته للتوقف في مكان حتى لو كان هذا المكان استراحة في الطريق فلا يعتبر هذا مستقرا. ولو بقى في مكان ما في الطريق لمدة ساعات لعطل أو ضر أصاب سيارته أو دابته فلا يعتبر هذا المكان مستقرا. بل يعتبر هذا (ملجأ).
وعلى هذا المعنى فالشمس تجرى كل يوم للوصول لهذا المستقر الذي هو بمثابة الاستراحة في طريق رحلتها، استراحة في منتصف المدار الدائري الذي تدور فيه حول الأرض. وهو مكان محدد وتقف فيه مدة معينة، وتبقى فيه بإرادتها وتذهب إليه بقصد وليس اضطرارا. بل إن الآية لتخبر أن الشمس لا تجرى لتدور حول الأرض، فهذا لا يعنيها ولكنها تجرى شوقا إلى هذا المكان بالتحديد، حتى إذا ما وصلت إليه تزودت لغدها. وعاودت كرتها. وهذا معنى ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا[ وقبل أن نعرف ماذا تفعل الشمس في مستقرها، نذكر ما قاله مؤلفـو" المنتخب" حول هذه الآية لنتحسر على ما وصل إليه العلم في عصر الإلحاد، فهم يقولون: في قوله تعالى ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَـهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [:
" والشمس تسير لمستقر لها، قدره الله زمانا ومكانا، ذلك تدبير الغالب بقدرته المحيط علما بكل شيء".
وهذا القول ليس تفسيرا لقول الله الـذي يقول ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي[ وهم يفسرونها"والشمس تسير" فلم يقل به علماء التفسير في كتبهم، ولم تقل به العرب في لغتها هذا فضلا عن أنهم لم يفسروا المستقر الذي فسره رسول الله e بالمكان الذي تسجد فيه الشمس وتستأذن كل يوم بعد غروبها.
أما في تعليق العلماء على هذه الآية التي شرحوها بهذا الشرح فقد قالوا:" إن هذه الآيات الكريمة تبين معاني وحقائق علمية لم يتعرف عليها العلماء إلا في أوائل القرن الرابع عشر".
هذه العبارة الأولى لتعليقهم لا تحتمل السكوت للوصول إلى آخر تعليقهم، فمن الذي قال إن هذا الذي عرضه مؤلفو المنتخب حقائق علمية؟ إن غاية ما قاله أصحابها إنها (فروض نظرية) وليست أبداً حقائق علمية. ومن الذي قال إن هذه النظريات ظهرت في أوائل القرن الرابع عشر؟ إنهم أنفسهم يناقضون هذا القول في آخر عرضهم لهذا التعليق.
المهم إنهم يقولون:
" والشمس هي إحدى نجوم السماء، وهي كسائر النجوم، ولها حركتها الذاتية، ولكنها تتميز عن النجوم الأخرى لقربها من الأرض وبأن لها مجموعة من الكواكب والأقمار والمذنبات والكويكبات تتبعها دائما وتخضع لقوة جاذبيتها حيث تجعلها من حولها في مدارات متتابعة بيضاويـة الشكل، وجميع أفراد هذه المجموعة تنتقل مع الشمس خلال حركتها الذاتية.

والخلاصة أن الشمس والأرض والقمر وسائر الكواكب والأجرام تجرى في الفضاء بسرعة محدودة. وفي اتجاه محدود، ويلاحظ إن الشمس ومجموعتها والنجوم القريبة منها، تقع في داخل سديم عظيم ممتد في السماء يسمى بسديم المجرة، وقد تبين من الدراسات الحديثة أن سائر أجزاء السديم تدور حول المركز بسرعة تتناسب وعكس بعدها عن المركز.
كما اتضح أيضا أن الشمس والأرض وكواكبها والنجوم القريبة منها تدور بسرعة وفي اتجاه محدد، تبلغ هذه السرعة حوالي 700 كم في الثانية، وتتم دورتها حول المركز في مدى حوالي 200 مليون سنة ضوئية.
وصفوة القول أن الآية الكريمة التي تنص على أن الشمس تجرى لمستقر لها لم يتعرف على معانيها العلماء إلا في أوائل هذا القرن ولا يمكن أن تدرك الشمس القمر، لأن كلا منهما يجرى في أفلاك متوازية فيستحيل أن يتقابلا، كما يستحيل أن يسبق الليل النهار حيث يتطلب ذلك أن تدور الأرض حول محورها من الشرق إلى الغرب بدلا من اتجاهها الحالي من الغرب إلى الشرق.
والقمر خلال دورته حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس يمر بمجموعات من النجوم تسمى بمنازل القمر. وفي الربع الأول والأخير من الشهر يظهر القمر شكله كالعرجون القديم أي يسير كالسباطة إذا قدمت ويبست واعوجت".
هذا التعليق للجنة القرآن والسنة التي قامت بتأليف تفسير" المنتخب" وهم كما ذكر في مقدمة التفسير" لجان علمية من جهابذة العلماء وفطاحل الباحثين والمفكرين". لا يحتوى على جملة واحـدة صحيحة شرعا أو علماً. ومـا يعنينا في هذا المقام هـو قولهم:" أن الشمس والأرض وكواكبها والنجوم القريبة منها تدور بسرعة وفي اتجاه مـحدد، تبلغ هـذه السرعة حوالي 700 كم / ث وتتم دورتها حول المركز في مدى حوالي 200 مليون سنة ضوئية".
هل هذا هو تفسير قوله تعالى] وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [فأين المستقر هنا؟
إن هذا القول لم يقل به الله ولا رسوله، ولا المؤمنون في أزمنة العلم والعلماء. ولكن هذا القول هو خبط الكافرين من صناع عصر الإلحاد وأهل الذكر عندنـا على دربهم سائرون.

ماذا تفعل الشمس في مستقرها؟
للذين لا يعلمون - ولو بحسن نية - كيف تجرى الشمس، ولا يعرفون إلى أين تتجه ولا يعرفون ماذا تفعل عندما تصل إلى وجهتها وهدفها. فلهؤلاء نقدم لهم شرح رسول الله e لكيفية جريان الشمس، وماذا تفعل في مستقرها. مع الوضع في الاعتبار أن الشرح لم يقصد به أن يعرفهم أن الشمس تجرى حول الأرض لأن ذلك كان من المعلوم بالضرورة والعادة والفطرة، ولو قال لهم أن الشمس تجرى حول الأرض فكأنما يقول لهم: أن الشمس تشرق صباحاً وتغرب مساءً. إذ لم يكن أحد يشك أبداً أنها تدور حول الأرض. ولكن رسـول الله e أراد أن يعلمهم المكان المحدد الذي تجرى الشمس إليه، ويعلمهم أمراً محددا تفعله الشمس في هذا المكان. كمعلومة جديدة عليهم.
قال ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري:" ذكر البخاري ستة أحاديث في باب واحد الغرض منه بيان سير الشمس في يوم وليلة، وظاهره مغاير لكلام أهل الفلك: أن الشمس مرصعة في الفلك، فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك. وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجرى ومثله قوله تعالى] وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[ أي يدورون.
قال ابن العربي: أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم، ولا مانع أن تخرج عن مجالها فتسجد ثم ترجع. قلت (ابن حجر): إن أراد بالخروج.. الوقوف، فواضح، وإلا فلا دليل على الخروج" انتهى.
فالرسول e في هذه الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما يخبرنا بدقة وتفصيل لا يقبل تأويلا بما يلي:
روى البخاري قال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان الأعمش عن إبراهيم التميمي عن أبيه عن أبى ذر قال: قال رسول الله e لأبى ذر حين غربت الشمس" تدرى أين تذهب"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال:" فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يؤذن لها. ويقال: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها. فذلك قوله. ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [.
هذه رواية البخاري وكتاب البخاري أصح كتاب عند المسلمين بعد القرآن وقد روى الحديث مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وغيرهم.
يقول ابن كثير رحمه الله:" وهذا لا يدل على أنها تصعد إلى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش". فابن كثير ينبه على أن الشمس لا تترك مدارها حـول الأرض الذي تدور فيه، فهي لا تتجه نحو المجرة، ولا السموات ولا شيء من ذلك. ثم يضيف ابن كثير:" بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هو فيه، وهو الرابع فيما قاله غير واحد مـن علماء التفسير، وليس في الشرع ما ينافيه، بل في الحس ما يدل عليه ويقتضيه وهو الكسوفات".
يؤيد ابن كثير أن الشمس في الفلك الرابع كما يقول كثير من المفسرين، وكما يؤكده الحس من كسوفات الأجرام السماوية (القمر والزهرة وعطارد) مع الشمس ويقول بأن الشرع ليس فيه ما ينافي ذلك. وهو حرص ابن كثير رحمه الله كغيره من السلف، والخوف من إثبات أو نفي ما لم يقل به الله. ثم يقول:
" فإذا ذهبت الشمس حتى تتوسط فلكها وهو منتصف الليل مثلا في اعتدال الزمان بحيث تكون بين القطبين. فإنها تكون أبعد ما يكون عن العرش وقت الزوال مـن جهتنا".
ومعنى كلام ابن كثير أن الشمس عندما تذهب في غروبها تجرى حتى إذا كانت في منتصف فلكها تماماً، وكانت بذلك فوق خط الاستواء (وقت اعتدال الزمان) متقاطعا مع الخط الواصل بين القطبين حيث يكون الوقت في مكة آنذاك منتصف الليل وتكون بذلك في أقرب نقطة إلى العرش، لأنها عندمـا تكون مـن جهة مكـة وقت الـزوال" الظهيرة" تكون في أبعد نقطة من العرش. ثم يقول ابن كثير:
" فإذا كانت في محل سجودها (المستقر) استأذنت الرب جل جلاله في طلوعها من الشرق فيؤذن لها فتبـدو من جهة الشرق وهي مع ذلك كارهة لعصاة بنى آدم أن تطلع عليهم، ولهذا قال أمية:
تأبى أن تبدو لنا في رسلها إلا مـعذبة وإلا تجــــلد
فإذا كان الوقت الذي يريد الله طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها وتستأذن في الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها. فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن ثم تسجد على عادتها وتستأن في الطلوع من عادتها، فلا يؤذن لها وتطول تلك الليلة، فتقول الشمس: يا رب إن الفجر قد اقترب، وإن المدى بعيد فيقال لها أرجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها. فإذا رآها الناس آمنوا جميعاً وذلك حينما لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً وفسروا بذلك قوله تعالى ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا[ قيل: موضعها الذي تسجد فيه تحت العرش" انتهى كلام ابن كثير.
ليس ما ذكرناه عن سجود الشمس في مستقرها سراً من الإسرار، ولا علماً مقصوراً على أهل الذكر بل كان الأمر معروفاً لكل المسلمين حتى بداية القرن العشرين ثم توقف الحـديث عن الكلام في سجود الشمس وامتنعت الكتب المؤلفة بعد ذلك من ذكر هذا الأمر، وأحجم الخطباء عن ذكر ذلك في خطبهم، وأمسك العلماء عن الخوض فيه في أحاديثهم، وأصبح هذا العلم محبوسا في كتب التراث ومكتوما في صدور العلماء والخطباء والفقهاء والوعاظ والدعاة. وكأن الأمر قد نسخ أو أن الشمس قد كفت عن السجود منذ بداية هذا القرن. ومن سمع ولو مرة واحدة من عالم حديثا عن سجود الشمس، أو قرأ ذلك في كتاب أو مجلة أو جريدة أو سمع في الإذاعة أو التليفزيون فليقل لنا.
إن ذلك لا يحدث ولن يحدث أبداً إلا إذا تحرر علمـاء المسلمين من التبعية لعلماء الغرب.
سجود الشمس في الحضارة القديمة
أنكر المؤمنون بالله الآن سجود الشمس بدعوى أنها لا تعقل، وفي نفس الوقت نسبوا لها القدرة على التحكم في كل الكواكب التي حولها. وأنها تشدها إليها جميعا وتجرى بهم جميعا حول المجرة ولا يستطيع كوكب أن ينفلت من جاذبية الشمس. حتى الأرض التي سخر لها كل شيء تتحكم فيها الشمس وتوجهها حيث أرادت إن هذا الكلام الذي لا يمت بصلة للإيمان يقول به المؤمنون بالله الآن. وفي نفس الوقت يستعظمون أن تسجد الشمس لله ولا خيار للمؤمنين في أن يقولوا ويعتقدوا هذا لأن الغرب قالوا ذلك.
هكذا وصل الحال بمؤمني الأرض في سنة 2000 ميلادية، أما النصوص التي بين أيدينا وعمرها 4000 سنة قبل الميلاد فتوضـح لنا أن قدماء المصريين كـانوا يعتقدون بـدوران الشمس حـول الأرض كـل يوم، ويقولون بسجود الشمس في مستقرها تماما كـما ذكـر الحديث وكما شرح ابن كثير.
ففي كتاب" معجم الحضارة المصرية القديمة" تأليف نخبة من علماء الغرب. ذكروا اعتقاد المصريين القدماء صـ 207 وأن الشمس كانت تطلع من المحيط الأعظم (المحيط الهادي) في الصبـاح وتعود إليه ثانية في المساء من عند حده الغربي. وتذهب إلى العالم السفلي. وأنهم كانوا يعتقدون أن العالم السفلي نسخة مقلوبة من الدنيا التي نحن نراها، حيث رقعة متسعة من الـماء تقابلها سماء مثل التي فوقنا، وهو التصور السليم للكرة الأرضية.
هذا الماء هو المحيط الهادي الذي تذهب إليه الشمس" فتستعيد الشمس قواها بعد أن تموت في المساء". إنه نفس التصور الإسلامي للشمس التي تذهب لمستقرها فتسجد وتستأذن لتستعيد دورتها بدوران جديد. ولم أجد وصفا لسجود الشمس الذي قال به القرآن والسنة والذي ينكره المسلمون الآن أدق من هذا الوصف الفرعوني البديع.
المجاز في القرآن
ليس في القرآن آيات ولا في السنة أحاديث يستحي العلماء ويتحرجون من ذكرها سوى آيات وأحاديث السجود للشمس هذه التي نتحدث عنها.
نسخ علماؤنا هذه الآيات والأحاديث، احتراما لما توصل إليه التجريبيون من علوم ومعارف تتعارض تماما مع هذه الآيات والأحاديث. وحتى لا يكون الإسلام متخلفا عن ركب الحضارة والتقدم فقد كتم علماؤنا هذا العلم، تماما كما فعلوا مع آيات وأحاديث بُعد السماء عـن الأرض، والاستواء على العرش وكلها آيات صريحة وأحاديث صحيحة، ولكنهم يخجلون من ذكرها لجماهير الناس، لأنها لا تتناسب مع عصر" الإنترنت". ولأنهم إذا ذكروا هذا العلم فإنه سيتناقض ولا شك مع قولهم الذي يقولونه بأن الشمس هي مركز الكون، أو على حسب آخر إشعار من رؤوسهم في الغرب أنها مركز عالمنا نحن أي المجموعة الشمسية.
ولكن علمائنا قد يتعرضون لأسئلة من عوام الناس عن هذه الأمور التي يكتمونها فعندئذ يلجئون إلى ما يسمى بالمجاز. أو قد تعترض مفسرو القرآن لهذا العصر آيات كهذه فيلجئون إلى الدوران بعيدا عن المعنى الصحيح.
فهاهو" سيد قطب" رحمه الله وهو من أقل المفسرين تأثرا بعصر الإلحاد يقول في قوله تعالى ]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا[ قال:" والشمس تدور حول نفسها ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها، إنما هي تجرى.. تجرى فعلا. تجرى في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون بإثني عشر ميلا في الثانية ! والله ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها – يقول: أنها تجرى لمستقر لها. هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا سبحانه".
إن آية المستقر التي نحن بصددها لم تتحدث عن سجود الشمس صراحةً ولكن بيَن رسول الله e فيما رواه البخاري وغيره أنها تذهب لتسجد في مستقرها ثم تعود للشروق ثم تغرب فتذهب لتسجد وتستأذن ثم تعود للشروق.. وهكذا. ولا أظن أن الشيخ سيد قطب قد خفيت عليه هذه الأحاديث التي ذكرها جميع المفسرين دون استثناء مفسرو قبل عصر الإلحاد.
لقد ذكرت سجود الشمس صراحة آية أخرى هي الآية رقم (18) من سورة الحج: ]أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [.
لقد ذكرت تفاسير ما قبل عصر الإلحاد أن الشمس كغيرها من الأجرام السماوية وكذلك الكائنات الأرضية تسجد لله عز وجل. كما نسجد نحن لكن ليس بنفس الصورة.
أما تفاسير ما بعد عصر النهضة فيختلف الأمر فيها. فمثلا يقول تفسير المنتخب:" ألم تعلم أيها العاقل أن الله يخضع لتصريفه من في السموات ومن الأرض والشمس والقمر والنجوم الجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس يؤمن بالله ويخضع لتعاليمه فاستحقوا بذلك الجنـة، وكثـير منهـم لـم يؤمن به ولم ينفذ تعاليمه فاستحقوا بذلك العذاب والإهانة...".
هذا تفسير لما بعد عصر الإلحاد، والتفاسير التي تسبق هذا العصر، بعضها أيضا استعظم أن تسجد لله فقالوا بسجود الملائكة الموكلة بها، أو سجودها باستجابتها لأمر ربها كما ذكر" المنتخب". وقد قالت بذلك قلة لا تذكر من علماء السلف، أنكر عليهم الجمهور ذلك القول وهذا المسلك باعتقادهم أن القرآن فيه مجاز.
كان نفر قليل من المسلمين لا يذكر، يقولون بأن القرآن يستخدم المجاز أما المفسرون الآن فجميعهم دون استثناء يعتقدون أن القرآن يستخدم المجاز ومن ثم ينكرون سجود الشمس وينكرون على من قال عنـه الله أنه يتكلم. فينكرون أن تقول السموات والأرض]أَتَيْنَا طَائِعِينَ[. أو تقول النار ]هَلْ مِنْ مَزِيدٍ[. أو أن يشهد على الكافرين ]سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ أو ]وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[.
ولا يقتنعون بأن الجبال تأوب وتسبح وكذلك الطير، أو أن جهنم تغتاظ وتزفر أو أن الجمادات تسجد. قائلين بأن كل ذلك لا يحدث لأن هذه الكائنات من الجمادات والحيوانات والنباتات أو الكائنات الغيبية لا تعقل ولا تدرك ومن ثم فإنما يحدث ذلك منهم على سبيل المجاز والتأويل. وفرقوا بين الحقيقة والمجاز.
فالحقيقة ما يفيد اللفظ المطلق أو هو المعنى الذي يسبق إلى الذهن عند الإطلاق. أما المجاز فما لا يفيد إلا مع التقييد. والقول بذلك في القرآن هو تكذيب لله عز وجل. وقد رأينا كيف أن الله تعالى يقول أن من في السموات والأرض والشمس والقمر وغيرهما يسجد لله كما في الآية (18) من سـورة الحج، ويقول مفسرو المنتخب أنها لا تسجد وإنما تخضع له. كذلك يقولون عن تسبيـح الرعد الذي ذكره تعالى في سورة الرعد الآية (13) من قوله: ]وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ[ فقالوا:" وأن الرعد خاضع لله تعالى خضوعا مطلقا حتى أن صوته الذي تسمعون كأنه تسبيح له سبحانه بالحمد على تكوينه دلالة على خضوعه".
فالله تعالى يقول أن الرعد يسبح وهم يقولون: كأنه يسبح. أليس ذلك تكذيب لله تعالى؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز لم يظهر إلا في المائة الثالثة، وانتشر في المائة الرابعة على يد المعتزلة و نحوهم من المتكلمين. ولم يقل به قبلهم أحد من الأئمة المشهورين في العلم ولا تكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو الأوائل.
قال ابن القيم في كتاب" الصواعق المرسلة": أنهم قد اختلفوا في جواز المجاز في اللغة بين مانع ومجيز، إلا أن من يجيزه في اللغة يمنعه في القرآن.
وقد أدى القول بالمجاز إلى نفي كثير من النصوص الشرعية. وصرف المعنى الحقيقي لظواهرها إلى معان مغايرة دون وجود قرائن توجب القول بتلك المعاني لذا أنكر أهل السنة وجوده في الشرع أصلا وأجمعوا على بطلان القول به.
وذكر" الشنقيطي" في كتاب" منع جواز المجاز" أن القول بالمجاز يفضي إلى نفي بعـض القرآن وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من الصفات الثابتة لله تعالى في القرآن. كاليد والاستواء والنزول، فنفوا مثل هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز.
ومن جملة ما ادعاه القائلين بالمجاز في القرآن لفظ الكيد والمكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله تعالى، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله عن طريق المجاز.
وقد رد على القائلين بالمجاز ابن تيمية رحمه الله إذ قال:" وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق هذه العقوبة كانت ظلما له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلا كما قــال تعالى:
]كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ[ فكاد له كما كادت اخوته، لما قال له أبوه ]يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا[ ( يوسف:5) وقال تعالى: ]إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا[ (الطارق). وقوله ]وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ[ وقال ]الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[ (التوبة:79). و لهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم" أ. هـ
ومـن الأمثلة التي يستدل بها القائلون بالمجاز في القرآن قوله تعالى ]وَاسئِل الْقَرْيَةَ[ (يوسف:82). فقالوا: إن المراد به أهلها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وكذلك المجاز في قوله ]جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقضَّ[ ورد ابن تيمية على المثال الأول بأن لفظ القرية والمدينة والنهر وأمثال هـذه أحيانا يعود على الحال والمحل، كلاهما داخل في الاسم، وهو أحيانا يعود على الحال وهو السكان، وأحيانا يدور على المحل وهو المكان، ففي قوله تعالى ]وَضَرَبَ اللَّهُ مَثلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً[ أراد الحال وهم السكان. وفي قوله ]أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ[ أراد المحل وهو المكان لا السكان، وذلك من غير إضمار ولا حذف. كما أن لفظ الإرادة قد استعمل للجماد. وهو مشهور في اللغة".
وقال محمد أمين الشنقيطي على مثال الجدار بأنه لا مانع من حمله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة لأن الله يعلم للجمادات ما لا نعلمه لها كما قال تعالى: ]وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[. وقد ثبت في صحيح البخاري حنين الجذع الذي كان يخطب عليه e. وثبت في مسلم أنه قال:" إني لأعرف حجراً كان يسلم علىّ في مكة". وأمثال هذا كثيرة جداً. فلا مانع من أن يعلم الله من ذلك الجدار إرادة الانقضاض.
وبهذا المجاز نفي علماء هذا العصر السجود عن الشمس. وهم بالتالي ينفون آيات السجود.
ولا يجب أن يكون سجود الشمس وغيرها من الكائنات التي تسجد، كسجود الإنسان على سبعة أعضاء، ووضع الجبهة على الأرض. فهذا سجود مخصوص بالإنسان، بل إن من الأمم من يعتبر ركوعهم هو السجود كما قال تعالى: ]وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ[ والمقصود الدخول في هيئة الركوع فهذا سجودهم. وكما يقول ابن تيمية رحمه الله: السجود اسم جنس، ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين، صار كثير من الناس يظن أن هذا سجود كل أحد.
فالشمـس تسجد سجودا حقيقيا وليس مجازاً، وتسجد كل يوم بعد غروبها وقبل شروقها، كما أخبر بذلك رسول الله e، وهذا يقتضي بالطبع أنها تدور حول الأرض إذ كيف تسجد بعد غروبها وتستأذن للشروق مرة أخرى كل يوم ما لم يكن دورانها هي حول الأرض.
يتبع


3 
اسيل

السباق الأبدي
لازلنا في رحاب آيات سورة يس ونحن الآن مع هذه الآية:
] لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [.
نفهم من هذه الآية أن سباقا أبديا منذ بداية الخليقة إلى أن تنتهي بين هذين المنيرين الشمس والقمر. وأن علاقة حميمة كائنة بينهما.
كذلك نعلم من الآية أن الشمس لا تدرك القمر أبداً، وليس هذا عجز منها، بل إنه أدب في هذا التسابق، أن يكون هو دائما أمامها. نفهم ذلك من قوله تعالى ]لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ[ أي لا يجوز للشمس ولا يجب أن تلحق القمر، فهي من ثم متأدبة بأدب الله، طائعة لأمر سيدها.
كما نفهم من مبدأ السباق أن كلاهما يجرى في مدارٍ موازٍ لمدار الآخر، وإلا فمن المستحيل عقلا أن يكون لكل منهما وجهة وهما في نفس الوقت في تسابق، لا يجوز عقلا أن تكون الشمس متجهة في جريها إلى الدوران حول مركز المجرة، بينما القمر يدور حول الأرض.
ونفس الفهم أيضا من كلمة الإدراك فلا يقبل عقلاً أن الله عز وجل يخاطبنا على هذا السباق ويؤكد لنا أن الشمس لا تلحق بالقمر أبداً وذلك لأن لكل منهم وجهة هـو موليها. بل إن الشمس والقمر يجريان في مسارين متوازيين. وهذا ما لا يفهم غيره. لذلك فإن تفسير المنتخب لم يستطع الهروب من الاعتراف بموازاة المسارين حول الأرض. فقالوا تعليقاً على هذه الآية" ولا يمكن أن تدرك الشمس القمر، لأن كل منهما يجرى في أفلاك متوازية فيستحيل أن يتقابلا وتستحيل أن يسبق الليل النهار". إنهم يقرون بأن أفلاك الشمس والقمر متوازية وهذا الذي يقولوه يتناقض تماما مع قولهم بأن الشمس تجرى حول المجرة، والقمر يجرى حول الأرض. فكيف تكون أفلاكهما متوازية؟ إن هذا التناقض والتخبط ليس من آيات القرآن، وإنما هو من الفهم الخاطئ لآياته ولكي نعرف لماذا لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر، فإننا يجب أن نعرف معنى الإدراك ولكي نعرف معنى الإدراك فنحن في حاجة لمعرفة] وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ما معناها.
هذا الجزء من الآية ورد مرتين في القرآن كله هذه المرة في سورة يس: والأخرى في سورة الأنبياء الآية (33) في قوله تعالى ]وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [.
ففي هاتين الآيتين اجتمعت هذه المخلوقات الأربع الليل والنهار والشمس والقمر، وقال تعالى ]كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[. والفلك هو مدار دائري حول الأرض والفلكة أيضا تطلق على فلكة المغزل. وهي بكرة تدور حول قطب ثابت. والسباحة هي الحركة في سهولة ويسر دون عائق، وهي نفس ما تقوم به الكائنات في الماء. وبين الفَلك والفُلك تشابه.
وردت كلمة الفَلك مرتين اثنتين وذكر في كلتاهما الليل والنهار والشمس والقمر أما الفُلك فقد ذكرت في القران 7 مرات وذلك لتتناسب مع الـ ]سَبْعَةُ أَبْحُرٍ[ التي وردت في القرآن والتي هي بالفعل في الأرض.
والفُلك والفَلك كلاهما لا يسير على الأرض بل الأول في الماء والثاني في السماء، وكلاهما يحيط بالأرض. وكلاهما يتحرك بقدرة الله وأمره. وكلاهما محمول بقدرة الله وتتحرك بعيد عن اليابسة. والحركة في الأرض اليابسة تسمى سياحة – بالياء – بينما الحركة في الماء أو في السماء فتسمى سباحة. وكما أن الماء مستدير حول الأرض فكذلك فلك السماء مستدير حول الأرض. والسباحة وإن كانت تعنى السير بسهولة ويسر، فهي بمعنى أدق تعنى العوم إذ السير يحتاج إلى أقدام. أما السباحة فلا تحتاج إلى ذلك. لذلك كانت حـركة الملائكة في نزولها من السماء إلى الأرض والعودة تسمى سباحة يقول تعالى ]وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا[. فالليل والنهار والشمس والقمر يسبحون في أفلاك حول الأرض.
والشمس لا تدرك القمر، ولكن لا يعنى ذلك أن القمر دائما متقدم عليها. ولكن الإدراك هنا له معنى. فالشمس والقمر يدوران حول الأرض سباحة، وإنه وإن كانت طريقة الجري أو الحركة واحدة وهي السباحة إلا أن القمر فلكه أصغر وأضيق في محيطه من فلك الشمس، إذ أن القمر فلكه الأول والشمس فكلها الرابع ومحيط الرابع أكبر وأطول من محيط الأول. لذلك نجد القمر يدور في فلكه، وينزل جميع منازله، ويقطع أبراج السماء الإثنى عشر في شهر. أما الشمس فإنها تفعل نفس الأشياء في سنة لطول مدارها.
فالقمر مداره أصغر من مدار الشمس، فدائما ما يسبق القمر إلى إنهاء دورته إلى دورة جديدة وهذا المعنى هو المفهوم من القرآن. يقـول تعالى: ]حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ[ أي لحقه ووصل إليه ]أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ[ نفس المعنى أيضا. وكذلك ]لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى[ وقوله]فَلَمَّا تَرَاءَ الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [.
وعلى هذا فلن تلحق الشمس القمر في أن تقطع ما قطع من دورته، حتى ولو حاذته في السير، أو حتى تخطته فهي في الحقيقة لم تدركه، لأن القمر يكون عند ذلك قد سبق الشمس ودار بالأرض أكثر من دورات الشمس، ورغم أن الشمس آية النهار والقمر آية الليل، ورغم أن القمر يسبق الشمس دائما ألا أن الليل لا يمكن أن يسبق. وهي قدرة الله البالغة في أن جعل آيتي الليل والنهار مستقلتين عن آيتي الشمس والقمر.
وما حال الشمس والقمر في هذا السباق ألا كحال متسابقين في الجري حول ملعب كرة قدم أحدهما يدور حول الملعب في أقرب (حارة) إليه، أي هو المجاور لدائرة الملعب. والآخر يجرى في أبعد (حارة) وهما يدوران في هذا الوضع عدة ساعات فإن المتسابق الذي يجرى في الحارة الأولى يدور حول الملعب أكثر من مرة بينما المتسابق الأخر لم يتمكن من الدوران إلا مرة أو مرتين، وهو قد يحاذي المتسابق الأول وقد يتخطاه، ولكنه لن يدركه أبداً وقد يكون أسرع منه لأن دائرة المتسابق الأول أضيق كثيرا من دائرة المتسابق الآخر.
وكذلك الحال مع الطائفين بالبيت الحرام فالذي يدور حول البيت وهو ملاصق له ينهي طوافه سبع مـرات بينما الذي يدور من مكان بعيد ربما يكون قد دار دورتين أو ثلاثة أو أقل، وربما يتجـاوز هذا الطائف الأخير الطائف الأول أثناء طوافه ولكنه لا يكون قد أدركه.
ألا يفهم من هذا التسابق أن الشمس تدور حول الأرض، مثلها مثل القمر. وأهل الفلك يسلمون بدوران القمر حول الأرض، والقرآن يخبرنا بأنهـما في تسابق. إذن فالأمر واضح، ولكننا نصحح كمسلمين معلومات أهل الفلك ونقول بأن القمر يدور حول الأرض كل يوم وليس كل شهر، وكذلك تفعل الشمس.
القمر تابع للشمس
من معلومات أهل الفلك الخاطئة أن القمر تابع للأرض يسير مع الأرض حيثما سارت ويدور حولها حيثما دارت، والصحيح أن القمر تابع للشمس، وكلاهما مسخر للأرض.
وكان ينبغي على علماء المسلمين الآن أن يفهموا ذلك، فكيف يكون القمر تابعا للأرض وربهم قال أن القمر تابع للشمس. في قوله تعالى: ]وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا (2) [.
فالله تعالى يقسم بالشمس ونورها المتوهج، ويقسم بالقمر التابع لها. وهذا هو معنى الآية الواضح.. فالقمر يتلو أي يتبع الشمس وليس يتلو الأرض ولا يتبعها. وليس أيضا معنى الآية أن ضوء القمر يتبع ويخلف ضوء الشمس، فالآية لا تتحدث أبدا عن ذلك ولم تتحدث عن خلفة الضوء، كما أن الواقع يخالف هذا، إذ قد نرى القمر بالنهار والشمس ساطعة، وقد تغرب الشمس ولا نرى للقمر ضوءا. فالآية لا علاقة لها بنور القمر، ولكن بجرم القمر ذاته.
كيف يتلو القمر الشمس؟
ليست تلاوة القمر للشمس كما فهم البعض تلاوة نور هذا لنور هذه، وليست التلاوة أيضا أن يطلع القمر بعد غروب الشمس فهو يطلع ويظهر قبل غروب الشمس ولكن التلاوة هنا معناها الاتباع. وهو المعنى اللغوي والشرعي للكلمة. فالأمر بين الاثنين أمر تبعية، وهو تماما كتبعية علماء المسلمين لعلماء الغرب سواء بسواء، أو بالأصح شبرا بشبر وذراعا بذراع.
فالقمر كذلك متبعا للشمس ومتتبعا لدورانها، وهو يدور بين يديها، أو خلفها، وهو يستمد نوره منها، وهو بدون الشمس لا يعتبر قمرا. ولكي يكون قمرا ذو أهلة فلابد من دورانه حول الأرض متتبعا الشمس، حتى لو سبقها، كالطفل يتبع أمه سواء سار خلفها أو أمامها، فعينه منها ووجهته وجهتها، وإلا ضل عنها وضاع. فكذلك القمر يتحرك ذهاباً وإياباً، سبقا وتأخراً، ولكنه بين يديها لا يضل عنها ولا يتركها تغيب عنه وإلا يخسف، وهذا بخلاف الشمس التي لا يتأثر وجودها بوجود القمر فهي موجودة وظاهرة في أوقات طلوعها سواء كان القمر أو لم يكن. لذلك لابد للقمر أن يتبع الشمس حتى لو سبقها، وهذا الأمر يتصور حال دوران القمر حول الأرض في فلكه القريب من الأرض وهو الفلك الأول، أما الشمس فهي بعيدة عن الأرض وهي في الفلك الرابع.
لذلك نقول بأن القمر تابع للشمس وليس تابـع للأرض. فقد اقتـرن ذكر القمر بذكـر الشمس 15 مرة ودائما ما يكون القمر بعد الشمس ]الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ[ ولا توجد آيـة واحدة تقول (القمر والشمس) ولا توجد آية واحدة اقترن فيها ذكر القمر بذكر الأرض. فلم نقــرأ مرة واحدة (الأرض والقمر).
فالأرض إذن ثابتة، والشمس تدور حولها، والقمر يدور أيضا تابعا للشمس.
الأرض ليست تابعة للشمس
الأرض الـتي خلقها الله ]فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ[ بينما كـان للسموات السبع يومان، أصبحت في القرن العشرين أقل من ذرة في هذا الفضاء، وهي لا تتميز عن غيرها مـن ملايين الأجرام السماوية أو بلايينها، وأنها مجرد فرد من أفراد المجموعة الشمسية التسعة، لا هي أكبرهم ولا أصغرهم، ولا أبعدهم ولا أقربهم، وأن الشمس تفضل عليها بمليون مرة، وأنها تتبع الشمس حيث ذهبت ولا تنفك من أسرها كأنها هي المسخرة لها. هذه عقيدة المقدسين للشمس الآن. ولا تختلف كثيرا عن عقيدة عباد الشمس في أي مكان وأي زمان.
وهذه هي نفسها عقيدة المؤمنين بالله ورسوله وكتابه في الشمس، وهم يعلمون علم اليقين أن هذه العقيدة في الشمس مخالفة ومناقضة تماما للعقيدة الصحيحة. ولكنهم مطمئنين لهذه العقيدة الوسطية بين تقديس الشمس وإسباغها بما ليس لها، وبين عبادة الله تعالى، وهي عقيدة لو ماتوا عليها سيكون موقفهم على الصراط يوم القيامة في غاية الصعوبة. وموقفهم أمام الله محرجا للغاية وهم يرون الشمس التي أسبغوا عليها صفات الألوهية مكورة، وملقى بها في النار.
الأرض التي خلقها الله في أربعة أيام من أيام الخلق الستة ليست تابعة للشمس التي خلقت في لمح البصر بكلمة ]كُنْ[. ولم تشرف كالأرض بالخلق المباشر، ولكن كما قال تعالى ]وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا[ (فصلت:12). وليست الأرض فردا من أفراد المجموعة الشمسية، لأنه ليس هناك مجموعة شمسية، بل هناك مجموعة سماوية - إن جاز التعبير - والشمس فردا متميزا فيها مع الكواكب والنجوم، وكلها مسخرات بأمر الله للأرض. وكلها زينة بأمر الله للسماء. ومن اعتقد في غير ذلك فعقيدته باطلة.


الظل دليل دوران الشمس
نعمة من أكبر النعم على المخلوقات، وآية من أكبر الآيات، ودليل على حركة الشمس اليومية حول الأرض من أكبر الدلالات.
فلأنها نعمة فهي ستكون من نعم الجنة التي عدها وأعدها الله للمؤمنين وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا (النساء:57).
وهو آية من أكبر آيات الله، لأن الله تعالى ذكره من آيـاته الكبرى التي عددها فــي سورة الفرقان وعد منها هذه الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا فقد ذكر تعالى في سورة الفرقان (7) آيات من آيات الخلق بدأها بالظل ثم الليل ثم النهار ثم الرياح ثم الماء ثم مرج البحرين ثم البشر وذكر قبل كل آية منها أنه تعالى الذي جعلها. وكوٌنها بقوله: وَهُوَ الَّذِي. ولكنه خص آية الظل بذكره ذاته تعالى.
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُـمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بـِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا (50) وَلـَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا .
يقول الشوكاني تفسيرا لآية الظل:" لما فرغ سبحانه من ذكـر جهالة الجاهلين وضلالهم، أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام، فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وهـذه الرؤية إما بصرية، والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى كيف مده ربك، وإما قلبية بمعنى العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث موجد، والتقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك يعنى الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس وهو ظل لا شمس معه، وهو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها.
قال أبو عبيدة: الظل بالغداة، والفيء بالعشي. لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمى فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب.

وقال ابن السكيت: الظل ما نسخته الشمس. والفيء ما نسخ الشمس وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة. وهذا التوسط هو أعدل الطرفين. لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس. والضوء الكامل لقوته ينبهر الحس البصري ويؤذى بالتسخين، ولذلك وصفت الجنة به. بقوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ .
وقوله وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا أي لو شاء الله سكونه لجعله ساكنا ثابتا دائماً مستقراً لا تنسخه الشمس. أو لو شاء لمنع الشمس الطلوع.
وقوله ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا أي جعلناها علامة يستدل بها بأحوالها الظل وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص.
وقوله ثُمَّ قَبَضْنَاهُ أي قبضنا ذلك الظل الممدود ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس موقعه بالتدريج حتى انتهي ذلك الإظلال إلى العدم والاضمحلال.
وقيل المراد في الآية أن الظل يبقى في الأرض من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضاً مقبوضاً وخلفه فى هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها. فإذا غربت فليس هناك ظــل.
وقوله قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا ومعنى إلينا: أن رجوع الظل إليه، كما أن حدوثه منــه.
وقوله قَبْضًا يَسِيرًا: أي على تدريج قليل، قليل، بقدر ارتفاع الشمس، وقيل أيضـا سريعا" انتهى كلام الشوكاني.
وقال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:" شرع سبحانه وتعالى في بيانه الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ .
قال بن عباس ومجاهد: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا أي دائما لا يزول.
وقوله تعالى: ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا أي الظل، وقيل الشمس. ويَسِيرًا أي سهلا، قال ابن عباس: سريعا.
قال مجاهد: خفيا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة.
وقوله ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف.
وقال قتادة: دليلا: تتلوه وتتبعه، حتى تأتي عليه كله" أ. هـ.
هذا ما فهمه السلف للآية، فالظل هنا ليس مجرد ما يستره الحائط والشجرة من شعاع الشــمس وهي موجودة، بل هو الوقت الذي ذهب فيه الليل بظلامـه ولم تشرق فيه الشــمس بعد.
وحتى يعلم السادة العلماء القائلين بأن الأرض هي التي تـدور لتحدث ذلك الظل يقول تعالى ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا فليست الأرض إذن هي الدليل، بل الشمس. والدليل هنا لا يمكن أن يكون ثابتا، وإلا لم يكن دليلا. أليس كذلك؟
هل يجوز لغة، أو شرعاً، أو عرفا أن يكون الدليل ثابت؟ لا يمكن.
ولو كانت الأرض هي التي تدور لكانت الآية (ثم جعلنا الشمس عليه علامة). ولكن أن تكون دليلاً فلابد وأن تكون متحركة حول الأرض.
ولكي تطمئن قلوبكم أسوق لكم الدليل من القرآن. على أن الدليل: لابد أن يتحرك ويسوق إلى ما يدل عليه، هذه سبع آيات لم يذكر غيرها في القرآن كله ورد فيها كلمة دليل بكل مشتقاتها:
(1) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ منسأته
(سبأ:14)
(2) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا
يَبْلَى (طه:120)
(3) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ (طـه:40)
(4) وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ
نَاصِحُونَ (القصص)
(5) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَــلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ(سبأ:7)
(6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (الصف:10)
(7) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ
دَلِيلاً (الفرقان:45).
هـذه الآيات السبع واضحة الدلالة على أن الدليل لابد أن يتحرك سواء كان: حيوان دَابَّةُ الأرْضِ أو إنسانا أُخْتُكَ و الَّذِينَ كَفَرُوا أو جـن الشَّيْطَانُ أو جـماد الشَّمْسَ. وليس في أي من هذه الأدلة إلا وهو يتحرك ليدل.
وهذه الآيات السبع ذكـرت الدليـل من كل مخلوق: جماد أو حيوان، من الإنس أو الجن، من المؤمن أو الكافر.
ولكننا نلحظ أمرين هنا:
الأول: لم يذكر النبات من ضمن الأدلة، وذلك لأن النبات ثابت في الأرض ولا يكون نباتا إلا إذا ثبت في الأرض. ومن ثم فلا يصلح دليلا.
الثاني: الآية السادسة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ فالخطاب هنا من الله تعالى، فكيف يكون دليلا وهو تعالى مستوٍ على عرشه؟ ولابد للدليل من حركة. والأمر ببساطة شديدة أن الله تعالى وهو مستوٍ على عرشه أرسل رسله ليقوموا بهذا الأمر ويكونوا أدلة للناس إلي ما يريده الله تعالى. وهذا ما تبينه الآية السابقة على هذه الآية يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَـلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) .
إذن فقد كان الدليل للمؤمنين هو رسول الله الذي أرسله بهذه الرسالة ليدل الناس على ما ينجيهم من عذاب الله. فرسله هم الأدلة للناس وهم الذين يتحركون للتبليغ والدلالة.
فكذلك الأمر بالنسبة إلى الشمس التي هي أيضا تتحرك، بل تجرى. والشمس ليست دليلا عادياً، بل إنها أقوى دليل مادي، فبها يضرب المثل على الدليل البيِن الواضح الذي لا يختلف عليه عاقلان.
أحسب أن أهـل الفلك والمنجمين وعلماء المسلمين القائلين بدوران الأرض يكفيهم هذا الدليل الذي هو كالشمس، لا بل هو الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً .
إن الظل على الأرض ثابت ثم نشعر بحركته بالشمس، فالشمس دليل على حركة الظل التي لولاها لكان الظل ثابتا بالفعل. وعندما تتحرك الشمس قادمة سريعا من الشرق فأنها تسوق الظل الذي كان موجودا قبل شروقها أمامها، ويبقى هذا الظل مساقا مادامت السموات والأرض، ومادامت الشمس متحركة، وهي دليل على الظل حتى كأنها تسير في وسطه، وذلك لأن الظل يكون موجوداً قبل شروق الشمس أي أنه أمامها. ويكون موجودا أيضا بعد غروبها أي خلفها. فالظل أمام الشمس، والظل خلف الشمس متحرك بحركتها، وهي لا تصنعه. فالشمس تصنع ضوءا ونورا، ولكنها دليل على وجوده. ودليل له تحركه كلما تحركت، كأنها هـي في وسطه، لأنه قبل الشروق أمامها وبعد الغروب خلفها، فالشمس تدور حول الأرض.
* * * * *



اختلاف الليل و النهار
آية، ونعمة، ودليل.
من أعظم آيات الله في الكون، الليل والنهار. هكذا خلقهما الله. وكما ذكرنا أن الليل والنهار آيتان مستقلتان عن الشمس والقمر، وخلق مستقل عنهما، لا علاقة لوجودهما أو عدمهما بالشمس أو القمر. وذكرنا أن الله تعالى خلقهما في المرحلة الأولى من مراحل الخلق وربما في اليوم الأول. بينما الشمس والقمر مخلوقان قطعاً في اليوم الأخير، وربما في الساعات الأخيرة منه.
فالليل والنهار هما الظلمة والنور، المخلوقان المستقلان اللذان سيبقيان حتى بعد فناء الشمس والقمر يوم القيامة. واللذان يعمل فيهما الملائكة التي في السموات، رغم عدم وجود شمس أو قمر في السموات يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (الأنبياء:20) واللذان يعمل فيهما من في القبور للأموات، رغم عـدم وجـود شمس أو قمر في الأرض السفلي: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. واللذان يعمل فيهما النعيم لأهل الجنة، رغم عدم و جود شمس أو قمر، أو حتى وجود سموات أو أرض: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (مريم:62).
وأخبرنا تعالى بأنه خلق الليل والنهار، كخلق مستقل في سورة الأنعام وفي أول آياتها حيث يقول تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ وقد افتتحت التوراة بهذه الآية كما قال" وهب بن منبه" أن أول الأنعام أول التوراة، وقد حدثت التوراة التي بأيدي أهل الكتاب الآن أن الظلمات والنور خلقا في اليوم الأول بينما الشمس والقمر قد خلقا في المرحلة الأخيرة من مراحل الخلق.
وقد فصل القرآن كيفية خلق الليل والنهار أولا فقال تعالى في سورة النازعات أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطـَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) فبين الله تعالى أنه بمجرد فصل السماء عن الأرض، أظلم الليل وأخرج النهار، وذكرهما بأشد حالاتهما الغطش لليل وهي الظلمة الحالكة التي كالعمى. والضحى وهو أضوء أوقات النهار. وذكرت الآيات أن الأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ولم يكن ثم شمس ولا قمر ولا غيرهما.
من أجل ذلك بدأ الله بذكر الليل و النهار عندما ذكر خلق هذه الآيات في الآية الوحيدة في كل القرآن التي ذكرت خلقهم فقال عز وجل وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء:33).
كما أنه تعالى خصهما بالذكر في كونهما آيتين فقال وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ (الإسراء:12) وقد اجتمعت الآيات الأربعة (الليل والنهار، والشمس والقمر) في عدة آيات بلغ مجموعها في كل القرآن 9 آيات. اجتمعت فيها هذه المخلوقات الأربع. وقد سبق ذكر الليل والنهار في 7 آيات:
(1) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ
يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى (فاطر:13)
(2) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (فصلت:37)
(3) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء:33)
(4) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ
يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (لقمان:29)
(5) وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (النحل:12)
(6) يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ
(الأعراف:54)
(7) يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ
يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى (الزمر:5).
ما أروعها من آيات بينات يمتزج فيها الجمال بالإعجاز، والبيان والتفصيل، عن الليل والنهار والشمس والقمر، وجميعهم يسبحون، ويجرون، ويتسابقون. وكلهم مسخرون. هذه الآيات لتدل دلالة قاطعة على أن كل منهم متميز عن الأخر بائن عنه.
ولعظم آيتي الليل والنهار فإن الله تعالى ذكرهما ضمن الآيات الباهرات الدالة على قدرته إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ وفي سورة يونس قدم تعالى ذكر الليل والنهار على كل ما خلق فقال تعالى: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُون.
والليل والنهار نعمة من أعظم نعم الله على خلقه التي لا تتم إلا باختلاف الليل والنهار، والفائدة والمصلحة والنفع في اختلافهما، وتعاقبهما وولوجهما وتكورهما وتقلبهما، وتسبيحهما، وتسخيرهما، وجريهما، وتسابقهما، وفي إغشاء الليل وسلخ النهار. لذلك أخبر تعالى أن فيهما آيات لأولى الألباب، ولقوم يوقنون.
يخطئ في حق ربه، ويظلم نفسه من ينسخ كل هذه الآيات لليل والنهار ويلغى وجودهما تماما عندما يقول أن الليل والنهار إنما يكونا بدوران الأرض حول نفسها.
إن لليل حالات وأحوال، لا يمكن أن تأتى بمجرد دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس الثابتة بالنسبة لها. فدوران الأرض هذا لا يحدث ليلا ولانهاراً.
كذلك ليست الشمس هي المحدثة لليل والنهار فيكون نهارا بوجودها وليلا بغيابها ليس الأمر كذلك. إن الليل والنهار كما قلنا مستقلان في الخلق ومستقلان في التسخير حول الأرض. فيقول تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
إنما جعلت الشمس عليه دليل، كما ورد بالعهد القديم:
" لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل. وتكون علامات للأعياد. كمــا للأيام والسنين. ولتكن أنوار في جلد السماء لتضئ الأرض.
وكان كذلك، وعمل الله المنيرين العظيمين - المنير الأكبر لحكم النهار، والمنير الأصغر لحكم الليل - والنجوم. وجعل الله في جلد السماء لتنير على الأرض. وتحكم على النهار والليل. ولتفصل بين النور والظلمة. ورأى الله أنه حسن وكان مساء وكان نهار: اليوم الرابع".
وهذه المعطيات متفقة جميعا مع معطيات القرآن والسنة، لا يختلفان معها إلا في الوقت حيث ينص القرآن على أن هـذه الأجرام السماوية تمت في اليومين الأخيرين للخلق. وبينت السنة أن ذلك تم في اليوم الأخير منهما. أي اليوم السادس.
والليل والنهار نعمة لأن للناس فيهما شئون متباينة. فقال تعالى:
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) (النبأ)
وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ (الروم:23)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا (يونس:67)
فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا (الأنعام:96)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُون َ(72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (القصص).
وإن كان الله تعالى هو الذى خلق الليل والنهار خلقا مستقلا، فإنه تعالى يجعلهما يختلفان يقول سبحانه:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (الفرقان:62)
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (الحج:61)
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (النور:44)
وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (المزمل:20).
وثبت في الصحيحين عن أبى هريرة عن رسول الله  قال:" يقول الله تعالى:
} يؤذيني ابن آدم ويسب الدهر. وأنا الدهر بيدي الأمر. أقلب الليل والنهار {.
وقد ذكرنا حدود النهار عند الحديث عن بدء خلق الليل والنهار، وقلنا أن طَرَفِي النَّهَارِ (هود:114) وَأَطْرَافَ النَّهَارِ (طه:130) لهما وقت يختلف عن طلوع الشـمس وغروبها، فالنهار يبدأ طرفه الأول عندما يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ (البقرة:187) وآخر النهار عند اختفاء الضوء ودخول الظلام وروى ابن كثير عن بعضهم أنه إذا جاء الليل قال الرب جل جلاله: }غشى عبادي خلق عظيم، فالليل تهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب{ رواه ابن أبى حاتم.
فليس دوران الأرض هو الذي يحدث الليل والنهار وليست الشمس كذلك. ولكن الله تعالى هو الذي يخلفهما ويقلبهما. أما الشمس فإنها تدور في النهار، وهي علامته كما أن القمر علامة الليل. وليست الأرض هي محدثتهما لأن الأرض ثابتة، لا دوران لها، ولا حراك ولا فعل ولا تسخير ولا حتى سجود.


4 
اسيل

أحوال الليل والنهار
وللذين في قلوبهم شك من دوران الليل والنهار حول الأرض، حال ثبات الأرض وأن الشمس تدور في النهار حول الأرض. وليست هي التي تصنع الليل والنهار. وللذين في قلوبهم مرض، فلا يشعرون بقدرة الله، وينكرون يد الله التي تعمل لهم الليل والنهار، وتمسك السموات والأرض، نعرض لهم أحوال الليل والنهار التي ذكرها تعالى في كتابه:
المحو والإثبات
يقول تعالى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّـهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجـَعَلْنَا آيَةَ النَّـهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (الإسراء:12) فالله تعالى جعل الليل والنهار آيتين، وليس آية واحدة. ولا يمكن للشمس أو الأرض أن تصنعا الآيتين.
وآيتي الليل والنهار: ما في كلا منهما من العجائب التي تحار في وصفها الإفهام ولتعاقبهما ومـا فيهما من الإظلام والإنارة وسائر ما اشتملا عليه. ومعنى فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ أي طمسناه فجعلناه مظلماً. وهذا يعنى أن هذه الظلمة مجعولة، مصنوعة، ليست مجرد انعدام الضوء. بل هي جعل مستقل. فالظلمة ليست فضاء أو عدم وإنما هي مادة، ووجود وحالة كائنة.
وقوله تعالى وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً أي منيرة. فهل دوران الأرض حول نفسها يفعل ذلك؟
التكوير
يقـول تعالى يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (الزمر:5) هذه الآية تصف أمراً لله تعالى مع الليل والنهار فهو سبحانه يأتي بالليل فيكوره على النهار ومعلوم أن الأرض كرة، وإن لم يكن معلوم فهذه الآية تخبر بذلك، فهي ليست بيضاوية، ولا كمثرية ولكنها مستديرة كالكرة، لذلك عندما يغطى الله تعالى النهار بالليل فإنه عز وجل يكوره ثم يكور النهار على الليل وهكذا... لا تفعل ذلك الأرض، ولا تفعل ذلك الشمس، ولو كانت أيتهما تفعل ذلك لقال الله. ولا مانع من ذلك فقد أخبر تعالى أنه يهدى في ظلمات البر والبحر فقال أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (النمل:63) ولكنه تعالى في آية أخرى أخبر أنه يهدينا بالنجوم، أي أن النجوم هي وسيلة الهداية فقال وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (الأنعام:97). فلو كانت الأرض هي التي تحدث الليل والنهار بدورانها لقال تعالى ذلك.
وقال تعالى: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأوْلِي الأبْصَارِ (النور:44). فهذه الآية تؤكد أن الذي يكور ويقلب هو الله. والآية واضحة أن الليل والنهار لا يأتيان نتيجة دوران الأرض والشمس ولكن نتيجة التكوير والتقليب الذي يتم مـن الله عز وجل. ويا سبحان الله فرغـم وضـوح الآية ومعناها إلا أن العبرة فيـها لأوْلِي الأبْصَارِ وقليل ما هم.
ومثل ذلك قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (لقمان:25) وقوله ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (الحج:61) وقد ذكر الولوج في خمس آيات لم ينسب فيها إلا لله.
فالله تعالى يدخل هـذا في ذاك وذاك في هذا. فالتكوير والتقليب لا يتم برفع هذا والإتيان بذاك. ولكن يتم ذلك بالتداخل بحيث يحل أحدهما مكان الآخر بصورة رائعة ساحرة، هي من أجمل المشاهد الكونية التي تتكرر كل يوم مرتين مرة بعد الفجر ومرة بعد الغروب. وكيف؟ أن الليل بظلامه يتخلل النهار رويدا... رويدا... بخفة ونعومه وسرعة غير ملحوظة، وكيف تتغير ألوان السماء من أول درجات الزرقة الأقرب للبياض حتى تصل إلى أعلاها حتى تقترب من السواد ثم تسود بالفعل، وعكس هذا يحدث بعد الفجر عندما يسفر الصبح ويتنفس. إن هذا الجمال وهذا الجلال لا يحدثه إلا الله ذو الجمال والجلال، ولا تحدثه أبداً الأرض.
والذين لا يفقهون الآيات القرآنية، ولا يبصرون الآيات الكونية. فليأخذوا كرة ومصباحا صغيراً في حجرة مظلمة ولينظروا هل يحدث أي تغير في الحجرة أو على الكرة من دوران هذه الكرة أمام مصدر الضوء الثابت. لن يكـون هناك أي تغيير يلحظ على الإطلاق. أما لو حرك مصدر الضوء وثبتت الكرة ودار الضوء حولها فإن كل شيء أمامه سيتغير وسيحل النور محل الظلام، والظلام محل النور وهكذا. إنها وربى لآيات. ولكن أين المبصرون؟
يصور لنا تعالى في مشهد مهيب كيف تتم عملية الولوج بهذه الكلمات: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا (الأعراف:54)، إن الليل هنا يحاول تغطية النهار بالدخول فيه، أو بأن يتخلله، وهي صورة تعجز الكلمات عن وصفها ولكنها تحس عند التأمل بعد الغروب كيف يتم التبديل والإحلال من النور إلى الظلمة، من البياض إلى السواد، ومن النهار إلى الليل، يتم تغطية القبة السماوية كلها بمساحتها الشاسعة، الواسعة. وتغطية الأرض كلها بما فيها ومن فيها – أمام أعيننا - يتم ذلك جميعه في دقائق لا تصل إلى ساعة، لقد تم الأمر بسرعة كبيرة جدا ولكنها في نفس الوقت لا تدرك ولا يشعر بها وكأن الأمر تم خلسة رغم أننا ننظر ونتأمل ولكننا نفاجأ بأن الكون كله أصبح أمامنا أسوداً معتماً.
إن هذا الأمر السحري هو معنى قوله يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وهذا هو إعجاز القرآن وجمال اللغة التي أنزل بها. فهذا الوصف لدخول الليل بهذه الطريقة السريعة وفي نفس الوقت بصورة ناعمة حتى أننا لم نشعر بسرعتها، ولا حتى كيف تم هذا الإحلال، ولا في أي لحظة من اللحظات تحديداً، تم هذا التبديل.
إن دوران الأرض لا يحدث هذا الجمال وهذا الإبداع. فما كان ذلك ولا يكون ولكن هذا عمل الخالق، الجميل، البديع، الذي حرك الليل ذاته ليفعل ذلك.
هل الليل ذاته هو الذي تحرك وسار؟ نعم ولهذا يقول تعالى وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ولم يقل: (والأرض إذا دارت).
حالات الليل السبع
لم يكتف القرآن بذكر الليل في دخوله وإحلاله محل النهار، بل لقد ذكر كل حالات الليل وهي 7 حالات، ذكرها تعالى في سبع آيات متشابهات في النسق، والكلمات والحروف. والعرض.
(1) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (الليل:1)
(2) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (الفجر:4)
(3) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (الضحى:2)
(4) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (التكوير:17)
(5) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَق  (الانشقاق: 17)
(6) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (المدثر:33)
(7) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (الشمس:4).
لقد عرض الله هذه الآيات جميعا بأسلوب القسم، والله تعالى لا يقسم إلا ليؤكد لنا تعالى عظم المقسم به أو المقسم عليه. وحالات الليل هذه لا يشعر بعظمتها إلا أولوا الألباب.

وجاءت كل آية منها في ثلاث كلمات. كل آية 12 حرف ما عدا الآية الأولى 13 حرفا والآية السابعة 14 حرفا. ورقم 12 هو نفس عدد ساعات الليل غالبا، لذلك لم تأت كل الآيات بنفس العدد. ونقصت الآية السادسة حرفاً. لأن الليل ينقص ويزيد.
وبهذه الآيات السبع التي أقسم الجبار بها، تعرض أفعال الليل في الأرض وفي الشمس وفي الخلائق. وأيضا في النهار.
أما فعل الليل في الأرض فهو: (يسر) وأيضا (عسعس).
وأما فعل الليل في الشمس فهو: (يغشاها).
وأما فعل الليل في الخلائق فهو: (سجى) وأيضا (وسق).
و أما فعل الليل في النهار فهو: (يغشى) وأيضا (أدبر).
وأحوال الليل هذه دليل على وجود الله، ودليل على قدرته. لأنه تعالى الذي أعلن أنه الفاعل لها جميعا. وهي حقا آيات دالة عليه وأنه سبحانه موجود. وإلا فمن أوجدها؟ إن غير المؤمنين يقولون بأن الذي أوجدها هو دوران الأرض حول نفسها. ومؤمنو هذا العصر يقولون مثل قولهم تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (البقرة:118) وهي آيات دالة على قدرته وحكمته، وجماله، ولطفه، ورحمته، ووده، فمن ذا الذي يقدر على ذلك إلا الله؟ من الذي يقدر أن يفعل هذا بالشمس، وبالنهار وبالأرض وبكل الخلائق؟ من؟
من هذا الذي يدبر الليل، ويسريه؟ من هذا الذي يغشى الشمس ويجليها؟ من هذا الذي يفرض سلطانه وأحكامه على كل الناس وكل الخلائق ولا يقدر أحد على الخروج؟ من؟ أهي الأرض التي تـدور؟ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
إن الآيات لتتحدث بإيجاز معجز عن فعل الليل في الكون بما فيه، ومن فيه. فالآية الأولى: تتحـدث عن الليل وهو يدخل ويتخلل النهار ويحل محله وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى والثانية: تتحدث عن سير الليل في الأرض وليس دوران الأرض. فالليل هو الذي يتحرك ويسير على الأرض وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ. والثالثة: تتحدث عن إظلام الليل للأرض، حتى تكون الحركة عليها في الليل بالعسعسة. والرابعة: تتحدث عن فعل الليل في الخلائق بسكونه وسكوته وصمته وهدوئه إِذَا سَجَى والخامسة: عن لمه ، وضمه، وجمعه وحشره للخلائق والكائنات في أوكارها وأعشاشها ومساكنها ومستودعها. وستره لكل شيء وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَق. والسادسة: عـن انصرافه وتوليه تاركا الأرض بمن فيها للنهار وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ والسابعة: عـن تغطيته لنورها الذي كانت تنشره في الأرض إِذَا يَغْشَاهَا إن هذا فعل الليل بأمر الله وتدبيره ، وليس الأمر مجرد دوران للأرض.
سلخ الليل
يقول تعالى وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (يس:37).
إنها صورة فريدة، وآية وحيدة، إن الليل مخلوق، يسلخ ويستخرج منه، من جوفه، ومـن جرابه، ومن جلده النهار، فإذا ما انسلخ النهار، وخرج، كأنما الروح قد خرجت، فهو الموت، وهي الظلمة. ويبقى الغطاء والغشاء، واللباس، يغطى الكون. ولكن كيف يعود النهار بعد السلخ والمثل العربي يقول" لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها" فكيف يعود النهار مرة أخرى بعد عملية السلخ هذه. ليست هناك قوة في هذا الكون تعيد الحياة إلى الميت إلا قوة الله تعالى، وقدرته فهو ســبحانه: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ( الأنعام: 95).
أالله يفعل ذلك بقدرته أم الأرض بدورانها؟
روى أحمد في مسنده: أن هرقل كتب إلى النبي  يقول إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض. فأين النار؟
فقال :" سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟".
يقول ابن كثير: وهذا الرد يحتمل معنيين (أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل. وهذا أظهر. (الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب فإن الليل يكون من الجانب الآخر. فكذلك الجنة، في أعلى عليين، فوق السموات تحت العرش. والنار أسفل سافلين.
الأرض أكبر من الشمس
لقد غرر المنجمون الغربيون بعلمائنا وعلماء كل دين عندما أقنعوهم باطلا بلا نهائية الفضاء، وأن بيننا وبين الأجرام السماوية ملايين السنين الضوئية وبلايين أيضا. وأن الأرض ذرة في الكون، لا ترى بالتلسكوبات العادية.
وهم يقولون باطلا لأنهم لم يشهدوا خلق السموات والأرض. ويقولون باطلا، لأن الله صرف عنهم آياته سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَـــا غَافِلِينَ (الأعراف:146).
وآيات الله وعلمه لا تؤتى إلا بإذن الله وإرادته: مهما استخدمت من وسائل وأجهزة وأدوات فلـن تتحصل ذرة من العلم إلا بمشيئة الله وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وشاء الله أن لا يعطى العلم إلا للمتقين وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وطبقا للأرقام الهائلة التي يلقون بها اعتباطا، فقد أعطوا للشمس بعضا من الملايين، لأنهم لا يرونها. وأعطوا للأرض بعض الآلاف لأنها لا تساوى ذرة في هذا الكون. فهم يقولون أن حجم الشمس 1320000 (مليون وثلاثمائة وعشرين ألفا) مـن حجم الأرض، وعمرها 4.5 بليون سنة، وستظل موجودة 5.5 بليون سنة. وأنها تبعد عن الأرض 150 مليون كيلو متر.
والشمس بهذا الحجم تعتبر نجما أقل من المتوسط بالنسبة لحجم النجوم.
أما الأرض فإن قطرها الاستوائي قدروه بنحو 12756 كم يقل 21 كم في القطر القطبى لذلك فقالوا كمثرية. أما محيطها نحو 40077 كم.
وكان لابد أن يعطوا للشمس هذه الأرقام، لأنها حلت محل الإله المحرك الذي كان يحرك الكون من خارجه، ولكن رأوا أن الكون يحرك من داخله، والذي يحركه هو الشمس بقدرة ذاتية فيها سموها" الجاذبية". وما يقولونه هو نفس ما قاله عباد الشمس قديما، ونفس ما اسبغوه عليها من قدرة وحكمه، ولم يتميز هذا العصر إلا في الأرقام التي أعطوها للشمس وهي بالطبع بالملايين المملينة ، ولم لا أليست الإله الجديد؟ .
ونفس العقيدة التي كان يعتقدها عباد الشمس في إلههم (الشمس) هي نفس عقيدة المؤمنين بالله الآن، سواء بسواء لم تزد إلا في الأرقام. فالشمس في قلب العالم، تحركه وتشده إليها وتمسكه أن يـزول. والمجموعة التي سموها الشمسية تقوم بأمر الشمس، وقدرتها، وتوجيهها إلى حيث ما شاءت الشمس يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ هكذا أصبح حال الشمس التي كانت قبل ذلك، مسخرة دائبة، ساجدة. تم تحويلها من عابدة إلى معبودة، ومن مسخرة إلى متحكمة. وتم ذلك مرحلة، مرحلة، فقد ألغى لها السجود، ثم التسخير، ثم هي الآن موصوفة بصفات الله عز وجل.
والأمر بخلاف ما ذكروا تماما. فالشمس محكومة لا حاكمة، مسخرة بالأمر حول الأرض وليست هي التي تشد الكواكب إليها. كما أن الأرض أكبر من الشمس.
ما دليلنا على ذلك؟
كشأننا لن نتحدث برأينا، بل سنتلمس أدلتنا من معطياتنا الدينية.
عندما تحدثنا عن بدء الخلق ذكرنا أن الأرض استغرق خلقها أربعة أيام تماماً أما السموات السبع فقد استغرق خلقها يومين غير كاملين، أما الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب والنجوم. فساعة من اليوم السادس، وربما أقل من ساعة، لأنهم جميعا خلقوا بالأمر وبكن كما قال تعالى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَموَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا (فصلت:12).
أولا: هل من العقل أن تكون الأرض وبما عليها من بحار وأنهار وجبال وأشجار وغابات ونباتات وحيوانات أصـغر من الشمس التي خلقت في دقائق لتكون مسخرة للأرض.
ثانيا: تطمئن النفس لتكرار ذكر الأرض مع السموات مئات المرات أن بينهما نسبة وتناسب ومن ثم فهي أكبر من الشمس.
ثالثا: يقول تعالى في سورة غافر الآية (56) لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ واضح من خاتمة الآية أن هذه المعلومة لا يعلمها أكثر الناس. ففي هذه الآية يذكر تعالى أكبر المقاييس، وكان تعالى قد ذكر أصغرها فقال عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (سبأ:3) وكونه تعالى يضرب المثل بأكبر مخلوقاته السَّمَوَاتِ والأرْضِأي مضيفا الأرض للسموات التي هي أكبر شيء في كوننا فهذا يؤكد أن الأرض أكبر من الشمس وإلا لذكرت الشمس بدلا من الأرض.
إذا فالأرض وحدة قياس كالسموات، ولكنها من أكبر الوحدات يقول تعالى عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فهذا يدل على أن الأرض هي أكبر الأجرام بعد السموات.
رابعاً: يقول تعالى في سورة الأنعام: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِين َ(75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لاَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّين َ(77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون َ(78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (79) إن إبراهيم عليه السلام يتحدث عن الأجرام السماوية، والأرض، وليس من موقف الشك بل من منطلق اليقين.
فهو قد رأى ملكوت السموات والأرض فليس كلامه مجرد وجهة نظر. بل إنه قد رأى ملكـوت السموات والأرض رأى العين. والألوهية منتهى أمرها إلى الله وحده في يقين إبراهيم. ولكنه استخدم معهم أسلوب الاستدلال الذي استخدمه مع عباد الأصنام. ومع عباد البشر، وقد كانت عبادة الكواكب منتشرة في بابل ولها معابد فاستعمل معهم العقل والمنطق. وبأسلوب فيه السخرية، والحط من آلهتهم التي يعبدونها من دون الله.
في هذه الآية نجد السموات والأرض، والشمس والقمر والكواكب. وقد تناولها إبراهيم حسب ترتيب حجمها ترتيبا تصاعديا، بادئا من الكواكب ومنتهيا بالشمس التي قال عنها: هَذَا أَكْبَرُ أي أن الشمس أكبر مـا في السماء، فأكبر من القمر ومن الكواكب. ولكنها ليست أكبر من الأرض المذكورة مع السموات.
خامساً: في آية بديعة، محكمة، فريدة في نوعها، يذكر تعالى سجود الكائنات مرتبة ترتيبا تنازلياً. وهـو أمـر واضـح دون أي لبس: يقول تعالى في سورة الحج آية (18): أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ.
فهذا الترتيب ترتيبا تنازليا من الأكبر إلى الأصغر. ولو كان أحد في شك من وضع الشمس من حيث الترتيب الحجمي، فليضعها في أي مكان يشاء من الآية، ولن يجد لها مكانا سوى ما هي فيه.
والذي يؤكد لنا هذا الترتيب الصحيح أن الآية وردت بسورة الحج التي تكرر فيها ذكر أمور وأشياء، ذكرت مرتبة ترتيبا زمنيا أو مكانيا، تنازليا أو تصاعديا. وهو أمر متلاحظ في الآيات من أولها إلى آخرها: وهذه بعض الأمثلة، وإلا فالسورة كلها على هذا النمط.
فأول الآيات ترتب ما ستحدثه زلزلة الأرض الكبرى بالخلق ترتيبا زمنيا، حسب ما سيحدث: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.


5 
اسيل

ثم يذكر عز وجل ترتيب الخلق للإنسان يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفي وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وكل هذا الترتيب الذي لا ريب فيه في آية واحـدة (آية 5). وفي ترتيب عملية النبات يقول تعالى وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فـَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مـِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. وعن الساعة يقول وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مـَنْ فِي الْقُبُورِ. وترتيب أسباب تطهير البيت الحرام: وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. ثم رتب دور العبادة: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا. ثم رتب الأمم المكذبة كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ(42( وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى.
وهذا الترتيب هو الذي فهمه الصحابة والتابعيين وباقي السلف الصالحين. لذلك قال ابن تيمية: في تفسير قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7).
قال:" أقسم الله بالسماء والأرض والنفس ولم يذكر معهم فعلا كما ذكر مع الشمس والقمر والليل والنهار ، ولكن ذكـر فاعلها: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7). ولم يقسم بفعل النفس لأنها تفعل البر والفجور وهو سبحانه لا يقسم إلا بما هو معظم من مخلوقاته.
وأما السماء والأرض فليس لهما فعل ظاهر يعظم في النفوس حتى يقسم بهما إلا ما يظهر من الشمس والقمر، والليل والنهار.
والسماء والأرض أعظم من الشمس والقمر والليل والنهار، والنفس أشرف الحيوان المخلوق. فكان القسم بصانع هذه الأمور العظيمة مناسبا. وكان أقسامه بصانعها تنبيها على أنه صانع ما فيها من الشمس والقمر والليل والنهار. فتضمن الكلام: الأقسام بصانع هذه المخلوقات، وبأعيانها، وما فيها من الآثار والمنافع لبنى آدم" أ. هـ.
وإنني هنا أسجل تقديري واحترامي لهذا الأستاذ الجليل" ابن تيمية" رحمه الله وقد كان الرجل عالماً في الفلك كعلمه في الشرع يشهد له العلماء والمؤرخون وأصحاب التراجم. لذلك فكلامه نابع من العلم والإيمان وهما عمقين بعيدين لم يصلهما" جاليليو" الذي جاء بعد ابن تيمية بحوالي أربع قرون.
وابن تيمية ذكر هنا معلومتين هامتين يعبران عن الفهم الإسلامي لحقائق الكون هما:
(1) أن السماء والأرض ليس لهما فعل ظاهر يعظم في النفوس كما للشمس والقمر والليل والنهار.
(2) إن السماء والأرض اعظم من الشمس والقمر والليل والنهار.
فالمعطيات الدينية تقول بأن السماء والأرض ليس لهما أي فعل، ولننظر إلى سور القرآن وهي 114 سورة فلن نجد سورة واحدة باسم السماء أو الأرض، بينما نجد سور باسم الشمس والقمر والنجم والليل والضحى والفيل والنمل والبقرة والتين والطور والحديد. وذلك لأن السموات والأرض علي عظمهما وقدرهما فلا دوران لهما ولا فعل ولا حركة إلا أنهما يقلان المخلوقات جميعاً.
إذن فأحجام المخلوقات كما رتبها الله في سورة الحج وهي كالتالي:
السموات، فالأرض، فالشمس، فالقمر، فالنجوم، فالجبال، فالشجر، فالدواب، فالناس.
معلومات أرضية
لنترك ما قاله التجريبيون عن الأرض جانباً، وسواء أكانوا فلكيين أو منجمين أو طبوغرافيين. أو طبيعيين أو رياضيين. فلم يـر واحد منهم الأرض وهي تخلق. ونحن لم نراها، ولا نقول بما رأيناه، فلم نر إلا ما أرانا الله من الآيات، ولكننا سنقول ما يقوله الإسلام عن الأرض. وقد توصلنا بحمد الله وعونه وإرادته إلى هذه المعلومات التي استقيناها كلها من الدين:
(1) الأرض من أول مخلوقات الله: استغرق خلقها أربعة أيام، يومان لخلق جرمها. ويومان لخلق ما فيها من منافع ومصالح. ولم تخلق كما قالوا في بلايين السنين، عدوها 10 بلايين.
(2) لا يعلم على وجه التحديد متى خلقت الأرض. ولكنها خلقت بعد خلق اللوح
المحفوظ والقلم بخمسين ألف سنه. وتوافق بدء خلقها مع ليلة القدر وليس عمر الأرض كما يقولون بلايين السنين عدوها 4.5 بليون سنه بعدما تكونت ولكن المؤكد أن عمرها لا يبلغ عدة آلاف من السنين. أما نهايتها فليس كما قالوا بعد 5.5 بليون سنه ولكن لا يعلم أحد متى ستنتهي فهو من أول الغيبيات الخمس. ولكن المؤكد أنها ستنتهي يوم القيامة. بدكها ورجها. وزلزلتها ثم تبديلها. والحق أن عمر الأرض قد بقي منه بضع مئات من السنين إن لم يكن عشرات .
(3) الأرض هي أسفل سافلين وهي مركز الكون وفوقها سبع سموات بكثفها. أي بأرضياتها. وأرضنا هي السابعة وسماؤنا هي الأولى. وبيننا وبينها حوالي 7 مليون كم (مسيرة خمسمائة عام). وهي كاملة الاستدارة ، لا بيضاوية ، ولا مشطوفة القطبين ولا كمثرية ، ولكنها كروية تماماً.
(4) والأرض يغطي معظمها الماء. إلا مقدار الربع فهو يابس. واليابس مقسم إلى سبع قارات وهي التي نسميها:
(1) أفريقيا (2) آسيا (3) أوربــــا
(4) استراليا (5) أمريكا الشمالية (6) أمريكا الجنوبية (7) القارة القطبية الجنوبية.
ويتخلل هذا اليابس سبعة أبحر. أما بقية الماء واسمه (البحر المحيط) فهو الذي يقابل اليابس من الجهة الأخرى ويحيط به من كل اتجاه.
(5) محيط الأرض 43200 كيلو متر وليس كما يقولون 40077 كم. وبما أن الأرض دائرة فهي 360 درجة. فتكون المسافة بين كل درجتين 120 كم.
المهم في الأرض دقة محيطها واكتماله. أما القطر فلا يهم أن يكون رقماً صحيحا مكتملا لأن الأرض هي مركز ويحيط بها كل شيء ويدور حولها كل شيء ومن ثم فكان لابد أن يكون المحيط منضبطا وتاما فهو 360 × 120 = 43200 كم. أما باقي الأجرام السماوية فالمهم فيها القطر لأنها تدور حول محيط الأرض، وسنرى دقة أقطارها، وأنها أرقام صحيحة مكتملة بخلاف محيطاتها.
(6) قسمت الأرض تقسيما ذهنيا، فرضياً إلى خطوط طول وخطوط عرض. أما خطوط العرض فهي خطوط أفقية، متوازية. تدور بالكرة الأرضية، تمثل 180 دائرة.
ويقسم الأرض إلى نصفين متساويين خط يسمى بخط الاستواء وهو يدور بالأرض من نصفها وأعطى لهذا المدار الرقم (صفر) وتزداد الأرقام شمالاً وجنوباً بزيادة الدوائر العرضية حتى آخر نقطة شمالا وأعطى لها رقم (90) وتسمى نقطة القطب الشمالي. وآخر نقطة في جنوب الكرة مثلها وتسمى نقطة القطب الجنوبي.
وأعطى لبعض الدوائر الأخرى أسماء علاوة على الأرقام، فهناك مدار السرطان وهو مدار شمال مدار الاستواء وهو عند خط 22.75 عرض. ومدار آخر مماثل جنوبه ويسمى مدار الجدي وهو عند خط عرض 22.75 جنوباً.
وهذه هي الدرجات الصحيحة للمدارين وليس كما يقولون 23.5 شمالا وجنوباً وسنثبت ذلك بإذن الله. وهناك أيضا الدائرة القطبية الشمالية وأخرى جنوبية عند خطى عرض 67.25 شمال وجنوب.
(7) أما خطوط الطول. فقد قسمت الأرض أيضا إلى خطوط طول متساوية قدرها 360 خط بعدد درجات الدائرة، حيث يكون بين كل خط وآخر درجة واحدة. وبهذه الخطوط جميعها يحدد الزمان والمكان بدقة على الأرض. والمسافة بين الدرجة والأخرى 120 كم مكاناً و4 دقائق زماناً. بحيث يكون لكل 15خط ساعة كاملة.
وهذه الخطوط لم يحددها رجال الفضاء ولا رواد عصر الإلحاد (عصر النهضة) وإنما هي خطوط معروفة منذ آلاف السنين، وليس تحديدها وتقسيمها بهذا من صنع البشر بل هو تقسيم وتحديد إلهي سنثبت ذلك في حينه بإذن الله.
غير أن أرقام هذه الخطوط هي التي تم تحديدها في أواخر القرن التاسع عشر. وقد انعقد المؤتمر الجغرافي سنة 1884 في جرينتش القريبة من لندن وكان ضمن أعمال هذا المؤتمر تحديد خط طول ليكون هو خط الصفر. فاختاروا الخط الذي يمر على قرية جرينتش تيمنا بمكان الانعقاد وجعلوا هذا الخط هو الخط الرئيسي الذي أعطى له رقم صفر وأصبح هو الذي يقسم الكرة الأرضية، حيث تبدأ الأعداد من يمينه ومن شماله لتنتهي جميعا بخط طول 180o.
وقد جاء اختيار هذا الخط بالذات ليكون الخط الرئيسي لأن إنجلترا كانت آنذاك سيدة الأرض ليس غير ذلك. ولكن الحقيقة أن هذا ليس هو الخط الرئيسي طبقا للتقسيم الإلهي لخطوط الطول والعرض. وإنما كان هناك خط رباني هام ينبغي على علماء المسلمين أن يتمسكوا به لأنه هو الحق. ولكن علماء المسلمين لا حول لهم ولا طول.
خط الصفر مكة المكرمة
ليس هذا عاطفة دينية ولا تعصبا مليا ولكن هذا هو الحق المبين. ولو كان هناك إنصاف لما كان أمام المؤمنين والكافرين سوى هذا الخط الذي يمر بمكة المكرمة ليكون هو الخط الرئيسي الذي تتفرع منه الخطوط يمينا وشمالا فمكة، والكعبة تحديدا هي التي تتوسط الأرض وسنسوق للمؤمنين أدلة من الكتاب والسنة، وسنسوق للكافرين أدلة من أطلس الخرائط الجغرافي.
أما أدلة الكتاب:
فهي قوله تعالى:
وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (الأنعام:92، الشورى:7) فهذا الأمر نزل مرتين في آيتين. والمقصـودة بأم القرى هي (مكة المكرمة) فهي الأم والأصل والأساس ومن حولها متفرع منها. كقول تعـالى (أم الكتاب) أي الكتاب الرئيسي الذي يتفرع منه وينسخ منه كل الكتب. وكما أن الأم هي الأصل الذي يتفرع منه كل الأفرع فكذلك مكة هي الأم وكلمة مَنْ حَوْلَهَا توحي بتوسط مكة تماماً يؤيد هذا أيضا قولــه تعالى:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عـَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة:143).
ومكة هي أعظم القرى لأنها محل البيت الحرام الذي جعله الله لكل الناس، فوضعه تعالى وسط الأرض. وهو قبلة المسلمين في كل مكان. وهذا يعنى أن البيت الحرام تحديدا هو نقطة مركز الأرض. الذي فوقه البيت المعمور الذي في السماء ولو خر لخر عليه.
وعندما يتحدث القرآن عن المشرق أو المغرب فإنما يحدد هما من مكة المكرمة وهو ما رأيناه عندما تحدث عن مطلع الشمس ومغربها الذان وصل اليهما ذو القرنين، وعندما أخبر سبحانه وتعالى عن الأرض التي أورثها لبني إسرائيل فقد حددها من الخط الذي يمر بمكة المكرمة فقال تعالى في سورة الأعراف الآية 137 وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا  والمقصود بمشارق الأرض ومغاربها هي أرض الشام وما حولها، ونحن نعلم أن أرض الشام ليست في شرق الأرض ولافي غربها، وإنما هي في وسطها، هذا بالنسبة لمعلوماتنا الحديثة، ولكن القرآن يخبرنا أن الخط المار بمكة المكرمة ينصف الأرض الى نصفين، نصف مشرق وآخر مغرب، وحيث أن الشام وما حولها يمر بها هذا الخط فإنه يجعلها بين المشرق والمغرب، وفي الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله  أنه أخبرعن أهل الشام فقال: " لايزال أهل المغرب ظاهرين لايضرهم من خالفهم حتى تقوم السـاعة". قال أحمد بن حنبل: أهل المغرب هم أهل الشام. وقال بن تيمبة: هم كما قال الإمام أحمد لوجهين:
أحدهما: ان في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام.
الثاني: أن لغة النبي  وأهل مدينته في" أهل المغرب" هم أهل الشام ومن يغرب عنهم كما أن لغتهم في أهل الشرق هم أهل نجد والعراق ومن يشرق عنهم.
فالاعتبار في كلام النبي  بما كان غرباً وشرقاً له بالمدينة.
إذن فالمدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام هي ومكة على خط الصفر الذي يقاس به..
والشام (فلسطين ولبنان والأردن وسوريا) بحسابنا نحن هي من بلاد الشرق وتحديداً الشرق الأوسط لإنها شرق جرينيتش. ولكن بحساب الشرع هي من بلاد الغرب لإنها غرب مكة والمدينة. فكل ما كان غرب مكة والمدينة فالغرب، وكل ما كان مشرقهما فالشرق.
فمكة أم القري من تحتها دحيت الأرض، والشـام إليها يحشر الناس، فمكة مبدأ والشام معاد في الخلق. لذلك أسري برسول الله  من مكة إلي بيت المقدس في الشام. لأن مبعثه ومخرج دينه من مكة، وكمال دينه وظهوره وتمامه حتى مملكة المهدي بالشام. (انتهى كلام ابن تيمية).
من أجل ذلك كان رسول الله  يحدد المكان أو الزمان على الأرض بمكة والمدينة وهما على خط الصفر.
وهناك حديث أخر أشكل على كثير من العلماء ويسمي بحديث النزول، وهو حديث صحيح متواتر يقول فيه رسول الله :" ينزل ربنا - تبارك وتعالى - إلي السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر. فيقول: هل من داعٍ؟ فاستجب له. أو مستغفر؟ فأغفر له. حتى يطلع الفجر".
لقد أثير هنا تساؤل أن رسول الله  وقّتَ النزول بالثلث الآخر من الليل ومعروف أن الليل ينتقل مـن مكان إلي آخر مما يلزم أن يكون الليل دائما، ويكون الرب دائما من السماء. ولا يحل هذا الإشكال إلا إذا عرفنا أن المقصود بالليل هنا ليس هو ليل الأرض كلها وأنما ليل خط الصفر أي ليل مكة المكرمة تحديداً. هذا فضلاً عن اعتقادنا بأنه تعالى لا يـزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع نزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وليس نزوله كنزول إجسام بنى أدم من السطح إلي الأرض بحيث يكون السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك.
وبنفس توقيت ليل مكة المكرمة ينزل ربنا تبارك وتعالى إلي السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائـــكة ويقـــول: }انظروا إلي عبادي اتوني شعثا غبرا{. كما ورد عن رسول الله .
أما أدلة السنة:
فقـد روى عبد الرازق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى قال: هي مكة. وبلغني أن الأرض دحيت من مكة. وروى عن عطاء بن دينار نحوه.
وهو الخط الذي يمر أيضا بقبر رسول الله بالمدينة.
فهذا الخط يمر إذن بالحرمين الشريفين، ويقابل في نفس الوقت البيت المعمور الذي في السماء السابعة.
أيترك علماء المسلمين هذا الخط ويتخذوا من عزبة أو كفر جرينتش مركزا للأرض.


أما الأدلة المادية:
لـو نظرنا في أطلس الخرائط لوجدنا مكة المكرمة تتوسط العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. وإذا وضعنا القارتين الأمريكيتين بجوار قارتي أوربا وأفريقيا أي ضممنا القارات الأربع لتعود لوضعها قبـل الطحو فسنجد مكة تتوسط اليابسة تماما من كل الجهات، على غير (عزبة جرينتش) التي يقسم خطها العالم إلى الثلث والثلثين. وجرينتش كما هو واضح أقصى الشمال من العالم.
كذلك نرى خط السرطان الذي يتوسط الأرض اليابسة يمر بين مكة والمدينة تماما علاوة على ذلك فإن الخط الطولي المار بمكة المكرمة وهو الآن (40o ) شرق جرينتش هو خط يمر بأرض الحضارات القديمة والأديان الثلاثة الموجودة في الأرض جميعا والتي مصدرها السماء. كما أن هذا الخط هو أقرب خطوط الأرض للأرض المقدسة بفلسطين.
وأخيرا فهذا الخط المار بمكة المكرمة هو الخط الفاصل بين قارتي أسيا وأفريقيا، وأسيا وأوربا. لذا على علماء الأرض تصحيح الوضع في هذا الأمر أيضا. فمكة هي الخط الرئيسي وأما الأمر الذي هو في غـاية الأهمية والذي يحتم علينا تغيير خط الصفر من جرينتش إلى مكة. هو مستقر الشمس الذي هو مقابل تماما لمكة من الجهة المقابلة من الأرض.
أين المستقر؟
يقول تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (يس:38) وقد ذكرنا شرح رسول الله  لهذه الآية وتبيانه لمعنى المستقر، وماذا تفعل فيه الشمس. فيما رواه البخاري عنه عندمـا قال لأبي ذر حين غربت الشمس" تدرى أين تذهب؟" قلت الله ورسوله أعلم. قـال:" فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها. ويوشك أن تسجد فلا يؤذن لها. ويقال ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وذكرنا شرح ابن كثير للمكان الذي تذهب فيه الشمس حتى تسجد. وهو في المحيط الهادي فوق خط الاستواء، وفي المكان الذي يقابل مكة المكرمة، وهو التقاء خط 140 مع خط الاستواء.

معلومات شمسية
(1) الشمس خلقت في الساعات الأخيرة من اليوم السادس من أيام الخلق. ولم تخلق كالأرض، ولكنها خلقت بكن.. فكانت، عمرها من عمر الأرض إلا أنها تصغر عنها بستة أيام. وستنتهي أيضا مع الأرض في يوم واحد.
(2) والشمس ليست كروية وإنما هي كقرص الرحى. وهي تدور حول الأرض كل يوم في مدار دائري تماما طوله 4320000 كم (أربعة مليون وثلاثمائة وعشرون ألف كم).
(3) قطر الشمس 9000كم بينما يبلغ قطر الأرض 14000كم تقريباً. وتبعد الشمس عن الأرض بمسافة 687272.72 كم (ستمائة وسبعة وثمانون ألف كم ومائتان واثنين وسبعين كم وسبعمائة وعشرين مترا).
(4) تقطع الشمس مدارها في يـوم 24 ساعة بسرعة 180000 كم / ساعة، 3000 كم / دقيقة، 50 كم / ث. وتقف كـل يوم لتسجد حوالي 2.45 دقيقة كل يوم.
(5) عندما تكون الشمس في الأفق أي متأهبة للغروب (أو الشروق) فإنها تشغل بقرصها 4 / 3 درجة أي أننا لو وضعنا 480 قرصا متجاورين متماسين فستحيط بالأرض تماما. ولو فعلنا ذلك بالقمر فإننا سنحتاج إلى 360 قرصا تماما لأن قرص القمر عندما يكون مماس للأفق فهو يشغل درجة تماما. كذلك يستغرق قرص الشمس لكي يختفي من الأفق 3 دقائق، أما القمر فيستغرق اختفاء قرصه من الأفق 4 دقائق.
(6) تدور الشمس في الفلك الرابع حول الأرض بينما القمر في الفلك الأول وعطارد في الفلك الثاني، الزهرة في الفلك الثالث.
(7) نســبة محيط الأرض (43200 كـم) إلى مــدار الشمس (4320000 كم) هو 1: 100.
(8) يصل ضوء الشمس إلينا في لمح البصر. ولا يستغرق 8 دقائق كما يقولون.
(9) تتحرك الشمس بين المدارين (السرطان والجدي) وكلاهما يقع عند خطى 22.75 شمال وجنوب الاستواء. ومجموعهما 45.5o تطلع الشمس بينهما ذهابا 182 مطلعا وإيابا 182 آخرين لتتم سنتها 364 يوم، تزيد عليها 62, من اليوم هي إجمالي مدة سجودها كل يوم 2.45 دقيقة.
وليس كما يقولون أن سنتها 25, 365 يوما. وحيث أن الشمس تطلع 182 مطلع في نصف السنة متخطية 45.5o (ما بين المدارين) فإن ذلك يعنى أنها تقطع كل يوم ربع درجة أي 30 كم.
علاقة الشمس بالقارات
بما أن الشمس يكون طلوعها الدائب طول السنة بين المدارين (السرطان شمالا والجدي جنوبا ) فإن في أثرها في القارات السبع لآية، بل آيات:
أ - فقارة أفريقيا هي الوحيدة بين القارات التي يمر عليها جميع المدارات. بل هذه المدارات الثلاثة لتقسم القارة تقسيما دقيقا حكيما مما يوحي بأن يد القدرة قد عملت هذا التقسيم. حيث يمر خط الاستواء في منتصفها فيقسمها نصفين بالتساوي، بينما المداران يسويان طرفيها الشمالي والجنوبي، حيث تكون المسافة شمال مدار السرطان مساويا تماما للمسافة في جنوب مدار الجدي.
ب - ثم هناك قارتان يمر عليها مداران هما آسيا وأمريكا الجنوبية. فآسيا يمر بجنوبها مدار السرطان، وأقصى الجنوب خط الاستواء. أما أمريكا الجنوبية فيمر وسطها مدار الجدي وشمالها خط الاستواء.
جـ – وهناك قارتين يمر بكل منهما مدار واحد. أمريكا الشمالية يمر بجنوبها مدار (السرطان). واستراليا يمر بوسطها مدار (الجدي).
د - وهناك قارة وحيدة لا يمر عليها أي مدار من مدارات الشمس وهي قارة أوربا التي لا يصل إليها إلا أشعتها فقط طول العام على معظم أجزائها. وأثر ذلك أيضا على لون بشرة سكانها.
هـ - ثم أخيرا القارة السابعة وهي القطبية الجنوبية (انتاركتيكا)، وهي فضلا عن بعدها عن المدارات فإن أشعة الشمس لا تصيبها إلا نصف عام فقط. لذلك فهي قارة جليدية.
ملخص مدارات الشمس في القارات
(1) قارة أفريقيا: الوحيدة التي تمر عليها المدارات الثلاثة بالتساوي.
(2) قارة أوربا: لا يمر عليها أي مدار.
(3) قارة آسيا: يمر عليها مداران (الاستواء، والسرطان).
(4) قارة أمريكا الجنوبية: يمر عليها مداران (الاستواء، والجدي).
(5) أمريكا الشمالية: يمر عليها مدار واحد (السرطان).
(6) استراليا: يمر عليها مدار واحد (الجدي).
(7) انتـاركتيكا: لا يمر عليها أي مدار، ولا يصلها شعاع الشمس إلا 6 أشهر في السنة. إن هذا التقسيم البديع، المحكم صنعته القدرة الإلهية بطحـو الأرض إلى قارات متباينة. وبدوران الشمس حولها بين مدرات متساوية منطلقة من مكان واحد هو المستقر هذا التقسيم الذي من أجله لون الله البشرات بألوان متباينة، وغير اللغات بألسنة مختلفة، وهذا لا تصنعه الأرض بدورانها. إنما هذا من صنع الله عز وجل وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (الروم:22).

وبطلوع الشمس بين المدارين تتحدد الفصول الأربعة، ويتفاوت طولي الليل والنهار فعندما تطلع الشمس فوق خط الاستواء يكون الخريف والربيع في نصفي الأرض ثم عندما تصل الشمس إلى رأس السرطان يكون الصيف في النصف الشمالي والشتاء في الجنوبي. وعندما تعود الشمس إلى خط الاستواء مرة أخرى يكون الربيع والخريف بالتبادل بين نصفي الأرض. ثم عندما تصل الشمس إلى رأس الجدي يكون الصيف في النصف الجنوبي والشتاء في الشمالي وهكذا.
أما اختلاف طولي الليل والنهار وتباينهما طولا وقصرا فلحركة الشمس اليومية بين المدارين، فعندما تكون مطالع الشمس ناحية السرطان يطول نهار النصف الشمالي ويقصر ليله. وفي نفس الوقت يقصر نهار نصف الأرض الجنوبي ويطول ليله. وعندما تكون مطالع الشمس ناحية مدار الجدي يحدث العكس. وعندما تكون مطالعها علي خط الاستواء يستوي الليل والنهار في نصفي الكرة الأرضية.



كيفية الدوران و تكون الفصول
تدور الشمس حول الأرض في مدار دائري تماماً طوله 4320000 كم تقطع هذا المدار في يوم 24 ساعة .
تنهى الشمس دورتها اليومية، وينتهي مدارها بوصولها إلى المستقر، وهو فوق منتصف المحيط الهادي (جنوب شرق جزر هاواي) عند التقاء خط الاستواء بخط طول 140. هذه المنطقة هي التي تنتهي عندها دورة الشمس اليومية، وهي التي يتـم فيها السجود والاستئذان، ويكون وقت الظهيرة في هذا المكان، منتصف الليل في مكة. أما بالنسبة لحركتها على اليابسة فهي تنتقل كل يوم من مطلع إلى أخر فتقطع المسافة التي بين المدارين في سنة كاملة وهي 45.5o فتقطع كل يوم4/1 درجة تقريباً فتكون قد طلعت 182 مطلع ثم تعود أدراجها إلى حيث بدأت في 182 مطلع آخر ليكتمل لها بذلك 364 مطلع في السنة يضاف إليها مدة سجودها كل يوم 2.45 دقيقة أي في السنة 14ساعة و52 دقيقة و48 ثانية أي 62, من اليوم. لتكمل بذلك السنة الشمسية 364.62 وليس 365.25.
كيف تدور الشمس بين المدارين؟
لو اعتبرنا بداية السنة الشمسية من بداية طلوعها من مدار الاستواء. فإن ذلك يكون في 21 مارس وهو بداية فصل الربيع في النصف الشمالي، والخريف في النصف الجنوبي، فتبدأ الشمس بطلوعها من المستقر بعد استئذانها وتدور في مدار يقطع الأرض نصفين تماما.
وفي هذا اليوم يتساوى الليل والنهار تماما لكل منهما 12 ساعة. وتتساوى أشعة الشمس في انتشارها على الأرض. فالشمس توزع أشعتها 90 درجة حولها في كل مكان. ففي هذا اليوم تكون الشمس عمودية تماما على خط الاستواء بينما تصل أشعتها إلى نقطة القطب الجنوبي وكذلك الشمالي بالتساوي، حتى إذا ما عبرت اليابسة بعدما أشرقت عليها خارجة من المحيط بادئة بالشروق على جزر إندونيسيا مارة بالمحيط الهندي فقارة أفريقيا فالمحيط الأطلنطي فأمريكا الجنوبية ثم تعود إلى المحيط الهادي مرة أخرى من الغرب حتى تذهب إلى مستقرها فتسجد دقيقتين وخمسة وأربعين ثانية. وتستأذن للطلوع فيؤذن لها. فتعود لجريها منطلقة لتشرق على اليابسة من جديد فتطلع من المحيط إلى اليابس ولكنها قد تقدمت شمالا 30 كم.



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.