العودة   منتديات الدولى > المنتديات الأدبية > منتدى القصص والروايات

منتدى القصص والروايات قسم خاص بعرض أشهر القصص القديمة والحديثة، قصص خيالية وواقعية مكتوبة، أجدد قصص وحكايات 2017


1 
مجدى سالم


وداعـاً يـا حـبـي الـوحـيـد

وداعـاً يـا حـبـي الـوحـيـد

وقفت أمامها أرتعش من هول الصدمة.. كورقة تذروها إلرياح.. وكل جزء
من جسمي يرتجف بشدة.. خرج صوتي مبحوحاً.. غريباً وكأنني أسمعه

أول مرة:
- دكتورة.. هل سأموت قريباً
نكست رأسها بأسى ثم همست بصوت حزين:-
- لا تيأسي من رحمة الله.. كل شئ مقدر ومكتوب.. والله رحيم بعباده..
لم تزدنى كلماتها إلايأساً وضياعاً.. وكأنني نقطة في صحراء الحياة..
كأنني حسرة.. موتى أو حياتى سيان.. لن يهتم أحدا بأمري.. سأموت كما
عشت سابقا كما مهملا كأنقاض بيت مهجور..
جاءني صوتها الحزين ليخترق غيبوبة أحلامي:-
- هل أنت متزوجة.. أقصد هل هناك من يهمه أمرك؟
إغتالني السؤال.. فنظرت بلا شعور إلى يدي اليسرى.. إلى أصبعي الخالي
أتحسس آثار الماضي.. أطلال الدبلة الذهبية التي باعتني قبل أن أبيعها..
طفى وجهه على سطح ذاكرتي كما تطفو الأشياء الفاسدة على السطح..
وأحتل كل مساحات الحجرة أمامي.. فلم أعد أرى غيره.. لم أعد أرى غير
هذا الوجة البغيض الذي تمنيت مرارا أن أمتلك القوة الكافية لأسحقه من
الوجود..
ترى هل أحببته؟ ربما.. ولكنني منذ رأيته في المرة الأولى طغى علي
شعور غريب لم أحسه قبلاً.. أسرعت إلى أمي هاتفة:-
- أمي.. إن عريسي هذا إنسان غريب.. أقصد بأنني لم أستطع أن أحدد
مشاعري تجاهه فلا أدري هل أنا أحبه أم أكرهه..؟!
إبتسمت أمي في وجهى وهي تجيبني:
- لازلت صغيرة ياحبيبتي على هذا الاحساس.. فعندما تتزوجينه ستحبينه
كثيراً كما أحب أنا أبوك..
علت حمرة الخجل خدي وملأني إحساس عامر بالزهو.. والفخر.. وإلسعادة..
وأسرعت بسنواتي الستة عشر أضم صورته إلى صدري.. جاهلة ما تدخره
لي الأيام من تعاسه محضه.
زففت إليه بعد شهورقليلة من خطوبتنا.. لم يمهلوني أهلي لأعرفه معرفة
كافية فتزوجته تسبقني إليه أحلامي.. وأمالي.. وطموحاتي.. وانتقلت معه
إلى بلدته بعيداً عن أهلي.. وقريتي الصغيرة.. ورفيقات طفولتي..
أحبني بجنون.. لا أنكر هذا.. فأغدق على الكثير من حبه..
ومن حنانه.. ومن هداياه..
بادلته حبه لأطوى في داخلي هذا الإحساس الغريب الذي ينفرني منه..
وانتزعته كشوكة تدمي قلبي وتعذبني بوجودها.. ومرت أيامي بسعادة
منقطعة النظير..
حتى حضرت أخت زوجي من القرية لتدرس في الجامعة وكان لابد أن تقيم
معنا بحكم أننا الأقرب.. وقتها فقط بدأت المشاكل تطرق أبوابنا بعنف..
كانت شقيقته تتدخل في كل شئ بدءأ من الأكل وحتى طريقة لبسي..
كانت تمتدح صديقاتها أمام زوجي وتثبت له مراراً بأنني لاشئ وأنها هى
كل شئ.. ثرت على الصمت.. فبدأت أرد عليها.. وأكيل لها الصاع
صاعين.. وأردلها اللطمة بأقوى منها.. حتى تخول بيتنا بقدرة قادر إلى
ساحة معارك.. وحلبة صراع.. ومشاكل لا تنتهي أبداً.. تحولت الجنة
الصغيرة إلى شعلة من النيران الحارقة..
فبدأ زوجي يهرب من البيت ليلوذ بأصدقائه.. فلم أعد أراه إلا لماماً.. في
وقت الغذاء فقط حيث يأتي متسللأ إلى الحجرة بعد منتصف الليل..
في وسط هذه الأجواء أنجبت إبنتي الأولى خديجة ثم إبني عبد الله..
وكرهت هذه الحياة.. كرهتها من أعمأق قلبي.. ودعوت ربي بأن
يخلصني منها ولو بموتي أنا... وكأن ربي إستجاب لدعائي.. فقد تخرجت
أخته من الجامعة.. تخرجت بعد ست سنوات من الرسوب المستمر..
والعذاب المقيت.. وعادت إلى اهلها.. وما أن إنزاحت الغمة من حياتي
إلتفت فلم أجد زوجي جانبي.. فقد سرقه الليل والأصدقاء والسهر..
لقد تعود على الهروب من البيت واستمر هذا الوضع رغم خلو البيت من
المنغصات..
لم أيأس.. حاولت أن أعيده إلى بيته.. إلى جنته الصغيرة.. إلى عشه
المهجور.. ولكن الطيرهرب من القفص ولن يعود إليه ثانية.. لن يعود..
رضيت بواقعي المر.. وأهملت كل محاولتي لإعادته وبدأت ألتفت لصغاري
وأهتم بهم ففيهم السلوى وفي أعينهم الصغيرة كل العزاء..
ولكن القدرلم يرحمني.. والحرب الطويلة مع أهل زوجي لم تنتهي بعد..
ففوجئت بهم بعد زيارتي لهم يديرون لي ظهورهم وينعتونني بأقبح الصفات
وأسفلها..
حاولت أن أكسب وداد أم زوجي بالحب.. وبالهدايا وبكل شئ إستطعت أن
أصل إليه.. ولكنها كانت تقابل كل محاولاتى هازئة ساخرة.. وكانها
تتحداني.. خفت أكثر وأنا أضم صغاري ولكن.. جاءتني الطعنة في
الصميم.. وجه لي القدر لطمة أفقدتنى توازني وحطمتني في ثوان..
فقد طلقني زوجي.. نعم.. طلقني وكأنه مل ثوبه فخلعه.. هكذا بكل
بساطة.. وبدون أدنى إحساس.. حملت فجيعتي داخلي وضممت أطفالي
إلى صدري وعدت إلى منزل أهلي مطلقة.. ومنبوذه ومكروهه من كل
فئات المجتمع.. وكأنني أرتكبت جريمة مروعة.. وكأنني جرثومة. أو
مرض معد.. فقد بدأ الجميع يتجنبونى ويبتعدون عني..
أظلمت الدنيا في عيني، لكنني لم أفقد إيماني بالله.. فقد وجدت فيه ملاذي
بعد أن تخلى عني الجميع وبعد أن سدت الأبواب فى وجهي..
صممت على العمل لأعول نفسي وأطفالي.. وافق والدي بعد تردد.. ثم
ايدني بشدة بعد أن إلتحقت بالعمل المناسب..
وكان القدر يعاندني.. فقد فوجئت بزوجي السابق يطلب حضانة أولادي بعد
أن تزوج.. نظرت إلى واقعي برعب وأصوات يائسه تصفعني بقسوة:
كيف.. كيف يجرؤأن ينتزع منى روحي.. كيف يجرؤ أن يقتلني في
الصميم بعد أن تزوج هو وأنجب.. لا.. لن اً تخلى عن صغاري ولو فديتهم
بحياتي..
بدموع ساخنة أبلغت أبي برفضي القاطع لعرضه.. لمست تردده ..رأيت
نظراته الحيرى.. قبلت يده.. وقدميه.. ورأسه.. ودموعي تبلل كفيه..
دمعت عيناه وهو يقول لي:
- نوال يا إبنتي.. نحن لا نريد مشاكل.. أنت تعرفين مركز زوجك
المرموق.. لن نعانده.. وسترين أطفالك متى أردت.. لا تخافي يا إبنتي
وضعي أملك في الله..
أحسست وكأن يدا قوية تقبض قلبي لتعتصره بشدة.. لأبد من التسليم..
إنها إرادة الله.. ودعت صغاري وقلبي يتمزق.. ودموعي تكاد تحرق
خدي.. بكى الصغار.. تعلق بي عبد الله وهو يصرخ:
- لن أذهب اًريد ماما.. أريد ماما ..
إنتزعه اً بي من بين أحضاني وكأنه إنتزع روحي.. ورحل.. فأصبحت
جثة هامدة.. بدون شعور.. بدون إحساس.. اً نظر إلى الأشياء بعين جديدة
.. وأرى الكون بإحساس جديد.. يا الله.. لم أكن أتصور بأن أطفالي هم كل
حياتي.. واًنني بدونهم مجرد قشة في مهب الريح.. أوكشجرة جرداء في
عمق الصحراء..، صرت أنتظر الأجازة بفارغ الصبر ليزورني أطفالي..
وكأن حياتي قد توقفت على هذه الأجازة.. وكأن الزمن كله قد تجمد..
حتى أراهم.. فتسري الدماء في عروقي من جديد وتزخرأيامي بالسعادة..
رفضت كل عروض الزواج.. ولقيت أرقب نمو أطفالي بفرح متزايد ألقت
خديجة عامها السادس عشر.. وعبد الله في الرابعة عشر من عمره..
وفي يوم أسود عدت من عملي لأرى حركة غير عادية في منزل أهلي..
فالأقارب كلهم متواجدون النساء متشحات بالسواد.. والجميع ينظرون
لي بإشفاق مرير.. ذهلت.. ماذا حدث؟.. واقترب مني والدي.. ويعد
مقدمة طويله عن الموت والحياة.. همس بصوت باك:
- عظم الله اً جرك.. لقد مات إبنك عبد الله في حادث سيارة..
هاجمت أبي وأتهمته بالكذب والجنون.. أبيت أن أصدق.. كيف.. كيف
يموت قرة عيني وأنا لم أراه.. كيف يموت عزائي الوحيد في الدنيا وأنا لم
أودعه.. كيف يموت روحي وحياتي؟ لا.. لن يموت.. صرختها بأعلى
صوتي.. ثم غبت عن الوعي.. لأفيق على دنيا حالكة السواد.. دنيا كئيبة
لا أجد نفسى فيها..
فبعد أن رحل أعز إنسان فى الوجرد.. ماتت رغبتي في الحياة.. وكرهت
حتى نفسي.. أنام على المهدئات لأصحو اخر الليل على الحقيقة المرعبة
بأنه قد مات.. فتختنق أنفاسي وتضيق بي الدنيا على رحبها.. لأقذف الدم
من فمى كرها وحقد على الدنيا ومن فيها..
دعوت الله من قلبي بأن يأخذني إلى حبيبي إلراحل.. فقد كرهت كل شئ
بعده.. لم أعد أرى سوى السواد يجلل كل شئ حتى وجوه أحبتي.. يأتيني
صوت إبنتي كسهم مضيء يبدد الظلام:-
- أمى.. افيقي بالله عليك.. أفيقي من أجلي.. صوتها يعذبني..
ودموعها تبلل يدي.. ولكن لأ.. إن نورحياتي إنطفأ برحيل عبد الله..
ولن أحيا بعده أبدأ..
أحسست بألم رهيبه تفتك بجسدي.. لم أهتم بها فكل شئ تساوى فى نظري
بعد رحيل حبيب العمر..
ولكن الآلام تشئد ضراوة.. وجسدي الضعيف يتمزق عذاباً.. فكان لابد أن
أنقل للمستشفى.. حملني أبي رغماً عني للطبيبة وأنا أتمنى الموت في قرارة
نفسي.. ولكن.. ماذا حدث لي الآن؟.. ولماذا أجزع حين صارحتني
الطبيبة بحقيقة مرضي الخبيث.. أليس هذا ما أرجوه.. أليس هذا ما دعوت
ربي مرارأ أن يحققه لى.. اليست هذه هي أمنيتي الوحيدة فى هذه الدنيا
ا لفانية.. ولكن.. إبنتي!!
أفقت على صوت الطبيبة بصوتها الحزين تسألني:
- لم تخبريني.. هل هناك أحدهمه أمرك؟
إمتلأت عيناي بالدموع وأنا أجيبها بحرارة

- بلى.. هناك إبنتي!!

وداعـاً يـا حـبـي الـوحـيـد




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.