العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم



وجوب معرفة توحيد الله بالدليل والبرهان الجزء الثانى

الباب الثالث
التوحيد الإلهي ومراتبه الذاتية والصفاتية والفعلية ومعارف شؤونه العظيمة الكر يمة
إشراق يتقدم : فينورنا أسس معارف التوحيد ومراتبه :
يا طيب: كانت كل البراهين السابقة و التي ذُكرت لمعرفة وجوب الإيمان بالله تعالى مبينة وداعية لتوحيده سبحانه ، والله سبحانه في كل الأدلة التي يقيمها في القرآن المجيد ، بل وفي السنة المطهرة لنبينا الأكرم وآله الأطهار تشير وتبين وجوب التوحيد بنفس الوقت الذي تبين فيه وجوب الإيمان بالله تعالى ، وبنفس إحكام البرهان وقوة الدليل الذي يذعن له المنصف ويقر له طالب الكمال والجمال الحقيقي والواقعي الصادق ، وتجعله يحس بلذة الإيمان بالله وتوحيده في قلبه ، ويسلم له ويعتقد به في عقله ، ويرسخ في لبه وفكره يقينا ، وتطمئن به نفسه ، ويشهد بكل وجوده أن الله لا إله إلا هو لا شريك له وهو الواحد الأحد ، وهو الغني بنفسه وله الكمال المطلق ومنه كل غنى وكمال ، وكل شيء فقير له محتاج إليه في وجوده وبقائه وهداه التكويني والتشريعي .
بل في الأدلة والبراهين : للباب السابق ، قد عرفنا أتصاف الذات المقدسة الإلهية بكثير من الأسماء الحسنى والصفات العليا ، وذلك لأنه لابد أن يكون خالق الوجود ونظمه المتقن المحكم ، في وجوده وفي صفاته وفي أفعاله : فردا صمدا واحد أحد ، وعليم قادر حي ، وحكيم قاهر قيوم ، بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وله الأسماء الحسنى والصفات العليا ، وله كل كمال وجمال وجلال مطلق ، ومنفي عنه كل نقص وحاجة ، وليس كمثله شيء ، وهو الغني الحميد الكبير المتعال .

ولذا يا طيب : يكون البحث في هذا الباب من معارف التوحيد في ذكرين :
الذكر الأول : في بيان بعض أدلة التوحيد وباختصار بالإضافة لما عرفت.
والثاني : في معرفة مراتب التوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي وفي الطاعة وفي الولاية التشريعية حاكمية وطاعة وتشريع .
ثم تأتي أبوابا أخرى إن شاء الله : في معرفة الأسماء الحسنة ، وكيفية اتصاف الذات المقدسة الإلهية بها ، وفي كيفية تجليها بها وظهورها في الكون ، ثم يأتي جزأ آخرا فيه شرحها مفصلا لمعارف الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، ثم تأتي معارف أعلى فيها إن شاء الله في صحيفة التوحيد للعارفين ، وأسأل الله التوفيق لكم ولنا ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
الذكر الأول
أدلة التوحيد الإلهي المحكمة وبراهينه المتقنة

يا طيب : بالإضافة لما عرفت من أدلة التوحيد في الباب السابق التي ترافق ضرورة الإيمان بالله تعالى ، وقبل الدخول في معرفة مراتب التوحيد ، نذكر بعض الأدلة الخاصة في التوحيد ، والمثبتة لكل مراتبه بصورة عامة ، والنافية لكل شريك وكثرة في كل مراتب التوحيد ، وتدل على إن الله تعالى واحدا أحدا في الذات والصفات والأفعال ، ونجعل الذكر في أنوار تشرق علينا معارفه إن شاء الله :

النور الأول
أدلة قرآنية تهدينا لوجوب توحيد الله سبحانه تعالى

قال الله تعالى يحكي عن نبيه يوسف عليه السلام قوله :
{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ
أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم
مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ
إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف 39ـ4.
يا طيب : عرفت إن الإنسان بالفطرة يتوجه لله وحده ، وكذا كل ما في الكون يدله لهذا المعنى سواء بوجوده أو بنظمه ، أو بالأدلة العقلية البحتة الموجودة في كتب الفلسفة والكلام ، أو الكتب العلمية الحديثة ، أو ما عرفت منها في الأبواب السابقة ، فإنها كلها تدل على أن كل ما سوى الله مخلوق له تعالى ، والناس مع معرفتهم بكون كل ما يعبدون من دون الله لا ينفع ولا يضر وهو مخلوقا مثلهم ، وهو بنفسه يحتاج لمكمل له ، ومن يسد نقصه ويسويه ويمده ليتلاءم مع باقي خلق الله حتى يحسن وجوده ويستمر لغاية كريمة .
ولكنهم يا أخي : يجعلوه إله لهم ورب ، وسواء كان غير الله مادي أرضي أو فلكي ، أو شهوة ورغبة عارمة ، أو فكرة وهوى نفس يعتقد أنه به الكمال المطلق له ، في عين علمه بأنه زائل وفاني ، وهو بنفسه محتاج له أو لله الذي أقدره على التخطيط له وفعله وتجميعه وإنتاجه ليوجد وليتكامل أو يكون قرين له من خلقه ، ثم كيف يكون مع حاجته ونقصه وإنه بالانضمام لغيره يتكامل أو يتجمع ، يكون مكمل له وهادي له ورب خالق ، وما ذلك يا طيب إلا لأنس الناس بالمادة وزينة الحياة الدنيا ، ولعدم توجههم الجدي لمعرفة ما يجب أن يكون عليه الإله والخالق للكون من العظمة والقدرة والعلم والإحاطة .
وإنك تعلم : إن المعبود من غير الله ، إي شيء كان ما هو إلا من الأشياء القاصرة المحتاجة ، وهي من دون الله أسماء سموها بآلهة ، أو تولهوا بها وكانت همهم وفكرهم ومسيطرة على وجودهم ، فيدافعون عنها ويجعلوها مناط كمالهم وعزهم ومجدهم ، وليس لها سلطان لا من نفسها ولا من خالقها ولا حول ولا قوة بدونه ، فضلا عن الكمال الحقيقي من غير نسبتها إليه ، أو حين عدم كونها في خدمة عباد الله الصالحين بالحلال الطيب الطاهر ، ليحسن وجودها ، وليكون لها قيمة حين كونها عند مؤمن بالله تعالى يعمل بها ، أو يجعلها في مناط الصلاح والخير والبركة والخدمة لعباد الله الصالحين الطيبين المؤمنين .
ولذا يا طيب : لو كان غير الله الواحد القهار يوجد إله آخر ، ويكون خالق لموجود معين عنده كمال حقيقي من دون الله ، لذهب بما خلق ولحب الظهور عليه وبيان كماله فيه ، و لدعا مخلوقه لعبادته وطاعته وشكره ، ولأمره بالدعوة له ولتعريف كماله ، ولأظهر سلطانه عليه وهدايته له وقيوميته وربوبيته عليه ومالكيته له ، ولذا قال الله تعالى :
{ مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ
إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ
وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } المؤمنون 91-92 .
فيا أخي : لو كان إله غير الله ، وبان إنه خالق لشيء من الكون ، لحب الظهور والتعالي والدعوة لنفسه ، ولأختص بملكه ، ولأنفرد بتدبيره ، وبالخصوص هذا الإله القوي الذي ظهرت آثاره ينفي كل إله غيره ، ويرفض وجود كل شريك له ، ويتبرأ و ينكر وجود كل خالق غيره أو قوة لغيره يمكنها أن تمنع منه ، أو تتصرف في سلطانه بدون إذنه وقدرته ، وإنه تعالى يدعوا الناس ويبعث الأنبياء لتوحيده وحده ، وينفي كل شريك له في الملك والتدبير والهدى .
ثم إنه يا طيب : لو كان غير الله الواحد القهار إله ، لدبر الإله الآخر غير ما دبر وهدى الآخر ، ولفسدت السماوات والأرض ، ولذهب كل إله بما خلق ، ولذا قال تعالى :
{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ
لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } الأنبياء 22 .
وقال سبحانه وتعالى : { بِاِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ : فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1) مَا يَفْتَحْ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) .......
وَاللهُ خَلَقَكُمْ : مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (11) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي ِلأَجَلٍ مُسَمًّى
ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ } فاطر17 .
يا طيب : إن هذه الآيات الكريمة غنية في بيان التوحيد وأسسه ، ومحكمة في برهان كون كل شيء محتاج لله تعالى ، ويشعر بهذا الإنسان بأقل تدبر في أي موجود كائن ، فلك أو ذرة ، فأنه يره لا يستغني عما يحيط به ، والكل محتاج للوجود المكمل له ، ولا يمكن أن يكون أكثر من واحد ، و إلا لكان هو محتاج أيضا ، وإن الله في هذه الآيات بعد الإيمان به وبمعرفة ، يعرفنا بأنه لابد للكون من خالق ولا يمكن أن يوجد صدفه ، ويذكر سبحانه إن كل شيء مخلوق له وحده لا شريك له ، ولا أثر لغيره يدعي الخلق أو يدعي أن له قوة يتصرف بملكه من دون إذن ومدده من الله تعالى ، ولذا كان بعد الإيمان بالله يجب أن نقر بوحدانية تعالى وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وله الأسماء الحسنى سبحانه وتعالى .
ويا أخي : قد كانت سورة فاطر التي ذكرنا منها الآيات أعلاه ، في الحقيقية بما فيها من التعاليم الإلهية في توحيد لله تعالى ، وفي فطر الخلق ووجود الفطرة في الإنسان ، وما فيها من المعارف الدالة على عظمة الخالق وعلو شانه ، إنها بحق اسما على مسمى ، تدبرها كلها تجد حقيقة ما ذكرنا أو تدبر الآيات السابقة فقط ، فإنك تراها مفعمة بالبيان بأن الله وحده الغني ، وإن كل شيء ما سواه فقير محتاج له ، ويشعر ويتيقن بهذا الإنسان المفكر حين التدبر بأي شيء كان من الكائنات ، ليرى أنه أعجز من أن تُوجد وجودها أو كمالها بنفسها ، ولا خلقا مثلها محتاج يمكن أن يوجدها ، ويذعن بالقوة الكبرى لخالق الوجود خلقا وتدبيرا وهدى وقيومية وربوبية ، ولذا يجب وحده أن يتأله له ويحار في عظمته ، ويتوجه له في طلب المزيد منه والشكر على نعمه ، وأنه يجب أن يُؤمن ويُعلم ويُعمل ما يُؤَمّن من نقمته وعذابه وحرمان فيضه .
وحقا كما قال تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15)
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ ِلأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ
قُلْ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)
أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ ( 17)
لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19) } سورة الرعد .
وقال تعالى { قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) } سورة ص .
وقال تعالى : { لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
سبحانهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي ِلأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) } الزمر.
{ بِاِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، اللهُ الصَّمَدُ
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }الإخلاص 1:4 .
وبهذا الآيات الكريم : يعرفنا الله تعالى وحدانيته وخلقه لكل شيء ، وإن كل شيء راجع له ، ولا ابن له ولا له شريك في الملك ، وعرفنا في الباب السابق كثير من معارف ضرورة الإيمان بالله تعالى وتوحيده ، و تدبر يا أخي البحوث والأحاديث الآتية فإنها تبين لك ما ذكرت هذه الآيات الكريمة ، وتشرحها وتفسرها بما يغني عن كل الأدلة الفلسفية والكلامية ، أو غيرها بإذن الله تعالى ، وأسأله التوفيق لك ولي ولكل طيب .






2 
مجدى سالم

النور الثاني
التوحيد الإلهي في الأدلة العقلية وفي الأحاديث الشريفة
يا طيب : قبل ذكر الأحاديث الشريفة نبين أن الله وحده هو الغني الحميد ، وهو تعالى وحده الذي له كل كمال ، ومنه كل جمال وجلال في الكون ، فنقول معارف في التوحيد إن شاء الله تشرق علينا نورها وتحققنا بمعارف توحيده حتى اليقين :
الإشراق الأول :
لابد للوجود من مرتبة واحدة كاملة منها وجد كل شيء :
يا طيب : إنه لابد : في الوجود مرتبة لها كل كمال وغنية مستقلة بذاتها ، وغير محتاجة لكمال لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال ، وإلا لو لم توجد هذه المرتبة من الوجود لم يوجد أي موجود ، لأنها تكون كلها محتاجة لمن يوجدها ويسد نقصها ويرفع حاجتها .
وإن فرض : عدم وجود المرتبة التي لها الكمال المطلق والغنية المستقلة بذاتها ، هو فرض عدم كل مراتب الوجود الأخرى والتي هي بذاتها غير غنية ولا مستقلة ، وهي كل الكون المحتاج والفقير لمن يخلقه ويهديه ويكمل نقصه ويسد حاجته ويرفع فقره .
ولما كان يا أخي : الالتفات للكون يدل على وجوده وتحققه في العين والواقع وخارجا ، فهو يدل على أن هذه المرتبة الغنية المطلقة الكمال محققه في الوجود ، ووجودها يدل على أن الكل متعلق بها وهي علة للكون المخلوق .
والكون وكماله : مظهر لكمالها ، ونور متجلي من جودها ، وراجع لفيض جمالها ، وهو معلول لها ، وشأن من شؤونها ، لأنه محتاج لها في وجوده وكماله ، وهي غير محتاجة لشيء ، ولا لها نقص لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال ، وإلا لكانت محتاجة لمن يكملها أو يركب أجزاءها أو يوجدها أو يساعدها لإيجاد كمال لها أو لمخلوقاتها أو أفعالها وصفاتها ، وهذا خلاف وجود الكون وتحققه ، وعرفت أنه يدور أو يتسلسل وهذا باطل كما عرفت في الباب السابق .
وهذا البيان يا طيب : يدلنا على أن الله وحده هو الغني الحميد ، وهو الواحد القهار الذي ليس كمثله شيء ، وله كل كمال وجمال والذي تعبر عنه الأسماء الحسنى ، وهو الوهاب تعالى لمن يشاء من خلقه ما يشاء من فيض كماله وجماله ، وهذا بيان لوجوب الإيمان بالله وحده بأنه لا شريك له وليس مثله شيء ، مع أنه يوصف تعالى بكل الأسماء الحسنى والصفات العليا الذاتية ، وبوصف فيضها يتم التعبير بأسماء الأفعال الإلهية الآتي ذكر قسم منها هنا وفي الأبواب الآتية.
ثم إنه لو فرض وجودا : آخر كامل وغني بنفسه ، وله كل كمال ، أو له كمال مستقل به ، لبان أثره وظهر خلقه و لدعا لنفسه ولأتتنا رسله ، وغيرها من المآخذ الآتية : من حده للأول ، وحد وسلب كماله وجعله محتاج ، ويكون ناقص في وجوده وفقير لغيره ، وهو قول مستلزم لعدم وجود الوجود أو فناءه كله كما عرفت .
وإذا لم يأتي من الآثار : ما يدل على الإله الآخر حقا ، فلا وجود إلا لله الواحد القهار وحده لا شريك له ، وهذه بعض أدلة التوحيد النافية للكثرة في الذات الإلهية أو للشريك لله سبحانه وتعالى بالإضافة لما عرفت من الآيات السابقة فتدبرها ، فأنها محكمة البنيان قوية البيان ساطعة البرهان :


الإشراق الثاني :
أدلة عقلية أخرى على توحيد الله تعالى :
يا طيب : قد عرفت في البحوث السابقة كثير من أدلة التوحيد ، وما بان في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة كافي للبصير ، ومن أردت أكثر من البراهين ، فراجع الأسفار أو نهاية الحكمة لسيد الطباطائي ، أو لتفسيره الشريف ، أو لغيرها من الكتب ، ونكتفي هنا بدليلين العقلين لبيان التوحيد ثم ندخل في الأحاديث الشريفة :
الإشعاع الأول : الامتياز المفرج بين الإلهين يوجب ثالثا ويتسلسل :
أنه لما ثبت كون الوجود عين حقيقة الواجب ، فلو تعدد لكان امتياز كل منهما عن الآخر بأمر خارج عن الذات ، فيكونان محتاجين في تشخصهما إلى أمر خارج ، وكل محتاج ممكن ، فلابد أن يكون واجب الوجود تعالى غير ممكن.

الإشعاع الثاني : الممنوع من القدرة عاجز فليس بإله :
قال الصدوق رحمه الله : الدليل على أن الصانع واحد لا أكثر من ذلك ، أنهما لو كانا اثنين ، لم يخل الأمر فيهما من أن يكون كل واحد منهما قادرا على منع صاحبه مما يريد أو غير قادر .
فإن كانا كذلك ( يقدرا أن يمنعا ) فقد جاز عليهما المنع ، ومن جاز عليه ذلك ؛ فمحدث ، كما أن المصنوع محدث . ( لأنه يُمنع كما يَمنع ) .
وإن لم يكونا قادرين : لزمهما العجز والنقص ، وهما من دلالات الحدث ، فصح أن القديم واحد .

الإشراق الثالث :
أحاديث شريفة في ضرورة توحيد الله :
الإشعاع الأول : اتصال التدبير ينورنا وحدة الخالق سبحانه :
يا طيب : ما ذكرنا من الأدلة العقلية المذكورة في كتب الحكمة والفلسفة والكلام ، لها أوصول في كلام الله تعالى ، وفي كلام نبينا وآله صلى الله عليهم وسلم ، وقد عرفت بعض الأدلة العقلية السابقة وبكلام السيد الطباطبائي والصدوق رحمهم الله ، وهنا نذكر كلاما من منبع الحكمة ، وأهل الدلالة على الله بما أشرق من نور الله : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه أسمه ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وتعريف شأنه العظيم :
ذكر الصدوق : بالإسناد عن هشام بن الحكم قال :
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما الدليل على أن الله واحد ؟
قال : اتصال التدبير وتمام الصنع .
كما قال عز وجل : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا[1] .

في الاحتجاج عن هشام بن الحكم أنه قال : من سؤال الزنديق عن الصادق عليه السلام أن قال : لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد ؟
قال أبو عبد الله عليه السلام : ( لا يخلو قولك : إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين ، أو يكونا ضعيفين ، أو يكون أحدهما قويا والآخر ضعيفا .
فإن كانا قويين : فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه ويتفرد بالربوبية ؟
وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف : ثبت أنه واحد - كما نقول - للعجز الظاهر في الثاني .
وإن قلت : إنهما اثنان ، لم يخل من أن يكون متفقين من كل جهة ، أو مفترقين من كل جهة .
فلما رأينا الخلق منتظما ، والفلك جاريا ، واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر ، دل صحة الأمر والتدبير وإتلاف الأمر على أن المدبر واحد .
ثم يلزمك إن ادعيت اثنين : فلابد من فرجة بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فيلزمك ثلاثة ، وإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتى يكون بينهم فرجتان ، فيكونوا خمسة ، ثم يتناهى في العدد إلى مالا نهاية له في الكثرة ) [2].
يا طيب : قد عرفت إن ألانهاية غير موجودة ولا تتحقق وإلا كانت نهاية ، وعرفت بطلان الدور والتسلسل ، ثم إن الاتفاق من كل جهة يدل على الوحدة لا الكثرة ، واختلاف في جهة يدل على التدافع بينهما السابق ، وعدم ثبات شيء ، أو عجز الآخر الدال على أنه ضعيف مخلوق .
كما أنه لا يأتي : إشكال الفرجة بين الله وخلقه ، لأن الخلق غير مستقل عن الله ، والمعلول شأن من شؤون علته وفيض منها وتجلي لها ، واستمرار وجوده بكل آن بالفيض والمدد منها لا استقلال بدونها ، وهذا شأن المخلوق مع خالقه ، ومثلها يمثل : علومنا لنا ، أو تصرفنا وفعلنا لنا ، والله هو الخالق وهو أقرب لنا من حبل الوريد .
وهو كما قال الإمام علي عليه السلام لبيان هذا المطلب :
( لَمْ يَحْلُلْ فِي الاََْشْيَاءِ فَيُقَال َ: هُوَ فيها كَائِنٌ .
وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ ) .
وقال عليه السلام ( بَانَ مِنَ الاََْشْيَاءِ : بَالْقَهْرِ لَهَا، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا.
وَبَانَتِ الاََْشْيَاءُ مِنْهُ : بَالْخُضُوعِ لَهُ ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ )[3] .
وذلك لكون الله سبحانه : له كل كمال مطلق من غير نقص من حد ، ولا ثاني له ، ولا كثرة فيه ، وإما علاقته بمخلوقاته ، فهو تجليه وظهور نوره ، ولمعرفة هذا نقول بالإضافة للبيان السابق في معرفة النفس :
هو أن وجوده تعالى : غير متناهي ، لأنه لا يعده شيء ، ولا يتصور له سعه ومقدار ، لأنه لا يتصور كل الأرض فضلا عن كل ما فيها من جبال وبراري وبحار ومخلوقاتها ، فضلا عن الشمس والقمر وكل الكواكب والنجوم والمجرات الشمسية وكل السماوات والأرض مما لم يكتشف ولم يعلم ، فمن لم يتصور خلق الله ولا يمكن أن يحده حتى بالوهم ، فهو عن تحديد الله وتصوره أبعد ، وكل تصوره يكون مخلوق له ليس بإله ، والله لا يحاط به علما .
وإن الله تعالى : غير محدود لأن الحد مستلزم للحاجة والنقص ، وهو تعالى له كل كمال في الذات والصفات والأفعال ، وكل مخلوق لله تعالى متناهي محدود ، فهو تعالى يكون محيط بالمتناهي وقيوم عليه وقاهر له ، ووكيل وشهيد وحفيظ عليه ، وعالم به وقادر ومالك له ملك حقيقي ، ومن غير انعزال عنه انعزال بينونة ومفارقه ، بل انعزال سيطرة وقهر له ، والمخلوق ليس له إلا الحاجة والخضوع لخالقه . فلا استقلال للمخلوق : عن خالقه ولا مفارقه ولا يقاس به وليس مثله ، وكل ما للمخلوق من الكمال والجمال راجع لكمال الخالق وتجلي من نوره ، فهو في الحقيقة ظهور كمال خالقه وعلته ، وليس له شيء إلا أنه مظهر لذلك النور الإلهي المحيط به من كل جهة ، علم وقدرة ومدد وهو تابع له بالخضوع الوجودي وبالطلب للمدد الكمالي .

الإشعاع الثاني :
لو كان لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثاره :
قال الأمام علي في وصية لأبنه سبط رسول الله الإمام الحسن عليهم صلاة الله وسلامه :
(( وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ :
أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لأَََتَتْكَ رُسُلُهُ .
وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِه .
وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وصِفَاتِه ِ.
وَلكِنَّهُ إِلهٌ وَاحدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَه ُ:
لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَد ٌ، وَلاَ يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَل ْ.
أَوَّلٌ قَبْلَ الاََْشْيَاءِ بِلاَ أَوَّلِيَّةٍ ، وَآخِرٌ بَعْدَ الاََْشْيَاءِ بِلاَ نِهَايَةٍ .
عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بَإحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ ))[4] .
وهذا بيان ولي الله : والعالم المعلم ، والمربى بيد القدرة الإلهية ، والعناية النبوية الخاتمة لكل رسالة إلهية ، ليعلمنا أصل التوحيد ، وأصل الدين المتين وأسه الركين ، وكل ما تتدبر في البحوث من التوحيد في الحقيقة ترجع له ، وهو يرجع لما عرفة من الأدلة القرآنية السابقة ، ومع ذلك كله لا ترى قبله ولا بعده أحد جاء بمثله من البيان ، ولو حفظ هذا الكلام وما شابهه من جميل بلاغته ومنه وحده ، لكان كافي لمعرفة التوحيد كله ، فتدبره فإنه خلاصة مباحث التوحيد وما نذكره له من شرح وبيان ، وإن سمي في بعض البحوث والكتب الأخرى بحث فلسفي أو بحث لحكمة ، فهو بحث فطري وجداني يشعر به كل إنسان ويقر له كل منصف وصاحب ضميرا حيا .

الإشعاع الثالث : معنى الواحد الصادق عليه تعالى :

ذكر الصدوق رحمه الله : بالإسناد عن المقدام بن شريح بن هانيء ، عن أبيه قال : إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال :
يا أمير المؤمنين أتقول : إن الله واحد ؟
قال : فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ( دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ، ثم قال : يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام : فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل ، ووجهان يثبتان فيه .
فأما اللذان لا يجوزان عليه :
فقول القائل : " واحد " يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز لان ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنه كفر من قال : " إنه ثالث ثلاثة " .
وقول القائل : " هو واحد من الناس " يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه ، وجل ربنا وتعالى عن ذلك .
وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه :
فقول القائل : " هو واحد ليس له في الأشياء شبه " كذلك ربنا .
وقول القائل : " إنه عز وجل أحدي المعنى "، يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عز وجل )[5] .
يا طيب : إن الله تعالى أحد لا ثاني له ، و واحد قهار لا شريك له ، وما يوصف بأنه واحد دلالة على أنه فرد من غير ثاني له ، لأنه كل موصوف بالوحدة غيره تعالى قليل ، فهو واحد لا شريك له في العدد سبحانه ، لا أنه موصوف بأنه واحد له ثاني ويدخل في العد ، فإن هذا ظن الذي كفروا وأشركوا ، والعدد والكثرة متأخرة عن وجوده تعالى ، والعد والكثرة للكائنات بعد الخلق ، وهي من الخلق وصفات للمخلوقات ، وذلك كما عرفت إن وجود المخلوقات وكمالها المعبر عن صفاتها وأحوالها راجع لخالقها وتدبيره .
فكلما فرض من الكمال في الوجود المخلوق : عاد للخالق ، وهو أصله ، فلا يمكن أن يفرض له العقل كثرة ، أو ثاني ، حتى يدخله في العد والحساب ، لأنه كل مخلوق راجع للخالق في وجوده وكماله وهو من فيض كماله ، وهو ظهور لآثاره لا أنه مقابل له وثاني له أو غيره حتى يدخل خالقه معه في العد ، لأنه الموجود الكوني والثاني المفروض مهما كان ليس مثله ولا هو من غير كماله وجد ، ولا أنه استغنى عن خالقه وعلته وسببه بنفسه ، أو أستقل ولم يكن الله محيط به وقاهر له ، أو لم يكن داخل تحت قدرته وعلمه وتدبيره .
وتمثيل هذا : بمعلوم الإنسان ، والوجود الفكري له ، فإن العلم ليس من غير وجود الإنسان ، ولا أنه هو نفس الإنسان ، بل ظهور المعلوم في نفس الإنسان والمرتبة العالية لنفس وجوده ، هو شأن من شؤونه ، وظهور لكماله وقدرته وعلمه ، وهذا مثل ، فإن الله خالق العقل والروح ، ونفس وجود الإنسان وعلومه .
وهكذا التدبر يا طيب : في وجود الإنسان وأحوال نفسه ، وكل أمور العقل من التفكر والخيال والوهم والتصور ، وأمور النفس من الحب والعشق والعزم والإرادة ، كلها مراتب وظهور لنفس الإنسان ، ولذا جاء الأثر من عرف نفسه عرف ربه ، وهذا مثل ولله الأمثال العليا وهذا تقريب ولله الحقيقة .
والله تعالى : لا أحوال له ، ولا كثرة فيه ، بل وجودا واحدا ، ظهر من تجليه وفيضه كل كمال وجمال في الوجود ، وبقول واحد كن فيكون لا بصوت، تجلى الكون كله ، وكل شيء في مكانه وزمانه المحدد من غير حد لعلم ولقدرة خالقه ، بل لحُسن وجوده ، ولدقة صنعه ، ولحكمة تكوينه ، لابد أن يكون في الزمان والمكان المحدد وبالكمال المخصوص ، ولغاية يسلك لها بوجوده وينال كماله من الله بحسب قابليته واستعداده ، وهو الفقير لله الغني الحميد .
ورجع يا طيب : ما ذكرنا في براهين التوحيد وبالخصوص المعارف القيمة في كلام مولى الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وتدبر ما سيأتي من البيان ، وراجع ما نذكر في صحيفة العارفين ، ستجد ما ترتاح له روحك المرتاحة المطمئنة بذكر الله وتعلم معارفه ، وتقر به مأنوسة نفسك الطيبة إن شاء الله .
وإذا يا طيب : بان لنا وجوب الإيمان بالله ، ووجوب توحيده سبحانه وتعالى ، فلنأتي لمعرفة مراتب التوحيد وأنواعه ، وهو شرح وبيان وتقسيم لما عرفنا من التوحيد المطلق والعام ، والذي عرفت أدلته وبراهينه ، وأسأل الله لك ولي ولكل الطيبين اليقين والإيمان الخالص بنور الله العظيم ، وتجليه منه وحده لا شريك له ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين ، ويا ربي زدني علما .


3 
مجدى سالم

الذكر الثاني
مراتب نور التوحيد الإلهي الذاتي والصفاتي والفعلي
يا طيب : إن بيان مراتب التوحيد ، يكون حسب معرفة الوجود المطلق والغني للذات المقدسة الإلهية ، والذي له كل كمال غير محدود بحد ، وحسب تجلّي الله تعالى وظهور سلطانه وقدرته في الوجود ، كما أن حسب ما يضاف إليه من خلقه نتعرف على مراتب من التوحيد مضافة إليه سبحانه ، فللتوحيد مراتب بعضها فوق بعض من : توحيد الذات الإلهية المقدسة ، والتوحيد في الصفات الإلهية والأسماء الحسنى ، والتوحيد الفعلي : في الأفعال الإلهية والقيومية والهداية والعبودية والطاعة للتدبير والحاكمية ، وبهذه المعرفة لهذه المراتب إن شاء الله نستطع أن نخلص التوحيد لله تعالى ، ونحصل على كمال المعرفة في معنى التوحيد لله وحقيقته بعد الإيمان به .
ويا طيب : أعلم أنه لا يحاط بالله علما ، وكل ما تخيل من صفاته فهو مخلوق للفكر ، مصنوعا لخياله مردودا له ، ولذا يا طيب يجب الإيمان بالله وحده من خير تخيل له حتى عقلا ، ولكنه تعالى لم يحجب معرفته عنا بمعرفة عظمته وكبرياءه وتجلية ومجده ، وإنه هو العليم القادر الحي القيوم الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا ، إما تصوره وتخيله أو توهمه فلا .
فالفكر يجول يا أخي : وفي عظمة المخلوقات الدالة على عظمته ، وفي سعة الكون الدال على إحاطته ، وفي حاجة الوجود الدال على غناه سبحانه ، ومده وتجليه وظهوره في كل شيء موجدا له ومبقيه لأجله ، فدل على أن كل شيء فاني ، وهو تعالى الباقي الأزلي بل الأول بلا أوليه قبله ولا بعد له ، أي الأول والآخر والظاهر والباطن ، مطلقا من غير حد حتى وهمي له سبحانه .
وسنذكر يا طيب : بعض مراتب التوحيد بذكر بسيط هنا للمعرفة ، ودليلها عرفت في كلمات الإمام علي عليه السلام في الباب السابق ، إذا تدبرت به ، وهنا كانت بعض المعارف ، أو أنتظر الباب الآتي ، وللتوسعة تدبر في صحيفة التوحيد الثالثة للعارفين ، وأسأل الله يرزقنا نور معارفها حتى اليقين .
وإليك يا طيب : موجز في مراتب التوحيد وأنواعه في أنوار رزقنا الله تعالى حقيقتها يقينا بعد معرفتها ، وثبت إشراقها في قلوبنا إيمان خالصا لوجهه الكريم وبما يحب ويرضى ، على أن يكون التفصيل في الباب الآتي وما بعده :
النور الأول : مرتبة توحيد الله تعالى في مرتبة الذات المقدسة :
النور الثاني : توحيد الله تعالى في الصفات العليا وأسمائه الحسنى :

النور الثالث : توحيد الله في أفعاله وولايته التكوينية :
النور الرابع : توحيد الله في العبادة :
المرتبة الخامس : توحيد الله في الولاية التشريعية :
خاتمة : تشرق فيها وجوب إخلاص التوحيد لله في جميع مراتبه وأنواعه :
النور الأول
توحيد الله تعالى في مرتبة الذات المقدسة

يا طيب : يجب أن نؤمن أن الذات المقدسة لله تعالى التي لا معرفة لأحد بحقيقتها وكنهها ، إلا بما أخبرنا الله تعالى في كلامه المجيد في القرآن الكريم ، بأنه تعالى لا يحاط به علما ، ووفق ما علمنا نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما جاء من التوضيح والشرح والتفسير في الأحاديث والكلمات المعتبرة عن الأئمة الأطهار من أهل بيت النبي الطيبين الطاهرين ، والمقصود من توحيد الذات المقدسة : يتم بيانه في مرتبتين :

الإشراق الأول : مرتبة توحيد الله في بساطة الذات المقدسة :
وهو أن نؤمن : بأن الذات المقدسة لله تعالى بسيطة غير مركبة من أجزاء ، ولا ينالها التبعيض ، ولا التحليل ، ولا التغيير ، ولا التجزئة .
بل وجوده تعالى : بسيط بمعنى غير مركب من أجزاء ، كما أنه تعالى لا بعض له من يد ورجل ووجه ولسان وغيرها من الجوارح ، بل وجود أحدي له كل كمال مع بساطة الذات .
ويسمى هذا التوحيد بالتوحيد في الأحدية :
وهو توحيد في نفس الذات وشؤونها بعدم تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها .
وبهذا ينقطع الكلام هنا فلا تصور له ، بل إيمان وتصديق بعظمة وكبرياءه وعلو مجده ، وإن العقل ليعجز للتفكر في خلق بسيط من تجلي نوره ، ويأخذ به دكتوراه وبروفسور وغيرها من المناصب لمعرفة الإلكترون والنواة ، وغيرها من شجر وماء وهواء .
وتدبر ما شئت : في خلق الله وعظمته في الكون كله ، ومجراته وفي السماء والأرض وما بينهما ، يدلك على عظمة الخالق وإحاطته ، وسعت وجود كبرياءه وقدرته وعلمه ، وإنه لا يحاط علما بخلقه لا عددا وكثرة ، ولا أمدا وبقاء ، ولا حسن صنع ، ولا دقة تكوني ، ولا حكمة هدفا وغاية .
وإن العجز : عن المعرفة بالذات المقدسة تفصيلا بعد العلم واليقين بسعة علمه وقدرته ، وعظمة حكمته وإحاطته ، هو عين المعرفة واس اليقين ، فسبحانه ما أعظمة شأنه وأجل كبرياءه .

الإشراق الثاني : مرتبة توحيد الله في نفي الشريك له :
يا طيب : هو أن نؤمن بأن الله واحد ، لا شريك له ، ولا نظير ، ولا ويتصور له شبيه ، ولا مثيل ، ولا وزير ، ولا ند ، كما أنه تعالى لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، ولا صاحبة له ، ولا ولد ، ولا أب ، ولا أم ، ولا خالق له ، وهذا المسمى بتوحيد الذات بنفي الشريك والمثيل حيث إن لا ثاني له تعالى في الوجود ، ولا غير الله تعالى في الكون مستقل بذاته ، وكل الوجود من فيضه تعالى وتجليه ومحتاج إليه .
ويسمى التوحيد في الواحدية .
وخلاف التوحيد : في بساطة الذات ونفي الشريك ، يكون شرك في توحيد الذات والعياذ بالله تعالى :
إما شرك : في الاحتياج وعدم غنى الذات بذاتها تعالى الله عنه .
أو شرك : بالمثيل والند والصاحبة والولد والتكاثر ، ووجود إله غيره سبحانه وتعالى عنه ، وأقرأ سورة التوحيد ـ الإخلاص ـ تعرف البيانين .

النور الثاني
توحيد الله تعالى في مرتبة صفاته العليا و أسمائه الحسنى
يا طيب : إن أسماء الله الحسنى والصفات العليا كثيرة ، فبعضها صفات ذات ، وبعضها صفات أفعال ، فللتوحيد في معرفة الأسماء الحسنى المعبرة عن الكمال المطلق لله تعالى ، يكون نوعين ونذكره بإشراقين :

الإشراق الأول : مرتبة التوحيد الصفاتي للذات المقدسة :
مرتبة : التوحيد لصفات الذات المقدسة : والتي تعرف بمعرفة الله ، والتوجه إليه ، سواء بالفطرة ، أو بالبراهين والأدلة العقلية والنقلية ، وهي أسماء الله الحسنى المعبرة عن صفاته المبينة لكماله تعالى ، والتي نعرفها من أول وهله وهي كصفة : العلم ، والقدرة ، والحياة ، والسمع ، والبصر .
فنقول : إنه تعالى : عليم ، قدير ، حي ، سميع ، بصير ، وغيرها ك: العلي والعظيم ، والواحد والأحد ، والأزلي والأبدي ، المُعَبر عنها بالأسماء الحسنى والصفات العليا للذات المقدسة الإلهية ، وإن كانت متعددة بالمفهوم إلا أن مصداقها واحد .
وبعبارة أخرى : يجب أن نؤمن ونعتقد إن صفات الله التي تتصف بها الذات المقدسة بعينها ونفس وجودها وكلها واحدة مع الذات ، ولها مصداق واحد فرد غير متكثر ، بل وجوده تعالى بسيط ، وهذا الوجود الواحد الأحدي البسيط له كل كمال وجمال وجلال من غير كثرة ، وأن تعددت الأسماء وتكثر الصفات الإلهية بحسب المفهوم والمعنى والمنطوق ، إلا أنها بحسب المصداق واحدة غير كثيرة ، ولا أنها غير الذات ، ولا زائدة عليها ، بل وجود واحد بسيط له كل كمال وجمال وجلال .

وأعلم أن القول : بتعدد الصفات الإلهية في المصداق ، وعلى أنها زائدة على الذات على نحو يوجب تعدد وجود الذات المقدسة ؛ شرك .
وهذا يكون النوع الثاني : من الشرك المخالف للتوحيد الصفاتي للذات المقدسة لله تعالى ، نعم معانيها ومفهومها مختلف ، ونفهم من العلم غير القدرة ، ولكن لكون الذات المقدسة بسيطة الوجود لا كثرة فيها ، فهي واحدة ، وإن تكثر المنتزع منها مفهوما ، وذلك لكون وجوده تعالى واحد بسبط لا كثره فيه ، وله كل كمال وجمال وجلال في عين وجوده الواحد من غير تكثر .

الإشراق الثاني : مرتبة التوحيد الصفاتي الأفعالي :
وهو توحيد الله : في صفات الأفعال ، هو بأن نؤمن بأن الله وحده لا شريك له وهو : المريد ، الخالق والبارئ المصور ، و الرب والمدبر والهادي ، والرازق والمنعم ، والمشافي والمعافي ، والودود والعطوف ، وهي الأسماء الإلهية للصفات الحسنى المنتزعة من مقام الفعل والخلق والإيجاد للكون ، أو من الهداية والربوبية والمالكية والتدبير والقيومية .
والصفات الفعلية الإلهية : متكاثرة في المصداق والمفهوم ، وهي غير ذاتية وزائدة على الذات ، وهي انتزاعية ، وليست كالصفات الإلهية الذاتية متحدة مع الذات مصداقا وهي نفس نورها ، ومتكثرة بالمفهوم والمعنى فقط .
وأسماء صفات فعل الله أو الصفات الفعلية الإلهية : هي منتزعة من صفة فعله وأحوال الموجود معه وشأن المخلوق لنفسه أو لغيره ، وهي : حسب إضافتها لكل فعل من أفعاله تعالى نأخذ صفة معينه وأسم لشأنه معه .
وبحسب المفهوم : المضاف إليه اعتبار وجوده ، ومع الموجودات المخلوقة له تعالى من فعله ، وإيجادها لنفسها ولغيرها ، تتكثر الصفات والأسماء الحسنى لفعله تعالى ، سواء أيجاد ذات الشيء ، أو صفة كمالية له ، أو نعمته عليه ، أو قيومية عليه ، وإحاطة عليه ، أو هدايته له ، وربوبيته له .
فهي أسماء حسنى لصفات فعله تعالى : ومنتزع من مقام الفعل ، ومتكثرة بتكثر المخلوقات وحدودها ، فهي كثير من ناحية نسبت المخلوق للخالق ، فيتصف الله بها لفعله وإيجاده لخلقه وهداه له وتدبيره له وقيوميته عليه ، وهي بعد خلقه للخلق وإيجاده للكون ، والصفات الفعلية أنوار للصفات الذاتية وظهور لها في عالم الخلق والتكوين ، فهي زائدة على الذات المقدسة باعتبار وجود المخلوق غير وجود الخالق ، وإن كان شأن من شؤونه وتجلي من فيضه .
ومن يخالف هذا المعنى : ويجعل الصفات الفعلية عين الذات ، وغير كثيرة في المصداق حسب المخلوق ، ويجعلها كالصفات الذاتية السابقة يكون مشرك في التوحيد لله تعالى في ذاته وصفاته .

الإشراق الثالث : التوحيد في الصفات الخبرية :
الصفات الخبرية هي مثل : يد الله ، وجه الله ، وعرش الله واستوائه عليه ، وما شابهها من الألفاظ المشعرة بالتجسيم والحركة المستحيلة على الله تعالى ، فهي تدل على قدرة الله وعلمه بخلقه ، وإحاطته وقيوميته عليهم ، وتدبيره لهم بما يوصلهم لكمالهم المطلوب الذي خلقوا له ، ومن غير مانع يمنعه ولا ممتنع عليه ، وهو تعالى : بحكمته يتصرف ، وعلمه محيط ، وقدرته نافذة .
فالصفات الخبرية : هي صفات تدل على قدرة الله وأحاطت علمه وتدبيره ، ويحرم حملها وفهمها على أن أنها يد الله على الحقيقة على أنها عضو من أعضائه لأنك عرفت لا كثرة له ولا جزء بل وجوده تعالى بسيط ، بل يجب حملها على قوته وسلطانه وهي كناية عن الخلق والإيجاد والتكوين ، أو الهداية والربوبية والتدبير والقيومية .
وكذا استواءه على العرش سبحانه : يعني علمه المحيط وقدرته وسلطته وحاكميته النافذة المطلقة على التكوين والكائنات ، وإن العرش تحت حيطة الله وسلطانه وهو من مراتب الوجود العالية في الخلق والتكوين ، ثم تأتي بعده مرتبة الكرسي في التكوين وهو تحت حيطة العرش ، وكلهم تحت قدرة الله وخلقا له .
وكل من يُفرغ الصفات الخبرية عن معناها : ويحليها على غائب ومعنى مجهول ، فهو لم يعرف الله حق معرفته ، وكل من يحملها على الحقيقة ، وإن نفى الكيفية عنها ، فهو مشرك في توحيده ، إما بوصفه سبحانه بالأجزاء ، أو بالحركة ، أو بالاحتياج لهما حسب تفسيره لها ، كما سيأتي الكلام في معرفة الأسماء الحسنى ، وتفصيل لأنواعها فيما يأتي ، فأرتقب بإذن الله شرحها وبيان أوسع في معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية وكذا الصفات الخبرية .
وإذا عرفنا مرتبتين من التوحيد للذات المقدسة بالتوحيد الخالص من الوهم ونفي الشريك له بأي صورة .
وكيفية اتصافها بالأسماء الحسنى والصفات العليا ، بأن :
الصفات الذاتية : العليم القادر وغيرها : متحدة مع الذات في المصدق والوجود وإن تكثرة مفهوما ومعنى .
والصفات الفعلية : الخالق الرب وغيرها ، زائدة على الذات متكثرة مصداقا ومفهوما ، وهي انتزاعية تعبر عن شؤون خلقه ونسبته له تعالى .
والصفات الخبرية : يد الله وأمثالها : تعبر عن قدرته تعالى أو علمه حسب المورد ، لا أن له يد سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .
والآن يأتي يا طيب : دور التوحيد الفعل والخلق تكوينا، لا توحيد أسماء ووصف الفعل كالسابق ، وأسأل الله الإيمان الحق والتوحيد الصادق ، آمين .




4 
مجدى سالم

النور الثالث
مرتبة توحيد الله تعالى في أفعاله

توحيد الله سبحانه في فعله : هو يجب أن نؤمن ونعتقد ، بأنه لا مؤثر بالذات في الوجود إلا الله وحده لا شريك له ، وهو تعالى لا يحتاج إلى معونة أحد أو شيء غيره في الإيجاد والتأثير ، ولا مادة أو مثال ، لا لخلق الكون ولا لأجزائه، وهو الهادي له والرب والمالك له القيوم عليه والموصل له نعيمه وكماله.
والله سبحانه : هو الذي خلق الموجودات مع خصائصها وخواصها وأحوالها ، وأعطاها إمكانية الفعل والقدرة عليه قوة وعلما ، وكل الكائنات مستنده في وجودها لله تعالى وغير مستقلة في فعلها عنه ، وهو تعالى قيوم عليها ورب لها وهادي .
فهنا نوعان من التوحيد في الأفعال وأسأل الله أن ينورنا إشراق نورها:

الإشراق الأول :
مرتبة توحيد الله تعالى في الخالقية للوجود :
والتوحيد في الخالقية : وهو إنه تعالى وحده لا شريك له هو : الخالق ، والمصور ، والبارئ لكل شيء في الوجود ، ومن فيضه وتجليه تم إيجاد الموجودات وتكوين الكائنات من غير معين ولا شريك ، فهو وحده لا شريك له خالق كل شيء وموجده ومعطيه كمالاته ، وكل صفاته وخواصه وأحواله ، أي معطي الوجود والكائنات جواهرها ، أي نفس وجودها لذواتها وأعراضها ، أي وجود صفاتها وكمالاتها .
الإشراق الثاني :
رتبة توحيد الله في الربوبية والتدبير والمالكية والقيومية :
يا طيب : يجب أن نوحد الله تعالى : توحيد في الهداية والربوبية والتدبير والمالكية والقيومية لله تعالى على جميع خلقه ، فهو وحده لا شريك له : الرب والمالك لكل شيء ، والقيوم المحيط على كل شيء .
وإن ما يعمل : كل موجود من شيء إلا بالقدرة المستمدة منه تعالى ، وبالفيض الذي يمد به الموجودات ، وهو المتجلي خلقا لها والمعين والمدبر والمربي لها ، والهادي لمخلوقاته لتصل لكمالها ، وتعمل عملها بقدرته ونعيم عطائه .
ويجب : أن نؤمن إن الخلق محتاج لمدد الله تعالى في كل آن ، وإنه خلق الخلق محتاج له تعالى في كل لحظة ، ولم يستقل الخلق في وجوده ولا في بقائه من دون الله تعالى ، بل مثاله كيف نور الشمس وحرارتها متصل بالشمس محتاج لها وجودا وبقاء ، فكذلك الخلق محتاج لله وجودا وبقاء ، بل هو تجلي له وظهور لنور الأسماء الحسنى الإلهية ، والخلق ليس مثل البناء للبناء بأن تركه وذهب بعد إن بناه ، بل مثل نور الشمس للشمس مادامت الشمس مشرق يوجد نورها وهكذا تكون نسبة وحقيقة المخلوق للخالق ، وإن كان التشبيه من وجه والله هو الخالق لكل شيء، والشمس وشعاعها محتاج لله وجودا وبقاء ،وهكذا كل شيء محتاجا له ، وعرفت في الذكر السابق معنى معلوم الإنسان وكلام الإمام علي عليه السلام في الإشراق الخامس وقبله فراجعه وتدبر نسبة الخلق للخالق كيف هيه.
ومخالفة ما مرّ من التوحيد في التكوين والربوبية: يترتب عليه قسمين من الشرك : الشرك الأول : هو إعطاء خلق وتأثير وإيجاد لمخلوق لغير الله ، فيكون شرك في الخالقية والإيجاد والتأثير ، وتعالى أن يوجد ثاني غير الله موجد للوجود .
الشرك الثاني : هو إعطاء استقلال لموجود غير الله تعالى في أفعاله ، فهو شرك في مالكية الله للوجود ، وهو يكون شرك في الربوبية والتدبير والقيومية .

الإشراق الثالث :
الشرك الخفي في الخالقية والربوبية والقيومية :
يا طيب : الشرك له أنواع كثيرة وقد مر قسما منها وستأتي أنواع أخرى منه ، وأما هنا في التوحيد الأفعالي ، فالشرك يكون سواء في الخالقية ، بأن يعتقد بأن هناك خالق غير الله ، أو هناك واسطة مستقلة تفيض من دون مدد الله وتعمل بدون إذنه أو يمكن أن تخالفه بقوتها ، سواء كانت مستقلة ابتداء وهذا يكون في شرك غير المسلمين ، أو مخلوقة له ثم استقلت بنفسها أو بفعلها .
وقد يأتي معنى خفي في الشرك عند المسلمين : ويرجع معناه لتدبير الله لخلقه ، وإنه هل يستقل الموجود بنفسه من دون الله بعد خلقه أو لا ، وبالإفراط والتفريط بهذين القسمين صار بهذا التفسير كثيرين من المسلمين لو تتدبر بحالهم مشركون ، وهو شرك في معنى الخالقية و الربوبية ، أو قل التدبير بعد الخالقية ، وحاجة الخلق له بعد الخلق وحين يعملون لأنه يمدهم بكل لحظة ، وإنه حتى فعلهم لم يستقل عنه بل هو فعله ومجبرون عليه ، أو لا أنهم خلقوا واستقلوا وفوض إليهم وجودهم وفعلهم وإرادتهم واستغنوا عن الله في وجودهم وفعلهم أو في فعلهم فقط ومفوض إليهم في الأمر .
وبالتفسير لهذين النوعين : نعرف شركا خفيا والعياذ بالله منه :
وقد وقع فيه كثير من المذاهب ، حيث يتصور فيه في الوهلة الأولى أحد أمرين من الجبر أو التفويض ، وبيانهما :
شرك الجبر: ويحصل من القول : بأنه لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى ، ويفسر إن معناه أن الله تعالى يفعل بدون سلسلة العلل والأسباب والمؤثرات الطولية والمسماة بالشفعاء الكونية المخلوقة له أيضا ، كالملائكة المأذون لها وبمدده وبقدرته الفائضة عليهم يعملون وهكذا كل الخلق ، فيعتقدون أن فعلها فعل الله يوجده فيها لا بتوسطها بل بالمباشرة بنفسه تعالى ، وهذا يؤدي للجير والقسر لكل الكائنات حتى الإنسان ، ففرق بين القول إن الله تعالى أوجدها قادرة على الفعل وتستمد منه الحيل لفعلها ، وبين القول إن فعلها فعل الله مباشرة ، وهو الفاعل بدلها ، وإن ظهر الأثر منها لكنه للعادة ، وهو فعل الله نفسه وقرر ظهوره منها.
فكل المخلوقات عندهم : تكون غير فاعلة ولا مؤثرة ولا ينسب لها فعل ، وإن فعل الموجودات كوجودها لا ينسب إلا لله تعالى ولا ينسب لها أيضاً ، كما يتصور أن الله تعالى أجبر الخلق على أفعالهم ويعاقب المتصف فعله بالمعصية والمخالفة لأوامره ، ويكون الله الفاعل ، والمعاقبَ غيره على قولهم ، أو هو الفاعل ويعاقب نفسه سبحانه وتعالى عما يقولون وهذا قول المجبرة .
شرك التفويض : كما أن عكس المجبرة المفوضة : الذين يقولون : إن الإنسان أو الموجودات تفعل أفعالها بنفسها ، وهي غير مستمدة للعون وللفيض الإلهي وهي مستقلة في وجودها وفعلها ، وأن الله تعالى خلقها وتركها تعمل بدون مدده ، وأن الله تعالى فرغ من الخلق وأوجده وهو يفعل أفعاله دون مدد منه وتجلي وعون ، ومنذ خلقه أعطاه الحيل والقوة ولم يحتاج للحيل والقوة من الله تعالى ، ويجعلون كل موجود مقابل الله مستقل في نفسه غير محتاج لله تعالى ، وهم أيضاً مشركون لجعل كل مخلوق خالق لفعله مستقل في فعله ، مستغني عن الله تعالى وعن مدده وحيله وقوته .
وأستغفر الله من تصور هذين الشركين الجبر والتفويض .
والحق التوحيد الأفعالي الكامل هو أن نؤمن ونعتقد أنه : لا جبر ولا تفويض : وهذا ما ستطلع عليه في مبحث العدل الإلهي إن شاء الله ، فالإيمان الحقيقي أنه لا جبر ولا تفويض في فعل الله ، ولكل شيء فعله بحسبه ، فالموجود المادي فعله طبيعي له ومدده من الله كوجوده ، وأن كل الوجود مخلوق لله تعالى ويفعل أفعاله بالقوة المستمدة منه تعالى ، والمخلوق المكلف كالإنسان غير مجبور ولا تام الاختيار بل الله تعالى أعطاه القوة والاختيار ليعمل ، ويثاب إن أطاع ويعاقب إن عصى ، كما يستطيع الله تعالى أن يسلب القدرة والاختيار من أي موجود متى أراد سبحانه ويقطع مدده منه فيفنى أو لا يقدر على الفعل .
وعلى هذا يكون الإيمان الحق في التوحيد الأفعالي لله تعالى : إن الله سبحانه خالق جميع الموجودات وأقدرها على أفعالها وهي تستمد الحيل والقوة والعون منه تعالى في كل لحظة ، والمكلف من الموجودات كالإنسان والجن الله سبحانه يعطيه القدرة ويمده بالاستطاعة ، وكذا أقدره على الاختيار لأفعاله ولم يجبره على الفعل ولا فوض له بحيث يعمل بدون مدده والقدرة المستمدة له منه في كل لحظة .
كما أن الموجود الغير مختار فعله يوجد منه وينسب له ، حيث أوجده الله قادر على فعل معين بطبيعته ولو من غير اختيار ، ففعله له نوع من النسبة له والصدور منه ، وإن قلنا : إن الله أوجده قادر وممده ومعينه ، وهو الحفاظ لوجوده وبقاءه وأعطاه القدرة على فعله .
وسيأتي البحث في العدل الإلهي في الأمرين أمر الاستطاعة والقدرة أو أمر الاختيار بالنسبة للإنسان فأنتظر .

النور الرابع
مرتبة توحيد الله تعالى في العبادة
بعد إن عرفنا : التوحيد في الذات المقدسة ، والتوحيد في الأسماء والصفات الذاتية والفعلية ، وبعد إن عرفنا التوحيد في الفعل الإلهية ونسبتنا إليه ، جاء يا طيب دور التوحيد في العبادة :
والتوحيد في العبادة : بأنه يجب أن نؤمن بأن العبادة لا تكون إلا لله وحده لا شريك له ، ولا أحد غير الله يستحق العبادة له . وأذكر لك يا طيب : ما ذكره الأستاذ السبحاني حفظه الله في كتاب التوحيد بتصرف ، كما أن أصل التقسيم له ، وشرحناه وبيناه بما عرفت ، وبيان ضرورة توحيد العبادة لله وحده هو : إن الله وحده : هو الذي يستحق العبودية بالإخلاص له من غير شرك له بغيره ، ولا أحد غيره سبحانه يمكن أن يُتخذ معبوداً يعبد مهما بلغ من الكمال والجمال والجلال ، ومهما حاز من الشرف والجاه إلا الله تعالى .
وذلك لأن الخضوع بالعبودية لا يجوز لأحد ألا أن يوجد فيه ميزتان يستحق أن يعبد لأجلهما : الأولى : أن يبلغ الذي يعبد ( المعبود ) حداً من الكمال المطلق المتناهي ، بحيث يخلو معه من العيب والنقص والاحتياج للغير .
الثانية : أن يكون المعبود الذي يجب أن يتوجه له بالخضوع والعبادة ، بيده مبدأ الوجود وتربيته ، وإيصاله لكماله وغايته بما يستحقه ، وبما في ذلك الإنسان ، فيكون هو خالقه وهاديه ورازقه ومنعم عليه نعم لا تحصى .
و كل من وجد هذان الوصفان فيه فهو يستحق أن يعبد ، وهذان الوصفان لا يوجدان في غيره تعالى ، ولا حتى وصف واحد منها لا يوجد لغيره تعالى مهما كان شرفه في رتبة الوجود والخلق . وعليه : كل من يعبد غير الله تعالى فهو مشرك بالعبودية والعياذ بالله من الشرك بالله تعالى .

النور الخامس
مرتبة توحيد الله تعالى في الولاية التشريعية

يا طيب : حيث أشرنا للولاية التكوينية في النور الثالث حين ذكر التوحيد الأفعالي ، كما عرفنا قبل هذا توحيد الذاتي والتوحيد الصفاتي ، وفي النور الرابع التوحيد في العبادة والتوله بالله وحده لا شريك له .
فهنا نذكر وجوب الإيمان بتوحيد الله تعالى في الولاية التشريعية : وهي التي بها تنتظم شؤون الفرد والمجتمع في جميع مجالات حياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والقضاء والحكومة ، وكيفية إقامة العبودية لله وطريقاها من الأحكام الشرعية ، وهي ولاية الله تعالى وأولي الأمر من الأنبياء وأوصياءهم المنصوبين والمعينين من قبله سبحانه .
وذلك لأن الله تعالى : لا يباشر العباد ولا يوحي لكل فرد منهم تعاليمه ، كما أنهم يحتاجون لمن يقودهم في كل مجالات الحياة ويهديهم لصراطه المستقيم ، فلذا الله يختار ويصطفي من البشر لعلمه بأشرفهم وأحسنهم ذاتاً وعلماً وعملاً وصفتاً وخلقاً ، فيجعلهم أئمة يهدون بأمره ، ويقودون عباده للصراط المستقيم وهداه التشريعي ، وهم ولاة أمره على عباده وخلفائه في أرضه .
فيجب أن نعتقد ونؤمن : بأن المعين للولي وللحاكم على العباد وهاديهم لما فيه صلاحهم وما يستحقوه كونا وتشريعا ، هو الله تعالى لعلمه بما يصلحهم ، وفي الهداية التشريعية : هو تعالى يصطفي ويختار من يراه أكرم وأشرف وأكمل عباده في قوة معرفته وإخلاصه له ، فيختصه برسالته وبالتعاليم ويوصلهم لحقيقة سعادتهم وعبوديته ، ويمكنه وأوصياءه وخلفاءه من تبليغها أو المحافظة عليها لكي تصل للعباد بما يحب ويرضى من الهدى التشريعي الذي يحب أن يعبد به .
ولذا يجب أن نطيع من عينهم وولاهم وأختارهم الله تعالى .
ويجب أن نقبل كل ما يأمرونا به في جميع الأحكام الشرعية بكل أبعادها.
ولذا يجب معرفة الرسول بالرسالة ، والإمام بالإمامة ، ونبحث عنهم ونتيقن أنهم هم أئمة الحق والهدى الإلهي والمنعم عليهم ، وهم أصحاب الصراط المستقيم ، فنواليهم ونتبعهم ونحبهم ، ونأخذ تعاليم الله ومعارف دينه منهم .
ولذا يا طيب : كان بحث النبوة والإمامة من أصول الدين ، وواجب معرفتهما بالدليل المحكم وبالبراهين المرسخة للإيمان بها كما عرفت في بحث التوحيد ، ولمعرفة التفصيل راجع بحوثها في الباب الأول .
ولهذا يجب على من آمن بالله وما عرفت من مراتب التوحيد .
أن يؤمن أيضا بتوحيد لله تعالى : في الولاية والتدبير والهداية التشريعية في معرفة ولاة أمره وخلفائه في أئمة الحق نبينا وآله صلى الله عليهم وسلم .

ومن يخرج عن هذا : فيوالي غير أولياء الله المطهرون المصطفون المختارون له من عباده، ولم يسير على هدى الله الخالص عند المصطفون الأخيار ، فهو مشرك في تدبير الله التشريعي ، وهو ضال عن الله وعبوديته بتوليه لغير أولياء الله ، والتعبد له بدينهم وهداهم المخالف لدين وهدى أئمة الحق .
ويمكن حصر التوحيد التشريعي بأقسام ثلاثة يشرق علينا نورها إيمانا إن شاء الله تعالى :
الإشراق الأول : التوحيد في الحاكمية لله تعالى :
وتوحيد الله في الحاكمية : هو أن نؤمن بأن الولاية في الأرض والحكومة لابد أن تكون لله تعالى ، وهو تعالى يخولها بأذنه لمن يشاء من عباده ، وهو الذي يصطفي بعلمه من يشاء للحكومة كالأنبياء وأوصياءهم المعينون من قبله تعالى ، وهو سبحانه الحاكم والمعين للحاكم على العباد والمصطفي والمختار له .
لا على نحو ما قال الخوارج : ( أن لا حكم إلا لله يا علي لا لك ولا لأصحابك ) ، وذلك لأن الله تعالى لا يباشر الناس بالحكومة ، بل يبعث أنبياء هم يحكمون بين الناس ، وهم الذين يعينون الحكام بعدهم لكي لا يقع الناس في الاختلاف والهرج والمرج والصراع على الحكومة ، وتحصل المفاسد العظيمة في التشريع والانحراف عن المنعم عليهم بالهداية للصراط المستقيم .
والخوارج بكلمتهم تلك : وقعوا في ما فروا منه ، حيث حكموا أنفسهم ، وجعلوا أنفسهم حكام دون الله ، فنصبوا حاكما من أنفسهم وأطاعوه وحاربوا ولي الله الذي عينه رسول الله في غدير خم ، وعرفه الله تعالى في آيات الولاية ، وآية وهم راكعون ، وطهره بآية التطهير ، وأمر بمودته في آية المودة ، وباهل به رسول الله بأمر الله فجعله نفسه وهكذا أبنيه الحسن والحسين بعده ، وبرفضهم حكومة الله : مع الدعوة إليها ، حين رفضوا حكومة الله وعينوا من أنفسهم حاكما لهم لم يجعل الله له حكومة ، أشركوا في حاكمية الله وولايته من حيث يدرون أو لا يدرون .
وكذلك من يفوض الحكومة للناس : أي الناس ينتخبون إمامهم وولي دينهم وخليفتهم ، دون الله ورسوله ، وقالوا : بأن الله فوض هذا للناس يختارون من يشاءون من صحب النبي بعدهم من غيرهم ، فيكونون قد أشركوا في الحكومة الإلهية وجعلوا أنفسهم حكام مباشرة على الناس دون الله تعالى ، فرفضوا اختيار الله تعالى وانتخابه للحاكم وللخليفة له على عباده ، واختاروا حاكما حتى لو حكمهم بالخداع أو بالقوة وبرروا فعله وأعطوه شرعية لم يستحقها من الله ولا من رسوله ، وفوضوا أنفسهم في جعل الحكومة الإلهية بدل تعين الله لهم ، وهم عينوا الحاكم لأنفسهم ورفضوا الحاكم على عباده المعين من قبله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
فهؤلاء مفوضه في الولاية والتدبير التشريعي ، والخوارج مجبرة في الولاية والتدبير التشريعي لكن لأنفسهم ، وهو على حد الجبر والتفويض التكويني .
وعملاً وفعلاً : الطرفان مشركون في قبول حكمة الله وحاكميته وولايته وربوبيته وقيوميته ، لتنصيب أنفسهم حكام بدلا عن الله تعالى ، إما بتعين أنفسهم خلفاء له أو لرضاهم بالحاكم الغير معين من الله ، وحادوا وانحرفوا عن حكومة الله على الناس بقولهم ما لا يعلمون ، وهجروا تدبير الله وحكمته وربوبيته وجديته من إرادة العبودية الحقيقة من عباده بما يحب ويرضى من الدين القيم فقط ، وذلك بجعل خليفة وإمام منصوب من قبله يكون حاكم عدل ، وعالم مختار له ، وهو الذي يجب أن يشرح ويبين تعاليمه بحق، وهو مجتبى ومتربي ومعتنى به من قبله سبحانه وبيد رسوله ، وقد بيناه للمؤمنين بالنص ، وعينوه لهم بكل ما يرشدهم إليه ، وهو ولي الله تعالى في الحكومة ، لأنه تعالى هو الذي قام بتنصيبه حاكما واختاره لهم بعلمه بما يصلحهم وينفي الهرج والخلاف بين العباد ، لا أنهم يختارون بذوقهم كل مَن يتسلط عليهم أو يستطيع أن يخدعهم أو يغلب عليهم بالقوة ، فيرضوا به واقعا مفروضا ، فيعزلوا الله عن حاكميته وولايته وربوبيته وتدبيره وقيوميته .

ومن لا يرى هذا الحق : من الحاكمية والتدبير الشرعي لله تعالى فهو مشرك من هذه الناحية والعياذ بالله منه ، يعني مشرك في حاكمية الله تعالى وولايته في تدبير خلقه وربوبيته لهم .

الإشراق الثاني : توحيد الله تعالى في الطاعة :
يا طيب : كما يجب أن نوحد الله بالحاكمية ، فلا يجوز إطاعة غيره تعالى ولا يجوز أخذ الأوامر إلا منه ، ولما كان هو تعالى لا يباشر الناس بل يبعث أنبياء ، فيجب أطاعت الله من خلال إطاعة الأنبياء ومن يخولونهم كامتداد لهم ولتبليغ تعاليمهم التي جاءتهم من الله تعالى .
وهذه الطاعة لله ولمن اصطفاهم من عباده من الأنبياء والأئمة المنصوبين من قبل الله تعالى : وهي ليست إطاعة لهم على نحو الاستقلال ، بل باعتبار امتثال لأمر الله بإتباعهم ، وتكون طاعتهم هي طاعة الله تعالى ، والخضوع لولايتهم خضوع وقبول لولاية الله التي جعلها الله لهم .
وذلك حيث أنه سبحانه : أمر بوجوب إتباعهم واخذ أحكامه الحقيقية منهم لا من غيرهم ، وذلك لكي لا يختلف الناس ويدعي كل واحد حق الطاعة له دون غيره ، فلذا لا تكون الطاعة إلا لله ومن يخوله حق الطاعة بإذنه .
ومن لا يقبل هذا المبدأ : بأن طاعة المختارون أولياء دين من قبل الله هي نفس إطاعة الله وامتداد لطاعته بأمره ، فهو مشرك بالله تعالى من هذه الناحية ، يعني مشرك في طاعته تعالى ، وغير خاضع لولايته والعياذ بالله ، ولا يقبل ربوبيته ، ولا ولاية تدبيره ومالكيته التشريعية .

الإشراق الثالث : توحيد الله تعالى في التقنين والتشريع :
توحيد الله تعالى في التقنين والتشريع : وهو أن نؤمن بأن الله تعالى هو وحده المشرع للقوانين ، وللأحكام التي توصل لعبوديته وحقيقة طاعته ، وتسعد المؤمنون في الدنيا والآخرة ، وكذا ما يتعلق بها من القوانين المنظمة لحياة البشر ليتمكنوا من إقامة العبودية له ، سواء تشريع أحكام عبادية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو فردية .
فيجب أن نوحد الله : في قبول كل تعاليمه وفي جميع مجلات الحياة العبادية والمعاملاتية والتجارية ، والأحكام والتي بها يتوصل الإنسان لسعادة الدنيا والآخرة ، كما إنه لا يمكن أن يوصل إليها بالحقيقة إلا من الدين الإسلامي لأنه خاتم الأديان وبيان من جعلهم في أرضه أئمة حق ، وأختارهم أولياء لدينه وخلفاءه على عباده ، أي رسول الله ومن أصطفى وأختار بعده من آله صلى الله عليهم وسلم ، وإن أحببت المزيد راجع يا طيب صحيفة الثقلين ، وصحيفة النبوة والإمامة وصحيفة الإمام علي وصحيفة الإمام الحسين عليهم السلام ، وغيرهن من موسوعة صحف الطيبين لتعرف هذا .

وبهذا نعرف : أنه لا يجوز لأحد غير الله تعالى أن يقوم بالتشريع ولا سن الأحكام والقوانين من عنده ، ولا بدون أذن الله تعالى .
وكل من يسن تشريع : مخالف لأحكام الله فهو مشرك ، وكل من يطيع مشرع غير الله وغير من أختاره الله ، فهو أشرك بالله من ناحية الطاعة ، وإن وحده في باقي مراتب التوحيد ، يعني أنه مشرك بالله تعالى من ناحية عدم طاعته تعالى بالتقنين والتشريع ، وهو يرجع للشرك في حاكميته وولايته وتدبيره وهداه .


إشراق : وجوب إخلاص التوحيد في جميع مراتبه وأنواعه :
يا طيب : هذه كانت أنواع التوحيد وأقسامه ومراتبه باختصار وإيجاز ، ويجب الإيمان بها كلها من غير تبعيض ، وعدم الإيمان بواحدة منها أو من فروعها يعتبر شرك بالله تعالى ، والعياذ بالله من الكفر والشرك والمعصية ، كما يجب أن نخلص لله في توحيدها ونتقبلها كلها من غير شك ولا شبه .
قال الإمام علي عليه السلام : ( أَوَّلُ الدِّينِ معرفتهُ ، وَكَمَالُ معرفةِهِ التَّصْديقُ بِهِ ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ توحيدُهُ ، وَكَمَالُ توحيدِهِ الاِِْخْلاصُ لَهُ ) .
والإخلاص له تعالى في جميع مراتب التوحيد وأنواعه ، وهي بإيجاز :
التوحيد الذاتي : توحيد في بساطة الذات ، وتوحيد بنفي الشريك لها .
التوحيد الصفاتي : بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية : الأسماء والصفات الذاتية : هي عين الذات مصداقا وحقيقة وإن اختلفت مفهوما . والصفات الفعلية : زائدة على الذات وغيرها ، ومختلفة ذاتا ومفهوما ، وهي إنتزاعية منتزعة من مقام فعله ونسبه خلق الله لله .
التوحيد الأفعالي : بأن نعتقد بأن الله تعالى وحده لا شريك له خلق الخلق كله ، وإن الخلق محتاج له وجودا وبقاء ، أي خلقا وتدبيرا وربوبية .
التوحيد العبادي : وهو يجب أن يعبد الله وحده لا شريك له .
توحيد الله تعالى في الولاية التشريعية : وهو : التوحيد في الحاكمية لله ، ولمن نصبهم . وتوحيد الله بإطاعته : بأنه يجب إطاعته وإطاعة من اصطفاه و أنهم استمرار لولايته ، وتوحيد الله في التشريع والتقنيني : بأن نأخذ قوانين الله وأحكامهم منه وحده ، أي ممن اصطفاه وأختاره لهداية عباده في أرضه .
وهذا معناه : أنه يجب نؤمن بأن ولاية الله مستمرة في خلقه تكوينا وتشريعا ، وإنه تعالى هو الخالق : والرب المشرع لهم دينهم والناصب لهم حاكمهم وخليفته في أرضه ، ويجب إطاعة من أرسلهم بهداه أو حافظ عليه بهم ، وهم من الرسل وأوصياءهم ، فنقبل حاكميته ، وربوبيته وقيوميته شرعا وتكوينا ، إي كما خلقنا فهو يهدينا تكوينا وتشريعا بمن يختار من أولياء دينه .
ولما عرفنا الأدلة الموجبة للإيمان بالله وتوحيده وعرفنا مراتب التوحيد وأنواعه ، نتعرض في الباب الأتي لمعرفة الأسماء الحسنى الإلهية ، وكيفية الإيمان بها عن معرفة ودراية وباختصار ، لتكون مقدمة لما يأتي في الجزء الثاني من صحيفة التوحيد للكاملين ، وهي المختصة بشرح الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية.
ثم إن شاء الله : تأتي معارف أعلى في التوحيد في صحيفة التوحيد الثالثة للعارفين وللكاملين الواصلين .
وأسأل الله : أن يوفقنا وإياكم ويشكر سعينا ويرضى توحيدنا كله وديننا وعبوديتنا له ، فيجعلها خالصة لوجهه الكريم ، بحق نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .


5 
مجدى سالم

الباب الرابع
نعرف الله بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ولا رؤية لعظمته تعالى إلا بتجلي نورها

إشراق يتقدم :
لابد من معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية:
يا طيب : بعد أن آمنا بالله تعالى عن إيمان راسخ ، ووحدناه بجميع أنواع التوحيد ومراتبه باعتقاد كامل ، وتيقنا أنه يجب أن نوحد الله في ذاته وصفاته وأفعاله وتدبيره وهدايته وعبادته وولايته وحكومته وتشريعه ، وعرفنا إن الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له ، لا يتم إلا بها جميعها ، وبهذا تشرفنا إن شاء الله بمعنى أشهد أن لا إله إلا الله توحيدا صادقا بكل معانيه وبأهم حقائقه الكريمة .

ولما عرفت أنه : لا يحاط به علما ، ولا يمكن معرفةه تعالى إلا بما عرفنا من جلال عظمته ، بتجليه وظهوره في الكون وعلى قلوبنا ، وفي القرآن المجيد وفي شرح نبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليم وسلم أجمعين لمعارف عظمته ، وكيفية وحقائق ذكر الله بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية سواء الذاتية أو الفعلية ، وكما عرفت في الباب السابق معارف شريفة في كيفية وصف الذات المقدسة بالأسماء الحسنى ، سواء كانت ذاتية : متحدة مع الذات مصداقا وإن تعدد مفهومها ، أو أسماء لصفات فعلية : زائدة على الذات منتزع مفهومها المتكثر مصداقا أيضا من خلال نسبته تعالى إلى شؤون عظمته وتجليه في خلقه حسب وجودهم وأحوالهم وهداهم وربوبيته لهم وقيومته عليهم ، وحتى يأتي في الجزء الآتي من صحيفة توحيد الكاملين المختص بشرحها تفصيل بعض معارفها ، وكذلك بعض التوسعة في معرفة شؤون العظمة في صحيفة التوحيد الثالثة للعارفين إن شاء الله .
فنتعرف يا طيب : في هذا الجزء من صحيفة التوحيد للكاملين : على شيء مختصرا من أهمية ذكر الله تعالى بها ، وطلب فيضه بالتوسل بها وعددها ، وبعض المعارف العامة المختصة بها .
ثم نشرح في ذكر أخر : أمهات الأسماء الحسنى المحيطة والواسعة منها، فنذكر في هذا الباب المهم منها ، ونشرح مما لا يسع المؤمن الموحد والعابد والشاكر والداعي والذاكر والعارف ترك معرفتها .
ثم يأتي ذكرا ثالثا في هذا الباب : نعرف به بأن الله يُرى بحقائق الإيمان وبما تجلى علينا بعظمته تعالى من خلال الأسماء الحسنى والصفات العليا علما وكونا وقلبا وإيمانا وتعليما ، وإنه لا يمكن رؤيته تعالى أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا من خلال تجليه وظهور حقائق خلق لعظمته كونيا ، ثم يأتي بابا آخرا في هذا الجزء في معرفة تجليها وبعض ظهور عظمته تعالى وحقائق نوره في مراتب الكون وغايته ، وبعض المعارف المهمة الأخرى في معارف التوحيد الإلهي .
وعليه يا طيب : يكون في هذا الباب من بحوث معارف الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية أنوار لذكرين يتمهم ثالث ، بها أسأل الله أن ينفع المؤمنين الطيبين وأن يرزقنا نور حقائقها إيمانا وعملا ، فيكون :
الذكر الأول : في معارف عامة للأسماء الحسنى .
والذكر الثاني : في شرح أمهات الأسماء الحسنى .
والذكر الثالث : بأنه لا يمكن معرفة الله تعالى إلا بالأسماء الحسنى وتجليها وإنه لا يمكن رؤيته سبحانه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، إلا من خلال إشراق نور حقائقها في الكون تكوينا فعليا يدل على ما هناك من العظمة والمجد والبهاء .
فيكون هذا الباب : إن شاء الله فيه أذكار لأنوار تشرق ويشع علينا نورها إيمانا ، وأسأل الله متوكلا عليه أن يهبنا حقائقها علما وعملا حتى اليقين ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

الذكر الأول
معارف عامة حول الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية
الإشراق الأول :
الأسماء الحسنى كلها لله وبنور تجليها نشكره ونطلب فيضه :
يا أخي في الإيمان : بعد ما عرفنا شيء يسير عن معرفة الأسماء الحسنى سواء كانت أسماء صفات ذاتية ، أو أسماء صفات فعليه وكيفية وصف الذات المقدسة الإلهية بها ، فلا فرق في الدعاء والتوسل إلى الله تعالى بها ، فإنها كلها تؤدي المطلوب ، وتوصل للغرض المرغوب من ذكر الله تعالى والتحبب إليه ، ويفي للإنسان حسب حاله ذكر اسما من أسماء المحبوب ليطمئن قلبه بذكره ، وإن كان للذات قرب الوصل بذكر أسمائها المعبرة عن جمالها أحسن مثل : يا أحد يا فرد يا صمد يا أول يا أخر ، يا عليم ويا عالم ، ويا قدير ويا قادر ، ويا حي يا غني ، وفي الفعلية دليل احتياج العبد بالتخصيص يا معلم يا مقدر يا محيي يا مغني يا شافي يا معافي يا غفور يا عفو وغيرها و ستأتي معارف أوسع في هذا المعنى .
وعرفت يا طيب : إن الله تعالى : يوصف بكل الأسماء الحسنى سواء ذاتية أو فعلية بكل تجلي لها في جميع مراتب الوجود ، ولذا نعرف بأن الأسماء الحسنى الإلهية لا حصر لها ولا حد ، بل كل الكون هو ظهور لها وينتسب له تعالى خلقا وهدى ، فضلا عما للذات المقدسة من الأسماء والصفات الخاصة بها ، ولذا كان كل اسم حَسِن في الوجود فهو لله تعالى بالأصالة ولغيره بالتبع ، ومنه وجوده وفيضه . وبهذا نعرف : إن معنى وصفه تعالى بها كل اسم حسب وجوده للذات المقدسة أو كونه اسم صفة لفعل معين ، وحسب حيثية النظر لنسبته لله وللعبد نقول : علم أو قدرة ، فيكون الله تعالى هو العالم والعليم والمعلم ، والقادر والقدير ، أو فعلا يكون منه تعالى عطاء أو رزق أو نعمه ، فيكون تعالى المنعم والرازق والمعطي ، مع أنه قد يكون خلق أبن لعبد أو علم أو مال ، فأنظر الجزء الآتي وما بعده .
إذاً يجب علينا يا أخي : بعد الإيمان بتوحيد الله تعالى بكل أنواعه ، أن نعرف بأن الكمال المطلق لله تعالى وحده ، ونتعرف على عظمته من خلال معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية بأي نوعا كانت ، والتي بها نذكره ونشكره ونعبده ، وهي المبينة لحقيقة الكمال الإلهي ووصف الذات المقدسة بها ، وهي مُعرفة لعلوه تعالى وكبريائه وعظمته بقدر المستطاع للفهم الإنساني ، وبما يراه من آثارها في الكون وفي القلب المتجلي علينا بها تكوينا وعلما وعملا ، وحقا واقعا في الوجود الآفاقي والأنفسي لعظيم نوره وسعت تجليه وكبرياء مجده وعلوه وشأنه الكبير .
وبقدر : معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، والقرب منها وتحصيل الاستعداد للتحلي بها وأخذ فيضها ، يصل الإنسان لكمال نعيمه الحقيقي بالهدى الرباني ونعيمه ، وبها نحصل على مراتب الإيمان والمقام الرفيع عند الله ، ويكون بها الإنسان من المقربين .
أو بالابتعاد عنها علما وعملا : يكون من المحرومين وأن من حُرم معرفة الأسماء الإلهية : فقد حرم من اشرف معرفة ، وغاب عنه أعلى علم ، ونسي أفضل كلام في الوجود ، كيف لا ولا شيء أجمل من أسماء الله تعالى في عالم الحقيقة والمعنى ، ولا أحلى منها في حالات التذوق للألفاظ والنطق بها ، ولا أطرى وألطف للنفس من معرفتها وتعلمها ، ولا اطمئنان للروح بدون ذكرها والترنم بتلاوتها في القلب والجنان واللسان ، والتحلي بها خُلقا وصفة وسيرة وسلوكا ، ولذا ندعو الله تعالى بالمناسب لنا منها لكي تجلى علينا نورها .

الإشراق الثاني :
الأسماء الحسنى لا حد لعددها ونتوقف فنذكره وندعوه حسب لحالنا :
يا طيب : قد عرفت إن الأسماء الحسنى كلها لله تعالى ، ولذا نعرف إن الله سبحانه وتعالى أسماءه الحسنى وصفاته العليا لا تحصر بعدد معين ، فقد ورد في القرآن الكريم الكثير منها ، سواء من الصفات والأسماء الحسنى الفعلية الإضافية لكل ما خلق أو بخلق خاص ، أو ما ذكر سبحانه من الأسماء الواسعة المحيطة وأمهات الأسماء والتي تقارب مائة وثمانية وعشرون اسما كما سيأتي نورها عدا من غير شرح في إشراق يأتي ، كما أن حديث دعاء المجير جاء فيه مائه وثمانون اسم لله تعالى ، ودعاء الجوشن الكبير جاء فيه ألف اسم من أسماء الله الحسنى سواء من أمهات الأسماء المحيطة أو بالإضافة لها من خلقه سبحانه .
وإن كثير من الأدعية : تبدأ بذكر كثير من الأسماء الحسنى الإلهية والصفات العليا الربانية ، ثم تذكر الطلب حسب الحال المناسب للداعي أو الزمان والمكان والمخصص لها الأدعية والأذكار والأحراز والعوذات ، وغيرها من المختصة بالتمجيد والحمد والشكر والتسبيح والتهليل والتكبير والمدح والثناء ، والحفظ والمغفرة والعفو والتوسل ، والطلب للمعافاة وللرزق وللعلم ، أو لدفع العتاة والمردة والظلمة وغيرها.
ولما كان ذكر الله : ودعاءه بالأسماء الحسنى والصفات العليا معارف عالية دقيقة وكلمات شريفة لا بد من رعاية الأدب فيها واستخدام المناسب منها ، فالأفضل حتى على العالم والعارف أن لا يتجاوز ما موجود في القرآن الكريم والأدعية المأثورة عن سيد الأنبياء وخاتم الرسل وحبيب رب العالمين نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليه وعلى آله أجمعين ، وإن لم نقل إن أسماء الله توقيفية ، وإنه يجوز أن نذكره بكل اسم حسِن .
فإن الأدعية المأثورة : وما موجود في الروايات الذاكرة للأسماء الحسنى التي جاءت عنهم لم تبقي اسم حسن لله تعالى لم تذكره ، بل أحاديث المعصومين وخطبهم والأدعية التي جاءت منهم ، علمتنا أن نستخدم ذكر الأسماء الحسنى الإلهية في الصورة المناسبة للدعاء وللذكر ، كما بينت فضل الذكر وصورته ووقته وكيفيته وأثره ، وهذه المعارف العالية هي في الحقيقية من تعاليم رب العالمين لنبينا الكريم ومنه نقل آله الطيبين الطاهرين عنه لنا ، ولكل محب للدخول تحت ولاية الله التشريعية التي فيها الكرامة الأبدية .
وبهذه الصورة يا طيب : تكون الأسماء الحسنى الإلهية ونداءه سبحانه بها ، مؤثرة وغنية في الوصول للمطلوب بأحسن صورة ، ولا يمكن الإنسان مهما أوتي من العلم أن يحسن الذكر بأحسن منها ، وفيما عرفونا من أوقاتها وما حدد لها من المكان وصياغتها .
فيا طيب : عليك بكل ما تحتاجه من الأدعية والأذكار لحالك مهما كان طلبك وحب ذكر لله تعالى ، أن تراجعه في كتب الدعاء المفصلة للمذهب الحق ، لتحصل على الذكر والدعاء المناسب لحالك ، والذي يوصلك لهدفك بأحسن أسلوب وبأفضل بيان مؤثر إن شاء الله ، وإلا بدون هذا قد يخطأ الإنسان وبالخصوص من لم يتمرس معارفها ولا سبر غور علوها وكيف نداءه تعالى بها حسب الحال والمكان أو حسب شأنه العظيم تعالى وما يطب منه سبحانه .
وكما إن مجرد : ذكر الأسماء الحسنى حسن على كل حال ، ولكن معرفة معناه وحقائق تجليه بها سبحانه حُسنا آخرا ، وله عظمة في المعرفة هي غاية الكمال الإنسان في العلم ، ومن تحقق بها حقا علما وعملا يكون أشرف خلق الله في خلقه ، وأعظمهم نور وكرامة ومجد في الكائنات ، وإن أس تجليها وأشرف ظهورها في الكون هو لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم آله الكرام ثم الأنبياء والأوصياء والشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، والمؤمنون حولهم كلا حسب معرفته بها وتحققه بها في وقتها المناسب ، وستأتي في الباب الآتي بعض المعرفة ، والمعرفة الموسعة في الجزء الآتي وما بعده للعارفين.
وبهذا جاءت الآثار : أي ضرورة المعرفة العلمية والتحقق العملي بنور الأسماء الحسنى الإلهية ، وبها تتم معارف الطاعة وتحسن العبودية والأعمال الفرعية لإتيان الأحكام العملية ، وقي أرقى معرفة نسأل الله نور ذكره ودعاءه بما يحب ويرضى حتى يعبأ بنا ويقربنا لديه كما قال في مفهوم قوله تعالى .
وقال سبحانه : { وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } الأعراف180.
{ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ }الفرقان77 .
ولكي نعرف يا طيب : ما نقول من أسماء الله التي ارتضاها لنفسه ، والتي أمر الناس لكي يدعوه بها ، يجب حفظ قسم منها ، وليكن لا أقل من الموجودة في سورة الفاتحة والتوحيد ( الإخلاص ) وأول سورة الحديد وآخر الحشر كما سيأتي ذكرها ، وكما يجب أيضا تعلم معانيها ودلالاتها ، وبعض خواص قسم منها وثوابها ، وبعض التعبير بجملها لنرغب بالعبادة والذكر لله تعالى عن معرفة .
وما ذكرنا من الوجوب : هو لكمال المعرفة وقدر المستطاع والحال ، وإلا يكفي ما يؤدى به الواجب من الصلاة والدعاء .
ولذا سنذكر هنا في الإشراق الآتي : بعض الآيات الذاكرة للأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، ثم يأتي ذكر الأسماء الحسنى في القرآن المجيد ، ثم في حديث لله تسعة وتسعين أسما وذكر بعض المعارف العامة الأخرى عنها فتدبرها يا طيب ، وأسألك الدعاء وأسأل الله التوفيق لك ولنا ، إنه أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

الإشراق الثالث :
الأسماء الحسنى الإلهية في القرآن المجيد :
الإشعاع الأول : آيات الكريمة ذاكرة لبعض الأسماء الحسنى :
ذكر الله تعالى : في القرآن المجيد كثير من الأسماء الحسنى ، وبها تعلل في الآيات الحوادث الكونية والاجتماعية والتاريخية ، وكل شيء يختص بالأفعال الإلهية وكل ما يبين عظمة الله تعالى ، وبها طلب منا سبحانه ذكره ودعاءه ، وهذه بعض الآيات الشريفة التي تعلمنا كيفية التوجه لله تعالى بعد معرفته :
قال الله تعالى : { قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ
أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } الإسراء 110.
وقال عز وجل : {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى } طه 8 .
وقال تعالى : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ
أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } الرعد 28 ،
وقال عز وجل : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } البقرة 152 .
فكما أراد الله تعالى ذكره وشكره : نذكر بعض الآيات والأحاديث الذاكرة للأسماء الإلهية في هذا الإشراق وما بعده مع البناء على الاختصار ، لأنه لا غنى لنا عنها بعد أن عرفنا وآمنا بتوحيد الله تعالى بكل مراتبه ، وهي أحب شيء في الوجود بالنسبة للإنسان المؤمن ، وهي غاية العارفين علما وعملا وتجليا ، فهذه هنا بعض الآيات القرآنية الذاكرة لبعض الأسماء الحسنى والصفات العليا :
من سورة الفاتحة : { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ ، ..
. . رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ ، مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }.
سورة الإخلاص ( التوحيد ) : { بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } .
ومن سورة الحديد قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الحديد3.
ومن سورة الحشر قوله تعالى : { هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسماء الحسنى
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الحشر22-24.
وقد ذكر سبحانه : في القرآن المجيد بعد كل واقعة أو حدث أو ذكر لعظمة وشأن له تعالى ، أو معرفة لهدى ولدينه بعض الأسماء الحسنى ويجمع عددها ما نذكره في نور الإشعاع الثاني لذكرها :

الإشعاع الثاني : عدد الأسماء الحسنى المذكورة في القرآن المجيد :
يا طيب : توجد أسماء حسنى إلهية في القرآن المجيد ، منها مضافة لمخلوق معين أو جنس معين أو نوع معين ، كما إن منها مذكورة كصفة واسم حسن مطلق وهي من أمهات الأسماء التي تكون واسعة ومحيط بغيرها من ناحية المعنى والظهور والتجلي في كل شيء يناسبها ويتحقق في الكون من نورها ، ولهذا القسم الأخير نذكر ما ذكره السيد الطباطبائي رحمه الله في الميزان في تفسير القرآن إذ قال : والذي ورد منها ـ من الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ـ في لفظ الكتاب الإلهي مئة و بضعة و عشرون اسماً هي :
أ – الإله ، الأحد ، الأول ، الآخر ، الأعلى ، الأكرم ، الأعلم ، أرحم الراحمين ، أحكم الحاكمين ، أحسن الخالقين ، أهل التقوى ، أهل المغفرة ، الأقرب ، الأبقى ، ( أسرع الحاسبين ) .
ب ـ البارئ ، الباطن ، البديع ، البر ، البصير .
ت ـ التواب .
ج ـ الجبار ، الجامع .
ح ـ الحكيم ، الحليم ، الحي ، الحق ، الحميد ، الحسيب ، الحفيظ ، الحفي .
خ ـ الخبير ، الخالق ، الخلاق ، الخير ، خير الماكرين ، خير الرازقين ، خير الفاصلين ، خير الحاكمين ، خير الفاتحين ، خير الغافرين ، خير الوارثين ، خير الراحمين ، خير المنزلين ( خير الناصرين ، خير حافظاً ) .
ذ ـ ذو العرش ، ذو الطول ، ذو الانتقام ، ذو الفضل العظيم ، ذو الرحمة ، ذو القوة ، ذو الجلال و الإكرام ، ذو المعارج ، ( ذو مغفرة ، ذو عقاب).
ر ـ الرحمن ، الرحيم ، الرءوف ، الرب ، رفيع الدرجات ، الرزاق ، الرقيب .
س ـ السميع ، السلام ، سريع الحساب ، سريع العقاب .
ش ـ الشهيد ، الشاكر ، الشكور ، شديد العقاب ، شديد المحال .
ص ـ الصمد .
ظ ـ الظاهر .
ع ـ العليم ، العزيز ، العفو ، العلي ، العظيم ، علام الغيوب ، عالم الغيب و الشهادة .
غ ـ الغني ، الغفور ، الغالب ، غافر الذنب ، الغفار .
ف ـ فالق الإصباح ، فالق الحب و النوى ، الفاطر ، الفتاح .
ق ـ القوي ، القدوس ، القيوم ، القاهر ، القهار ، القريب ، القادر ، القدير ، قابل التوب ، القائم على كل نفس بما كسبت .
ك ـ الكبير ، الكريم ، الكافي .
ل ـ اللطيف .
م ـ الملك ، المؤمن ، المهيمن ، المتكبر ، المصور ، المجيد ، المجيب ، المبين ، المولى ، المحيط ، المقيت ، المتعال ، المحيي ، المتين ، المقتدر ، المستعان ، مالك الملك ، ( مالك يوم الدين ) .
ن ـ النصير ، النور .
و ـ الوهاب ، الواحد ، الولي ، الوالي ، الواسع ، الوكيل ، الودود .
ه ـ الهادي .
وراجع الموضوع في تفسير الميزان سورة الأعراف [1] ، فإن فيه بحوث شريفة في معرفة الأسماء الحسنى لا يستغني عنها مؤمن . وما بين القوسين ( ) كان من الأسماء الحسنى التي ذكرها الأستاذ السبحاني في الجزء السادس من مفاهيم القرآن المختص بشرح الأسماء الحسنى ، وهو قد شرح كل الأسماء أعلاه فيه ، وفيه معارف قيمة تغني البصير ، وتمتع الخبير ، وتعلم المؤمن معنى ما يناجي به ربه ويدعوه به من الأسماء الحسنى بأحسن بيان واخصر برهان ، فعليك به يا طيب لتعرف معنى ما لا يسعك تركه لا في دنياك ولا في أخرتك إن كنت تطلب الكمال والمنزلة العالية الرفيعة ، أو راجع الجزء الآتي من صحيفة الكاملين الشارح للحديث الشريف الآتي إن راق لك بيان خادم علوم آل محمد عليهم السلام.

الإشراق الرابع :
حديث لله تسعة وتسعين اسماً من أحصها دخل الجنة :
يا طيب القلب ويا مؤمن ويا حبيب الرب : اعلم أنه قد تواتر عن العامة والخاصة أن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ، والمراد من هذا الحديث هو ليس فقط لقلقة لسان دون اعتقاد وعمل بها ، ولا انه من دون الاتصاف بها بقدر الوسع والطاقة والعمل بمرادها ومعناها فيدخل العبد الجنة ويحصل على الكمال والسعادة الخالدة الدائمة في كل الأحوال .
وإلا يا أخي : لو كان يكفي فقط لقلقة اللسان والذكر فقط لكفى المنافقين تلفظ الشهادتين دون إيمان بها ، ولكفى أيضاً لمن يقول أعبد ربك حتى يأتيك اليقين أنه موقن فلا يحتاج بعد لعبادة لله تعالى ، بل لابد أن يتبع العلم والمعرفة العمل وإلا فلا ، وكما عرفت في الأبواب السابقة ، فتدبر .
وأما الحديث الشريف : فهو ما رواه الصدوق رحمه الله في كتاب الخصال : بالإسناد عن الصادق جعفر بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن لله عز وجل تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدة - من أحصاها دخل الجنة وهي[2] : الله :
الإله . الواحد . الأحد . الصمد . الأول . الآخر . السميع . البصير . القدير . القاهر .
العلي . الأعلى . الباقي . البديع . البارئ . الأكرم . الظاهر . الباطن . الحي . الحكيم .
العليم . الحليم . الحفيظ . الحق . الحسيب . الحميد . الحفي . الرب . الرحمن . الرحيم .
الذارئ . الرزاق . الرقيب . الرؤوف . الرائي . السلام . المؤمن . المهيمن . العزيز . الجبار .
المتكبر . السيد . السبوح . الشهيد . الصادق . الصانع . الطاهر . العدل . العفو . الغفور .
الغني . الغياث . الفاطر . الفرد . الفتاح . الفالق . القديم . الملك . القدوس . القوي .
القريب .القيوم . القابض . الباسط . قاضي الحاجات . المجيد . المولى . المنان . المحيط . المبين .
المقيت . المصور . الكريم . الكبير . الكافي . كاشف الضر . الوتر . النور . الوهاب . الناصر .
الواسع . الودود . الهادي . الوفي . الوكيل . الوارث . البر . الباعث . التواب . الجليل .
الجواد . الخبير . الخالق . خير الناصرين . الديان . الشكور . العظيم . اللطيف . الشافي .
وقال الصدوق رحمه الله : قد أخرجت تفسير هذه الأسماء في كتاب التوحيد وقد رويت هذا الخبر من طرق مختلفة وألفاظ مختلفة [3].
وقد شرح الصدوق رحمه الله الأسماء الحسنى شرحا مختصرا في كتاب التوحيد ، كما سيأتي شرح لقسم منها في الذكر الآتي، والتفصيل موكول للجزء الثاني من صحيفة التوحيد للكاملين( صحيفة الأسماء الحسنى والصفات العليا ) .

الإشراق الخامس :
معارف عامة لشرح الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية :
يا طيب : بعد أن عرفنا ضرورة الإيمان بالله وتوحيده ومراتبه ، وعرفنا كيف نصفه تعالى ونوحده بالأسماء الحسنى الذاتية والفعلية ، وعرفنا إنها لا تعد ولا تحصى لأن الكون وكل شيء تعبير عنها وظهورا لها ، ثم عرجنا على معرفة جميلة في شأن الأسماء والصفات الإلهية من حيث ضرورة التوسل بها لله وشكره بها ودعاءه والطلب منه وتمجيده بها ، وعرفنا المهم منها في كتاب الله وفي الحديث الشريف الذاكر لأهمها ، وقبل الدخول في الذكر الآتي لشرح المهم منها.
نذكر يا طيب : معارف عامة فيها للتذكرة ، ولنعرف بعض شأنها العظيم وتقسيمها وكيفية صدقها على الذات المقدسة حسب شأنها وعلو مجدها ، أو كيفية ظهورها في الكون وتحققها فينا وفي أولياء الأمر وهداة البشر وفيمن تبعهم بحق فصار مظهرا لها .

الإشعاع الأول : أسماء صفات الذات المقدسة والأفعال :
أسماء الذات المقدسة : هي أمهات الأسماء وهي عين الذات حقيقة ومصداقا , وإن تكثر مفهومها ، وهي مثل : القادر العليم الحي ، الأول الآخر ، الظاهر الباطن ، وغيرها .
أسماء الأفعال : هي منتزعة من فعله تعالى ونسبة خلقه له وهي زائدة على الذات المقدسة منتسبة لها معبرة عن فعله خلقا وربوبية وهبة كمال لهم ، وهي : مثل الخالق المصور ، أو الرب الهادي القيوم ، أو المنعم الرازق المعافي المشافي .


الإشعاع الثاني : الأسماء الواسعة المحيطة والمحاطة والإضافية:
أسماء الله بعضها واسعة ومحيطة وهي أمهات الأسماء : مثل العليم الحي القدير ، وبعضها ومحاطة للأسماء الواسعة وتحت ظهوره : مثل السميع ، والبصير ، وعالم الغيب والشهادة تحت حيطة اسم الله : العليم .
ولذا تكون بعض الأسماء الحسنى مضافة ومحاطة مثل : الفالق : يضاف له فالق الحب والنوى ، فالق الإصباح .

الإشعاع الثالث: أسماء الصفات الكمالية والسلبية :
كما إنه بعض أسماء الله الحسنى :
أسماء صفات كمالية : وهي التي تعبر عن كمال وجمال الذات المقدسة ، وهي أغلب أسماء الله الحسنى بل كلها ، مثل : الحي العليم القدير الرحمن الرحيم البر الغفور العلي العظيم الرازق المعطي وغيرها .
وأسماء صفات سلبية : أي بذكرها نسلب كل نقص وحاجة عنه تعالى ، وهي مثل : سبحان قدوس ، تعالى عن كذا أي لا يناسب شأنه ، أو أنه أعلى من هذا الوصف ، وغيرها كالمضافة كليس بجاهل ولا محتاج ولا شريك له ، ولا ند ولا صاحبة ولا وزير ولا مشاور ، وليس كمثله شيء وغيرها .

الإشعاع الرابع : أسماء صفات الجمال والجلال :
يا طيب : إن الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية كلها حسنى : وهي كلها صفات جمال وجلال حتى لو كانت صفات قهر كما ستعرف .
وإن صفات الجمال : هي المعبرة عن الحُسن والبهاء والسناء والرحمة والفيض والتجلي بالبركة والخيرات والبر والإحسان وهي مثل : الرحمن الرحيم البر الغفور العفو العليم القادر الصادق العدل وغيرها .
وصفات الجلال : هي المعبرة عن القهر والغضب الإلهي والشدة على المعاندين لهداه وعبودية : وهي مثل : المنتقم ، شديد العذاب ، القهار ، والمتكبر والجبار على بعض معانيها .

الإشعاع الخامس : الصفات ظهورها وبطونها :
أعلم يا طيب : صفات الله سبحانه فيها ظهور وبطون ، أي يبطن في صفات الجمال جلال ، وفي صفات الجلال جمال ، وهي في الذات المقدسة مصداق واحد للظهور بالعدل والإحسان وكلها نور وبهاء ، ولكن قد تكون في ظهورها وتجليها في الخلق وعلى الكائنات وبالخصوص الإنسان :
في ظاهرها نقمة وعذاب ولكن هي في حقيقتها رحمة ونعمة ، وهي حين تكون على المؤمن ، قد تراه شدة أو خفض منزلة ، مثل مرض أو تسليط كافر عليه ، وهو لاختبار المؤمن ولعلم صدقه وإنه يطيع الله على كل حال أو لا ، فإن صبر فقد فاز ونجح ، أو لرفع عجب التكبر منه وتوفيقه للتوبة والإنابة وغيرها من ظهور شؤون العظمة الإلهية الربانية لهداية عباده الطيبين ، فتبطن الرحمة والجمال في النقمة والجلال الظاهر على العبد لزمن معين فيتبدل حاله بعد حين .
فقد ننظر لرحمة ورزق ، ولكنه قد يكون استدراج ولإتمام الحجة ولقهر الطرف المتعصي بعد حين ، وإذلاله وإنزاله من ظهور بعض نعم الله عليه لأسفل سافلين ، فيبطن الجلال في الجمال الظاهر على المتعصي لزمن معين فيتبدل حاله ، وسيأتي في الباب الآتي وما بعده معاني كريمة لها ، وهكذا في وشرحها في الجزء الآتي وفي صحيفة التوحيد للعارفين . وإذا عرفنا يا طيب : بعض المعارف العامة عن الأسماء الحسنى الإلهية ، ندخل يا طيب ، في معارف شرح لبعض منها ، ولأمهات الأسماء الحسنى ، وأسأل الله لك ولي : نورها في كل جمال يحبه لعباده الطيبين علما وعملا إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .





Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.