العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


إطلاق الشائعات وخطورتها على المجتمع المسلم


إطلاق الشائعات وخطورتها على المجتمع المسلم



الحمد لله ربِّ البرايا، وعالم الخفايا، ومُجزي العباد على أعمالهم، والمطلع على نيَّاتِهم؛ **فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8].

وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، الملك الحق المبين، جعل العدل ميزانًا بين خلقه، فعدله مطلق، وشملت رحمته العُصاة والطَّائعين من فيض كرمه وجميل عطائه، وذلك الوعد المحقق.

وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وحبيبه، رحمة الله المهداة، ونعمته المسداة.

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

معنى الإشاعة:
يقال: (شاعَ) الشيء شيوعًا ومشاعًا: ظهر وانتشَر، ويُقال: شاعَ بالشَّيء؛ أي: أذاعه.
و(الإشاعة) هي: الخبر يَنتشِر غير مُتثبَّت منه[1]، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19]؛ قال ابن كثير: "أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح"[2].
ومِن التعريفات للإشاعة أنها هي: "الأحاديث والأقوال والأخبار التي يَتناقلُها الناس، والقَصص التي يَروونها، دون التثبُّت مِن صحَّتها، أو التحقُّق مِن صِدقِها"، ويكون منشأ هذه الإشاعة - غالبًا -: خبرًا مِن شخص، أو خبرًا مِن جريدة، أو مِن مَجلَّة، أو خبرًا من إذاعة، أو خبرًا من تلفاز، أو خبرًا من رسالة خطِّية، أو خبرًا مِن شَريط مُسجَّل[3].
آثارها على الفرد والمجتمع:• تؤثِّر الإشاعة على سَعادة الفرد وأمنِه النفسي:فالإنسان خليفة الله في الأرض، فضَّله وكرَّمه على بقية المخلوقات، وكلَّفه بعمارة الأرض وصُنعِ الحضارة فيها، وحتى يستطيع أن يتحمَّل مسؤولياته التي كلَّفه الله بها في هذه الحياة؛ لا بدَّ أن يَكون آمنًا على حياته في المقام الأول، وآمنًا على عدم المساس بها بأي شكل مِن الأشكال.
وقد أكَّد القرآن على هذا الأمن بقوله تعالى - مُتحدِّثًا عن أهل مكة -: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 3، 4].
ومَقصِد الإسلام من ذلك كله هو سعادة الإنسان في الدنيا والآخِرة على السواء، وإذا اطمأنَّ الإنسان وزال عنه القلق، أصبح إنسانًا سويًّا نافعًا لنفسِه ولمُجتمِعه[4]، ويَكفي في التدليل على ذلك ما حدث لأمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في حادثة الإفك، فعندما سَمعت السيدة عائشة - رضي الله عنها - هذه الاتهامات الكاذبة، وهذه الإشاعات المُفتَراة، وهي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وبنت الصدِّيق - رضي الله عنه - أصابها الغَمُّ والحزن الشديدَان، وهي تُفاجأ بالنَّبَأ مِن أمِّ مِسطَح وهي مَهدودة مِن المرض، فتُعاوِدها الحمَّى، وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدَّثَ الناس بهذا؟! وفي رواية أخرى تسأل: وقد عَلِم به أبي؟ فتُجيب أُمُّها: نعم، فتقول: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ فتجيبها أمُّها: نعم! ويا لَلهِ لها ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبيُّها الذيتؤمن به، ورَجلُها الذي تحبُّه، فتبكي - رضي الله عنها - بكاءً شديدًا حتى تظنَّ أن البكاء فالقٌ كبدَها[5]، هذا ما تفعله الإشاعة على الفرد؛ فإنها تُحوِّل سَعادته إلى حزن وألمٍ شديدَين.
• تؤثِّر على الأسرة:فكم من أسر تفكَّكتْ مِن جرَّاء هذه الإشاعات، وكم مِن بيوت هدِّمت، وكم من أموال ضيِّعت، وأطفال شُرِّدت؛ كل ذلك مِن أجل إشاعة من مُنافقٍ أو كذَّاب، أخرج أبو داود والترمذيُّ وابن حبَّان في صحيحه، وقال الترمذي: "حديث صحيح"، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ألا أُخبركم بأفضل مِن درجة الصيام والصلاة والصدقة؟)) قالوا: "بلى يا رسول الله"، قال: ((إصلاح ذات البَين؛ فإن إفساد ذات البين هي الحالقة))، وفي بعض الروايات قال: ((هي الحالِقة، لا أقول: تَحلِق الشَّعر؛ ولكن تَحلِق الدِّين)).
ومِن تتبُّعِنا لحادثة الإفك نرى كيف أثَّرت الإشاعة على أفضل وأكرم أُسرة على وجه الأرض؛ فهذا هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدخُل على عائشة - رضي الله عنها - ويقول لها: ((أما بعد؛ فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيُبرِّئُكِ الله تعالى، وإن كنتِ ألممتِ بذنب، فاستغفِري الله - تعالى - وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه))، وهذا أبو بكر - رضي الله عنه - يَفيض الألم على لسانه، وهو الصابر المُحتسِب القوي على الألم، فيقول: "والله ما رُمينا بهذا في جاهلية، أَفنرضَى به في الإسلام؟"، وهي كلمة تَحمِل مِن المرارة ما تحمل، حتى إذا قالت له ابنته المريضة المُعذَّبة: أجبْ عني رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال في مرارة هامِدة: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه أم رومان - زوج الصدِّيق - رضي الله عنهما - وهي تتماسَك أمام ابنتِها المَفجوعة في كل شيء، فتقول لها: يا بُنيَّة، هوِّني على نفسك الشأن؛ فوالله لقلَّما كانت امرأة قطُّ وضيئةً عند رجل يُحبُّها ولها ضَرائر إلا أكثرْنَ عليها، فتقول لها عائشة: أجيبِي عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وها هو - صلى الله عليه وسلم - يَثقُل عليه العبْء وحدَه، فيَبعث إلى أسامة بن زيد؛ حِبِّه القريب إلى قلبِه، ويَبعث إلى عليِّ بن أبي طالب؛ ابن عمِّه وسنده؛ يَستشيرهما في خاصَّة أمرِه، هكذا وصل الحال بأكرم أسرة على وجه الأرض؛ جرَّاء هذه الإشاعات المُغرِضة، والافتراءات الكاذبة.
• تؤثِّر على العلاقات والوشائج بين أفراد المجتمع الواحد:كما أن للإشاعات تأثيرَها على الفرد وأسرته، فإن تأثيرها على المجتمع الذي يَعيش فيه الفرد يكون تأثيرًا بالغًا.
إن الله - عز وجل - وضع أسسًا ومعاييرَ لإقامة المجتمع، ومِن هذه الأُسس والمعايير أن تَسُود روح الحبِّ والأُخوَّة والسلام بين أفراد المجتمَع؛ فـ((المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يَخذله، ولا يُسلمه))، و((المؤمن للمؤمن كالبُنيان؛ يشدُّ بعضه بعضًا))، و((مثَلُ المؤمنين في تراحمهم وتعاطُفِهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى))، هذه هي الروح التي أراد الإسلام أن يبثَّها في أتباعه، أما أن تنشأ العلاقات على الفُرقة والتنازُع والاختِلاف والإفساد بين الناس، فهذا ما حاربه الإسلام، والإشاعة سبب رئيسي لبثِّ هذه الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الإسلام، ومما يؤكِّد هذا الكلامَ ما حدَث للمجتمع المسلم في المدينة جرَّاء حادثة الإفك، فيقع بين الأوس والخزرَج ما يقع مِن تناوُر - وهم في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى همُّوا أن يَقتتِلوا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على المِنبَر، وها هو أبو بكر- رضي الله عنه - يَمنع فضلَه وإحسانه عن (مِسطَح بن أُثاثة) بعدما قال في عائشة ما قال، حتى يأمره ربه مِن فوق سبع سموات بألا يَمنع هذه الصدقة عنه؛ لأنه تاب وأناب إلى الله - عز وجل - وأصاب المسلمين في أعقاب هذه الإشاعة وهذا الافتراءِ ابتلاءٌ شديد؛ لأن قداسة القيادة قد خُدِشت، ولكن عندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو يتعطَّف الله - عزَّ وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بإظهار براءة السيدة عائشة من فوق سبع سموات، وبراءة بيت النبوة الطاهِر العَفيف الرفيع، ويَكشِف المُنافِقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويَرسُم الطريق للجماعة المسلمة في مُواجَهة مثل هذا الشأن العظيم[6].
وسائل مهمة لمواجهة ومحاربة الإشاعات:حدَّد الله - عز وجل - وسائل مهمة لمواجَهة الإشاعات؛ وأهمُّها:1- الحث على مُراقَبة الله في كل أمر من الأمور:ويظهر هذا بوضوح في تعاليم الإسلام؛ حيث حثَّنا الله - عزَّ وجل - في أكثر مِن آية على مُراقَبة الإنسان لأفعاله التي تَصدُر منه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 7]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [آل عمران: 5].
وهذا ما وجَّهَنا إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل المشهور: "فأَخبِرْني عن الإحسان"، قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يَراك))، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اتَّق الله حيثما كنتَ، وأَتبِع السيِّئة الحسَنة تَمحُها، وخالِق الناس بخلُقٍ حسن))[7]، وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "إنكم لتعمَلون أعمالاً هي أدقُّ في أعينِكم من الشَّعر، كنَّا نَعدُّها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن المُوبِقات"؛ أي: المُهلِكات[8]، هكذا كانت أول الوسائل، ألا وهي تقوية الجانب الرُّوحي بين الإنسان وخالِقه.
2- التثبُّت عند سماع أمر من الأمور:قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]، ومدلول الآية عامٌّ، وهو يتضمَّن مبدأ التمحيص والتثبُّت مِن خبر الفاسِق، فأما الصالح، فيؤخَذ بخبره؛ لأن هذا هو الأصل في الجَماعة المُؤمِنة، وخبر الفاسق استثناء، والأخْذ بخبر الصالح جزء مِن منهج التثبُّت؛ لأنه أحد مَصادِره، أما الشكُّ المُطلَق في جميع المَصادر وجميع الأخبار، فهو مُخالف لأصل الثِّقة المَفروض بين الجَماعة المؤمِنة، ومُعطِّل لسَير الحياة وتنظيمها في الجماعة، والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء، وهذا نموذج من الإطلاق والاستِثناء في مصادر الأخبار[9].
إذا كان هذا في الأمور الدُّنيويَّة، فإنه في أمور الدِّين أشدُّ، فقد تثبَّتَ الصحابة - رضوان الله عليهم - واشتدُّوا في أمر الرواية؛ صيانةً للدِّين، وحِفظًا للشريعة الغرَّاء، وكانوا يَطلُبون من الراوي أن يأتي لهم بشاهد على ما يَرويه، فعل ذلك أبو بكر - رضي الله عنه - حينما أتتْه الجدَّة تَطلُب حقَّها في الميراث، فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما سمعتُ رسول الله قضى لك بشيء، ارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السُّدس، فقال أبوبكر: هل معكَ غيرُك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثَل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفَذه لها أبو بكر[10].
وكذلك فعل عُمر- رضي الله عنه - مع أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - حينما استأذنَ على عُمرَ ثلاثًا، فلم يأذَنْ له فرجع، فأرسل عُمر في إثره، وسأله: لِمَ رجعْتَ؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذَن له، فليَنصرِف))، فقال عمر: لتأتينِّي على هذا ببينة وإلا أوسعتك ضربًا، فذهب إلى ملأ مِن الصحابة، فذكَر ما قاله عمر، فقالوا: كلُّنا سمعه، فقام أبو سعيد الخدري فأخبر عُمر بذلك[11].
لم يكن ذلك الموقف من أبي بكر وعُمر، شَكًّا في صدْق الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - كلا وحاشا - وإنما أرادوا أن يؤسِّسوا المنهج الدقيق، وهو ضرورة التثبت في أمور الدين[12].
3- أهمية الكلمة وبيان خُطورتها:مِن الوسائل التي تُساعد في مُواجَهة الإشاعات أن يَعرِف الفرد أهمية الكلمة التي يَنطِق بها وخطورتها؛ قال تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15]، وهي صورة فيها الخفَّة والاستهتار وقلَّة التحرُّج، وتناوُل أعظم الأمور وأَخطرها بلا مُبالاة ولا اهتِمام ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾ لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبُّر، ولا تروٍّ، ولا فحص، ولا إنعام نظر، حتى لكأنَّ القول لا يمرُّ على الآذان، ولا تتملَّؤه الرؤوس، ولا تتدبَّره القلوب! ﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ بأفواهكم لا بوعْيِكم ولا بعَقلِكم ولا بقَلبِكم، إنما هي كلمات تَقذِف بها الأفواه، قبل أن تستقرَّ في المدارك، وقبل أن تتلقاها العقول، ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا ﴾، ولقد كان ينبغي أن تجفل القُلوب من مجرَّد سماعِه، وأن تتحرَّج مِن مجرَّد النُّطق به، وأن تُنكِر أن هذا يكون موضوعًا للحديث[13].
وقد وجَّهَنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خُطورة الكلمة؛ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يُبلِّغُني أحد مِن أصحابي عن أحدٍ شيئًا؛ فإني أحبُّ أن أَخرُج إليكم وأنا سَليم الصدْر))[14]، وجاء في الصحيحَين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: ((إن العبد ليتكلَّم بالكلمة مِن رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يَهوي بها في نار جهنم))، وفي صحيح مسلم: ((إن العبد ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن فيها، يزلُّ بها في النارأبعد ما بين المشرق والمغرب)).
4 - الوعيد الشديد لمن يروِّج الإشاعات بين الناس:وهذا ما أخبرنا به - سبحانه وتعالى - في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [البروج: 10]، فهذه الآيات عامَّة في كل أذًى يصيب المسلمَ أو فتنة مما يؤثِّر على أمنِه وسَعادته، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع))[15].
نعم؛ الإشاعات كالنار في الهشيم تأكل الأخضر واليابس؛ فعلينا جميعًا أن نتصدَّى لها.


فقد أمر الإسلام بحفظ اللسان وضبطه عن الولوغ في الباطل وتجريح الخلق، وحدَّد الدين الحنيف تلك المساخط المُحرَّمة التي تحصدها الألسنة، وبيَّنها للنَّاس، والتي يقع فيها البعض إمَّا جهلاً أو استمراءً لعاداتٍ خاطئةٍ درجوا عليها، ونُظُمٍ اجتماعيةٍ فاسدةٍ بينها وبين التعقُّل والتُّقَى بُعْدُ المشرقيْن.

وأسهل الذنوب ما جاء من اللسان، تلك النِّعمة الإلهيِّة التي تستوجب الحفاظ عليها، وشكر المولى المنعم بها، أو تتحوَّل بحماقة العبد إلى وسيلة حصادٍ لخطايا النطق والارتكاس في حمأةِ العذاب، يروي الصَّحابي الجليل معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: "كنت مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفرٍ، فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة، ويُباعدني من النار، قال: ((لقد سألتني عن عظيمٍ، وإنَّه ليسيرٌ على مَن يَسَّره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة، وتُؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت))، ثم قال: ((ألا أدلُّك على أبواب الخير: الصَّوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يُطفئ الماء النَّار، وصلاة الرَّجل من جوف الليل))، قال: ثم تلا: **تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُم}، حتَّى بلغ **يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16-17]، ثم قال: ((ألاَ أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذِرْوة سنامه؟))، قلت: بلى، يا رسولَ الله، قال: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصَّلاة، وذِرْوة سنامه الجهاد))، ثُمَّ قال: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟))، قلت: بلى، يا رسول الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: ((كُفَّ عليك هذا))، فقلت: يا نبي الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ((ثكلتك أمُّك يا معاذ، وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّار على وجوههم - أو على مناخرهم - إلاَّ حصائدُ ألسنتِهم))"؛ "سنن الترمذي: 2616، وقال: حديث حسن صحيح".

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنَّه ارتقى الصَّفا، فأخذ بلسانه، فقال: يا لسان، قل خيرًا تغْنَم، واسكت عن شرٍّ تسلم، من قبل أنْ تندم، ثم قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((أكثر خطأ ابن آدم في لسانه))؛ "المنذري في الترغيب والترهيب، 4/25، وإسناده حسن".

• • • • •
مجالس منكرة

ومع هذا، فكثيرة هي المجالس التي يقودها الإمَّعات، ويتولَّى كبرها الأحلاس، الذين يطلقون ألسنتَهم كالخناجر التي تفري في سمعة الأطهار من عباد الله، دون أنْ يَجد الكثيرون فيها عوجًا.

ونَتَجَ عن ذلك أمراضٌ اجتماعية فاتكة، تنْزع الثِّقة بين الأفراد، وتوهن قُوى المجتمع؛ بل وتوقد نار البغضاء بين القلوب الْمُحِبَّةِ، فتورثها البُعْدَ والشقاق.

ومن سخائم هذه المجالس تبزغ مُصيبة قتَّالة، تقتل الحب والاحترام والتَّقدير بين الخلق، ألا وهي "الشائعات"، التي تدنس السُّمعة، وتُفكِّك الجماعة المترابطة، وتشغل الناس بالقيل والقال.

قلَّما قام أحدٌ لله بأمرٍ إلاَّ وتطاولت عليه ألسنةُ السوء تنتقص، وتنقد، وتثير عليه من قالاتِ السوء ما تَنُوء بحمله الجبال الرَّوَاس، لدرجة أنَّ كثيرًا من أهل الكفاءة والعَطاء يَنْأََوْنَ بأنفسهم أن يتصدروا أيَّ مجال لخدمة المجتمع؛ خوفًا من الإشاعات المغرضة، التي لم تسلم منها أعراض الشرفاء.

والشَّائعات في المجتمع موقدة نار العداوة والبَغضاء، ومُدمرة القيم في النُّفوس، ومهلكة البيوت العامرة بالخراب المعجل، وهي في كلِّ الأحوال حِرَابٌ مسمومةٌ ظالمةٌ، إن كانت صحيحة أو مكذوبة؛ ولهذا فقد وصف النبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه النفسيَّات التي تميل إلى بثِّ الأراجيف، والبَحث عنها بأنَّها صاحبة إيمان مزعزع؛ فعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "صعد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المنبر، فنادى بصوت رفيع فقال: ((يا معشر مَن أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبَه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عَوْرَاتِهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه، ولو في جوف رحله))، ونظر ابن عمر إلى الكعبة، فقال: ما أعظمَكِ! وما أعظمَ حُرمَتَك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك"؛ "المنذري في "الترغيب والترهيب"، 3/241، بإسناد صحيح أو حسن أو ما يقاربهما".

فأيُّ قيمة فاسدة تسير عليها جريدة هابطة، أو برامج إعلاميَّة ماجنة، تشيع وتذيعُ منكرًا من القول وزورًا، أو مجالس يَتَبارى فيها أربابُ الفضائح على تلويثِ الأعراض، ورمي البرآء بالمعايب؟! فهل لهم من غرض إلاَّ إشاعة الفواحش، وملء الآذان بزيف الكلام؟! يا ويلهم! قال الله - تعالى -: **إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ...} [النور: 19].

إنَّه لغريب جدًّا أنْ تقومَ مجلات كاملة على هذه الوَظائف الحقيرة، وهي موجودة فعلاً في قلب المجتمع مع الأسف الشَّديد، ترعى الرَّذيلة بدلاً عن الفضيلة، وتنشر فنونًا من الْمَثَالِبِ والْمَعَايِبِ أغلبها لا رصيدَ له من الواقع، وبذلك أصبحتْ مع غيرها من أبواق الشَّياطين السَّيَّارةِ، التي تُعَرْبِدُ في سيرة الخلق، وتُدَنِّسُ ذكراهم، فمن ينصر المظلومين بعد الله؟!
• • • • •
أراجيف كاذبة حول بيت النبي الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم

وعلى زمان النُّبوة الكريم طارت أراجيف، وتناول المنافقون رموزَ العفاف والطُّهر بالقذف والتشهير، وفعلت الشَّائعات فعلها، كالسُّمِّ الناقع؛ حتَّى كادت الفتنة أنْ تقسمَ المجتمع نصفين، وتُحيي بينهم نعرات الجاهليَّة الأولى التي أماتها الإسلام، كل هذا ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بينهم شاهد.

لقد سجَّل التاريخ بعجب واندهاش كيف أنَّ عصبةً من الذين أسلموا بلسانهم قد بلغت بهم الجرأة كُلَّ مبلغ، لدرجة أنْ يرموا أمَّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها – الصديقة بنت الصديق، ومعها صفوان بن المعطل السلمي - رضي الله عنه - بما يستحِي العُقلاء من ذكره، فضلاً عن المؤمنين، لَمَّا تأخرت عن الجيش لحاجة، حين ظَعْنِهَا مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في غزوة بني المصطلق، وانتشر الخبر، كالحريق بين الجيش قبل أنْ يرسي فلوله إلى المدينة المنورة.

وسرعانَ ما ولغت ألسنةُ بعضِهم في عِرْض أم المؤمنين، وقالوا ما لا يجوز قوله، وتغير النبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - من زوجه؛ ولكنَّه لم يُدرها ما الخبر، وشعرت أم المؤمنين – رضي الله عنها – بحال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلمت بعد ذلك من أمِّ مسطح ما يردده الناس عنها، ثم استأذنت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ تلحقَ ببيت أبيها، فأذن لها، ورجع النَّبي – بعد ذلك – لتدارس الأمر مع خاصَّته، ثم مع المسلمين في مسجده، وكادت تحدث مقتلة حين طَلَبَ منهم النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المشورةَ، وما يَجب عمله مع الذي تولَّى كِبرَ هذه الفتنة؛ "... فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس، ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحًا، ولكن احتملته الحميَّة، فقال: كذبت لعمرُ الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمرُ الله، والله لتقتلنَّه، فإنَّك مُنافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيَّان: الأوس والخزرج، حتَّى همُّوا ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على المنبر، فنزل فخفضهم، حتى سكتوا..."؛ (صحيح البخاري: 4381، عن عائشة رضي الله عنها).

سبحان الله! يُخفف النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من حِدَّتِهم وهو صاحب البَلْوى!

يُحدث التَّاريخ عن هذه الفترة بأنَّها كانت اختبارًا شاملاً لكل الأطراف؛ حيثُ وقع في براثن التصديق - بل والتَّرديد لهذا الهراء - مجموعة من المسلمين، وبزغت بوادرُ فتنة كادت أنْ تثورَ قواها لولا أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أطفأها في مهدها، وكما سبق؛ فقد غادرت السيدة عائشة - رضي الله عنها - بيتها إلى بيت والدها الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - حتى أنزل الله - تعالى - براءتها من فوق سبع سموات، ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في بيت صاحبه؛ حيث ينفصم عنه الوَحْي بعد تنزُّله بالحق الصَّراح، والإنصاف لأم المؤمنين، وهو يضحك، "فكان أوَّل كلمة تكَلَّم بها أنْ قال لي: ((يا عائشة، احمدي الله، فقد برَّأك الله))، فقالت لي أمي - والدة أم المؤمنين عائشة؛ فهي راوية الحديث -: قومي إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقلت: لا والله، لا أقوم إليه، ولا أحمد إلاَّ الله، فأنزل الله - تعالى -: **إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] الآيات.

فلَمَّا أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وكان يُنفق على مسطح بن أثاثة؛ لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا، بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله - تعالى -: **وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22]، إلى قوله: **أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]"؛ (البخاري: 4381).

ونزلت البراءة من فوقِ سَبْع سموات؛ لترُدَّ عن أمِّ المؤمنين - رضي الله عنها - كل السهام الطَّائشة، وظهر الحق، وعلا سلطانه الأسمى بعد مرحلةٍ قصيرة من لجلجة الباطل بأوهامه وتُرَّهَاتِهِ، والسبب: كلماتٌ غيرُ مسؤولةٍ من لسانٍ لا يعرف مذاقًا لتقوى الله تعالى.

والعجيبُ أن هذه الكلمات غير المسؤولة لا تزال تعمل عملها، وتؤدِّي دَوْرها المشؤوم بين أطياف المجتمع المسلم، بعد زمانٍ طويلٍ من انقطاع الوَحي، وتَنَزُّلِ آخرِ بَرَكَاتِهِ، فمن يُجيرُ المؤمنين من ألسنة الفتَّانين؟! ويا مَن ترى، مَنْ يقطع الأوهام من الأفهام بعد ما مُلِئَتْ بهتانًا وزورًا؟!

"ذكر الزمخشري في تفسيره "الكشاف": لقد بَرَّأ الله - تعالى - أربعةً بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد؛ **وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26]، وبَرَّأ موسى من قَوْلِ اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثَوْبِه، وبَرَّأ مريم بإنطاقِ ولدها، حين نادى من حِجْرِهَا: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ...} [مريم: 30]، وبَرَّأ عائشة بهذه الآيات العظام"؛ "الشيخ محمد علي الصابوني – تفسير آيات الأحكام، (2/108)، دار الصابوني بمكة المكرمة"، فهل سيتنزل الوحي تارة أخرى؛ لبيان براءة المقذوفين زورًا وبهتانًا؟! وكيف ذلك ونحن نعلم أنَّه لا وَحْيَ بعد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟!

ولم يكن مُصاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما أثاره المنافقون عن عائشة هو المصاب الوحيد من الشائعات والأراجيف؛ بل إنَّهم أهل إعادةٍ وزيادةٍ، ولهم في ذلك باعٌ طويل، وذلك دَيْدَنُهُمْ في كل زمان ومكان؛ ولهذا فقد لعنهم الله - تعالى - وزوَّد رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بوعد الفِراقِ لهم، وإبعادهم عن سُكْنَاهُ؛ قال تعالى: **لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60-61].

فقد أثاروا كثيرًا من الإشاعات مثل مقتل رسول الله يومَ أُحُدٍ، وعن زواجه بأمهات المؤمنين بما فيها من تفصيلات؛ كزواجه بالسيدة عائشة، والسيدة زينب بنت جحش، واستفادته من مال السيدة خديجة - رضي الله عنهن أجمعين - وعن استماعه - صلَّى الله عليه وسلَّم - للقُرآن من غيره ليُمْليه عليه؛ **وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ...} [التوبة: 61]، وقال تعالى: **وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]، فهل حدث كلُّ هذا، أو أنَّها مجرد إشاعات؟!

ومن أراجيفهم الكاذبة: إشاعة التهمة أيضًا حول السيدة مارية القبطية، التي أهداها لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عظيمُ القبط في مصر، وقالوا: علج دخل على علجة، يقصدون خادمًا مصريًّا كان قد أهداه المقوقس أيضًا إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "إنَّ رجلاً كان يُتَّهم بأمِّ ولد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِعَلِيٍّ: ((اذهبْ، فاضْرِبْ عُنَقَه))، فأتاه عليٌّ، فإذا هو في رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فيها، فقال له عليٌّ: اخْرُجْ، فناوله يده فأَخْرَجَه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكَفَّ عليٌّ عنه، ثم أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنَّه لَمَجْبُوبٌ، ما له ذكر"؛ (رواه مسلم في المسند الصحيح بسند صحيح: 2771)، ونجَّى الله هذا الرجل من القتل في آخر لحظة، وبرَّأ عِرْض مارية - رضي الله عنها - وصان عرض نبيه - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الشَّائعات المغرضة.
• • • • •
شائعات حول الرسل الكرام

وعن الرُّسل الكرام طارت أراجيفُ، وبُثَّتْ على سمع التاريخ بلا حياءٍ ممن أثاروها وأطاروها، فقد زعم اليهود – فخرًا كاذبًا – أنَّهم صلبوا المسيح عيسى ابن مريم، وهذه إشاعة زور، وقول بهتان؛ إذ إنَّ الله - تعالى - يقول: **وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157].

وما أثاروه أيضًا عن نبي الله الكليم موسى - عليه السلام - أنَّه آدَرُ؛ حيث يذكر الإمام السيوطي في "الدر المنثور" ما نصُّه: "أخرج عبدالرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طرف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ موسى - عليه السلام - كان رجلاً حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرى من جلده شيء؛ استحياءً منه، فأذاه مَن أذاه من بني إسرائيل، وقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده: إمَّا برص، وإمَّا أَدَرَة، وإمَّا آفة، وإنَّ الله أراد أن يُبَرِّئه مما قالوا، وأنَّ موسى - عليه السلام - خلا يومًا وحْدَه، فوضع ثيابَه على حجر، ثم اغتسلَ، فلما فَرَغَ أقبل إلى ثيابه؛ ليأخذها، وإنَّ الحجرَ عدا بثوبه، فأخذ موسى - عليه السلام - عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثَوْبي حَجَرُ، ثَوْبي حَجَرُ، حتَّى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرَأَوْه عُريانًا أحسنَ ما خَلَقَ الله، وأبرأه مما يقولون، وقَامَ الحجَرُ، فأخذ ثوبه فلبسه، وطَفِقَ بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله، إنَّ بالحجر لندبًا من أثر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: **يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا...} [الأحزاب: 69]؛ (الإمام السيوطي، "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، نسخة إليكترونية على موقع روح الإسلام).
وأما نبي الله داود - عليه السلام - فقد أشاع القوم عنه أنَّه ضم زوجة أحد قُواده "أوريا الحثي"، لَمَّا طالعها وهي تغتسل من شرفة قصره، فلم يطق صبرًا، وأرسل زوجها إلى القتال آمرًا به أن يتقدم إلى التَّابوت، وهو أقرب ما يكون من الأعداء لمظنة القتل.

وأن نبي الله سليمان ختم حياته بعبادة الأصنام والسحر وعشق النساء!

وفي زماننا هذا تزايدت بين النَّاس إشاعة حامل مفاتيح مسجد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والمُسَمَّى بالشيخ أحمد، من أنَّه رأى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في المنام، ويزعم أنَّه يصف الأمة بأنَّها ابتعدت عن دينها، وأن كثيرين يموتون على غير القبلة، وعلى غير الملَّة، ويُوصيهم بكتابة رسالته وتوزيعها على النَّاس، وأنَّ من يفعل سيربح الخير والأجر، وأن هناك مَن أرسلها إلى غيره من الناس، فربح خُلُوفَ المال، وتوظَّف ولده، وأنَّ تاجرًا استهزأ بها، فكسدت تجارته، وأشياء أخرى مشهورة، وكلها من زخرف القول، وبَيِّنِ الشائعات التي تشغل الأمة عن الجد بالهزل، والوقوع في بنيات الطريق.


وختامًا:
نرجو من كل أخٍ مسلمٍ، وكل أخت مسلمة ألاَّ يكون حلقة في سِلْسلة فساد اجتماعي، وألاَّ يتلَقَّى الشائعات بلسانه؛ ليُذيعها، كما صوَّر الله - تعالى - هذا الفعل بالعتاب القرآني: **إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].

وأَجْمِلْ بالسترِ من خُلُقٍٍ يضمن عيشَ السعداء لكل المجتمع عند وجود الزَّلل! ورائدنا في ذلك هو قول حبيبنا الأعظم سيدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((... ومَن سَتَرَ مسلمًا، ستره الله يوم القيامة))؛ (البخاري في "الجامع الصحيح": 2442، بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما).



ما يجب على المسلم إذا بلغه أمر:

- عدم إشاعته؛ لأنه من الكذب كما مر معنا.
- مراقبة الله، فلا يشيع خبراً، ولا يسيء ظناً، ولا يهتك عرضاً، ولا يصدق فاسقاً.
طلب البرهان والتثبت. وهذا ما ندب الله تعالى إليه في كثير من آي القرآن، قال تعالى: }لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء{ [النور/13]، وقال: }وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا{ [النساء/83]، والمعنى: وإذا جاء هؤلاء الذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم أمْرٌ يجب كتمانه متعلقًا بالأمن الذي يعود خيره على الإسلام والمسلمين، أو بالخوف الذي يلقي في قلوبهم عدم الاطمئنان، أفشوه وأذاعوا به في الناس. ومعنى قوله: }يستنبطونه{، أي: يستخرجونه ويستعلمونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين، إذا حفرها واستخرجها من قعورها. وقال تعالى: }يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا{. وفي السنة الصحيحة: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» رواه أبو يعلى، و«التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» رواه أبو داود.
ومن أشد الأحاديث تحذيراً من إطلاق الشائعات حديث الرؤيا في صحيح البخاري رحمه الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلين، رجلا قائما على رأس رجل، وعند القائم كلوب مِنْ حَدِيدٍ، وكان يدخل الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ». فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم لما سأل عن ذلك: «هذا –الذي يُعذب- يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ».
أسأل الله أن يعمر بالإيمان قلوبنا، وأن ينزه ألسنتنا من كل ما يسخطه.
رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ونسأل الله - تعالى - أنَّ يسترنا بستره الجميل في الدُّنيا والآخرة.




3 
مجدى سالم

اشكرك على مرورك ...... تواجدك اسعدني ......
ورايك في حروفي شجعني

أتمنى ان اراك دائما تحلق في صفحاتي
ودمت لك صادق الود .... كماء المزن .....

تحياتي لك




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.