العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


موسوعة افضل نساء العالمين

موسوعة افضل نساء العالمين
ان شاء الله تعود عليكم بالفائدة
للأبحار بين سطور ذهبية لنساء من خير نساء العالمين

فهرس لمحتوى الموسوعه
الام (حواء)

ام الذبيح (هاجر)
المهاجره (ساره)
المتوكلة (أم موسى)
زوجة الفراسة والحياء ( زوجة موسى )
الملكة المؤمنة ( آسيا بنت مزاحم )
الزوجة الوفية ( زوجة أيوب )
الملكة ( بلقيس )
أم المؤمنين.. الحبيبة ( عائشة بنت أبى بكر )
الماشطة
الأم العذراء ( مريم )
صاحبة الرأى والمشورة ( أم سلمة )
السيدة زينب بنت جحش
عاتقة المائة (جويرية بنت الحارث)
سليلة الأنبياء (صفية بنت حيي)
أم المؤمنين التقية (أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان)
صاحبة الأمنية (ميمونة بنت الحارث)
أم إبراهيم المصرية (مارية القبطية)
صاحبة الهجرتين رقية بنت النبي
ثانية النورين (أم كلثوم بنت النبي)
الريحانة (فاطمة الزهراء بنت النبي)
المرضعة (حليمة السعدية)
عمة النبي (صفية بنت عبد المطلب)
المؤازرة (أروى بنت عبد المطلب)
المجيرة (أم هانئ)
أم الإيمان (فاطمة بنت أسد)
أم الحبيب (أم أيمن)
أول شهيدة فى الإسلام (سمية بنت خياط)و امرأة من الحور العين
(أم رومان زوجة أبى بكر)
ذات النطاقين (أسماء بنت أبى بكر)
أخت الفاروق (فاطمة بنت الخطاب)
المحاربة أم المحاربين (نسيبة بنت كعب)
صابرة..ومهرها الإسلام (أم سليم بنت ملحان)
راكبة البحر (أم حرام بنت ملحان)
خطيبة النساء (أسماء بنت يزيد)
صاحبة الخيمة (أم معبد)
الصادقة
المصدقة (أم ذر)
الفتاة المهاجرة (أم كلثوم بنت عقبة)
صاحبة الميراث (أم كُجَّة)
المضحية (ليلى بنت أبى حثمة)
صاحبة الحديقة (عاتكة بنت زيد)
الكريمة بنت الكريم (سفانة بنت حاتم الطائي)
الشاعرة أم الشهداء (الخنساء)
امرأة فى الظل (هند بنت عتبة)
قاتلة السبعة (أم حكيم)
امرأة من أهل الجنة (أم زمر)
أخت النبي (الشيماء)
العفيفة (مسيكة التائبة)
الطبيبة المداوية (الشفعاء بنت عبد الله)
الطاهرة (زينب بنت علي)
الأديبة الكريمة (سكينة بنت الحسين)
امرأة لا تعرف الشر (فاطمة بنت الحسين)
الواعظة (هجيمة بنت حيي)
الصامدة (نائلة بنت الفرافصة)
الفارسة (خولة بنت الأزور)
المحسنة (أم عمارة بنت سفيان)
العابدة (رابعة العدوية)
نفيسة العلم (نفيسة بنت الحسن)
صاحبة القرآن (زبيدة زوجة الرشيد)

موسوعة افضل نساء العالمين



الأم
حـــــــــــــــواء


كان الأب الأول للخلق جميعًا يعيش وحده بين أشجار الجنة وظلالها، فأراد الله أن يؤنس وحشته، وألا
يتركه وحيدًا فخلق له من نفسه امرأة تقر بها عينه، ويفرح بها قلبه وتسكن إليها نفسه وتصبح له
زوجة يأنس بها فكانت حواء، هدية الله إلى أبى البشر آدم -عليه السلام- وأسكنهما الله الجنة، وأباحها
لهما يتمتعان بكل ما فيها من ثمار، إلا شجرة واحدة أمرهما أن لا يأكلا منها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا
وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)
[البقرة: 35].

وعاشت حواء مع آدم بين أشجار الجنة يأكلان مما فيها من فواكه كثيرة وخيرات متعددة وظلا على
عهدهما مع اللَّه لم يقربا الشجرة التى حرمها عليهما
لكن إبليس اللعين لم يهدأ له بال، وكيف يهدأ بالُه وهو الذى توعد آدم وبنيه بالغواية والفتنة وكيف
تستريح نفسه وهو يرى آدم وحواء يتمتعان فى الجنة فتربص بهما وفكر فى طريقة تخرجهما من ذلك

النعيم فأخذ يدبر لهما حيلة ليعصيا اللَّه ويأكلا من الشجرة؛ فيحلَّ عليهما العقاب
ووجد إبليس الفرصة ! فقد هداه تفكيره الخبيث لأن يزين لآدم وحواء الأكل من الشجرة التى حرمها الله
عليهما، لقد اهتدى لموطن الضعف عند الإنسان، وهو رغبته فى البقاء والخلود: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ل
لِيُبْدِى لَهُمَا مَا وُورِى عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ
تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 20-21] .

وهكذا زين لهما الشيطان الأكل من الشجرة، وأقسم لهما أنه لهما ناصح أمين، وما إن أكلا من الشجرة

حتى بدت لهما عوراتهما، فأسرعا إلى أشجار الجنة يأخذان منها بعض الأوراق ويستتران بها. ثم جاء

عتاب اللَّه لهما وتذكيرهما بالعهد الذى قطعاه معه -سبحانه وتعالي-: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا
سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا
عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين)[الأعراف : 22].

وعرف آدم وحواء أن الشيطان خدعهما وكذب عليهما فندما على ما كان منهما فى حق اللَّه سبحانه،

ولكن ماذا يصنعان وكيف يصلحان ما أفسد الشيطان وهنا تنزلت كلمات اللَّه على آدم ليتوب عليه

وعلى زوجه (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه)[البقرة: 37]. وكانت تلك الكلمات هي: (ربنا ظلمنا أنفسنا
وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) [الأعراف: 23].

وبعد ذلك أهبطهما ربهما إلى الأرض وأهبط معهما الشيطان وأعوانه، ومخلوقات أخرى كثيرة: وقلنا
اهبطوا بعضكم عدوٌ ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين) [البقرة : 36].

وهكذا بدأت الحياة على الأرض، وبدأت معركة الإنسان مع الشيطان وقدر اللَّه لآدم وحواء أن يعمرا
الأرض، وتنتشر ذريتهما فى أرجاء المعمورة ثم نزلت لهم الرسالات السماوية التى تدعو إلى التقوى. قال

تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً
ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)[النساء:1].
وظلت حواء طائعة لله تعالى حتى جاء أجلها




موسوعة افضل نساء العالمين




المهاجرة
(ســــــــــــــــــــارة)


خرجتْ مهاجرة فى سبيل الله مع زوجها وابن أخيه لوط -عليهما السلام- إلى فلسطين.
ولما اشتد الجفاف فى فلسطين هاجرت مع زوجها مرة أخرى إلى مصر. وسرعان ما انتشر خبرهما عند فرعون مصر الذى كان يأمر حراسه بأن يخبروه بأى امرأة جميلة تدخل مصر.
وذات يوم، أخبره الجنود أن امرأة جميلة حضرتْ إلى مصر، فلما علم إبراهيم بالأمر قال لها: "إنه لو علم أنك زوجتى يغلبنى عليكِ، فإن سألك فأخبريه بأنك أختي، وأنت أختى فى الإسلام، فإنى لا أعلم فى هذه الأرض مسلمًا غيرك وغيري".
وطلب فرعون من جنوده أن يحضروا هذه المرأة، ولما وصلت إلى قصر فرعون دعت اللَّه ألا يخذلها، وأن يحيطها بعنايته، وأن يحفظها من شره، وأقبلت تتوضأ وتصلى وتقول: "اللهم إن كنتَ تعلم أنى آمنتُ بك وبرسولك، وأحصنتُ فرجى إلا على زوجي، فلا تسلط على هذا الكافر".فاستجاب اللَّه دعاء عابدته المؤمنة فشَلّ يده عنها حين أراد أن يمدها إليها بسوء فقال لها ادعى ربك أن يطلق يدى ولا أضرك فدعت سارة ربها؛ فاستجاب الله دعاءها، فعادت يده كما كانت، ولكنه بعد أن أطلق اللَّه يده أراد أن يمدها إليها مرة ثانية فَشُلّت فطلب منها أن تدعو له حتى تُطْلق يده ولا يمسها بسوء، ففعلت، فاستجاب الله دعاءها لكنه نكث بالعهد فشُلّت مرة ثالثة فقال لها ادعى ربك أن يطلق يدي وعهدٌ لا نكث فيه ألا أمسّك بسوء فدعت اللَّه فعادت سليمة فقال لمن أتى بها: اذهب بها فإنك لم تأتِ بإنسان، وأمر لها بجارية، وهى "هاجر" رضى الله عنها وتركها تهاجر من أرضه بسلام
ورجع إبراهيم وزوجه إلى فلسطين مرة أخري، ومضى "لوط" عليه السلام فى طريقه إلى قوم سدوم وعمورة (الأردن الحالية) يدعوهم إلى عبادة اللَّه، ويحذرهم من الفسوق والعصيان ومرت الأيام والسنون ولم تنجب سارة بعد ابنًا لإبراهيم، يكون لهما فرحة وسندًا فكان يؤرقها أنها عاقر لا تلد، فجاءتها جاريتها هاجر ذات مرة؛ لتقدم الماء لها، فأدامت النظر إليها فوجدتها صالحة لأن تهبها إبراهيم لكن التردد كان ينازعها خوفًا من أن يبتعد عنها ويقبل على زوجته الجديدة، لكن بمرور الأيام تراجعت عنها تلك الوساوس، وخفَّت؛ لأنها تدرك أنّ إبراهيم عليه السلام رجل مؤمن، طيب الصحبة والعشرة ولن يغير ذلك من أمره شيئًا.
وتزوَّج إبراهيم عليه السلام "هاجر"، وبدأ شيء من الغيرة يتحرك فى نفس سارة، بعد أن ظهرت علامات الحمل على هاجر، فلمّا وضعت هاجر طفلها إسماعيل - عليه السلام - طلبت سارة من إبراهيم أن يبعدها وابنها، ولأمر أراده اللَّه أخذ إبراهيم هاجر وابنها الرضيع إلى وادٍ غير ذى زرع من أرض مكة عند بيت الله الحرام، فوضعهما هناك مستودعًا إياهما اللَّه، وداعيا لهما بأن يحفظهما الله ويبارك فيهما، فدعا إبراهيم -عليه السلام- ربه بهذا الدعاء: (رَّبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم :37] .
لكن آيات الله لا تنفد، فأراد أن يظهر آية أخرى معها. وذات يوم، جاء نفرٌ لزيارة إبراهيم عليه السلام؛ فأمر بذبح عجل سمين، وقدمه إليهم، لكنه دهش لما وجدهم لا يأكلون، وكان هؤلاء النفر ملائكة جاءوا إلى إبراهيم -عليه السلام- فى هيئة تجار، ألقوا عليه السلام فرده عليهم . قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط) [هود: 69-70] .
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) [هود : 47-48]
وأخبرت الملائكة إبراهيم - عليه السلام- أنهم ذاهبون إلى قوم لوط؛ لأنهم عصوا نبى الله لوطًا، ولم يتبعوه.
وقبل أن تترك الملائكة إبراهيم -عليه السلام- بشروه بأن زوجته سارة سوف تلد ولدًا اسمه إسحاق، وأن هذا الولد سيكبر ويتزوج، ويولد له ولد يسميه يعقوب.
ولما سمعت سارة كلامهم، لم تستطع أن تصبر على هول المفاجأة، فعبَّرت عن فرحتها، ودهشتها كما تعبر النساء؛ فصرخت تعجبًا مما سمعت، وقالت: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)[هود: 72-73]
وحملت سارة بإسحاق عليه السلام ووضعته، فبارك اللَّه لها ولزوجها فيه ومن إسحاق انحدر نسل بنى إسرائيل
هذه هى سارة زوجة نبى اللَّه إبراهيم عليه الصلاة والسلام التى كانت أول من آمن بأبى الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين بعثه اللَّه لقومه يهديهم إلى الرشد، ثم آمن به لوط ابن أخيه عليه السلام فكان هؤلاء الثلاثة هم الذين آمنوا على الأرض فى ذلك الوقت وماتت سارة ولها من العمر 127 عامًا





موسوعة افضل نساء العالمين








المتوكلة
(أم مــــــــــــوســــــــى)


تحت صرخات امرأة ذُبح ابنها، فتحت أيارخا زوجة عمران الباب، بعد أن ابتعدت أقدام جنود فرعون، واختفت ضحكاتهم الوحشية، ومضت إلى جارتها، التى كانت أقرب إلى الموت منها إلى الحياة، تخفف عنها آلامها، وتواسيها فى أحزانها.
كان بنو إسرائيل فى مصر يمرون بأهوال كثيرة، فقد ضاق بهم "فرعون" وراح يستعبدهم ويسومهم سوء العذاب؛ نتيجة ما رأى فى منامه من رؤيا أفزعته فدعا المنجِّمين لتأويل رؤياه، فقالوا: سوف يولد فى بنى إسرائيل غلام يسلبك المُلك، ويغلبك على سلطانك، ويبدل دينك. ولقد أطل زمانه الذى يولد فيه حينئذٍ.
ولم يبالِ فرعون بأى شيء سوى ما يتعلق بملكه والحفاظ عليه، فقتل الأطفال دون رحمة أو شفقة، وأرسل جنوده فى كل مكان لقتل كل غلام يولد لبنى إسرائيل
وتحت غيوم البطش السوداء ورياح الفزع العاتية، وصرخات الأمهات وهن يندبن أطفالهن الذين قُتِلوا ظلمًا كان الرعب يسيطر على كيان زوجة عمران، ويستولى الخوف على قلبها، فقد آن وضع جنينها وحان وقته وسيكون مولده فى العام الذى يقتل فرعون فيه الأطفال. واستغرقت فى تفكير عميق يتنازع أطرافه يقين الإيمان ولهفة الأم على وليدها، ووسوسة الشيطان الذى يريد أن يزلزل فيها ثبات الإيمان، لذلك كانت تستعين دائمًا باللَّه، وتستعيذ به من تلك الوساوس الشريرة .

ولما أكثر جنود فرعون من قتل ذكور بنى إسرائيل قيل لفرعون: إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم وغلمانهم، ولا يمكن لنسائهم أن يقمن بمايقوم به الرجال من الأعمال الشاقة فتنتهى إلينا، حيث كان بنو إسرائيل يعملون فى خدمة المصريين فأمر فرعون بترك الولدان عامًا وقتلهم عامًا وكان رجال فرعون يدورون على النساء فمن رأوها قد حملت، كتبوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يولِّدها إلا نساء تابعات لفرعون فإن ولدت جارية تركنها، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذباحون فقتلوه ومضوا ولحكمة اللَّه -تعالى وعظمته لم تظهر على زوجة عمران علامات الحمل كغيرها ولم تفطن لها القابلات وما إن وضعت موسى عليه السلام حتى تملكها الخوف الشديد من بطش فرعون وجنوده، واستبد بها القلق على ابنها موسى، وراحت تبكى حتى جاءها وحى اللَّه عز وجل آمرًا أن تضعه داخل صندوق وتلقيه فى النيل. قال تعالي: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص :7].
وكانت دار أم موسى على شاطئ النيل فصنعت لوليدها تابوتًا وأخذت ترضعه، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته فى التابوت، وسَـيرَتْـهُ فى البحر، وربطته بحبل عندها.
وذات يوم اقترب جنود فرعون وخافت أم موسى عليه فأسرعت ووضعته فى التابوت وأرسلته فى البحر لكنها نسيت فى هذه المرة أن تربط التابوت، فذهب مع الماء الذى احتمله حتى مرَّ به على قصر فرعون وأمام القصر توقف التابوت فأسرعت الجوارى وأحضرنه وذهبن به إلى امرأة فرعون، فلما كشفت عن وجهه أوقع اللَّه محبته فى قلبها فقد كانت عاقرًا لا تلد وذاع الخبر فى القصر وانتشر نبأ الرضيع حتى وصل إلى فرعون، فأسرع فرعون نحوه هو وجنوده وهمّ أن يقتله، فناشدته امرأته أن يتركه، وقالت له (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [القصص: 9].
كاد قلب أم موسى أن يتوقف، فهى ترى ابنها عائمًا فى صندوق وسط النهر، ولكنَّ الله صبرها، وثبتها وقالت لابنتها اتبعيه وانظرى أمره ولا تجعلى أحدًا يشعر بك وكان قلبها ينفطر حزنًا على مصير وليدها الرضيع الذى جرفه النهر بعيدًا عنها (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) [القصص 10-11].
فرحت امرأة فرعون بموسى فرحًا شديدًا ولكنه كان دائم البكاء فهو جائع ولكنه لا يريد أن يرضع من أية مرضعة فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته فلما رأته أخته بأيديهم عرفته، ولم تُُظِْْهِْر ذلك، ولم يشعروا بها فقالت لهم أعرف من يرضعه وأخذته إلى أمه.( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَى تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[القصص: 12-13]. هذا هو القدر الإلهى يظهر منه ومضات ليتيقن الناس أن خالق السَّماوات والأرض قادر على كل شيء: (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].
وما إن وصل موسى عليه السلام إلى أمه حتى أقبل على ثديها، ففرحت الجوارى بذلك فرحًا شديدًا وذهب البشير إلى امرأة فرعون فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها مالا كثيرًا وهى لا تعرف أنها أمه ثم طلبتْ منها أن تُقيم عندها لترضعه فرفضتْ وقالت إن لى بعلا وأولادًا ولاأقدر على المقام عندك فأخذ
أم موسى إلى بيتها، وتكفلت امرأة فرعون بنفقات موسى. وبذلك رجعت أم موسى بابنها راضية مطمئنة، وعاش موسى وأمه فى حماية فرعون وجنوده وتبدل حالهما بفضل صبر أم موسى وإيمانها.
ولم يكن بين الشدة والفرج إلا يوم وليلة، فسبحان من بيده الأمر، يجعل لمن اتقاه من كل همٍّ فرجًا ومن كل ضيق مخرجًاته أم موسى إلى بيتها، وتكفلت امرأة فرعون بنفقات موسى. وبذلك رجعت أم موسى بابنها راضية مطمئنة، وعاش موسى وأمه فى حماية فرعون وجنوده، وتبدل حالهما بفضل صبر أم موسى وإيمانها.
ولم يكن بين الشدة والفرج إلا يوم وليلة، فسبحان من بيده الأمر، يجعل لمن اتقاه من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا


يتبع




2 
مجدى سالم


زوجة الفراسة والحياء


( زوجـة مــــوســــــى )

يقول ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة ؛ صاحب يوسف حين قال لامرأته: (أَكْرِمِى مَثْوَاهُ) [يوسف:21]، وصاحبة موسى حين قالت (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) [القصص 26] وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب
ولكن ما الذى أخرج موسى من مصر إلى أرض مدين فى جنوب فلسطين؛ ليتزوج من ابنة الرجل الصالح، ويرعى له الغنم عشر سنين
كان موسى يعيش فى مصر وبينما هو يسير فى طريقه رأى رجلين يقتتلان؛ أحدهما من قومه "بنى إسرائيل" والآخر من آل فرعون وكان المصرى يريد أن يسخِّر الإسرائيلى فى أداء بعض الأعمال واستغاث الإسرائيلى بموسى فما كان منه إلا أن دفع المصرى بيده فمات على الفور، قال تعالي (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِين)[القصص: 15].
وفى اليوم التالى تشاجر اليهودى مع رجل آخر فاستغاث بموسى عليه السلام مرة ثانية فقال له موسى إنك لَغَوِى مُبين فخاف الرجل وباح بالسِّرِّ عندما قال: أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسًا بالأمس، فعلم فرعون وجنوده بخبر قتل موسى للرجل، فجاء رجل من أقصى المدينة يحذر موسى، فأسرع بالخروج من مصر، وهو يستغفر ربه قائلاً: (رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص :16].
وخرج موسى من مصر وظل ينتقل حتى وصل إلى أرض مَدْين فى جنوب فلسطين، وجلس موسى عليه السلام بالقرب من بئر ولكنه رأى منظرًا لم يعجبه؛ حيث وجد الرعاة يسقون ماشيتهم من تلك البئر وعلى مقربة منهم تقف امرأتان تمنعان غنمهما عن ورود الماء؛ استحياءً من مزاحمة الرجال فأثر هذا المنظر فى نفس موسى؛ إذ كان الأولى أن تسقى المرأتان أغنامهما أولاً وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما، فذهب موسى إليهما وسألهما عن أمرهما، فأخبرتاه بأنهما لا تستطيعان السقى إلا بعد أن ينتهى الرجال من سقى ماشيتهم وأبوهما شيخ كبير لا يستطيع القيام بهذا الأمر فتقدم ليسقى لهما كما ينبغى أن يفعل الرجال ذوو الشهامة، فزاحم الرجال وسقى لهما ثم اتجه نحو شجرة فاستظل بظلها، وأخذ يناجى ربه (رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير)


[القصص: 24].
وعادت الفتاتان إلى أبيهما، فتعجب من عودتهما سريعًا. وكان من عادتهما أن تمكثا وقتًا طويلا حتى تسقيا الأغنام فسألهما عن السبب فى ذلك فأخبرتاه بقصة الرجل القوى الذى سقى لهما، وأدى لهما معروفًا دون أن يعرفهما أو يطلب أجرًا مقابل خدمته، وإنما فعل ذلك مروءة منه وفضلا.
وهنا يطلب الأب من إحدى ابنتيه أن تذهب لتدعوه فجاءت إليه إحدى الفتاتين تمشى على استحياء، لتبلغه دعوة أبيها (إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) [القصص 25] واستجاب موسى للدعوة، فلما وصل إلى الشيخ وقصّ عليه قصته، طمأنه الشيخ بقوله (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[القصص 25].
وعندئذ سارعت إحدى الفتاتين بما لها من فراسة وفطرة سليمة فأشارت على أبيها بما تراه صالحًا لهم ولموسى -عليه السلام-: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِى الأَمِين)[القصص 26]. فهى وأختها تعانيان من رعى الغنم وتريد أن تكون امرأة مستورة لا تحتكّ بالرجال الغرباء فى المرعى والمسقي فالمرأة العفيفة الروح لا تستريح لمزاحمة الرجال وموسى فتى لديه من القوة والأمانة ما يؤهله للقيام بهذه المهمة والفتاة تعرض رأيها بكل وضوح ولا تخشى شيئًا


فهى بريئة النفس لطيفة الحسّ.
ويقتنع الشيخ الكبير لما ساقته ابنته من مبررات بأن موسى جدير بالعمل عنده ومصاهرته، فقال له: (إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَى هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِى حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَى وَاللَّهُ عَلَى

مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)[القصص :-28].
ولـمَّا وَفَّى موسى الأجل وعمل فى خدمة صِهْرِه عشر سنين أراد أن يرحل إلى مصر، فوافق الشيخ ودعا له بالخير فخرج ومعه امرأته وما أعطاه الشيخ من الأغنام


فسار موسى من مدين إلى مصر.
وهكذا كانت زوجة موسى رضى اللَّه عنها نموذجًا للمؤمنة ذات الفراسة والحياء وكانت قدوة فى الاهتمام باختيار الزوج الأمين العفيف












الملكة المؤمنة
( آسيــا بنـت مـزاحــم )

نشأتْ ملكة فى القصور واعتادتْ حياة الملوك ورأَتْ بطش القوة وجبروت السلطان وطاعة الأتباع والرعية غير أن الإيمان أضاء فؤادها ونوَّر بصيرتها فسئمتْ حياة الضلال، واستظلتْ بظلال الإيمان، ودعتْ ربها أن ينقذها من هذه الحياة، فاستجاب ربها دعاءها وجعلها مثلا للذين آمنوا فقال (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[التحريم: 11].
وقال رسول اللَّه (: "أفضل نساء أهل الجنة :خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم وآسية [أحمد].
إنها آسية بنت مزاحم امرأة فرعون التى كانت نموذجًا خلّده القرآن للمؤمنة الصادقة مع ربها، فهى عندما عرفت طريق الحق اتبعتْه دون خوف من الباطل وظلم أهله، فلقد آمنت باللَّه إيمانًا لا يتزعزع ولايلين، ولم تفلح تهديدات فرعون ولا وعيده فى ثنيها عن إيمانها، أو إبعادها عن طريق الحق والهدي لقد تاجرتْ مع اللَّه، فربحَتْ تجارتها باعتْ الجاه والقصور والخدم، بثمن غال، ببيتٍ فى الجنة، وزواج الرسول ( فى الآخرة ونعم أجر المؤمنين.
وقد جاء ذكر السيدة آسية رضى اللَّه عنها فى قصة موسى عليه السلام حينما أوحى اللَّه إلى أُمِّه أن تُلْقيه فى صندوق ثم تلقى بهذا الصندوق فى البحر وفيه موسى ويلْقِى به الموج نحو الشاطئ الذى يطلّ عليه قصر فرعون فأخذته الجواري ودخلن به القصر فلما رأت امرأة فرعون ذلك الطفل فى الصندوق ألقى الله فى قلبها حبه فأحبته حبَّا شديدًا
وجاء فرعون ليقتله كما كان يفعل مع سائر الأطفال الذين كانوا يولدون من بنى إسرائيل فإذا بها تطلب منها أن يبقيه حيا؛ ليكون فيه العوض عن حرمانها من الولد وهكذا مكن اللَّه لموسى أن يعيش فى بيت فرعون، قال تعالي (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِ ولا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) [القصص 7-9] .
وكانت السيدة آسية ذات فطرة سليمة وعقل واعٍ وقلب رحيم، فاستنكرت الجنون الذى يسيطر على عقل زوجها، ولم تصدق ما يدعيه من أنه إله وابن آلهة
وحينما شَبَّ موسى وكبر ورحل إلى مدين فرارًا من بطش فرعون وجنوده ثم عاد إلى مصر مرة أخرى بعد أن أرسله اللَّه كانت امرأة فرعون من أول المؤمنين بدعوته . ولم يخْفَ على فرعون إيمان زوجته باللَّه، فجن جنونه فكيف تؤمن زوجته التى تشاركه حياته، وتكفر به، فقام بتعذيبها حيث عَزَّ عليه أن تخرج زوجته على عقيدته وتتبع عدوه، فأمر بإنزال أشد أنواع العذاب عليها حتى تعود إلى ما كانت عليه لكنها بقيت مؤمنة بالله واستعذبت الآلام فى سبيل اللَّه
وقد أمر فرعون جنوده أن يطرحوها على الأرض، ويربطوها بين أربعة أوتاد، وأخذت السياط تنهال على جسدها، وهى صابرة محتسبة على ما تجد من أليم العذاب ثم أمر بوضع رحًى على صدرها وأن تُلقى عليها صخرة عظيمة لكنها دعتْ ربها أن ينجيها من فرعون وعمله
فاستجاب اللَّه دعاءها وارتفعت روحها إلى بارئها، تظلِّلُها الملائكة بأجنحتها؛ لتسكن فى الجنة، فقد آمنت بربها، وتحملت من أجل إيمانها كل أنواع العذاب، فاستحقت أن تكون من نساء الجنة الخالدات
وصدق رسول اللَّه ( حين قال كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام [البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة]







الزوجة الوفية
( زوجــــــــة أيـــــــــــــــوب )


زوجة صابرة أخلصت لزوجها، ووقفت إلى جواره فى محنته حين نزل به البلاء، واشتد به المرض الذى طال سنين عديدة، ولم تُظْهِر تأفُّفًا أو ضجرًا بل كانت متماسكة طائعة
إنها زوجة نبى اللَّه أيوب عليه السلام الذى ضُرب به المثل فى الصبر الجميل وقُوَّة الإرادة، واللجوء إلى اللَّه والارتكان إلى جنابه.
وكان أيوب عليه السلام مؤمنًا قانتًا ساجدًا عابدًا لله، بسط اللَّه له فى رزقه، ومدّ له فى ماله، فكانت له ألوف من الغنم والإبل، ومئات من البقر والحمير، وعدد كبير من الثيران، وأرض عريضة وحقول خصيبة وكان له عدد كبير من العبيد يقومون على خدمته ورعاية أملاكه ولم يبخل أيوب عليه السلام بماله بل كان ينفقه، ويجود به على الفقراء والمساكين .

وأراد اللَّه أن يختبر أيوب فى إيمانه فأنزل به البلاء، فكان أول مانزل عليه ضياع ماله وجفاف أرضه ؛ حيث احترق الزرع وماتت الأنعام ولم يبق لأيوب شيء يلوذ به ويحتمى فيه غير إعانة الله له، فصبر واحتسب، ولسان حاله يقول فى إيمان ويقين : عارية اللَّه قد استردها، ووديعة كانت عندنا فأخذها، نَعِمْنَا بها دهرًا فالحمد لله على ما أنعم، وَسَلَبنا إياها اليوم، فله الحمد معطيا وسالبًا راضيا وساخطًا، نافعًا وضارا هو مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ثم يخرُّ أيوب ساجدًا لله رب العالمين
ونزل الابتلاء الثاني، فمات أولاده، فحمد اللَّه -أيضًا- وخَرّ ساجدًا لله ثم نزل الابتلاء الثالث بأيوب -فاعتلت صحته، وذهبت عافيته، وأنهكه المرض لكنه على الرغم من ذلك ما ازداد إلا إيمانًا وكلما ازداد عليه المرض ازداد شكره لله
وتمر الأعوام على أيوب عليه السلام وهو لا يزال مريضًا فقد هزل جسمه، ووهن عظمه وأصبح ضامر الجسم شاحب اللون لا يقِرُّ على فراشه من الألم وازداد ألمه حينما بَعُدَ عنه الصديق وفَرَّ منه الحبيب ولم يقف بجواره إلا زوجته العطوف تلك المرأة الرحيمة الصالحة التى لم تفارق زوجها أو تطلب طلاقها بل كانت نعم الزوجة الصابرة المعينة لزوجها فأظهرت له من الحنان ما وسع قلبها واعتنت به ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. لم تشتكِ من هموم آلامه ولا من مخاوف فراقه وموته وظلت راضية حامدة صابرةً مؤمنة،ً تعمل بعزم وقوة لتطعمه وتقوم على أمره وقاست من إيذاء الناس ما قاست .
ومع أن الشيطان كان يوسوس لها دائمًا بقوله لماذا يفعل اللَّه هذا بأيوب ولم يرتكب ذنبًا أو خطيئة فكانت تدفع عنها وساوس الشيطان وتطلب من الله أن يعينها، وظلت فى خدمة زوجها أيام المرض سبع سنين حتى طلبت منه أن يدعو اللَّه بالشفاء فقال لها كم مكثت فى الرخاء فقالت ثمانين فسألها كم لبثتُ فى البلاء؟ فأجابت سبع سنين
قال: أستحى أن أطلب من اللَّه رفع بلائي، وما قضيتُ منِه مدة رخائي. ثم أقسم أيوب - حينما شعر بوسوسة الشيطان لها أن يضربها مائة سوط، إذا شفاه اللَّه، ثم دعا أيوب ربه أن يكفيه بأس الشيطان، ويرفع ما فيه من نصب وعذاب، قال تعالي: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِى الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) [ص : 41].
فلما رأى اللَّه صبره البالغ، رد عليه عافيته ؛حيث أمره أن يضرب برجله فتفجر له نبع ماء فشرب منه واغتسل، فصح جسمه وصلح بدنه وذهب عنه المرض قال تعالى : (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِى الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِى الأَلْبَاب)[ص:41-43]
ومن رحمة اللَّه بهذه الزوجة الصابرة الرحيمة أَن أَمَرَ اللَّهُ أيوبَ أن يأخذ حزمة بها مائة عود من القش، ويضربها بها ضربةً خفيفةً رقيقةً مرة واحدة ليبرّ قسمه جزاء له ولزوجه على صبرهما على ابتلاء اللَّه (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)[ص: 44]




يتبع


3 
مجدى سالم



الملكة

( بلقيـــــس )

استيقظتْ من نومها والظلام يحيط بكل شيء؛ لتستعدَّ للذهاب مع حاشيتها إلى معبد الشمس الكبير بأرض مأرب على بُعْدِ ثلاثة أميال من صنعاء؛ حيث يستقبل شعب سبأ يومًا من الأيام المقدسة التى تشهد نشاطًا كبيرًًا فيقدمون قرابينهم للشمس التى يعبدونها من دون اللَّه . وما إن أشرقت الشمس حتى اخترق نداء الكاهن آذان أهل سبأ يأمرهم بالسجود لها 000 وفى الوقت الذى كان يسجد فيه أهل سبأ للشمس، كان نبى اللَّه سليمان - عليه السلام - وجنوده يسجدون للَّه رب العالمين؛ اعترافًا بحقه -عز وجل- . وقد وهب اللَّه لسليمان ملكًا عظيمًا، وكوَّن سليمان جيشًا عظيمًا، من الإنس والجن والطير، وجعل لكل واحد فى الجيش مكانًا ومهمةً عليه أن ينفذها.
واعتاد "سليمان" - عليه السلام - أن يتفقد جنوده حينًا بعد آخر، وذات مرة لم يجد الهدهد، فقال: (مَا لِى لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ)[النمل:20-21]. فجاء الهدهد بعد أن مكث فترة من الزمن، فقال لسليمان -عليه السلام- : (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ
أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّى وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن
دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ)[النمل: 22-24]. ثم أخذ الهدهد يصف ما رأى وما سمع وكيف يعبدون الشمس من دون اللَّه . ففكر نبى اللَّه ثم قال: (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) [النمل: 27].
عرف الهدهد بفطرته السليمة أن السجود لا يكون إلا للَّه سبحانه وتعالي، كما عرف أهمية الدعوة إلى اللَّه تعالي، وكيف يتحرك لها حتى وإن لم يكلفه أحد بهذا العمل، وهكذا يكون الداعية دائمًا فى كل مكان وزمان . وبعد ذلك كتب نبى اللَّه عليه السلام رسالة، وأمر الهدهد بالذهاب إلى ملكة سبأ وأن يعطيها الرسالة، فقال له: (اذْهَب بِّكِتَابِى هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُون) [النمل:28]
وبينما كانت بلقيس تستريح من عناء يوم طويل فى فراشها، دخل عليها الهدهد من النافذة، وألقى عليها الكتاب، فقرأته وعلمت مافيه، وأنه من نبى اللَّه سليمان - عليه الصلاة والسلام -، فجمعت وزراءها وأعيان قومها وقرأت عليهم خطاب سليمان، وقالت قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّى أُلْقِى إِلَى كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَى وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ [النمل: 29- 31]، ثم طلبت منهم الرأى والمشورة (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) [النمل: 32].
وهى فى ذلك تعطى صورة طيبة للشورى عند الحاكم . فأجابها القوم (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ)[النمل:33]
لكن بلقيس كانت تعلم قوة سليمان، فأرادت أن تصرف قومها عن الحرب، وأن تردهم إلى الرشاد، (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: 34].
كان يدور فى ذهن بلقيس أمر سليمان، ولم تكن تعلم أن الله سخَّر له الريح تجرى بأمره، فقالت بحكمة بالغة وحسن تدبير: (وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ )[النمل:35] وأخبرتهم أنه إن كان ملكًا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيا فلن يقبل الهدية، ولن يرضى منا إلا أن نتبعه على دينه . ووافق القوم على ذلك، وانصرفوا . فلما جاءت رُسل بلقيس بالهدية إلى سليمان، قال لهم : ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِى اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُون) [النمل: 36] وكيف يقبل الهدية وقد أكرمه الله بالنبوة والحكمة، وأعطاه الله ما لم يعط أحدً ا من العالمين؟! فقال لرئيس الوفد: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُون) [النمل: 37] وأدرك سليمان بحكمته أن إنذاره هذا سينهى الأمر، وستُقبل عليه الملكة مستسلمة طائعة؛ لأنه ظهر من تصرفاتها أنها لا تريد الحرب، وعندما عادوا إليها أخبروها بماحدث، فأرسلت إلى سليمان تخبره أنها سوف تأتى إليه ومعها كبار قومها، وأمرت بلقيس جنودها بحراسة عرشها والحفاظ عليه وإغلاق الأبواب دونه، وخرجت من مُلْكها متجهة ناحية الشمال، وقبيل حضورها، أراد سليمان أن يبين لها قدرة اللَّه وعظمته، وكيف أعطاه مالم يعط أحدًا من العالمين فأقبل على جنوده قائلا قَالَ
يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِى أَمِينٌ )[النمل: 38-39] لكن سليمان استبطأه، فقام رجل مؤمن من بنى إسرائيل، وكان صدِّيقًا يعلم اسم الله الأعظم، فقال لسليمان أَنَا آتِيكَ
بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)[النمل: 40] وبالفعل كان عرش بلقيس أمام نبى اللَّه سليمان فخر ساجدًا لعظمة اللَّه، واعترافًا بنعمته، وقال(هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِى أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِى كَرِيمٌ)[النمل: 40].
ورأت بلقيس مُلكَ سليمان، وبينما قومها يتهامسون فيما بينهم على ما يروَنه، رأت عرشها بعد أن أمر سليمان جنوده أن يغيروا معالمه، وأن يبدلوا أوضاعه بحيث تختلف فيه الرؤية؛ ليعرف مدى ذكائها(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ. فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ )[النمل: 41-42].
فلما دخلت بلقيس الصرح الذى أمر نبى اللَّه سليمان جنوده ببنائه من الزجاج بحيث يجرىمن تحته جدول صغير من الماء حسبته لجة (أى ماء) فكشفت عن ساقيها بحركة لاشعورية منها قِيلَ لَهَا ادْخُلِى الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِير)[النمل:44].
فلما رأت بلقيس ما وهبه اللَّه لنبيه سليمان قالت قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) [النمل: 44].
وهكذا كانت بلقيس ملكة سبأ امرأة ذات فراسة وحكمة وذكاء فلم تستبد برأيها فى الأمور العظيمة والخطوب الجليلة بل استشارت قومها وهذا يدل على فطنتها فلما عرفت الحق آمنت به وأسلمت للَّه طوعًا مع سليمان عليه السلام.
تلك هى بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، ملكة سبأ، تمكنت من الملك بعد مقتل عمرو ذى الأذعار، فبايعها قومها وولوها الحكم فأدارت شئون البلاد بشجاعة وحكمة، ورممت سد مأرب الشهير وشيدت قصرها فى مدينة مأرب وازدهرت على يديها التجارة والزراعة، وزادت ثروات البلاد واستقرت أحوال الناس.
كانت تعبد الشمس هى وقومها، ثم أكرمها الله تعالى بالإيمان، فآمن قومها برسالة نبى الله سليمان عليه السلام- فتزوجها سليمان عليه السلام وأنجبتْ له ولدًا إلا أنه توفى شابَّا وتوفيت بعده بلقيس فى أنطاكية رضى الله عنها










أم المؤمنين الحبيبة

( عائشة بنت أبى بكر )


لما سأل عمرو بن العاص رسول اللَّه ( عن أحب الناس إليه قال: "عائشة" [متفق عليه].
وعندما جاءت أم المؤمنين أم سلمة -رضى اللَّه عنها- إلى النبي ( لتشتكى من أمر يتعلق بعائشة، قال لها النبي (: "يا أم سلمة لا تؤذينى في عائشة؛ فإنه -واللَّه- ما نزل على الوحى وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" [متفق عليه].
وُلدت السيدة عائشة أم المؤمنين - رضى اللَّه عنها - قبل الهجرة بحوالى ثمانى سنوات، في بيت عامر بالإيمان، ممتلئ بنور القرآن، فأبوها الصديق أبو بكر صاحب رسول اللَّه (، وثانى اثنين إذ هما في الغار، وأول من آمن من الرجال، وأول خليفة للمسلمين بعد رسول اللَّه (، وأمها السيدة أم رومان بنت عامر، من أشرف بيوت قريش وأعرقها في المكانة.
وقد شاركت السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها- منذ صباها في نصرة الإسلام، فكانت تساعد أختها الكبيرة أسماء في تجهيز الطعام للنبى ( وأبيها وهما في الغار عند الهجرة.
وبعد أن استقر مقام المسلمين في مدينة رسول اللَّه ( أرسل أبو بكر الصديق إلى ابنه عبد اللَّه يطلب منه أن يهاجر بأهل بيته: عائشة، وأسماء، وأم رومان، فاستجاب عبد اللَّه بن أبى بكر ومضى بهم مهاجرًا، وفى الطريق هاج بعير عائشة فصاحت أم رومان: وابنتاه وا عروساه. ولكن اللَّه لطف، وأسرع الجميع إلى البعير ليسكن، وكان في ركب الهجرة السيدة فاطمة الزهراء والسيدة أم كلثوم بنتا رسول اللَّه ( وأم المؤمنين السيدة سودة بنت زمعة، ونزلت السيدة عائشة مع أهلها في دار بنى الحارث بن الخزرج، ونزل آل النبي ( في منزل حارثة بن النعمان.
وبدأتْ مرحلة جديدة في حياة أم المؤمنين عائشة - رضى اللَّه عنها - فقد تزوجها النبي ( وهى بنت ست سنين، وبنى بها وهى بنت تسع سنين. [البخاري].
وكان بيت النبي ( الذي دخلت فيه أم المؤمنين عائشة -رضى اللَّه عنها- حجرة واحدة من الطوب اللَّبِن - النَّـيِّـئ - والطين ، ملحق بها حجرة من جريد مستورة بالطين، وكان باب حجرة السيدة عائشة مواجهًا للشام، وكان بمصراع واحد من خشب، سقفه منخفض وأثاثه بسيط: سرير من خشبات مشدودة بحبال من ليف عليه وسادة من جلد حَشْوُها ليف، وقربة للماء، وآنية من فخارٍ للطعام والوضوء.
وفى زواج النبي ( من السيدة عائشة -رضى اللَّه عنها- تقول: قال رسول اللَّه (: "أُرِيتُك في المنام مرتين: أرى أنك في سَرقة (قطعة) من حرير، ويقول: هذه امرأتك. فأكشف فإذا هي أنتِ، فأقول: إن يك هذا من عند اللَّه يُمضِه" [البخارى ومسلم وأحمد]. وانتظر رسول اللَّه ( فلم يخطب عائشة حتى جاءته خولة زوج صاحبه عثمان بن مظعون ترشحها له.
أحبت السيدة عائشة النبي حبَّا كبيرًا، ومن فرط هذا الحب كانت فطرتها - مثل النساء - تغلبها فتغار.
ومرت الأيام بالسيدة عائشة هادئة مستقرة حتى جاءت غزوة بنى المصطلق، فأقرع النبي ( بين نسائه (أى أجرى القرعة بينهن لتخرج معه واحدة في السفر) وكان من عادته ( أن يفعل ذلك مع أزواجه إذا خرج لأمر، فخرج سهمها فخرجت معه (، حتى إذا فرغ النبي من غزوته، وعاد المسلمون منتصرين، استراح المسلمون لبعض الوقت في الطريق، فغادرت السيدة عائشة هودجها، فانسلّ عِقدها من جيدها (عنقها)، فأخذت تبحث عنه.. ولما عادت كانت القافلة قد رحلت دون أن يشعر الرَّكْبُ بتخلفها عنه، وظلَّت السيدة عائشة وحيدة في ذلك الطريق المقفر الخالى حتى وجدها أحد المسلمين - وهو الصحابى الجليل صفوان بن المعطل - رضى اللَّه عنه - فركبت بعيره، وسار بها، واللَّه ما كلمها ولاكلمته، حتى ألحقها برسول اللَّه (، إلا أن أعداء اللَّه تلقفوا الخبر ونسجوا حوله الخزعبلات التي تداعت إلى أُذن الرسول (، وأثرت في نفسه، ونزلت كالصاعقة عليه وعلى أبيها"أبى بكر" وأمها "أم رومان" وجميع المسلمين، لكن اللَّه أنزل براءتها من فوق سبع سماوات فنزل في أمرها إحدى عشرة آية؛ لأنه يعلم براءتها وتقواها، فقال تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: 11].
وتقول السيدة عائشة لما علمت بحديث الإفك: وبكيت يومى لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندى أبواى وقد بكيت ليلتى ويومًا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندى وأنا أبكى استأذنتْ امرأة من الأنصار فأذنتُ لها فجلست تبكى معي فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول اللَّه ( فجلس - ولم يجلس عندى من يوم قيل في ما قيل قبلها- وقد مكث شهرًا لا يُوحى إليه في شأنى شيء فتشهَّد ثم قال يا عائشة فإنه بلغنى عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى اللَّه وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب اللَّه عليه". فلما قضى رسول الله ( مقالته، قَلَص دمعى حتى ما أُحِس منه قطرة، وقلتُ لأبي: أجب عنى رسول اللَّه ( فيما قال. قال: واللَّه لا أدرى ما أقول لرسول اللَّه (. فقلت لأمي: أجيبى عنى رسول اللَّه ( فيما قال قالت ما أدرى ما أقول لرسول اللَّه (، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن إنى واللَّه لقد علمت أنكم سمعتم ما يُحَدِّثُ به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، وإن قلتُ لكم إنى بريئة واللَّه يعلم أنى بريئة لا تصدقوننى بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر واللَّه يعلم أنى بريئة لتصدقني واللَّه ما أجد لى ولكم مثلا إلا قول أبى يوسف: فّصّبًرِ جّمٌيلِ بًمٍسًتّعّانٍ عّلّي مّا تّصٌفٍون [يوسف 18]. ثم تحولت على فراشى وأنا أرجو أن يبرئنى الله، ولكن واللَّه ما ظننتُ أن يُنزِل في شأنى وحيًا، ولأنا أحقر في نفسى من أن يُتكلم بالقرآن في أمري، ولكنى كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه ( في النوم رؤيا تبرئني فواللَّه ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه الوحى فلما سُرِّى عن رسول الله ( إذا هو يضحك (أى انكشف عنه الوحى ثم ابتسم)، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة، احمدى الله، فقد برأك اللَّه". فقالت لى أمي: قومى إلى رسول الله (، فقلت لا واللَّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللَّه، فأنزل اللَّه تعالي إن الذين جاءوا بالإفك. [البخاري].
وأراد النبي ( أن يصالحها فقال لها ذات يوم إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية، وإذا كنتِ على غَضْـبَـي". فقالت رضى اللَّه عنها من أين تعرف ذلك فقال أما إذا كنت عنى راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنتِ غضبى قلت: لا ورب إبراهيم". فأجابت: أجل، واللَّه يا رسول اللَّه، ما أهجر إلا اسمك. [البخاري].
تلك هي المؤمنة ،لا يخرجها غضبها عن وقارها وأدبها، فلا تخرج منها كلمة نابية، أو لفظة سيئة.
ولما اجتمعت نساء النبي( ومعهن السيدة عائشة لطلب الزيادة في النفقة منه رغم علمهن بحاله، قاطعهن رسول اللَّه ( تسعة وعشرين يومًا حتى أنزل اللَّه تعالى قوله الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا.وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب 28-29]. فقام النبي ( بتخيير أزواجه فبدأ بعائشة فقال يا عائشة إنى ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تستعجلى حتى تستأمرى أبويك
قالت: وقد علم أن أبواى لم يكونا ليأمرانى بفراقه، قالت: ثم قال: "إن اللَّه تعالى يقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ)[الأحزاب 82]. حتى بلغ: (لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب 29] فقلت: في هذا أستأمر أبوي فإنى أُريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة. وكذا فعل أزواج النبي جميعًا.
وعاشت السيدة عائشة مع رسول اللَّه حياة إيمانية يملأ كيانها نور التوحيد وسكينة الإيمان، وقد حازت -رضى اللَّه عنها- علمًا غزيرًا صافيًا من نبع النبوة الذي لا ينضب، جعلها من كبار المحدثين والفقهاء، فرُوى عنها من صحيح الحديث أكثر من ألفين ومائة حديث فكانت بحرًا زاخرًا في الدين وخزانة حكمة وتشريع وكانت مدرسة قائمة بذاتها حيثما سارت يسير في ركابها العلم والفضل والتقي، فقد ورد عن أبى موسى -رضى اللَّه عنه- قال ما أُشْكِلَ علينا أصحاب رسول اللَّه (- حديث قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا
وكان للسيدة عائشة -رضى الله عنها علم بالشعر والطب، بالإضافة إلى علمها بالفقه وشرائع الدين.
وكان عروة بن الزبير -رضى الله عنه يقول ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشِعْر من عائشة رضى الله عنها
ومن جميل ما أسدته السيدة عائشة للمسلمين أنها كانت سببًا في نزول آية التيمم، يروى عنها أنها قالت: أقبلنا مع رسول اللَّه ( حتى إذا كان بِتُرْبان (بلد يبعد عن المدينة عدة أميال وهو بلد لا ماء به) وذلك وقت السحر انسلت قلادة من عنقى فوقعت، فحبس على رسول اللَّه ( (أى أمر بالبقاء لالتماسها في الضوء) حتى طلع الفجر، وليس مع القوم ماء، فلقيت من أبى ما اللَّه به عليم من التعنيف والتأفُّف وقال في كل سفر للمسلمين يلقون منك عناء وبلاء فأنزل اللَّه الرخصة في التيمم، فتيمم القوم وصلوا، قالت: يقول أبى حين جاء من اللَّه الرخصة للمسلمين واللَّه ما علمت يا بنية إنك لمباركة ما جعل اللَّه للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر!! وفى رواية قال لها أُسيد بن حضير جزاك اللَّه خيرًا فواللَّه ما نزل بك أمر تكرهينه قط إلا جعل اللَّه لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة.
لم يتزوج رسول اللَّه ( بكرًا غيرها، فلقد تزوجها بعد أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين سودة بنت زمعة رضى اللَّه عنهن جميعًا رغبة منه في زيادة أواصر المحبة والصداقة بينه وبين الصدِّيق رضى اللَّه عنه-. وكانت منزلتها عنده ( كبيرة وفاضت روحه الكريمة في حجرها وعاشت رضى اللَّه عنها- حتى شهدت الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه وحضرت معركة الجمل، وكانت قد خرجت للإصلاح.
واشتهرت - رضى اللَّه عنها - بحيائها وورعها، فقد قالت كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول اللَّه ( وأبى رضى اللَّه عنه - واضعة ثوبى وأقول إنما هو زوجى وهو أبي، فلما دُفِن عمر - رضى اللَّه عنه (معهما) واللَّه ما دخلته إلا مشدودة على ثيابى حياءً من عمر رضى اللَّه عنه
وكانت من فرط حيائها تحتجب من الحسن والحسين في حين أن دخولهما على أزواج النبي ( حل لهما.
وكانت -رضى الله عنها- كريمة؛ فيُروى أن "أم درة" كانت تزورها فقالت بُعث إلى السيدة عائشة بمال في وعاءين كبيرين من الخيش ثمانين أو مائة ألف فَدَعت بطبق وهى يومئذ صائمة، فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك المال درهم فلما أمست قالت يا جارية هلُمى إفطاري فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم درة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشترى لنا لحمًا بدرهم فنفطر به فقالت
لا تُعنِّفيني لو كنتِ ذكَّرتينى لفعلت











قصة ماشطة ابنة فرعون

دراسة وتحليل
تمهيد:

إن القارئ في سير الصالحين والعُبّاد والزهاد يجد العجب العجاب، من مواقف القوم في العبادة والخشية، والصبر على البلاء، والقوة في إظهار الحق، وإنكار المنكر، وبذل المال والوقت والجهد والنفس.
ولا عجب إذا ما عرفنا أن القوم قد خالط الإيمان قلوبهم، وسكنت الآخرة في قرارة نفوسهم، وانشغلت عقولهم بالتفكير في لقاء مولاهم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ومن كانت هذه حاله ، فلا غرابة أن تخرج الحكمة من أقواله وأفعاله، ويكون قدوة في الخير وهاديا ودليلا إليه.
هذه قصة بطولية سطرتها امرأة في بيت واحد من أكبر الظلمة على وجه الأرض: إنه فرعون.
فيلقي الله سبحانه الشجاعة في قلب من شاء من عباده، ويصدح ناس بالحق في زمن ومكان لم يكن أحد يتوقع منهم، أو من أمثالهم ذلك.
هذه حكاية امرأة سطر الله اسمها بحروف من ذهب على مدار التاريخ ، وذاع سيطها في الأرض والسماء ، وشم رسول الله صلى الله عليه وسلم رائحتها العطرة في رحلة الإسراء والمعراج.
إنها امرأة ضحت بكل أسرتها في سبيل الله، في سبيل إعلاء كلمة: لا إله إلا الله في بيت الطاغية: فرعون.
هذه المرأة وإن لم يكن لها ذلك المركز الكبير في القوم، إلا أن الله حفظ اسمها أكثر من أسماء: الملوك والزعماء والأغنياء وأصحاب الجاه والنفوذ ، الذين طحنهم الثرى، وطوتهم بهم الأرض، إلا أن الذكرى الخالدة تكون لصاحب الحق الذي عرف الله حق المعرفة.
فليست الشهرة بالمناصب وكثرة الظهور وإنما بتقوى الله وذكره سبحانه.
ولنتعرف على قصة تلك المرأة كما جاءت في الحديث الصحيح:


نص الحديث:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ.
فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟
فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا.
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟
قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ.
فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟
قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ.
قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
فَأَخْبَرَتْهُ ، فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي.
قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. (وفي رواية ابن حبان: قَالَتْ رَبِّي وَرَبُّكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ)
فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا.
قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً.
قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟
قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا.
قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ.
قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ.
قَالَ: يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَاقْتَحَمَتْ.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ صِغَارٌ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ ، وَابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ".


تخريج الحديث:
رواه أحمد: 2682، وابن حبان في صحيحه: 2904.
ورواه الحاكم في المستدرك: 3835، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه.
وقال الذهبي قي التلخيص : صحيح
المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص: 2/ 538.
جاء في فتاوى موقع الإسلام سؤال وجواب:
وقال ابن كثير في " التفسير " (3/15) : " إسناده لا بأس به " ، وصحح إسناده العلامة
أحمد شاكر في تعليقه على المسند (4/295).
وقال الأرنؤوط في تخريج المسند (5/30 - 31 رقم 2821) : " إسناده حسن ، فقد سمع حماد بن سلمة من عطاء قبل الاختلاط عند جمع من الأئمة " .أ هـ
إذن: القصة صحيحة ثابتة.


غريب الحديث:
المدرى: حديدة يُسَرَّح بها الشعر. الفائق في غريب الحديث والأثر: 1/ 421.


تحليل القصة وفوائدها
[1]:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ.
فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟
فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا.
قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟
قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ.
فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي.
قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ.

1- رأى النبي صلى الله عليه وسلم من آيات الله الكبرى في رحلة الإسراء والمعراج، قال سبحانه: "ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى" (النجم: 18).
2- كان فرعون يتخذ لنفسه ولأولاده الخدم ، حتى كان لابنته امرأة خاصة تمشط لها شعرها.
3- الإيمان عندما يجد مسلكا في قلوب العباد، فإنهم يرتاحون له، فهذه الماشطة في قصر فرعون، كانت مؤمنة بالله تعالى، ومن قبلها من هو أعظم منها: امرأة فرعون، وقد يكون هناك ارتباط وتعاون على البر والتقوى بين هذه الماشطة وامرأة فرعون، وقد تكون واحدة منهما سببا في هداية الثانية.
4- يسخر الله من يهز عروش الظلمة بإيمانهم بالله من داخل بيوتهم، كامرأة فرعون ، وماشطة ابنته.
5- لا بد أحيانا من كتم الإيمان كما كتمته هذه المرأة، وكتمته من قبل زوجة فرعون ، ومؤمن آل فرعون الذي نصر الله به نبيه موسى عليه الصلاة والسلام.
6- مهما كتم الإنسان ما يجري في أعماق نفسه، فلا بد أن تدل عليه تصرفاته وحركاته وأقواله، فيغفل الإنسان عن نفسه ، ويتصرف بما في داخله، فهذه المرأة قالت ما يقوله أي مسلم إذا سقط من يده شيء: بسم الله.
7- وصل الكفر بفرعون أن ادعى الألوهية والربوبية، وحمل الناس على الإيمان به، ومن لم يفعل: يعذبه ويقتله.
8- كانت ابنة فرعون مغرورة بأبيها متجاهلة لفطرتها التي فطرها الله عليها، مؤمنة بربوبية والدها الضال المجرم، ولا ندري هل كانت هذه البنت من امرأته المؤمنة، أم من امرأة أخرى.
9- وكونها ربما من هذه الزوجة المؤمنة لا يضيرها، لأن الهداية بيد الله تعالى، وما استطاع نوح عليه الصلاة والسلام أن يجعل ابنه على طريقه ونهجه.
قال تعالى: "وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (هود: 42، 43)
10- ظنت البنت أن المقصود بقول الماشطة: بسم الله، هو والدها، فسألتها عن ذلك، أبي؟
11- عزمت الماشطة أن تقف الموقف الإيماني الذي يفرضه الإيمان رغم ما يترتب عليه من النتائج، التي ربما تقضي عليها وأسرتها، ولذلك كانت صريحة في الإجابة.
12- فأخبرتها وبكل صراحة وجرأة أنها مؤمنة بالله تعالى ، وأن والدها عبد لله تعالى.
13- في الحديث دليل على أن الأموات ينعمون ، أو يعذبون في حياة البرزخ، وتنعم أرواح المؤمنين بصعودها إلى العالم العلوي في السموات لتتمتع بنعم الله الخاصة بأهل الإيمان ، وقد شم النبي صلى الله عليه وسلم رائحة هذه المرأة الطيبة في رحلة الإسراء والمعراج.
وقد دل ظاهر القرآن الكريم وصريح السنة المطهرة على عذاب القبر.
فمن القرآن: قول الله تعالى عن آل فرعون: "وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" (غافر: 46،45).
فهذه الآيات تدل على أن آل فرعون يعرضون على النار في الصباح والمساء، كل ذلك قبل يوم القيامة، لأنه قال بعدها: " وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ "
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ".
رواه البخاري: 3001، ومسلم: 2866.
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ ، فَقَالَتْ لَهَا : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ : نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ".
رواه البخاري: 1283، ومسلم: 903.


قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي.
قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. (وفي رواية ابن حبان: قَالَتْ رَبِّي وَرَبُّكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ)

1- ظنت ابنة فرعون أن المرأة ستتوسل إليها أن لا تخبر والدها عما قالته.
2- أو: أنها ستتراجع عن مقالتها مقابل مصلحة ، أو مركز تعطيه ابنة فرعون لتلك الماشطة، فعند هؤلاء الظلمة تتعدد المصالح والمنافع ، لأنهم يستولون على كل خيرات الرعية.
3- حسمت المرأة الصالحة الأمر فلم تتوسل لها واستعلت بإيمانها.
4- قد يفرح بعض من يكتمون إيمانهم إذا اكتشف أمرهم رغم النتائج الأليمة التي تعقب ذلك، وذلك لأن الشوق لما عند الله يجعل المسلم يزهد في هذه الدنيا، ويطلب حياة كريمة عند ربه يوم يلقاه.
5- أخبرت الفتاة المغرورة والدها المجرم الطاغية، لأنها خشيت أن يذاع أمر هذه المرأة ويهتز سلطان والدها ، فأولاد الملوك ينتظرون ميراث والدهم ، فلا بد من المحافظة على سلطانه ، حتى يكون الميراث قيما.
6- لم تهب الماشطة من ذلك الجبار واستعلت أمام الطاغية بإيمانها، وتحدثت بكل جرأة أنها مؤمنة بالله، وأن الله ربها ورب فرعون.
7- وقع في رواية ابن حبان: "ربي وربك من في السماء"، وفيه أن المرأة أثبتت صفة العلو لله تعالى، وهذا ما قرره قرآننا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وفيه جواب لمن سأل: أين الله؟ فالجواب: في السماء.
فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: "....كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا.
وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟
قَالَ: ائْتِنِي بِهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا.
فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟
قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ.
قَالَ: مَنْ أَنَا؟
قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ.
رواه مسلم: 836.
فاستدل النبي صلى الله عليه وسلم على إيمانها بمعرفتها أين الله.
وسبحان هذا أمر فطري في النفس البشرية ، فلو سألت طفلا صغيرا ، أين الله؟
لرفع بصره على السماء.


فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا.
قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً.
قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟
قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا.
قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ.

1- استعمل الطاغية وسيلة قبيحة مؤلمة في تعذيب المرأة المؤمنة، فجاء بأداة مصنوعة على شكل بقرة، فأشعلت تحتها النار حتى حميت ليلقي بها وأولادها فيها.
2- ولكن الإيمان يصنع بالنفوس ما لا يتصوره الطغاة، إنهم يستروحون العذاب في سبيل الله.
3- طلبت منه طلبا: ظن الطاغية أنها ستتراجع عن موقفها ، أو أنها تتوسل إليه.
4- طلبت منه أن يجمع بين عظامها وعظام أولادها في قبر واحد، وهذا يدل على حرص المسلم على رفاته بعد موته، والظاهر أن شدة حبها لأولادها أرادات أن يكونوا معها في قبر واحد.
5- وفي الحديث جواز أن يطلب المسلم من الطغاة أمرا له فيه صلاح، كما طلبت منه هذه المرأة.



قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ.
قَالَ: يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَاقْتَحَمَتْ.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ صِغَارٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَشَاهِدُ يُوسُفَ وَابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ".

1- قد يظن البعض أن هذه المرأة قد أساءت إلى أولادها حينما أوقعت فيهم هذا العذاب، ولكن أهل الإيمان ينظرون إلى مثل هذه الأمور من منطق آخر، فهي تعتقد أن ما فعلته خير عظيم يعمها وأولادها عند الله.
2- صار المجرم يلقي أولادها أمامها في النار، وفي ذلك من العذاب النفسي ما تتفطر له القلوب.
ولك أن تتصور هذا المنظر الأليم، الأولاد فلذة الأكباد الذين لطالما ركضوا إليها، وارتموا بين يديها، طالما ضمتهم إلى صدرها، وألبستهم ثيابهم بيدها، ومسحت دموعهم بأصابعها.
ثم ها هم اليوم ينتزعون من بين يديها ويقتلون أمام ناظريها، كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين العذاب بكلمة كفر تسمعها فرعون، لكنها علمت أن ما عند الله خير وأبقى، فلله درها ما أعظم ثباتها وأكثر ثوابها.
هذا الموقف يطرح تساؤلا يثير في النفس كوامن الحسرة والحرقة، ويحرك فيها عوامل المنافسة والمسابقة، تساؤلا يقول: أين نحن من هؤلاء؟!
هذه همة امرأة في سبيل الله، وكم من رجل اليوم يُطلبُ منه ترك محرم من المحرمات، يطلب منه ترك المسلسلات الهابطة ، والأفلام الفاجرة فيقول: لا أستطيع.
والآخر يقال له: اترك الغناء المحرم ، فيقول: لا أستطيع ، حاولت ولم أفلح.
وثالث يقال له: اترك التدخين فيقول أيضا: لا أستطيع حاولت مرارا وفشلت.
لا تستطيعون! لا ضير ولا بأس ، فالله عز وجل ليس بحاجة لترككم لهذه المحرمات ، ومُلْكُ الله لن يزيد بطاعة المطيع ، ولن ينقص بمعصية العاصي.
يقول سبحانه: "وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ" (إبراهيم: 8).
فلـو كن النسـاء كمـن ذُكِرْنَ لفضِّلت النساء علـى الرجال
فمـا التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكيـر فخـر للهـلال
3- يدل هذا اللون من العذاب الذي استعمله فرعون على خلو قلوب المجرمين من الرحمة والشفقة.
عندما نسمع عن ألوان العذاب الذي يستعمله الجبارون في هذا الزمان، من الحكام وأعوانهم، يستغرب الواحد منا، ولكن هذه الأساليب قديمة استعملها فرعون وغيره من قبل.
4- لقد جعل الله لها في السموات رائحة عطر طيبة تشم إلى يوم القيامة، وقد فاحت منهم رائحة النار وهي تحرق أجسادهم، وهذا من إكرام الله لأوليائه الذين يبذلون نفوسهم رخيصة في سبيله.
قال تعالى: "وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" (غافر: 46،45).

فبمقدار هوانها على فرعون، جعل الله لها ولأولادها جزاء عظيما يتحدث عن ذكراهم الخلق إلى يوم يلقونه.
5- لقد أشفقت المرأة على طفل بين يديها رضيع، وكأنها أرادت أن ترجع لأجله لا لأجلها، لأنها رأت أولادها كلهم يلقون أمامها.


وهنا تحدث الكرامة الربانية العظيمة لهذه المرأة:

طفلها الرضيع يتكلم في المهد

يتحدث الطفل لأمه أن لا تقلق لأجله، وأنطقه الله لها ليكون دليلا على صدق إيمانها، وموقفها، فقال لها: يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.
ولما سمعت المرأة هذه الآية الربانية التي أيدها الله بها، زادت من يقينها وإيمانها بالله تعالى، فما كان منها إلا أن اقتحمت في النار.
ماتت المرأة وبقيت ذكراها، ولعل الميت يبكي عليه أعز الناس إليه، بضع أيام، ولعل هذه المرأة بكى عليها الصالحون بعد مئات وآلاف السنين شفقة عليها وعلى أطفالها.
لعل الواحد منا يجد بعض الناس يدعون له بعد موته أياما، وهذه المرأة يدعو الناس لها آلاف السنين، أن يتغمدها الله بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته.
فهلا تركت لنفسك ذكرى طيبة يتذكرك الناس بها، فيدعون الله لك ، فينفعك الله بهذا الدعاء.
لقد ماتت المرأة ومات فرعون، ولكن شتان بين مؤمن وكافر، شتان بين مصيرها ومصير فرعون.
شتان بين من تفوح منه رائحة المسك، وبين من يعرض على النار غدوة وعشية، شتان بين من يتحدث عنه الناس بالخير، وبين من تلعنه الخلائق.
ومن دخل الجنة نسي ما أصابه في الدنيا ، فمن هم سكان الجنة؟
هل هم أهل شهوات ومعاص ؟
كلا و الله ، إنهم أهل الصيام مع القيام، وطيب الكلمات والإحسان.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟
فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ.
وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟
فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ"
رواه مسلم: 5021.

[1]صحيح القصص النبوي: ص 287.


يتبع





4 
مجدى سالم

الأم العذراء
( مريم )
أنزل الله ملائكة يقولون لها: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 42].
ويقول عنها رسول الله :”خير نساء العالمين : مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة” [ابن حبان].
فى جو ساد فيه الظلم والاضطراب، كانت الحياة التى يعيشها بنو إسرائيل بائسة، فقد أفسدوا دينهم وحرّفوا عقيدتهم، وأضحى الواحد منهم لا يأمن على نفسه غدر الآخر، وفى خضم هذا الفساد كان يعيش عمران بن ماتان وزوجته حَنّة بنت فاقوذ، يعبدان الله وحده ولا يشركان به شيئًا، وكان الزمان يمر بهما دون ولد يؤنسهما. وفى يوم من الأيام جلست حنة بين ظلال الأشجار، فرأت عصفورة تطعم صغيرها، فتحركت بداخلها غريزة الأمومة، فدعت اللّه أن يرزقها ولدًا حتى تنذره لخدمة بيت المقدس: ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّى إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران : 35] .
وتقبل الله منها دعاءها، ولكن حكمته اقتضت أن يكون الجنين أنثي، فكانت السيدة مريم(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران : 36].
يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم فى ذلك أنه : “كل بنى آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها” [مسلم].
لكن القدر كان يخفى لمريم اليتم، فقد توفى أبوها وهى طفلة صغيرة، وأخذتها أمها إلى الهيكل؛ استجابة لنذرها، ودعت الله أن يتقبلها(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا) [آل عمران: 37].

وللسيدة مريم العذراء مكانة سامية عند المسلمين، فهناك سورة من سور القرآن يطلق عليها سورة مريم، ويصفها بأنها من أفضل نساء العالمين.
مريم في الإسلام هي أم المسيح ولدته دون أن يمسسها بشر، يحترمها المسلمون كثيرًا ويؤمنون بأن المسيح خُلق بكلمة من الله ألقاها إليها، ويذكرها القرآن على أنها صِديقة ومن أشرف نساء العالمين.
ويذكر القرآن أن مريم هي بنت عمران، ففي سورة آل عمران العديد من التفاصيل عن ولادة مريم وكيف حملت بولدها النبي عيسى (عليه السلام)، حيث نقرأ:
* ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران :35-37] * ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران :42-49].
وفي القرآن سورتين الأولى باسم سورة آل عمران والثانية باسم سورة مريم ورد فيهما
قصة هذه الأسرة تكريمًا لها.


ولما رآها الأحبار قذف الله فى قلوبهم حبها، فتنازعوا على من يكفلها. قال نبى الله زكريا -عليه السلام- وكان أكبرهم سنا: أنا آخذها، وأنا أحق بها؛ لأن خالتها زوجتى - يقصد زوجة أم يحيي، لكن الأحبار أَبَوْا ذلك، فقال لهم زكريا: نقترع عليها، بأن نلقى أقلامنا التى نكتب بها التوراة فى نهر الأردن، ومن يستقر قلمه؛ يكفلها، ففعلوا، فأخذ النهر أقلامهم، وظهر قلم زكريا فكفلها. قال تعالي: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون [آل عمران: 44]. (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) [آل عمران: 37]. وكان عُمْرُ مريم حينئذ لا يتجاوز عامًا، فجعل لها زكريا خادمة فى محرابها ظلت معها حتى كبرت، وكان لا يدخل عليها حتى يستأذنها ويسلم عليها، وكان يأتى إليها بالطعام والشراب.
غير أنه كلما دخل عليها قدمت له طبقًا ممتلئًا بالفاكهة، فيتعجب زكريا من الفاكهة التى يراها، حيث يرى فاكهة الصيف فى الشتاء، وفاكهة الشتاء فى الصيف، فيقول لها فى دهشة: يا مريم من أين يأتى لك هذا؟ فتقول: رزقنى به اللّه. قال تعالي: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)[آل عمران: 37]، فلما رأى زكريا مارأى من قدرة ربه وعظمته، دعا اللّه أن يعطيه ولدًا يساعده ويكفيه مؤنة الحياة (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء.فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 38 -39].

مرت السنون وأصبح زكريا شيخًا كبيرًا، ولم يعد قادرًا على خدمة مريم كما كان يخدمها، فخرج على بنى إسرائيل، يطلب منهم كفالة مريم، فتقارعوا بينهم حتى كانت مريم من نصيب ابن خالها يوسف النجار، وكان رجلاً تقيا شريفًا خاشعًا للّه. وظل يوسف يخدمها حتى بلغت سن الشباب، فضربت مريم عندئذ على نفسها الحجاب، فكان يأتيها بحاجتها من الطعام والماء من خلف الستار . وبعد ذلك ابتعدت مريم عن الناس، وأصبح لا يراها أحد ولا ترى أحدًا (وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا) [مريم : 16-17].
وبينما مريم منشغلة فى أمر صلاتها وعبادتها، جاءها جبريل بإذن ربها على هيئة رجل ليبشرها بالمسيح ولدًا لها (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) [مريم: 17]، ففزعت منه، وقالت: قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَى هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا) [مريم:18-21]. يقول المفسرون: إنها خرجت وعليها جلبابها، فأخذ جبريل بكمها، ونفخ فى جيب درعها، فحملت حتى إذا ظهر حملها، استحيت، وهربت حياءً من قومها نحو المشرق عند وادٍ هجره الرعاة. فخرج قومها وراءها يبحثون عنها، ولا يخبرهم عنها أحد. فلما أتاها المخاض تساندت إلى جذع نخلة تبكى وتقولقَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) [مريم :23]. حينئذ أراد الله أن يسكّن خوفها فبعث إليها جبريل(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّاوَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم: 24 - 26].
فاطمأنت نفس مريم إلى كلام الله لها على لسان جبريل، وانطلقت إلى قومها. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) [مريم: 27]، أى جئت بشيء منكرٍ وأمرٍ عظيم(يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا)[مريم: 28- 29]، لكن الله لا ينسى عباده المخلصين، فأنطق بقدرته المسيح وهو وليد لم يتعدّ عمره أيامًا معدودة(قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِى الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا. وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَى يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:30-33]. فَعَلَتِ الدهشةُ وجوهَ القوم، وظهرت علامات براءة مريم، فانشرح صدرها، وحمدت الله على نعمته.
لكن أعداء الله - اليهود - خافوا على عرشهم وثرواتهم، فبعث ملكهم جنوده ليقتلوا هذا الوليد المبارك، فهاجرت به مريم، ومعها يوسف النجار إلى مصر، حيث مكثوا بها اثنتى عشرة سنة، تَرَّبى فيها المسيح، ثم عادت إلى فلسطين بعد موت هذا الملك الطاغية، واستقرت ببلدة الناصرة، وظلت فيها حتى بلغ المسيح ثلاثين عامًا فبعثه اللّه برسالته، فشاركته أمه أعباءها، وأعباء اضطهاد اليهود له وكيدهم به، حتى إذا أرادوا قتله، أنقذه الله من بين أيديهم، وألقى شَبَهَهُ على أحد تلاميذه الخائنين وهو يهوذا، فأخذه اليهود فصلبوه حيا. بينما رفع اللَّه عيسى إليه مصداقًا لقوله تعالي وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم)[النساء: 157]، وقوله تعالي: (بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[ النساء: 158] .
وتوفيت مريم بعد رفع عيسى -عليه السلام- بخمس سنوات، وكان عمرها حينئذ ثلاثًا وخمسين سنة، ويقال: إن قبرها فى أرض دمشق





كيف تم خلق النبي عيسى بالنسبة للحمل ؟.

الجواب :
الحمد لله
1- أمر الله تعالى جبريل الأمين أن ينفخ في جيب درعها وهو رقبة الثوب ومدخل الرأس منه فنزلت النّفخة بإذن الله فولجت رحمها فصارت روحاً خلقها الله تعالى . وقد بيّن عزّ وجلّ مبدأ خلق عيسى عليه السلام فقال تعالى { والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا } ، ثم بيَّن تعالى أن النفخ وصل إلى الفرج ، فقال عز وجل { ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا } .
ودلَ قوله تعالى { إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيّاً } على أن النافخ هو جبريل ، وهو لا يفعل إلا بأمر الله .
2- وقد جاءت أقوال عن بعض المفسرين في مدة الحمل ، وأنها لحظات ، وهذا غير واضح ولا تدل عليه النصوص ، ولو كان كذلك لكان آية في نفسه ، يمكن أن يسلموا أنه ليس بالحمل العادي الذي تحمل به النساء ، وبعده : لا يتهمونها بالزنى كما قالوا { قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريّاً } ، وفيما يلي كلام لإمامين جليلين من أهل التفسير ، أحدهما ممن مضى - وهو ابن كثير رحمه الله - ، والآخر من المعاصرين - وهو الشنقيطي رحمه الله - في بيان هذا الأمر .
3- قال الإمام ابن كثير رحمه الله :
اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر ، .... وقال ابن جريج أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبد الله الثقفي سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم قال لم يكن إلا أن حملت فوضعت !!
وهذا غريب وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى { فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة } ، فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه كقوله تعالى { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما } ، فهذه الفاء للتعقيب بحسبها وقد ثبت في الصحيحين - البخاري 3208 ، مسلم 2643 - " أن بين كل صفتين أربعون يوما " ، وقال تعالى { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرّة } .
فالمشهور الظاهر - والله على كل شيء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن.
.... ولما استشعرت مريم من قومها إتهامها بالريبة انتبذت منهم { مكانا قصيا } أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا يروها ، .... وتوارت من الناس واتخذت { من دونهم حجابا } فلا يراها أحد ولا تراه . " تفسير ابن كثير " ( 3 / 122 ) .

وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :
وأقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل الوضع : لم نذكرها ؛ لعدم دليل على شيءٍ منها ، وأظهرها : أنه حمل كعادة حمل النساء ، وإن كان منشؤه خارقاً للعادة . والله تعالى أعلم . " أضواء البيان " ( 4 / 264 ) .
5- وقد استدل بعض الجهلة بقوله تعالى { ونفخت فيه من روحي } على أن المسيح جزء من روح الله !!
وقد بين ابن القيم رحمه الله ضلال هذا الاستدلال ، فقال :
وأما استدلالهم بإضافتها إليه سبحانه بقوله تعالى { ونفخت فيه من روحي } فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه نوعان :
صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها فعلمه وكلامه وإرادته وقدرته وحياته وصفات له غير مخلوقة وكذلك وجهه ويده سبحانه .
والثاني : إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ومصنوع إلى صانعه لكنها إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا يتميز به المضاف عن غيره كبيت الله وإن كانت البيوت كلها ملكا له وكذلك ناقة الله والنوق كلها ملكه وخلقه لكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه وإيجاده فالإضافة العامة تقتضي الإيجاد والخاصة تقتضي الاختيار والله يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه كما قال تعالى { وربك يخلق ما يشاء ويختار } وإضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة ولا من باب إضافة الصفات فتأمل هذا الموضع فإنه يخلّصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله من الناس . أ.هـ
"الروح" ( ص 154 ، 155 ) .
فالخلاصة أنّ وصف عيسى عليه السلام بأنّه روح الله هو من باب التشريف والتكريم لعيسى وهذه الإضافة ( وهي إضافة كلمة روح إلى لفظ الجلالة ) ليست إضافة صفة إلى الموصوف كيد الله ووجه الله وإنما هي إضافة المخلوق إلى خالقه كوصف الكعبة بأنها بيت الله وأيضا ناقة الله وهي المعجزة التي آتاها الله نبيه صالحا عليه السلام


والله أعلم .



5 
مجدى سالم

ﺻﺎﺣﺒﺔ ﺍﻟﺮﺃﻯ ﻭﺍﻟﻤﺸﻮﺭﺓ
( ﺃﻡ ﺳﻠﻤﺔ )


نسبها
إنها أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة، القرشية، المخزومية. وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بنى فراس، وكان أبوها يعرف بلقبه (زاد الراكب)؛ لأنه كان جوادًا، إذا سافر لم يكن أحد من رفقته يحمل زادا ولا يوقد نارا، لأنه كان يكفيهم حمل الزاد. وهو الذي أشار على قريش، وقد كان أسنهم، بعد أن اختصموا عندما رفعوا بنيان الكعبة، فيمن يضع الحجر الأسود في ركنه، بأن يحكـّـموا أول من يدخل عليهم من باب المسجد الحرام، وهو باب بني شيبة، ويقال له الآن : باب السلام، ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد أسلم رضي الله عنه قبل فتح مكة.

أخواهـــا لأبيها عبدالله وزهير ابنا عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها. أما عبد الله فقد أعرض عن الإسلام وأما أخوها زهير رضي الله عنه فقد أسلم وحسن إسلامه.
وهي ابنة عم سيف الله المسلول خالد بن الوليد بن المغيرة رضي الله عنه
زواجها
تزوجها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد وأمه برة بنت عبد المطلب عمة النبي وكان أبو سلمة أخا للنبي من الرضاع أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب.
شهد أبو سلمة بدرا وأحدا توفى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أثر جرح أصابه يوم أحد. ثم تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ذات أيتام.
روى الشيخان رحمهما الله تعالى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : قلت : يا رسول الله ! هل لي أجر في بني أبي سلمة ؟ أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا، إنما هم بَـنيّ. فقال : نعم، لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم)(1)
تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة للهجرة، بعد أن انقضت عدتها من أبي سلمة رضي الله عنه. روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إلليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها ) قالت : فلما توفّي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم )(2).
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني، فقلت : " إن لي بنتا وأنا امرأة غيور"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة )(3).
مكانتها وفضلها
فضائلها رضي الله عنها كثيرة جدا ودونك تلخيص لأبرزها:
هاجرت هي وزوجها إلى الحبشة الهجرتين وكانت من المهاجرات الأول. وكانت أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة.
أعتقت عبدا مملوكا لها يدعى سفينة تقربا من الله وطاعة لرسوله: قال سفينة: ( أعتقتني أم سلمة وشرطت علي أن أخدم النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش)(4)
وقد جمعت بفضل من الله تعالى عليها الجمال، والعقل البالغ والرأي الصائب، ونشأت في بيت جود وكرم، وشرف نسب و كانت زاهدة فاضلة ذات دين وتقوى.
ولو لم يكن من فضلها إلا شورها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلق في قصة صلح الحديبية حين امتنع أصحابه من أن ينحروا هديهم أن يخرج صلى الله عليه وسلم ولا يكلم أحدا منهم كلمة حتى ينحر بدنه ويحلق ففعل صلى الله عليه وسلم; لكفاها.
ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه( قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما)(5).
وفي الحديث عبر وفوائد منها أنه صلى الله عليه وسلم أطاع أم سلمة فيما أشارت به عليه وفيه فضل المشورة، وفضل أم سلمة ووفور عقلها، وجواز مشاورة المرأة الفاضلة، أما حديث (هلكت الرجال حين أطاعت النساء) و (شاوروهن وخالفوهن) فالأول ضعفه الشيخ الألباني والثاني قال عنه حديث لا أصل له(6).
من فضائلها كذلك أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندها رضي الله عنها. وكان صلى الله عليه وسلم يلاعب زينب بنتها وهو يقول : يا زوينب ! يا زوينب مرارا.
وعن أبي موسى قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة، ومعه بلال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل أعرابي فقال: ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر. فقال له الأعرابي: أكثرت علي من أبشر. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: إن هذا قد رد البشرى فاقبلا أنتما. فقالا قبلنا يا رسول الله ،ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ثم قال: اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا. فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما. فأفضلا لها منه طائفة.وفي الحديث منقبة عظيمة لأم سلمة رضي الله عنها(7).
وقد شهدت رضى الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر، وفتح مكة وصحبته في حصار الطائف، وفى غزوة هوازن وثقيف، وكانت معه في حجة الوداع.
وظلت تنعم بالعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالرفيق الأعلى.
وتعد أم سلمة رضوان اللَّه عليها من فقهاء الصحابة روت ثلاث مئة وثمانية وسبعين حديثًا. وقد ُذكرت في أصحاب المئين.واتفق البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى لها على ثلاثة عشر حديثا، انفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر.وقد روى عنها الكثيرون.
وفاتها
امتدعمرها رضى الله عنها فكانت آخر من تُوُفِّى من نساء النبي صلى الله عليهوسلم، عمرت حتى بلغها استشهاد الحسين رضي الله عنه، ولم تلبث بعده إلاقليلا، ثم انتقلت إلى جوار ربها في خلافة يزيد بن معاوية رضي الله عنهماوقد تجاوزت الثمانين عامًا.
___________________________
(1)متفق عليه
(2)مختصر صحيح مسلم 461
(3)رواه مسلم 3/918
(4)حسنه الألباني في إرواء الغليل فصل 1752
(5)صحيح البخاري2529
(6)مختصر السلسة الضعيفة الكتاب الأول رقم 436






أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها




اسمها ونسبها

السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها ، أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان اسمها برّة ، فغيـّره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زينب كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنهم أجمعين إذ قالت : ( كان إسمي برّة ، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ، قالت : ودخلت عليه زينب بنت جحش ، واسمها " برّة " ، فسماها زينب ، بعد زواجه منها ) أخرجه مسلم برقم : 18 / 2142 .
كنيتها : أم الحكم .


ولقبها : أم المساكين ، كانت تتصف برقة القلب وحب الخير والعطف على المساكين . كانت تعمل وتنفق مما تكسبه عليهم .

إسم والدها : جحش بن رئاب بن يعمر بن صبِرة بن مرة بن كبير بن غـَـنم بن دُوْدان بن أسد بن خزيمة .

اسم أمها : أميمة بنت عبد المطّلب ، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم .



فضلها : ــ

1 : ــ تلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسبه فهي ابنة عمته ، وجدهما واحد .

2 : ــ زوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زيد بن حارثة رضي الله عنه ، ربيبه وحبيبه ، ومولاه ، اختار له ابنة عمته السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها زوجًا ، ورضيت باختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتزوجت زيدًا ، وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهمًا ، وخمارًا ، وملحفة ، ودرعًا، وخمسين مُدّا من طعام ، وعشرة أمداد من تمر . " ومكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها . انظر : [ تفسير ابن كثير جـ 3 ص 648 ] .

وفي فضله روى الإمام البخاري في التاريخ ، والإمام أحمد ، والطبراني في الكبير ، والحاكم رحمهم الله تعالى عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه : ( أما انت يا جعفر فأشبهَ خَلقُكَ خَلقي ، وأشبه خُلـُقي خُلـُقك . وأما أنت يا عليّ فختني وأبو ولدي ّ، وأنا منك وأنت مني ، وأما أنت يا زيد فمولاي ، ومني وإليّ ، وأحبّ القوم إليّ ) الصحيحة 1550 . صحيح الجامع 1348 .

أنعم الله تعالى عليه بالإسلام ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتق من الرقّ ، فكان سيدا كبير الشأن ، جليل القدر حبيبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له الحبّ ، ويقال لإبنه أسامة الحبّ ابن الحبّ . انظر : [ تفسير ابن كثير جـ 3 ص 674 ] .

روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في بيان فضله وفضل أبنه أسامة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر : ( إن تطعنوا في إمارته – يريد أسامة بن زيد – فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله . وأيم الله إن كان لخليقا لها ، وأيم الله إن كان لأحب الناس إليّ ، وأيم الله إن هذا لها لخليق – يريد أسامة بن زيد – ، وأيم الله إن كان لأحبهم إليّ من بعده ، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم ) مختصر صحيح مسلم 1680 .

3 : ــ تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها ، في ذي القعدة من السنة الخامسة من الهجرة ، وكان لها من العمر خمس وعشرين عاما ، فصارت أما للمؤمنين ، وزوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة . وكان ذلك لما نسخ حكم انتساب الأبناء الأدعياء لغبر آباءهم ، وأمر برد نسبهم إلى آباءهم في الحقيقة ، فإن لم يعلموا آباءهم ، فهم أخوة في الدين وموالي ، وأباح الله تبارك وتعالى الزواج بزوجة الإبن الدّعيّ المطلّقة ، وذلك لإبطال عادة التبنِّى التي كانت في الجاهلية وصدر الإسلام .

فكان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها بعد طلاقها من زيد رضي الله عنه وانقضاء عدتها ، زيادة في البيان والتوكيدعلى قطع هذه النسبة ، وتحريم بنوّة الأدعياء .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنـّـى زوجها زيد بن حارثة رضي الله عنه قبل النبوة ، فكان يقال له : زيد بن محمد ، فقطع الله هذه البنوّة لمّا نزلت في شأنه الآيات الكريمة وذلك في قوله تعالى : ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الذين تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ) الأحزاب 4 – 5 .

4 : ــ َوليَ الله تبارك تعالى من فوق سبع سماوات ، أمر تزويج السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها لخير الخلق وسيد الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ، فكانت تفخر على أمهات المؤمنين وتقول : [ إن الله انكحني في السماء ] أخرجه البخاري رحمه الله تعالى [ 13 / 348 ] عن أنس رضي الله عنه .

وفي رواية : [ زوَّجكُنَّ أهاليكُنَّ ، وزوَّجني الله تعالى من فوق عرشه ] أخرجه البخاري 13 / 347 ، 348 في التوحيد .

وفي رواية : للإمام البخاري رحمه الله تعالى من طريق أنس رضي الله عنه قال : [ جاء زيد بن حارثة يشكو ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( اتقِ الله وأمسك عليك زوجك ) قال أنس : لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه . قال : فكانت زينب رضي الله عنها تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : [ زوَّجكُنَّ أهاليكُنَّ ، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سموات ] أخرجه البخاري [ 13 / 347 ، 348 ] . طبقات بن سعد 8 / 103 ] .

فعن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله قال لزيد : ( اذكرها عليّ ) ، قال : فانطلقت فقلت : يا زينب ! أبشري فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل يذكرك ، قالت : ما انا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ، ونزل القرآن ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليها بغير إذن ) اخرجه مسلم

( 1428 ) .

أي : دخل عليها عروسا بلا عقد ، ولا مهر ، ولا وليّ ، ولا شهود من البشر .

5 : ــ أنزل الله تبارك وتعالى في ذلك قرآنا يتلى بنصّ كتابه ، قال تعالى : ( وإذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوّجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ) الأحزاب 37 .

تنبيه : " الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو : إخبار الله تبارك وتعالى إياه أنها ستصيرزوجته ، وكان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس : تزوّج امرأة ابنه ، وأراد الله إبطال ما كان عليه اهل الجاهلية من احكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه ، وهو تزوّج امرأة الذي يدعى ابنا ، ووقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أدعى لقبولهم " . انظر :

[ سير أعلام النبلاء جـ 2 ص 311 ، الحاشية ]

6 : ــ نزول آية الحجاب وما فيها من أحكام وآداب شرعية صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها . روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : [ لما تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ، ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا ، لما رأى ذلك قام ، فلما قام ، قام من قام وقعد ثلاثة نفر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا القوم جلوس ، ثم غنهم قاموا فانطلقوا ، فجئن فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم انطلقوا فجاء حتى دخل ، فذهبت ادخل فألقي الحجاب بيني وبينه ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستانسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي ) الآية ورواه مسلم من طرق عن معتمر بن سليمان به . .

7 : ــ ثبوت وليمة النكاح في هديه صلى الله عليه وسلم ، لما تبيّن لنا من أدلة ، وأن وليمة عرسه صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت أفضل مما أولم على غيرها من نسائه وأكثر بركة ، فعن أنس رضي الله عنه قال : [ ما رأيت رسول الله أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب فإنه ذبح شاة ] أخرجه مسلم .

وعنه رضي الله عنه قال : [ ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه أكثر وأفضل مما أوْلمَ على زينب ] فقال ثابت الـبنانيّ : بما أولم ؟ قال : [ أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه ] أي شبعوا . أخرجه مسلم .

وعن ابن أبي حاتم : حدثنا ابي حدثنا أبو المظفّر ، حدثنا جعفر بن سليمان عن الجعد أبي عثمان اليشكري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : [ أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه ، فصنعت أمّ ُسلَيم حيسا فجعلته في توْر ، فقالت : يا أنس ! اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقرئه مني السلام ، وأخبره أن هذا منا له قليل . قال أنس : والناس يومئذ في جهد ، فجئت به فقلت : يا رسول الله ! بعثت بهذا أم سليم إليك ، وهي تقرئك السلام ، وتقول : أخبره أن هذا منا له قليل . فنظر إليه ثم قال : ( ضعه ) فوضعته في ناحية البيت ، ثم قال : ( اذهب فادع لي فلانا وفلانا ) فسمّى رجالا ، كثيرا وقال : ( ومن لقيت ) فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين . فجئت والبيت الصفّة والحجرة ملأى من الناس ، فقلت : يا أبا عثمان ! كم كانوا ؟ فقال : زهاء ثلاثمائة . قال أنس : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أنس ! هات التّوْر ) وفي رواية ( جيئ به ) فجئت به إليه ، فوضع يده عليه ، ودعا وقال : ( ما شاء الله ) ثم قال : ( ليتحلّق عشرة عشرة ، وليسمّوا ، وليأكل كل إنسان مما يليه ) فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ارفعه ) فجئت فأخذت التوْر فنظرت فيه ، فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت ؟ ، قال : وتخلّف رجال يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولّية وجهها إلى الحائط ، فأطالوا الحديث ، فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أشد الناس حياء ، ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ، فسلم على حجره وعلى نسائه ، فلما رأوه قد جاء ، ظنوا انهم قد ثقلوا عليه ، ابتدروا الباب فخرجوا ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يسيرا ، وأنزل الله عليه القرآن ، فخرج وهو يتلو هذه الاية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستانسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي ) الآيات . قال أنس فقرأهنّ عليّ قبل الناس ، فأنا أحدث الناس بهن عهدا الآيات ] رواه مسلم ، وعلقه البخاري في كتاب النكاح ، انظر تفسير ابن كثير جـ 3 ص 665 ــ 666 .

8 : ــ أنزل الله تعالى كفارة يمين حلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حرّم بها عسلا كان يشربه عند السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها ، وذلك في سورة حملت اسم : " التحريم " . فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم من طريق ابن جريج عن عطاء أنه سمع عبيد ابن ُعمير يقول : [ سمعت عائشة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا ، فتواصيْت أنا وحفصة أنْ أيتنا ما دخل عليها ، فلتقل إني أجد منك ريح مغافير ! أكلت مغافير ! فدخل على إحداهما ، فقالت له ذلك . قال : بل شربت عسلا عند زينب ، ولن أعود له . فنزل : ( لم تحرم ما أحل الله لك ) سورة التحريم 1 . إلى قوله تعالى : ( إن تتوبا ) ] . إن تتوبا : يعني : حفصة وعائشة رضي الله عنهن .

( وإذ أسرّ النبي ) : قوله : ( بل شربت عسلا ) .

والمغافير : هو صمغ ينضحه العرفط - نوع من الشجر - ، فيوضع في ثوب ، ثم ينضح بالماء فيشرب ، وله رائحة منكرة . أخرجه الإمام البخاري [ 11 / 499 ] في الأيمان والنذور : باب إذا حرّم طعاما ، وفي الطلاق 9 / 330 ، 331 : باب ( لم تحرم ما أحل الله لك ) ، وأخرجه مسلم ( 1474 ) في الطلاق : باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينوِ الطلاق .

9 : ــ كانت أسرع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوقا به بعد وفاته : ــ فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أسرعكُنَّ لحاقًا بى أطولكُنَّ يدًا ) قالت : ( فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا . قالت : أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدّق ) . مختصر صحيح مسلم 1675 .

وأورد البخاري حديثا عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت : أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن للنبي صلى الله عليه وسلم : أينا أسرع بك لحوقا ؟ قال : ( أطولكنّ يدا ) . فأخذوا قصبة يذرعونها ، فكانت سودة أطولهن يدا ، فعلمنا بعد : أنما كانت طول يدها : الصدقة ، وكانت أسرعنا لحوقا به ، وكانت تحب الصدقة ] أخرجه البخاري برقم : 1354 .

( يقصد بطول اليد : الصدقة ) .

فكانت السيدة زينب - رضى الله عنها - أول من ماتت من أمهات المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك في سنة 20 هـ عن عمر يناهز خمسين عاما .
10 : ــ كانت أول من حُمِل على نعش من نساء المسلمين : فعن عارم قال : حدثنا حماد ، حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : [ لما ماتت بنت جحش أمر عمر مناديا : ألاّ يخرج معها إلاّ ذو محرم . فقالت بنت عميس : ألا أريك شيئا رأيت الحبشة تصنعه بنسائهم ؟ فجعلت نعشا وغشّته ثوبا . فقال : ما أحسن هذا وأستره ! . فأمر مناديا ّ، فنادى أن اخرجوا على أمكم ] إسناده صحيح . انظر : " سير اعلام النبلاء جـ 2 ص 3 " . و " طبقات ابن سعد 8 / 111 " .


11 : ــ روت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها ، أحد عشر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر : كتاب : [ عناية النساء بالحديث النبوي للشيخ مشهور بن حسن ] حفظه الله تعالى .



الزوجة السابعة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : ــ

تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين " السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها " وهي من المهاجرات الأول ، وذات الحسب والنسب والجمال والجود والورع .

فعن عائشة رضي الله عنها قالت في حديث طويل : [ ... فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب ، وأتقى لله ، وأصدق حديثا ، وأوصل للرحم ، وأعظم صدقة ، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدّق به وتقرّب به إلى الله تعالى ما عدا سوْرة من حِدّة كانت فيها ، تُسرع منها الفيئة ....... ] مختصر صحيح مسلم 1662 .

ومعنى كلامها : " أنها كانت كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدّة الخُـلُق وسرعة الغضب ، فإذا وقع ذلك منها ترجع سريعا ولا تصرّ عليه " . انظر التعليق على الحديث في الحاشية " مختصر صحيح مسلم ص 441

ومما يدل على ورعها وخشيتها لله تعالى ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها في الحديث الطويل الذي ذكرت فيه قصة الإفك ، وموقف السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها منه بقولها : [ .... وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري فقال : ( يا زينب ! ماذا علمت او رأيت ؟ ) فقالت : يا رسول الله ! أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا ، قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله تعالى بالورع ... ] متفق عليه . تفسير ابن كثير جـ 3 ص 361 ، الإستيعاب 4 / 1850 ، وأسد الغابة 7 / 126 .

رضي الله عن أمنا أم المؤمنين " السيدة زينب بنت جحش وأرضاها ، وجعل الفردوس الأعلى مأواها ، وجمعنا بها في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .










السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها
الزوجة الثامنة


نسبها رضي الله عنها
هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن ابي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة –و هو المصطلق- بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا و عمرو هو أبو خزاعة كلعا الخزاعية المصطلقية


زواجها من رسول الله صلى الله عليه و سلم
بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم ان بني المصطلق –و هم حي من خزاعة- يجمعون الجموع لقتال المسلمين بقيادة زعيمهم الحارث بن ابي ضراربن حبيب المصطلق الخزاعي فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم و معه من زوجاته السيدة عائشة رضي الله عنها حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع فكان قتال انتهى بهزيمة بني المصطلق و سيقت نسائهم سبايا و فيهن برة بنت الحارث بن ابي ضرار بن حبيب سيد القوم و قائدهم أو جويرية كما سماها رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم عاد رسول الله صلى الله عليه و سلم الى المدينة فبينما هو جالس يوما في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها سمعت امرأة تستأذن في لقائه صلى الله عليه و سلم و قامت السيدة عائشة رضي الله عنها الى الباب و دخلت السيدة جويرية فقالت : يا رسول الله انا بنت الحارث بن ابي ضرار سيد قومه و قد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على أمري فرق قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم للعربية الخزاعية بنت سيد بني المصطلق في موقفها ببابه ضراعة اليه و ليس لها من تلوذ به في محنتها سواه
و تكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : فهل لك في خير من هذا ؟
فسألت : و ما هو يا رسول الله
فقال : أقضي عنك كتابتك و أتزوجك
فقالت و قد تهلل وجهها : نعم يا رسول الله
فقال صلى الله عليه و سلم : قد فعلت


و يقال ان اباها أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال له : ان ابنتي لا يسبى مثلها فأنا أكرم من ذلك
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أرأيت ان خيرناها
فأتاها أبوها فقال : ان هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا
فقالت : اخترت الله و رسوله
فتزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم فصارت اما للمؤمنين و لما علم الناس ذلك قالوا : أصهار رسول الله صلى الله عليه و سلم فأطلقوا الاسارى من بني المصطلق و قيل انه قد اعتق بفضل زواجها من رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل مائة بيت من بيوت بني المصطلق فكانت امرأة عظيمة البركة على اهلها و لم تعرف امرأة لها بركتها على أهلها مثل أم المؤمنين جويرية عليها السلام


و قيل ان ابوها الحارث جاء الى المدينة و معه ابل يفدي بها ابنته فرغب في بعيرين من الابل فغيبهما في شعب من شعاب وادي العقيق فلما قدم قال يا محمد اخذتم ابنتي و هذا فداؤها فقال اين البعيران اللذان غيبتهما في وادي العقيق في شعب كذا فقال أشهد ان لا اله الا الله و انك رسول الله فوالله ما اطلع على ذلك الا الله تعالى و أسلم و أسلم له ابنان و ناس من قومه و ارسل الى البعيرين فجيء بهما فدفع الابل الى النبي صلى الله عليه و سلم و دفعت له ابنته فخطبها رسول النبي صلى الله عليه و سلم من ابيها فزوجه اياها و اصدقها اربعمائة درهم و هي بنت عشرين سنة و ذلك في سنة خمس من الهجرة
و كانت رضي الله عنها متزوجة قبل رسول الله من مسافع بن صفوان المصطلقي ابن عم لها و كان قد قتل يوم المريسيع
و قد سماها رسول الله صلى الله عليه و سلم جويرية بدلا من برة كراهة ان يقال :خرج من عند برة


عبادتها رضي الله عنها
كانت رضي الله عنها كثيرة الصلاة و التسبيح و قج روى الامام مسلم –رحمه الله- في صحيحه ان عن ابن عباس عن جويرية ان النبي صلى الله عليه و سلم خرج عندها بكرة حين صلى الصبح و هي في مسجدها ثم رجع بعد ان أضحى و هي جالسة فقال : مازلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ قالت : نعم قال النبي صلى الله عليه و سلم : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله و بحمده عدد خلقه و رضا نفسه و زنة عرشه و مداد كلماته رواه مسلم


روايتها رضي الله عنها للحديث
و قد روت رضي الله عنها احاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم مخرجة في الكتب الستة
و يقول الأمام الذهبي –رحمه الله- جاء لها سبعة أحاديث منها عند البخاري حديث و عند مسلم حديثان و من الرواه عنها عبد الله بن عباس رضي الله عنه


وفاتها رضي الله عنها
و قد ظلت رضي الله عنها على عبادتها و تقواها الى ان توفيت سنة خمسين و قيل سنة ستة و خمسين –و هو الاغلب- في خلافة معاوية رضي الله عنه و كان عمرها سبعين سنة و صلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة حينئذ و قيل توفيت سنة خمسين و هي بنت خمس و ستين سنة رضي الله عنها و الحقها برسول الله صلى الله عليه و سلم و جزاها عنا وعن قومها كل الخير











السيدة صفية بنت حيي رضي الله عنها
الزوجة التاسعة


نسبها رضي الله عنها
هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن ابي الحبيب بن النضير بن النحام بن ناخوم من سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام ثم من ذرية هارون بن عمران عليه السلام أخي موسى كليم الله عليه السلام أمها : برة بنت شموال أخت رفاعة بن شموال القرظي


و على الرغم من انها لم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة الا انها كانت رضي الله عنها قد تزوجت سلام بن مشكم القرظي ثم خلف عليها كنانة بن الربيع بن ابي الحقيق النضري و هما شاعران و قد قتل كنانة يوم خيبر

زواجها من رسول الله صلى الله عليه و سلم
لما من الله تعالى على المسلمين بفتح خيبر جاء دحية الكلبي رضي الله عنه الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله اعطني جارية
فقال : اذهب فخذ جارية فأخذ صفية رضي الله عنها
فقال رجل : يا رسول الله أعطيت دحية صفية و هي سيدة بني قريظة و النضير لا تصلح الا لك
فقال : ادعه بها فجاء بها
فقال : خذ جارية غيرها فأعتقها رسول الله صلى الله عليه و سلم و تزوجها


و عن أم أنس بن مالك قال جابر بن عبد الله : جئ يوم خيبر بصفية للنبي صلى الله عليه و سلم فقال لبلال خذ بيد صفية فأخذ بيدها و مر بها بين المقتولين في ساحة القتال التي امتلأت بالقتلى فوجد صلى الله عليه و سلم ان السيدة صفية رضي الله عنها قد بدا عليها الحزن الصامت و الجزع المكبوت و هي تحاول ان تتماسك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنزعت يا بلال منك الرحمة حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما ؟ ثم أمر بصفية فحيزت خلفه فكان ذلك اعلاما بأنه صلى الله عليه و سلم قد اصطفاها لنفسه و قد خيرها رسول الله صلى الله عليه و سلم بين ان يعتقها فترجع الى من بقى من اهلها و بين ان تسلم و يتزوجها فاختارت الله و رسوله

و في حديث عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أخذ السيدة صفية بنت حيي قال لها : هل لك في ؟
قالت : يا رسول الله قد كنت أتمنى ذلك في الشرك فكيف اذا أمكنني الله منه في الاسلام ؟
فأعتقها رسول الله صلى الله عليه و سلم و تزوجها و دفعها الى أم سليم تهيئها و تعتد عندها و اقام رسول الله صلى الله عليه و سلم لها وليمة فقال : من كان عنده شئ فليجئ به فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه و سلم


رؤيا و بشارة
كانت السيدة صفية قد رأت رؤيا في منامها ان قمرا وقع في حجرها فذكرت ذلك لابيها فضرب وجهها ضربة أثرت فيه و قال : انك لتمدين عنقك الى ان تكوني عند ملك العرب و مازال الاثر في وجهها حتى أتى بها الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألها عنه فأخبرته الخبر


عداء مسبق
تقول السيدة صفية بنت حيي بن أخطب : كنت أحب ولد ابي اليه و الى عمي بن ياسر لم القهما قط مع وع ولدهما الا أخذاني دونه فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة و نزل قباء غدا عليه ابي و عمي مغلسين فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس فأتيا كالين ساقين يمشيان الهوينا فهششت اليهما كما كنت اصنع فوالله ما التفت الي واحد منهما مع ما بهما من الغم و سمعت عمي ابا ياسر و هو يقول لابي : أهو هو؟
قال : نعم و الله
قال عمي : أعرفه و تثبته ؟
قال : نعم
قال : فما في نفسك منه ؟
قال : عداوته والله ما بقيت


صفية رضي الله عنها في بيت النبوة
كانت ازواج الرسول صلى الله عليه و سلم قد تفاخرن على السيدة صفية بأنهن قرشيات عربيات و هي الاجنبية الدخيلة و بلغها كلام عن السيدة حفصة و السيدة عائشة رضي الله عنهما فحزنت و تألمت وحدثت رسول الله صلى الله عليه و سلم و هي تبكي فقال لها: الا قلت : و كيف تكونان خيرا مني و زوجي محمد و أبي هارون و عمي موسى ؟


و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يشعر بغربتها رضي الله عنها فكان يدافع عنها كلما اتيحت له الفرصة و قيل انه صلى الله عليه و سلم كان في سفر و معه صفية و زينب بنت جحش رضي الله عنهما فاعتل بعير صفية رضي الله عنها فبكت فجاءها رسول الله صلى الله عليه و سلم و أخذ يمسح دموعها بيده الشريفة و كان في ابل السيدة زينب رضي الله عنها فضل فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم : ان بعير صفية أعتل فلو أعطيتها بعيرا ؟ فأبت السيدة زينب فغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم و هجر السيدة زينب رضي الله عنها شهرين أو ثلاثة ثم سامحها فها هو سيد الخلق أجمعين يهجر المهاجرة زوجته التي زوجها اياه رب العالمين و ابنة عمته غضبا للسيدة صفية رضي الله عنها

و كانت رضي الله عنها تحب رسول الله صلى الله عليه و سلم حبا عظيما و روي ان رسول الله صلى الله عليه و سلم في مرض موته قالت له السيدة صفية : و الله يا نبي الله لوددت ان الذي بك بي فغمزها ازواجه فأبصرهن فقال صلى الله عليه و سلم : مضمضن قلن : من تغامزكن بها والله انها لصادقة

حلمها رضي الله عنها
كانت رضي الله عنها وقورة حليمة و روي ان جارية قالت لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه : ان صفية تحب السبت و تصل اليهود فبعث عمر يسألها فقالت : أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة و اما اليهود فان لي فيهم رحما فأنا أصلها ثم قالت للجارية : ما حملك على ما صنعت ؟
قالت : الشيطان
قالت : فاذهبي فأنت حرة


موقف لا ينسى
لما ابتلى الله تعالى عبده ذا النورين عثمان رضي الله عنه بالحصار كانت السيدة صفية رضي الله عنها من الذين دافعوا عنه فروي عن كنانة -مولى صفية رضي الله عنها- قال : قدمت صفية رضي الله عنها في حجابها على بغلة لترد عن عثمان فلقينا الاشتر فرب وجه البغلة و هو لا يعرف راكبتها فقالت لي صفية رضي الله عنها : ردني لا تفضحني ثم وضعت أم المؤمنين عليها السلام خشبا من منزلها الى منزل عثمان رضي الله عنه تستخدمه معبرا تنقل عليه الماء و الطعام


أمرها رضي الله عنها بالمعروف و نهيها عن المنكر
روى الامام أحمد بسنده عن صهيرة بنت جعفر قالت : حججنا ثم انصرفنا الى المدينة فدخلنا على صفية بنت حيي رضي الله عنها فواقفنا عندها نسوة من أهل الكوفة فقلن لها : ان شئتن سألتن و سمعنا و ان شئتن سألنا و سمعتن
فقلنا : سلن
فسألن عن اشياء من أمر المرأة و زوجها و من أمر المحيض ثم سألن عن نبيذ الجر فقالت : أكثرتم يا أهل العراق من نبيذ الجر و ما على احداكن ان تطبخ تمرها ثم تدلكه ثم تصفيه فتجعله في سقائها توكئ عليه فاذا طاب شربت و سقت زوجها و في رواية اخرى فقالت رضي الله عنها: حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم نبيذ الجر


صفية رضي الله عنها راوية حديث
من الذين رووا عن السيدة صفية ابن اخيها و مولاها كنانة و مولاها يزيد بن متعب و الامام زين العابدين علي بن الحسين و مسلم بن صفوان و حديثها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم مخرج في الكتب الستة


وفاتها رضي الله عنها
توفيت رضي الله عنها سنة خمسين من الهجرة في زمن معاوية رضي الله عنه و دفنت رضي الله عنها بالبقيع مع أمهات المؤمنين الحقها بحبيبها صلى الله عليه و سلم رحمها الله تعالى و الحقنا برسول الله صلى الله عليه و سلم و بها و بأمهات المؤمنين جميعا ان شاء الله .








Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.