العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


وجوب معرفة توحيد الله وأصول الدين بالدليل والبرهان

وجوب معرفة توحيد الله
وأصول الدين بالدليل والبرهان وآثار المعرفة وثوابها
الذكر الأول
تعريف وجوب المعرفة لأصول الدين وأنواع المعتقدين
وللذكر أنوار تشرق علينا معارفها إن شاء الله:
النور الأول
تعريف أصول الدين والاعتقاد ووجوب معرفتها وأنواعها
يا طيب : هذا تعريف : لألفاظ طالما نستعملها ونستخدمها في بحوث أصول الدين والأسس الداعية لمعرفتها وبيان أهميتها ، نتدبرها معاً يا أخي لنكون على دراية بما نطلب في هذا البحث الشريف من المعرفة ، والتي هي ركن الحياة السامية ، وأغلى معرفة واقعية ، وأس الوجود ، وغايته الكاملة ، وهي التي يصبوا لها كل طالب للحق ، ويرنوا لمعرفتها كل بحاث عن الخير والنعيم ، وبها اطمئنان النفس والسعادة الحقيقية للروح وللمجتمع ولكل أبناء جنسنا ، وأهمها :
الدِّينُ : أصله دان أي خضع وأطاع وأقر ، ولما لا يكون الخضوع والطاعة والإقرار عن طيب نفس إلا جزاء لحق على المتدين أو المدان .
فالدين : يكون هو الطاعة للحق والإيمان به علما وعملاً ، وهو الديانة .
والمراد بالدين هنا : أسم لجميع ما يعبد به الله سواء في ذلك أصول الدين أو فروعه .
وقد يطلق لفظ الدين مجازاً : على أمور أخرى بعناية أو للمناسبة لما يطاع وتقام له مراسم عبادة ، مع أنه ليس له حق الطاعة في الحقيقة ، فيشمل بعموم لفظه ومعناه كل ما يتخيل أن له حق الطاعة وإن لم يكن له حق واقعي صادقا على من يدين به ، فيشمل كل الأديان الأخرى التي يتعبد بها لما سوى الله تعالى ، وهو مثل التدين بالأديان المشركة ، أو الكافرة الوضعية التي تصب في إطاعة هوى النفس والشهوات أو الأفكار الخيالية والوهمية ووسوسة الشيطان .
وأما العقيدة : فهي كل ما يؤمن به الإنسان من أفكار ومبادئ ويلتزم بالعمل بتكاليفها ، وعقد قلبه على الإيمان بها مع العلم والعمل .
والأصل : هو ما يعتمد ويستند عليه كل شيء ومنه يبدأ وجوده وعليه تتفرع فروعه .
والاعتقاد بالدين : هو الإيمان بكل ما يفرضه حق الطاعة على الإنسان ، فيشمل المعرفة بالقلب و الإقرار باللسان و العمل بالجوارح . فعقائد الدين : ـ عندنا كمسلمين ـ هو الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأولياء دينه وبكل تعاليمه التي شرف الله بها الإنسان وكلفه أن يعمل بها ليصل لسعادته ونعيمه وحقيقة عبوديته ، فهي كل ما فرض الله من أمر الدين وتبعاته وتكاليفه .
وأما حق الطاعة لله تعالى : فهو يتلخص بشكر المنعم ، أو لخوف عقابه ، أو لحب الخضوع للكمال المطلق وكل ما أمر به من غير النظر لنعيمه أو عقابه ، أو للكل مجتمعة شكرا له لأنه صاحب الحق وخالق ومنعم وخوفا منه وحبا لها .
فأصول الدين العقائدية : هي الأُسس المعتمدة للأفكار والمبادئ التي يلتزم الإنسان بها ويعقد قلبه على الإيمان بها في كل الأحوال والظروف ، ثم يتبعها بالطاعة والعمل بكل تكاليفها وأحاكم فروعها قدر الوسع والطاقة .
وأما وجوب المعرفة : فهو بمعنى لزمَ وثبتَ واستحق على الإنسان ، وفرض عليه واشتغلت ذمته بالحصول على المعرفة والعلم بشيء معين ، وعن طريق الدليل المحكم والبرهان القاطع المانع من الشك والشبهة .
فوجوب المعرفة لأصول الدين العقائدية : هو أن كل إنسان دان واعتقد بأصول فكرية ومبادئ إيمانية ، وجب علية معرفتها بالدليل والبرهان .


النور الثاني
الإيمان والعمل بأصول الدين وأنواع المعتقدين
وفيه تشرق علينا معارف لها أشعة تنورنا الهدى الحق إن شاء الله :

الإشراق الأول : الإيمان بالأصول العقائدية وأنواعها :
شعاع نور : العلم الواقعي بالعقيدة يجب تحصيله قبل الإيمان والعمل :
يا طيب : إن إي إنسان يؤمن بعقائد معينة ويدين نفسه بها ويريد العمل بما تمليه عليه من تكاليف ، وبأي نوع منها سواء كانت العقائد دينية من شرع الله أو غيرها ، فإنه لكي يؤمن بها ؛ يجب عليه أن يعلم بأصولها ويقيم عليها البرهان القاطع والدليل المحكم ، ويجب التفكر فيها حتى يحصل له اليقين والقطع ، ولا يكون بأقل من الاطمئنان فيما يعتقده ويؤمن به ويدين به ، ثم بعد ذلك يمكنه العمل بما تمليه عليه الأصول العقائدية لدينه من مبادئ وتحمله من مسؤولية.
و إلا إذا لم يكن الإنسان : عنده دليل على ما يعتقده ولا برهان على ما يؤمن ويدين به ؛ يكون من الهمج الرعاع الذين لا يفهمون شيئا ، ومن الذين ينعقون مع كل ناعق ولا فكر لهم ولا روية ، ولا نظر معرفة في دينهم واعتقادهم ، وسرعان ما يُخدعوا عن دينهم ويتركوا إيمانهم به ، كما ويندر منهم العمل بواجباته وتكاليفه إن لم تكن موافقة لشهواتهم الدافعة للعلم والعمل .
نعم بعض المعتقدين : يسعى للدفاع عن بعض العقائد ويظهر التدين بها ، بل وتراه يُنظر لها ويؤلف فيها ويحث الناس على تطبيقها والعمل بها لا من باب الإيمان بها واعتقادها ، بل من باب الاعتقاد بالمصالح الدنيوية وللحصول على بعض المناصب وشيء من حطام الدنيا وزينتها ، أو من باب الغرور والعجب وحب الظهور ، وهذا كالتنظير والدفاع عن بعض الأحزاب الدنيوية وأهدافها والعمل فيها ، أو لخدمة بعض الحكام والتزلف لهم وتصديق أقوالهم من غير أيمان بها ، ولا إيمانا بهم ولا عقد القلب في كل الأحوال على طاعتهم، بل ليس له حبا لهم ما لم تكن صحبته لهم ودفاعه عنهم في صالح شهواته ومنافعه الشخصية ، وإن اظهر المتابعة لهم والعمل وفق مبادئهم ودعا الناس لها ولهم فهو لغرض آخر .

الإشعاع الثاني :من يدعي لا دين له متدين :
ومعناه : إن كل من يدعي لا اعتقاد عنده فهو معتقد ، فإن من الناس من يدعي أنه لا يؤمن بعقيدة ولا يتبع أحد في دينه أو معتقده ولا يهتم بشيء ، وهذا أيضاً نوع من الاعتقاد ؛ لأنه يلتزم به ويدافع عنه و إلا لما التزم به ولا دافع عنه ، وهذا معبر عن إيمانه وعقد قلبه عليه ، أو على دافع داخلي آخر من حب البروز والظهور وغيرها من مطامع الشهوات النفسانية ، فيكون هذا هو دينه الذين يدين به وهذا معتقده وإيمانه ، وفي الحقيقة اعتقاده بدين هوى نفسه ومصالحه وشهواته ومنافعه الدنيوية الآنية ، وانقلاب فكره وثباته تابع لها .
وإن الدين الإسلامي الحق : مبادئه وأحكامه ثابتة ، وواجب عقد القلب والفكر عليها على كل الأحوال ، ولا يجوز التواني فيها فكراً وإيماناً أبداً ، وإن العمل بها يكون حسب الوسع والطاقة ، وهذا تخفيف من الله تعالى عن المُكره والعاجز ، وهو غير النفاق الذي يكون فيه الإنكار القلبي دون العملي ، أو الكفر الذي فيه الإنكار القلبي والعملي .

الإشعاع الثالث : أنواع العقائد في الدنيا :
ويا طيب إن العقائد الموجودة في هذه الدنيا : لا تخلو إما أن تكون لا دينية وتدخل فيها جميع العقائد الإلحادية سواء علمانية أو اشتراكية أو رأسمالية وما شابهها كالإباحية أو الهتلرية والهدامية الميتية وغيرها ، وإما أن تكون من العقائد الدينية المحقة ، والعقائد المخلوطة والمنحرفة عن الدين والمذهب الحق تكون تابعة للقسم الأول لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال ، كما ويوجد مستضعفون وهم الذين ليس لهم القدرة على متابعة التدبر وتحصيل البرهان على معرفة الحق وأهله .
وتدخل في العقائد الدينية وغيرها : المواضيع المتفرعة عليها ، وهي مختلفة من ناحية الموضوع والتكاليف وما تهتم به كالسياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع ، وغيرها من الأمور التي تهتم بتنظيم الفرد والأسرة والمجتمع والدولة ، بالإضافة للأمور العبادية وطلب الإخلاص بها لله تعالى وطلب رضاه أو لا .
كما إن بعض العقائد : لها أدلة محكمة وبراهين قاطعة ، وبعض العقائد ركيكة الأساس ولا برهان لها ، ولا دليل لها إلا خطب وكلمات رنانة واهية الأصول ، وما بينهما عقائد مختلفة جامعة بين الحق والباطل .

الإشراق الثاني : شدة الإيمان بالمبادئ الدينية وضعفه وحقيقته :
وفيه أشعة نور :
الإشعاع الأول : شدة الإيمان بالاعتقاد تابع لرسوخه في النفس:
يا طيب : إن شدة الإيمان والالتزام بالعقائد الدينية الفكرية والعمل بما تمليه من أحكام وحدود ، أو الدفاع عنها وتحمل المسؤولية من أجلها وضعفه ، تابع لمدى رسوخ مبادئها في النفس ، ولمقدار اطمئنان الإنسان بصدقها ، والناس في ذلك مراتب ودرجات حسب معرفتهم بها وبأهمية أثارها ومنافعها الواقعية .
وقد عرفت يا أخي : أنه لا يوجد إنسان في الدنيا خالي من عقيدة ما والتدين بدين ما ، ولا يمكن أن تجد إنسان لا يتدين بمبادئ معينه ولا يؤمن بعقائد خاصة ، سواء دينية إلهية أو غير إلهية ، والناس في ما يعتقدون وبما يلتزمون بالعمل به يكون وفقاً لشدة إيمانهم الذي له مراتب متدرجة من الضعف للشدة :
فمنهم : من تراه يترك ما يعتقده ويدين به بأبسط الأسباب المخالفة ، وينخدع عن اعتقاده بأسهل الأدلة حتى لو كانت في نفسها ركيكة لا أساس لها.
ومنهم : الساذج في اعتقاده والبسيط في إيمانه ، وما تراه يعتقده كله تقليد للآباء ولعادة مجتمعه ، وهو مثلهم ملتزم بما التزموا به من المبادئ والعقائد الدينية ، وإن كان تراه يؤمن ويعمل بها ويدافع عنها ، إلا أنه لا علم حقيقي عنده بها ولا بأدلتها وبراهينها ، بل لمتابعة أهله أو صحبه وأصدقاءه .
ومنهم : يعتقد بمبادئ مذهب معين ويعمل بما يخالفها ويحسبها منها .
وهناك المؤمنون حقا : فإن من الناس من تراه يعتقد اعتقاد حقيقي بما يدين به ، وعارف بكل حدوده وأحكامه ، ومؤمن أيمان راسخ بمبادئه ، ويعتقد أن له دليلا محكما وبرهانا قاطعا بأسسه وأهدافه وغاياته ، وله اطمئنان قوي بكل ما يدعو إليه مذهبه وما يتدين به ، فله يحيا وعليه يموت ، ولا تهزه اكبر الأدلة المخالفة عن أيمانه بما يدينه ، ولا يبعده كل ما في الدنيا عن رسوخ عقيدته ، ولا ينخدع ولا تزل قدمه عن أصول اعتقاده ، وتراه يتحمل كل مسؤولية في سبيله ، ويضحي من أجله ، ويعمل بكل ما يلقي على عاتقه من تكاليف وأحكام ، فهو مسلّم له وعالم عامل به ، وهو مطمئن بفائدته وأنه فيه كل شرف وخير وفضيلة وكرامة في الدنيا والآخرة ، أو في الدنيا فقط وإن كان مخطئ في نظر الآخرين ، لأنه قاطع بأن إيمانه بدينه يوصله للسعادة بجميع أنواعها حين تطبيق معتقده.

الإشعاع الثاني : الاعتقاد الراسخ قد يخطأ صراط الهدى والنعيم الواقعي :
يا طيب : إنك عارف إنه حتى هؤلاء المعتقدون بشدة لما يؤمنون به وقد يصلون لمرتبة اليقين : قد يكونوا مخدوعين في شدة التزامهم بعقائدهم والدفاع عنها ، وبالخصوص إذا لم يكونوا قد تحروا الدقة في سبيل وصولهم لدينهم وأحقيته ، وليس كل من استمات في الدفاع عن فكرة معينه ودين ، فهو على الحق والهدى الواقعي وحصل على السعادة الحقة ، و إلا ما أكثر من يعتقد صواب دينه ويدافع عنه بالأدلة ويقيم له البراهين ، وهو على ضلال من الصراط المستقيم لمعنى السعادة والخير والفضيلة والكرامة والعز والمجد الحقيقي الذي يجب أن يكون من شأن الإنسان الطيب وذوا العقل السليم .
وهذا الكلام يجري يا أخي فيشمل المسلمين : ممن يحاولون أن يدينون بالدين الإلهي القويم ، وإن الفرد منهم قد يكون في شدة دفاعه وقوة برهانه تراه عند تحري الصدق في أدلته وبراهينه ، إنه يخلط الحق بالباطل والضلال بالهدى ، وبكل معلومة يعتقدها ، وبكل عمل يعمله ، وبكل كلمة يقولها يهبط عن تطبيق دين الله إلى أسفل سافلين ، ومع ما يعتقده إن علمه وعمله هذا من الدين ، وذلك لأنه يحسب المعروف منكر والمنكر معروف ، غفلة عن الحق وعدم التوجه الصادق لطلب الخير والفضيلة من محلها وسبيلها المحكم ، ولعدم السعي الجاد المتقن لمعرفة السعادة الواقعية من أسبابها الحقيقية ، والتي فيها النعمة والكمال التام والعبودية الصادقة لله بصراطها المستقيم ، والذي جعله الله عند ممن أختارهم ونصبهم أئمة حق لهداية خلقه لدينه الصادق ولواقع النعيم الدائم تبعه .
فتراه : في عين استماتته في دفاعه عن معتقده ودينه وبما يراه ويحسبه لنفسه على الحق ، وإنه لا حق بعد براهينه وأدلته ، وإنه يدافع عن مبادئ دينه وفروعه الذي كرم الله تعالى به عباده ، ولكنه في الواقع هو بعيد كل البعد عن الحق ، وليس له في الحقيقية إلا عناء التعب والفكر الذي هو مليء بالمكر والحيل التي رتبها له المنتفعون به والداعين له ، سواء في سالف الزمان ، وإن انقضوا ولكن فكرهم بقى ، ويتبعه في زمانه أئمة ضلال من الذين قلدوهم وتبعوهم عن دراية بخطئهم ولكن لهم منافع ، أو لا فيحسبون أنفسهم يحسنون صنعا وهم في واقعهم مخطئون ، وهو قلدهم بدينه وآمن بفكرهم وعلمهم وعملهم ، فجرى على ضلالهم وسار في طريق معوج مبتعدا عن الصراط المستقيم للدين القويم .
فإنه مع إيمانه الراسخ : واعتقاده الذي قد يموت في سبيله ويدافع عنه ، فإنه في الواقع ليس له ذكر صادق من المذهب المرضي لله تعالى ، ولا الهدى الحق الذي فيه خير الإنسان وبركات الوجود ونعيمه الدائم ، أي إنه ليس في عبودية الله الحقيقية التي فيها كل خير وبركة ونعيم ، وإنه لو تدبر بإمعان في دينه ومذهبه يراه عين الباطل والضلال والجهل والظلام .
وحتى المجُد : في البحث عن الدين الحق ، والاعتقاد الصادق ، قد يصيب أو يخطئ ، وحسب سلوكه وصراطه الذي يطلب به الحق من الهدى ، وطريقه في البحث عن الدين القويم وأسسه وفروعه وأحكامه ، فكم من مُجد في البحث عن عقائده ويحسبها حسنى وفق نظره وفكره وما توصل له ببحثه ، وهو قد يكون في شَبه للحق من الدين ، أو لشُبه يخرج من الحق فيخطأ الدين ، أو وفقه الله فهو في صراط مستقيم في معرفة الحق ، فيزداد إيمانه ويحصل على الهدى الحق واليقين الصادق ، فيخرج من الضلال ، فيصيب الدين الواقعي الذي فيه رضا الله وكل سعادة ونعيم وخير وبركة وسعادة أبدية دائمة .

والإنسان بصورة عامة في أي حال كان : فهو بين : دعوة حق وهدى ، أو دعوة باطل وضلال ، وعليه الجد والاجتهاد والمثابرة والطلب الصحيح للسعادة الواقعية في دين صادق فيه كل نعيم للهداية والصراط المستقيم لكل خير وفضيلة وسعادة دائمة والذي هو عند أهل الحق ، والذين يؤيدهم الله وكتابه الخالد ورسوله وسيرتهم وسلوكهم وصفاتهم ، وكل أدلة الوجود الكونية والعقلية ، والفطرية الوجدانية ، والاجتماعية التطبيقية بكل أبعادها .
فإذا عرفت هذا يا أخي : فأعلم أن المطلوب منا هو الإيمان الراسخ في الدين الحق الموصل للسعادة والنعيم الدائم في عبودية الله ورضاه وجنته ، وبيانه :

النور الثالث
المطلوب هو الاعتقاد الراسخ بأصول الدين الحق
وفيه تشرق علينا معارف تنورنا الهدى الحق إن شاء الله :

الإشراق الأول : الدعوة للاعتقاد الراسخ سبيل المنظرون :
يا طيب : الاعتقاد الراسخ : الذي لا يزول والإيمان الشديد في أعلى مراتبه ، هو ما يحاول كل كاتب أن يدعوا له ، وبما يناسب عقيدته وبما يدعم مبادئه ، وذاكراً له الأدلة والبراهين بكل أسلوب يستطيعه ، وبكل بيان يعتقد إنه يفيده ، وبكل وسيلة تساعده ، سواء كانت لها حقيقية وواقعية أم لا ، ويتشبث بكل مقال يمكن أن يعينه على نشره وترويجه ، ويطلب من تابعيه وقراء مقالاته الإيمان به وتصديقه والاعتقاد به والعمل بتعاليمه .
ولذا يا أخي : ترى كل حزب : بما لديهم من القول المدعوم بالبيان المزخرف فرحون ، إلا حزب الله فإنهم هم الغالبون ، لأنهم يدعون للحق وبهدى الله يعملون ، وذلك لما ستطلع عليه من أن الحق في هدى الله وهو الهدى الصادق ، وما بعده ضلال وخلاف الحق والواقع مهما كان له من البيان والشرح ، وهذا ما ستعرفه في هذه الصحيفة الماثلة بين يديك إن شاء الله .

الإشراق الثاني : الحاكم على عقائد الناس وصدقها العقل والوجدان:
يا طيب : إن الحاكم على العقائد : في إن لها حقيقة وتوصل لكل خير وفضيلة وكرامة أم لا ، وأنها تستحق الأيمان بها أم لا ، هو نفس الإنسان : فهو على نفسه بصير وعليه معاذيره التي يقطع بها عقله ووجدانه وضميره ، فهو القاضي فيما يقرأ ويسمع ويرى .
والعاقل من بني الإنسان : عليه الإنصاف وطلب الحق وتحري الدقة في معرفة عقائده وأصول دينه ومذهبه ، فإنه من يؤمن ويتدين بما لا أصل له من برهان محكم ودليل قاطع لا يخدع إلا نفسه ، ولا يجني إلا على مستقبله وعاقبته في الدنيا والآخرة ، وهو خلاف التعقل والوجدان السليم وطلب الفطرة الطيبة ، وخلاف ما عليه العرف والمجتمع وكل مجد في نفع نفسه واقعا وصدقا .

الإشراق الثالث: الإيمان الراسخ بالله وتوحيده سبيلنا :
يا طيب : إن الاعتقاد الراسخ : والإيمان المحكم بأصول الدين الإسلامي ، ومن ثم العمل بفروعه ، هو المهم في بحثنا هناوإن ما نبحثه هنا في هذه الصحيفة هو الاعتقاد الديني الذي يُحمل الإنسان المسئولية ، ويلزمه بحدوده ، ويوجب عليه العمل القطعي بتكاليف الدين الجوارحية العملية الفعلية ، وعن علم بكل تفاصيل ما شرفه الله من تعاليم الدين الضرورية ، فضلاً عن الإيمان القلبي والجوانحي والفكري الذي يدور عليه بحثنا في العقائد هنا ، وهذا الاعتقاد يوصله لرضا الله ورضوانه الذي فيه اطمئنان النفس ، وبه سعادة الدنيا والآخرة والنعيم الكامل الذي لا ينغصه شيء أبدا وحقا وواقعا .
وأصول العقائد الدينية المذكورة هنا : هي ركن الدين الإسلامي وأساس الإيمان به ، ووفق تعاليم أفضل وأشرف المذاهب في الدنيا ، فهي أصيلة في وجودها ، كبيرة في أهدافها ، ويؤمن بها أُناس كثيرون لما رأوا من الحق المبين فيها ، وذلك لأن المنظرون لها والمبينين لتعاليمها هم أشرف خلق الله وسادت أهل الدنيا ، وهم المختارون والمصطفون من قبل الله تعالى ، وهم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، ومن تبعهم بحق من الصادقين والطيبين من المؤمنين .
فإنه يا أخي أن المتعلمون منهم : والناشرون لتعاليمهم مجموعة كبيرة طيبة ، وطبق هدى مبادئ أئمة الحق يكتبون ، ومن تعليمهم لعقائدهم ينهلون ، ومن معارفهم لدينهم يأخذون ، وبما فهموا منهم من دين الله الحق ينشرون ويبينون ويدعون ، وكلهم يدعون لمبدأ واحد وعقيدة واحدة ، ولهم هدف واحد وغاية واحدة ، هي الوصول لرضا الله تعالى وإقامة حقيقة العبودية له كما أنزلها على خاتم رسله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما طلب منه أن يعلمه لعباده من غير اختلاف في هداه ولا انحراف عنه .
والمطلوب هنا هو : الإيمان بأصول الدين الإسلامي الحنيف الحقة الصادقة والواقعية : الخمسة وهي : الإيمان بتوحيد الله ، وبعدله ، وبالنبوة المرسلة من قبله ، وبخلفاء النبي من أئمة الحق ، وبالمعاد يوم القيامة ، وكل ما توجبه وتشرفنا به من تكاليف تبعها في فروع الدين العملية والعلمية الأخرى.
ويا طيب : إن هذه الصحف التي بين يديك أعدت لبيان أصول دين ، وتدعوا كل الناس لأن يؤمنوا بما مدون فيها من عقائد ومبادئ ؛ أسسها القرآن المجيد وسُنة نبينا الكريم وشرح آله الأطهار صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وستذعن إن شاء الله بما فيها من الأدلة القوية المقنعة ، والبراهين الساطعة المحكمة ، والأسس الواقعية الصادقة ، وتكون من معتنقيها والمتدينين بها ، وتدعوا كل طيب لأُسسها ومبادئها ، فضلاً عن الإيمان الشديد القوي في أعلى مراتبه بها ، والاعتقاد الراسخ المحكم لما مدون فيها في أعلى منازله ، وذلك لما سترى من إنها توصل كل محب للخير والفضيلة ولرضا الله وهداه ولسعادة الدنيا والآخرة .
فتطلع يا طيب : في هذه الصحف بعين الوجدان ، وبضمير حي محب للأنصاف ، لترى أصول عقائد الدين الإسلامي الحقة ، والواقعية التي لها أقوى الأدلة ، وأعلى البراهين المحكمة على نحو الحقيقة والواقع ، لا خداع ولا غش ولا تسويف ولا كذب فيها ، ولا شك ولا شبهة في مقدماتها ولا في نتائجها .
بل كل ما نذكره يا أخي : هنا في هذه الصُحف لأصول الدين تصدقه العقول المنصفة ، ويقطع بحقيقتها الوجدان الصاحي ، وتؤمن به الضمائر الحية ، وتلتذ به الأنفس الطاهرة ، وترنوا للمزيد منه الأسماع المحققة والعيون الفاحصة ، طالبة بذلك كله ما يسعدها من مبادئ وعقائد ، والتي بها تجد نجاتها من هَم الدنيا والآخرة وغمهما ، والفوز والفلاح والسعادة الحقيقة فيهما ، وعبودية الله ورضوانه الأكبر الذي هو غاية الوجود ، وقمة طلب العارف بالرب المعبود ، والمنصف الذي يحب أن يؤدي حق الخالق لكل موجود ، وفيها رضا الله إن شاء الله سبحانه وتعالى .
فتدبر يا أخي : في هذه الأدلة هنا ، وما نذكره من الإرشاد للحق وصراطه المستقيم ، وما فيها من علم بأصول دين الله القيم وهداه الموجب للسعادة والنعيم ، وطالعها بإنصاف ، سترى الحق معنا ، والصدق سبيلنا ، وليس كما يدعي المدعون ، ولا تجد هنا سبيل للف والدوران كما يغلب عليه فكر المنظرون لطلب الدنيا ، بل لطلاب الآخرة وهم في خطأ السبيل سائرون ، وهم يعلمون أو لا يعلمون ، أو هم في ضلال وغلط الفكر حتى في محاولة سيرهم على الصراط المستقيم الهادي لكل النعيم .
فحكّم يا طيب : وجدانك وضميرك وعقلك معنا ، وطالع الممكن لتحكم في تصديق دعوانا فتقض لنا ، وتدبر في ما نذكر وقارنه بغيره ممن يُنظر لدينه في خلافنا ، ترى الفرق بيننا في الدنيا والآخرة إن أمنت بأحد الطرفين معنا أو ضدنا ، وأسأل الله لأن يجعلك معنا ، ويقنعك بما يوصلنا لعبوديته بكل ما يحب ويرضى ، وحتى يجعلنا مع أشرف خلقه وأكرمهم، وسادت العباد وأطهرهم ، والصادقون الطاهرون المصطفون الأخيار الأبرار الذي اختارهم لهدى دينه ، نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الصديقين صلى الله عليه وسلم أجمعين ، وهو ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

الشيخ حسن جليل حردان الأنباري




2 
مجدى سالم

الذكر الثاني
يجب على الإنسان معرفة عقائده بالدليللا بالتقليد
فبعد أن عرفت يا طيب : إن ما من إنسان إلا وله ما يعتقد به ويدين شاء أم أبا ، ولو كانت أصول إيمانه بدينه ضعيفة ومبادئ اعتقاده بسيطة ، وإن الناس في شدة تطبيق عقائدهم والدفاع عنها مختلفون في القوة والضعف حسـب مالهم من العلم والإيمان بها ، و حسب ما تدر عليهم من المصالح وما لها من آثار دنيا أو وآخرة ، وإن الإيمان الشديد بالدين والاعتقاد القـوي بالعقائـد تابـع لقوة الدليل والبرهان ولشدة رسوخه في العقل واطمئنان النفس به وبفائدته ونفعه من خلال الإيمان بالله ، أو للآخرين حسب شدة إيصاله للمنافع الدنيوية وشهوات النفس وهذا اعتقادهم ودينهم وغرضهم ، سواء كان له نفع شخصي أو نفع جمعي يعتقدوه في غير الدين الإلهي وهداه وفي غير عبودية الله ورضاه .
وعرفت يا أخي : إنه على الإنسان الواقعي والعاقل الفاضل أن يؤمن بدينه وأصول عقائده بالدليل المحكم وبالبرهان القاطع ، والذي فيه خيره وصلاحه ونعيمه الدائم ، وهو لا يكون إلا في عبودية الله تعالى وطلب رضاه والتدين بدينه الذي أنزله على خاتم رسله، وحافظ عليه بآل نبينا صلى الله عليهم وسلم .
فهنا يا طيب : أنوار هدى تعرفنا الحق من ضرورة معرفة أصول الدين الحق وعقائده بالدليل المحكم والبرهان القطعي بالإضافة لما عرفت ، مع ذكر لبعض الشواهد من كتاب الله المجيد ، وسنة نبينا الكريم وآله صلى الله عليهم وسلم ، وبالإضافة لبحث عقلي آخر هنا وفي الذكر الآتي إن شاء الله ، فتابعه وتدبر به ، فإنه الحياة الحقيقية للمؤمن المتحري للحق بواقع الدليل والبرهان ، والبوار في عدم الإيمان بما يوجب رضا الرحمان ويقرب من الرب المتعال المنان .

النور الأول
سبب وجوب معرفة أصول العقائد بالدليل والبرهان
وفيه تشرق علينا معارف تنورنا الهدى الحق إن شاء الله :

الإشراق الأول : معرفة العقائد بالدليل موجب للإيمان وظهور آثاره :
لا أظن يا أخي : بعد الذي ذكرنا من طول البيان فاتك معرفة سبب وجوب المعرفة لأصول الدين ، وأنه لكي ترسخ عقيدة المعتقد بالأصول الدينية ، ولكي يثبت وتطمئن نفسه بإيمانه بمعتقده ، وعمله بما يمليه عليه من تكاليف وآداب ، ولكي تزول عنه الشكوك وتذهب عنه كل وسوسة ، ولكي لا تبقى عنده شبهة ، ولكي لا ينخدع عن دينه ، ولكي لا يسوف ويماطل في تطبيق مبادئه وأحكامه ، بل لكي يتحمل المسؤولية الدينية ويطبقها بجميع أحكامها وفروعها ، فضلاً عن الإيمان بأصولها والاعتقاد بها كلها .
والإنسان : عند معرفة أصول دينه وعقائده والإيمان بها ، عند ذلك تفيض من روحه على خُلقه وصفاته وأعماله ، وبما تلبست جوانحه من مبادئها وأمن به عقله من عقائدها تتجلى على وجوده الظاهري ، وعندما ترسخ أصول دينه وعقائده في نفسه يُعرف إيمانه بها في كل أعماله وحركاته وسكناته التي يكون فيها تطبيق لتكاليفها وحدودها وأحكامها ، وبما تملي عليه من مبادئ علميه وعملية وظهورها في وجوده بالشدة وعدمها ، نعرف قوة إيمانه وضعفه .
فمعرفة العقائد الدينية : بالدليل والبرهان يكون دافع قوي لإيجاد الهمة على العمل بها والدعوة لها والجهاد في سبيلها ، ورفع الكسل والتواني عن تطبيقها ، وإبطال عدم الاهتمام بها وبمصيرها ، أو العمل بضدها والإعانة على هدمها .

الإشراق الثاني : العقائد أمور عقلية نفسية والدليل يحرك لآثارها:
يا طيب إن وجوب العلم بالعقائد : ومعرفة كل إنسان أصول دينه وما يؤمن به وفق البراهين المحكمة والأدلة القاطعة مسألة لابد منها في كل اعتقاد ديني ، وبالخصوص أصوله ؛ فإن الإنسان : هو عصارة الوجود المخلوق وعقله المتفكر ، ولا يمكن أن يكون له السعي الجدي لفعل ، ولا يصل إلى مرتبة العزم عليه والعمل به ، ولا يسعى لتطبيق عملا حقيقيا عن رغبة وحب وشوق وإخلاص له ؛ إلا أن تكون له قناعة به وتصديق بفائدته واعتقاد بمنفعته بعد العلم به .
والمسائل العقائدية : هي من الأفعال العقلية والأعمال الفكرية ولا يحصل الإيمان والاعتقاد بها إلا وأن تكون عن برهان محكم ودليل قوي ، فعند ذلك ترسخ في النفس وتطمئن لها الروح ويصدق بنفعها وفائدتها الإنسان الحي ، وبهذا تفيض على جوارحه بالأفعال ويأخذ بتطبيق كل أحكامها عن حب وشوق ، ويعزم ويصمم على فعلها في كل الأحوال والظروف ، ويدافع عنها وينتصر لها ويدعوا الناس إليها في كل زمان ومكان على قدر الوسع والطاقة .
فالإيمان عن معرفة : إذا كان بالدليل المحكم وبالبرهان القاطع يكون له الأثر الكبير في رسوخ الإيمان والاعتقاد الشديد بما أنزل الله تعالى من مبادئ وتعاليم على نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، والعمل بها عن حب وشوق ومودة ، كما إن الإيمان عن معرفة حقيقية وأصول محكمة وقواعد متينة يزيل كل الشبهات والشكوك المثارة حول التدين بدين الله تعالى والاعتقاد بتعاليمه ، ولا يتزلزل الإيمان بعد معرفة إن مبادئه صادقه ، ولا ينخدع عنه الإنسان المؤمن بعد الاعتقاد الحقيقي بأنه يوصله لكل خير وفضيلة وكرامة وسعادة ، وبالخصوص رضا الله الأكبر من كل غاية وهدف للمؤمنين العارفين .
وندع الكلام : عن محرك الشهوات الموجبة للفعل فإنها أيضا اعتقاد ، لكنه فاسد إذا كان ظلم أو محرم فإن ضررها أكثر من نفعها في المستقبل، وتابع النور الآتي.

النور الثاني
العقل يدعو لوجوب معرفة أصول الدين المحصلة للنعيم الواقعي

يا طيب : إن الإنسان المجد والواقعي العاقل : الذي يبتعد عن الخيال وهوى النفس وخداع الذات لا يؤمن باعتقاد إلا أن يكون عن دليل ، ولا يرسخ في نفسه مبدأ إلا بالبرهان ، ولا يعمل به ولا يلتزم بدين ولا بآثاره إلا أن يكون عن معرفة به ثم حب له وتصديق بنفعه وفائدته .
والإنسان العاقل : لكي يكون مجد بالعمل بإيمانه وما يعتقده ، ويريد أن يحصل على خيره وينتفع به في الدنيا والآخرة ، لابد له من البحث عن معرفة أصول عقائده بالدليل والبرهان .
ولكن يا أخي : بشرط مهم : هو أن يكون وفق السبيل الصحيح ويتوقى الدقة والجد والإحكام في تحصيل الحقائق الدينية ، وإلا فضلاً عن عدم الأمن من الانحراف والانخداع عن الصواب يكون كسول في تطبيقها وسريع الانحراف عنها وقليل الاهتمام بها ، بل يتكاسل عن تنفيذ كل ما تملي عليه من التكاليف ولا يحصل منه على أبسط الآثار ، لأنه لا يتم الإيمان إذا كان فيه شك وشبهة فضلاً عن العمل به ، ولا يدافع الإنسان عن عقيدة ولا يدعوا لها ولا يعمل بها ما لم يكن له اطمئنان بأنه توصله لسعادته وخير دنياه أو مع أخرته وتدفع شرهما .
فإذاً الإيمان والتدين بالعقائد بكل ما توجبه من تكاليف ، هو فرع معرفتها عن دليل محكم وبرهان قاطع عقلاً .
فإن من يطلب : سعادة واقعية وكرامة حقيقية وفضائل صادقة ودين حق في معارفه التي يدعو إليها ، وعقائد حسنة في بيانها وهداها وفي كل أهدافها وغاياتها ، فلابد له من البحث الجدي والمثابر الدقيق ليصل للحقيقي الواقعي من هذه العقائد ، ووفق صراط مستقيم وهدى قويم ، فيعتقد بحق بصدقها فيما تدعوا إليه، ويؤمن بأنه توصله لكل هدى ونعيم وخير وفضيلة ومن ثم يستطيع أن يتدين ويؤمن بها ويأخذها مبادئ فيعتنقها في سيره وسلوكه بل في كل وجوده.
وهذا أمر فطري : فضلاً عن كونه عقلي يتبع البرهان والدليل والبيان ، وذلك لأن الإنسان طالب للكمال الحقيقي الصادق بطبعه وبسجيته ، وفي التدبر والفكر في أحوال العلوم وظروف بني الإنسان ، يرى أنه لابد له من الدليل والبرهان على ما يدين به ويعتقده ، وهذا أيضاً يقره الوجدان ويذعن به الضمير الصاحي والعقل السليم ، ويؤكده الشرع المبين لرب العالمين .
فيا طيب : إنه حتى الشهوة العاجلة من تحصيل أمر نفسي مادي أو معنوي أو جاه أو جنسي أو علمي أو ديني ، فكلها لا فرق بينها في إنها من الاعتقاد ، وموجب أولا التصديق بفائدتها حتى يحصل العزم على الفعل والهمة على العمل وتحصيل آثاره ونفعه ، ويكون واقعي كتصرف له وسيرة وسلوك .
ثم يا آخي : الواجب علينا كما عرفت هو التحري الدقة في طلب الحق ، والأمر النافع الصادق في إيصال النفع الدائم الباقي والسعادة الواقعية ، ويجب على كل إنسان الطيب أن يبتعد عن مخالفة الأمور الإنسانية والمروءة ، فيجب أن لا يظلم وأن لا يعتدي ، سوءا كان يؤمن بدين حق واعتقاد صادق أم لا ، فإنه أمر إنساني موجب للتعايش السلمي وموجب للسلامة ، والدين هو مع الإيمان بالله له آثاره دنيوية وأخروية ، وله اطمئنان روحي لا يوجد في شهوة زائلة محرمة ، فإن الإيمان بالله وبتعاليمه له لذة الحياة الواقعية الطيبة ، وطعم الراحة والسعادة الصادقة ، ويفقد هذه الراحة والاطمئنان الدائم الواقعي كل صاحب اعتقاد بالدنيا وما يصبوا لها ، وكل مخالف لتعاليم الله سبحانه وتعالى .
وأنت يا طيب : مطالب باعتقاد يوجبه عليك وجودك في هذه الدنيا ، فأختر الدائم والراحة الأبدية في النعيم ، وهو سبيل الله وتوحيده وتحرى الدقة في طلبه.

النور الثالث
إن الله يدعوا الناس للإيمان به عن معرفة واقعية
وفيه تشرق علينا أنوار معارف الهدى الحق إن شاء الله :

الإشراق الأول : دعوة الله لدينه ليرشد العباد للهدى الحق عنده :
يا طيب : بعد إن عرفنا ضرورة الإيمان بالدليل والبرهان حسب ما يوجبه العقل والوجدان ، وبطريقة متابعة بني الإنسان وتصرفهم من أجل تحصيل سعادتهم ونفعهم حسب تصورهم ، نذكر دليل إرشادي يعلمنا به ربنا الرحيم الودود الذي خلق الإنسان ثم هدى العباد لأحسن مصالحهم ، وبالخصوص في إقامة عبوديته التي تجعل النفس مرتاحة معه مأنوسة برعايته لها ، وبالخصوص حين توجهها له وتفوض أمورها له وتتوكل عليه ، وتطلب الطيب الذي شرفها بمعارفه وتهجر المحرم الذي نهاها عنه ، فإنه كريم وبر محسن رحمان رحيم قد علمنا كل ما ينفعنا في دنيانا وأخرتنا ، ولم يتركنا أبدا .
فإن الله سبحانه وتعالى يدعوا : الإنس والجن للإيمان به ، ويطالب من كل فرد منا أن يكون توحيده وفق الدليل المحكم والبرهان القاطع للشك والشرك والشبه والانحراف ، وهو الذي يحصل بالتفكر في الأفاق والأنفس وما علمه في كتابه الخالد وسنة نبينا الكريم . وهذا يا أخي دليل : على أن الله تعالى يريد إيمان محكم واعتقاد راسخ به وبدينه وبتعاليمه التي يدعوا الناس إليها ، وطبعاً يجب أن يكون الدليل والبرهان وفق الأسلوب العلمي والذي له معارف وعلوم حقيقية واقعية وصادقة توصل لهداه كما علمه وبينه تعالى وطالب به ، كما ويذم سبحانه التقليد في العقائد وما يدين به الإنسان بدون معرفة ، ويرفض السفه وعدم المبالات ، ويذم الجهل وعدم التفكر والتدبر في كل شيء خلقه وعلمه .
وهذا يا طيب : بنفسه يدل على أنه تعالى أنزل على نبيه الكريم وخاتم رسله في القرآن المجيد معارف حقيقية ، وهدى واقعي فيه كل خير ونعيم ، و إلا لما نبه الناس إليه ، ولما طلب منهم التدبر في دينه وعقائد هداه وقبولها عن طريق المعرفة والعلم والفهم والتدبر ، وبالدليل المحكم وبالبرهان الواقعي .
ولذا يا أخي : يجب أن يكون الإيمان بأصول الدين كلها ، فضلا عن توحيده سبحانه ، فإنها مما تترتب عليه بكمالها وتمامها وهي : الإيمان بوجوده وتوحيده تعالى ، والإيمان بعــدله ، والإيمان بإرساله الأنبياء وإنزال تعاليم دينه عليهم ، والإيمان بأنه تعالى وضع أئمة حق وأوصياء لرسوله ليقودوا الأمة وليحافظوا على وحدتها ووحدة هداه وتعاليمه ، وإن تعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بسيئاته في المعاد في يوم القيامة ، وبمقدار أيمانهم ورسوخ اعتقادهم وما صدر عنهم من أعمال موافقة لها وعدمه .
ومصداق كلامنا : هو أمامك كلام الله المجيد تدبره وهكذا تعاليم نبيه الكريم وسنته المطهرة ، فإنك ستقطع باليقين والإيمان أنه لا يوجد كتاب سماوي أو دنيوي يحث على العلم والتعلم والمعرفة ويرفض التقليد والجهل في الدين والاعتقاد مثل كلام الله المجيد وسنة نبيه المطهرة ، ولو تدبرت آيات القرآن الكريم لدلتك على حقائق في المعرفة في جميع مجالات الحياة الكريمة والطاهرة الشريفة وبالخصوص أصولها ، و لرأيتها نور وهدى يوصل لكل خير ، وبالإيمان بها وبتطبيقها تسعد البشرية كلها إلى يوم القيامة فضلاً عن الفرد والأسرة .
وهذه بعض الآيات الكريمة : الحاثة على التفكر في الوجود من الآفاق والأنفس ، نذكرها لتكون ممهدة لتحصيل الإيمان بالعقائد الإسلامية وفق الدليل المحكم عند طلب المعرفة بها ، وترشد الإنسان للبرهان على التوحيد ، والتي تذم التقليد وأتباع الهوى والظن والشهوات في العقائد والدين ، وهي في إشراقين:

الإشراق الثاني :
آيات تذم للاعتقاد عن تقليد وأتباع الظن والهوى والشهوات :
يا طيب : نذكر أولاً آيات تذم الاعتقاد الباطل والضال ، وذلك لنتخلى عن الإصرار على العناد للهدى الحق إن كان ، ولنعرف كيف يمقت الله العبد حين يكون كالهمج ومن أهل الجهل في طلب الحق من اعتقادهم والسذج في دينهم ، وبه نعرف أمرا مهما يدعونا للتفكر في جدية هدانا وحقيقة تديننا وصدقه وسبيله وصراط هداه ، وتحثنا هذه المعرفة لأن نعمل بجد في الهدى الحق بعد أن نطلبه بصدق الطلب من صراطه المستقيم عند أهل النعيم الواقعيين ، والذين عرّفهم الله سبحانه في كتابه المجيد حيث خصهم بدينه واصطفاهم لتعاليمه شرحا وبيانا بعد تنزيلها على خاتم رسله صلى الله عليه وآله وسلم ،وإذا عرفنا هذا ، أي مقت الله للجاهل وللساذج في دينهم ولمن لم يتحرى الدقة في معتقده ، نعرف اهتمام الله بنا ، وصدق دعواه لدينه ، وإنه فيه النعيم الصادق ، والراحة والسعادة الواقعية الأبدية ، فلنتدبر كلام ربنا الرحمان يا طيب :
قال الله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } البقرة171. وقال تعالى الله : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } مريم 56 .
وقال سبحانه : { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىتِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } البقرة 112 . وقال عز وجل : { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ... أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }يونس36،66.
وقال تعالى : { أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ () وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ () وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ } الجاثية23/ 27.
{ أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }القصص51. وقال عز وجل : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }آل عمران14. وقال الله تعالى : { وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } ص26 . وقال الله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }الحج11.
الإشراق الثالث :
آيات تمجد الإيمان والاعتقاد عن دليل وتفكر وتعقل وتدبر :
نذكر يا طيب : بعض الآيات الدعية لتوحيد الله ومعرفة هداه ودينه ، وما شرّف العباد به ، وسيأتي شرح بعضها في الأبواب الآتية ، نذكرها يا أخي لتعرف جدية الله تعالى في تعليمنا للهدى ، وبصراط مستقيم و واضح لمن يطلبه واقعا وصادقا ، ووفق الدليل المحكم ، فإنه سبحانه بر رحيم بنا ، يعلمنا ليُرسخ إيماننا ولنحصل على النفع الدائم والسعادة الواقعية في كل ما شرفنا به من تعاليم ، فنقيم عبوديته بعلم حق ، وبجد ونشاط مؤمنين بالمبادئ والنتائج ، وبما يحب ويرضى من دينه القيم ، فنشكره على نعمه ، ومطمئنة أنفسنا بما أعد لنا من الكرامة والمجد والنور والحياة الفاضلة العزيزة الخالدة عنده :
قال الله تعالى : { سَــنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } فصلت 53 .
وقال تعالى : { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأَولِي الأَلْبَابِ (190)
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ }آل عمران 195.
وقال عز وجل : { المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الرعد4
وقال سبحانه : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَ إلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)
أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَ إلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (61 )
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَ إلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ( 62)
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إلَهٌ مَعَ اللهِ تعالى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63 )
أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَ إلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ }النمل 64.
{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } القصص50.
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ( 174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } النساء 175 .
وقال سبحانه : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } النساء 82 .
قال الله تعالى : { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } الزمر 18 .
يا طيب : كانت هذه بعض الآيات القرآنية المنتخبة والدالة على وجوب المعرفة العلمية المحصلة للإيمان بالله تعالى وبكل ما يترتب عليه ، وفيها براهين علمية واقعية تحثنا للتدبر بالآفاق والأنفس ، والتي يذعن لها العقل السليم والوجدان المنصف والضمير الحق ، ويصدقه العلم الحديث وكل شيء في الكون يدلنا على أنه لابد من خالق لهذا الخلق ، وبالخصوص الإنسان فيه وما جعل له من ظروف كريمة للعيش في بسلام وأمن إن أتبعوا دين الله وهداه .

وبهذا يا طيب : إنك ترى القرآن المجيد كتاب الله وفيه كلامه ، كله له غاية واحدة ، هو الدعوة لتوحيد الله بكل تصرف وحركة لنا ، وذلك لكي نحصل على رضاه وكل خير ونعيم ، ويطلب منا أن نطيعه بالدليل والبرهان والتفكر والتعقل لما أنعم علينا وهدانا له ، ويمنعنا ويحذرنا من الخنوع للظن وأتباع الهوى والشهوات وزينة الحياة الدنيا ووساوس الشيطان ، هذا وسنتلو عليك بعض الآثار الشارحة للآيات في البحوث الآتية حتى يحصل لنا القين بالدين القيم لرب العالمين ، وبتوحيد الله الحق الصادق في كل معارفه ، فتابع البحوث تجدنا عند حسن ضنك إن شاء الله تعالى ، وهو ولي التوفيق .



3 
مجدى سالم

الذكر الثالث
أسس وآثار أصول ‏الدين الإسلامي الخمسة
بعد إن عرفنا يا طيب : إنه يجب على كل إنسان أن يقيم الدليل والبرهان على أصول عقائده لكي يحصل له الإيمان بها ، ولترسخ في نفسه ، ومن ثم لكي يرعى حقوقها ، وإن هذا أمر يقره الضمير الحي والوجدان الصاحي والفطرة النظيفة ، ويوجبه العقلاء والعقل السليم والعرف الطيب و الشرع المقدس .
فنذكر هنا : أسس عقلية توجب معرفة أصول الدين الخمسة والإيمان بها ، ولها دليل محكم وبرهان قاطع ، كما إنها تُعرف عقائدنا الإسلامية بعض الشيء وتبين أهم خصائصها ، وأيضاً تبين بعض الآثار النافعة التي تعود على الإنسان نتيجة لإيمانه بأصول الدين الإسلامي الخمسة التي يجب الاعتقاد بها .
وفي الذكر هذا : أنوار تشرق علينا معارف لها أشعة تنورنا الهدى الحق إن شاء الله :
النور الأول
بمعرفة أصول الدين يعرف الإنسان مبدئه ومنتهاه
إن الإنسان بطبعه وفي نفس فطرته : موجود مفكر وباحث ومفتش عن علل وأسباب الأشياء وأفعالها ومنافعها ، فلا يقع نظره على شيء منها إلا وبحث عنه في كل وجه يمكنه أن يصل إليه بعقله وتفكيره ، ولهذا تراه يتقدم في الحياة الدنيوية ويتطور ، والإنسان نفس وجوده أقرب الأشياء إليه فتراه في كثير من أوقات فراغه وراحته وتفكره يخطر في باله وتفكيره كثير من الأمور المختصة بوجوده من مبدئه إلى منتهاه ومصيره .
فترى الإنسان في كثير من الأحيان : مفكر في أصل وجوده من أين بدأ ، وهو الآن أين موقعه من الوجود وما هو المطلوب منه ، وإلى أين سيذهب ، كما يفكر كيف يمكنه أن يحصل على منافعه بأحسن وجه ، وبأفضل طريق ، وأين يكمن كماله وخير وجوده وراحته ، ففي الحقيقة الإنسان يفكر في العلل المسيطرة على وجوده من مبدئه إلى منتهاه ، فضلاً عن علل وأسباب الوجود كله ومنافعه الشخصية الآنية .
وهكذا توجد أمور كثيرة : تدعو الإنسان لمعرفة مبدأه ومنتهاه ، وما هي أفضل وظيفة له في حياته ، وذلك في كثير من المحادثات التي تدور بينه وبين أقرانه ، وبالخصوص في مجالسهم التي يتكلمون فيها عن المبدأ والمعاد والدين والاعتقاد وحقيقتهما ، وكذا ما يطرح في كثير من وسائل الإعلام المسيطرة على كثير من وقت الإنسان من بحوث قد يُخصص الكلام فيها عن الدين والاعتقاد ، وما هي أفضل وضيفة للإنسان في حياته ، وما يرى من وجود المتدينين ومحال العبادة ، وفي تدبره في دقائق الصنعة وفي نفسه والكون والوجود ، وكثير من الأمور الأخرى التي تدعوه للبحث الجدي والصادق عن معرفة علل وجوده ومن أين بدأ وأين ينتهي ، وما يجب عليه عمله الآن ليكون إنسان كريم فاضل ، وشريف مستقيم السيرة سعيد في حياته ، وحاصل على الأمن الروحي والاطمئنان النفسي .
فالإنسان المتعقل بل حتى غير المبالي شاء أم أبى : عليه الجواب الجدي لسؤال نفسه الملح الذي يطالبه بمعرفة حقيقة حياته من مبدأها إلى منتهاها ، وكيف يجب أن يعيش سعيد سعادة حقيقية فيها الكمال الحقيقي والنعمة التامة ، وراحة البال والواقعية ، واطمئنان النفس الصادق .
وما ذكرنا يا أخي : من الأمور المذكرة للإنسان بحقيقة حياته ووجوده الذي يجب أن يكون عليه ، تجعله مجد في كثير من الأحيان في البحث عن جواب قطعي لأصله ومنتهاه ، فضلاً عن واجبه وما ينفعه في العاجل والآجل ويسعده على الحقيقة ، وهذا سبيل كل عاقل يهتم بنفسه ويحب الخير والفضيلة والكرامة الواقعية لها ، بل يشمل كل إنسان بصورة من الصورة حسب ظروفه ، ولا يخلوا إنسان في كل الزمان من مثل هذا التدبر في وجوده وواقعيته وما ينفعه .
ولا يقطع سؤال الإنسان : عن علل وجوده من مبدئه إلى منتهاه إلا أن يؤمن بأصول الدين الخمسة التي تبين : أن مبدئه من الله تعالى وهو أساس وجوده وخالقه وهاديه الهداية التكوينية والتشريعية وكل ما فيه خيره وصلاحه بالعدل والإحسان ، وإنه تعالى منزل تعاليمه على أنبياءه وبالخصوص خاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن الله تعالى جعل أوصياء لخاتم النبيين من آله الطيبين الطاهرين عليهم السلام ، وهم المحافظون على هذه التعاليم بشرحها وتعليمها على الحقيقة من غير انحراف ، وعند الرجوع لهم يعصم الناس عن الاختلاف فيها ، لأنهم هم المصدر الحقيقي لبيانها بعد النبي الأكرم بتنصيب الله تعالى واختياره واصطفاءه لهم ، وذلك لما علم من أهليتهم لهداية عباده للصراط المستقيم ، وأنه تعالى هنا ويوم القيامة سيجازي بالعدل والإحسان وفق ما بينه في كتابه القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فيجازي ويثيب المحسن والعامل بها بإحسانه ، ويعاق المسيء بإساءته في يوم القيامة والمعاد بقدرته ونقمته ، فأما إلى النعيم المقيم ، أو إلى نار الجحيم .
فمن واجب الإنسان أن يؤمن بهذه الأصول الخمسة : التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد وبالدليل المحكم وبالبرهان القاطع حتى تطمئن نفسه بسبب وجوده ومبدئه ، ويعرف هو في أين وما عليه من الواجبات ، وإلى أين سيذهب في المستقبل في المعاد ليكون في أحسن حال وأفضل نعيم خالد مقيم وفي راحة كاملة الأبدية ، وإنه هذا ما يجب عليه تحصيله واقعا من الإيمان بالعقائد الحق والدين القيم الذي يوصله لكل خير وفضيلة ، وبكل اطمئنان وبعواقبه عند إقامته .
والإنسان المؤمن : بالدليل والبرهان بهذه الأصول الاعتقادية الخمسة يكون مرتاح البال مطمئن النفس ، خلاف من ليس عنده جواب عن مبدئه ومنتهاه ، فإنه تائه في هذه الدنيا حائر في مبدئه ، وفي وما يجب عليه عمله فيها ، وفي ما يستقبله بعد الموت ، وإن شاء الله سترى أحسن جواب لهذا فيما نبحثه في صحف أصول الدين الخمسة لموسوعة صحف الطيبين ، فتدبر بحوثها يا طيب .


النور الثاني
شكر المنعم واجب عقلاً فلذا يجب معرفته
يا أخي : عندما يتدبر الإنسان في الوجود : وفي مخلوقات الكون يرى نفسه قد فُضل على اغلب مخلوقاته إن لم نقل جميعها ، وكرّم عليها بكثير من الأمور ، كما ويرى نفسه قد سُخر له الوجود جميعه ووضع في خدمته ، ويمكنه أن يتصرف في أغلب موجوداته وكائناته كيف شاء .
كما لو تفكر الإنسان في نفسه لرآها : تتمتع بنعم لا تحصى من الأمور التي تمكنه من الأعمال العجيبة من العقل والفكر والإرادة والتخيل والتصور والبصر والسمع والمس والشم والذوق ، وآلات التعقل والعصب والقلب والدم ، والتنفس والهضم ، وخلايا البدن وعظامه وغيرها ، وفي كيفية عملها وانسجامها وتجددها وفناءها ، ووضعها في مواضعها مع ما لها من الدقة والنظم ، وكلما يتعمق في التفكر في نفسه والوجود يزداد تعجبه من الإمكانيات الموضوعة في خدمته ليتمكن من أعماله ، وليكون في أحسان حال له وفي تمام السعادة .
ولا يمكن للإنسان القول : بأن نعم الوجود خُلقت بالصدفة ، لأنه من المحال أن توجد الصدقة خلية واحدة فضلاً عن أيجاد الشعور والإحساس والعقل والتفكر والتدبر ، والنطق والكلام ، والعواطف والشهوة والغضب ، وبكلها ليتم سعي الإنسان وليصل لما يديم حياته ، وخلق الذكر والأنثى للتكاثر ، والليل والنهار للراحة والعمل ، والشمس والقمر للضياء كل وقت بما يناسبه ليرتاح الإنسان ، وكل ما يحتاجه من كل خير وبركة ونعمة في الوجود ، وما سخر له من الطبيعة البرية والبحرية ، وموجوداتها من الماء والهواء ، والسهول والجيل والرياح والأمطار ، ولو تعدوا نعمة الله لا تحصوها .
فلو تدبرت يا أخي الكريم : في أي شيء في الوجود ودقة صنعه ومكانه المناسب ، لدلك بحق على أنه مخلوق لخالق عظيم قادر على كل شيء وعليم حكيم يهدي الوجود لغايته ، ولغرض يسعى إليه ، وإن الصدفة والطبيعة لأخس من أن توجد نفسها فضلاً من أن توجد هذا النظم ، والإتقان والإحكام في الخلقة والوجود ، وهذه الأنواع المتكاثرة المتناسبة .
والتفكر : في الأفاق والنفس والنعم التي مُتع الإنسان فيها يوجب عليه البحث عن خالق الوجود والمنعم عليه ليشكره ، لأنه هذه النعم لها خالق ولها مصدر وهي لم تخلق نفسها .
ثم إن أصل شكر المنعم واجب عقلاً : أصل قد أقره العقلاء والعقل والعرف والوجدان ، ولا منعم أفضل من الله تعالى ، فيجب على الإنسان أن يؤمن به ويشكره .
وتوضيح ذلك : أن من يُهدى إليه هدية بسيطة يجب عليه شكر صاحب الهدية عند كل العقلاء وعند كل صاحب ضمير حي ، وكلما كبرت الهدية استوجب على الإنسان شكر أكثر ، فمن يهديك نظارة شمسية أو طبية تنفعك يجب عليك شكره خصوصاً مع احتياجك لهما ، فكيف من أهداك قوة البصر والتمتع بالنظر في المناظر الخلابة والأنس بجمال الصور الجذابة في الوجود ، وببديع الخلق فيه ، فكم عليك أن تشكره ؟ بل وأعطاك السمع وقوة العقل والفكر والتذكر والتصور والتخيل ، وقوة الحب والعشق ، وآلاف القوى في روحك ، وفي بدنك من التنفس ، للهضم ودفعه ، ودقة الصنع ، وحسن الهيئة والمنظر ، واستواء الخلقة ، وجمال البشرة والمنظر ، ويمدك للتمتع بهما في كل لحظة ، ألا يجب عليك أن تشكره ، بل يجب عليك أن تعبده ، وهذا هو الحق والعدل والإنصاف .
والشكر والعبودية للخالق والمنعم : لا يتمان على الحقيقة كما عرفت إلا عن معرفة عميقة بالدليل والبرهان بالأصول الخمسة للدين الإسلامي ، ولو قصرت لحظة في عبودية المنعم للامك العقلاء وعقلك وروحك وأنبك وجدانك وضميرك ، طبعا لو كانوا طاهرين لم يدنسهم النكران وحب الدنيا وعبادة هوى النفس ، قبل العقلاء والمجتمع الواعي لموجب لشكر المنعم الحق .
وهكذا يا أخي من يهديك : بيت يجب عليك شكره ، فكيف من يهديك نعم الأرض والسماء كلها ، وسخر لك الأمطار والأشجار ، وما يدب على الأرض والبحار من نعم الدنيا ، فضلاً عن الخلود في النعيم في الآخرة ، فكم يجب عليك شكره ؟ لحد العبودية مع الإخلاص له على الحقيقة بجواب المنصفين ، وكل الناس الطيبين والخير الفاضلين .
وإذا لم تشكر المنعم عليك : مع حاجتك له لسخرت بنفسك ، وأنبك ضميرك ، وللامك العقلاء لجحودك وكفرانك ، وإذا عاندته وتماديت في غيك ودعوت لعصيانه وكفران نعمه ، مع إنك تتمتع بها وأنت في أشد الحاجة لها ، ولا يمكنك الاستغناء عنها في لحظة واحدة ؛ يكون له حق أن يحرمك منها فتحترق في نار العدم والحرمان ، وهذا حقيقية واقعة لا محالة والعياذ بالله منها ، وجعلنا الله وإياكم من الشاكرين العابدين المخلصين .
ولكي تحافظ يا طيب : على ما يمدك من نعمه في كل آن ، ولكي تطلب منه في المستقبل ليزيدك منها ، ولكي لا يحرمك منها ، يجب عليك أن تبحث عن كل تعاليمه لتطبقها وتطيعه فيها كي تنال رضاه وحبه ومن ثم التمكن في نعيمه والخلود فيه .
وإذا عرفنا يا أخي : إنه يتم الحصول على رضا الله تعالى بالإيمان بالأصول الخمسة من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد ، وما يوجبان علينا من تكاليف ، فإذاً : يجب علينا معرفة هذه الأصول الخمسة وما ترتب علينا وفقها ، وذلك لنشكر المنعم علينا ، ولننال رضا الله تعالى في الدنيا والآخرة ، وليرسخ إيماننا فنعمل بجد لنصل لسعادتنا فيهما.


النور الثالث
دفع الضرر المحتمل واجب عقلاً ولهذا يجب معرفة أصول الدين

قد عرفت : إن شكر المنعم واجب عقلاً ، وهو أصل يؤمن به العقلاء ، كذلك يوجد أصل عقلائي أخر هو : دفع الضرر المحتمل واجب عقلاً .
وتقرير البحث وبيانه : إنه لو أخبرك طفل صغير تعرف أنه جاد لا يكذب إن عقرب تقترب منك لتلدغك ، لوجب عليك عقلاً أن تلتفت له لترى صدق كلامه ، ولو لم تلتفت ولدُغت ، لم تلم إلا نفسك و لأزريت بعقلك إذ لم تلتفت لنصيحة مخلصة .
بل الإنسان : يجب عليه عقلاً وفطرة أن يلتفت لإشارات محذرة ، مثل إشارات المرور على الطرق ، وغيرها من التي تُنصب أمام الدور والأماكن الممنوعة ، ويعتني بما تخبره إشاراتها ، ولو لم يلتفت لها ووقع في حفرة أو وادي عميق ، أو أصيب بمكروه وتضرر ؛ لم يلم إلى نفسه ولا يزري إلا بعقله ولسخر هو بنفسه قبل الناس الآخرين به .

والإنسان العاقل : لو أخبره عاقل مثله لا يشك في صدقه ، لوجب عليه أن يصدقه ولا أقل إنه عليه أن يتأمل كلامه ويعتني به ، فكيف لو أخبره مثل النبي الأكرم الصادق الأمين وتبعه علي ابن أبي طالب أمير المؤمنين وآلهما الطيبين الطاهرين ، وآلاف بل ملايين الأتباع والأصحاب الطيبين ، والكتاب الخالد القرآن الكريم معجزة الوجود كله ، وآلاف الأنبياء والأوصياء والصالحين والشهداء والصديقين والمؤمنين والوجود كله ، أخبروه كلهم إن الله سبحانه سوف يعاقبك في المعاد لعدم إيمانك ، وإذا لم تقم له العبودية الحقيقة عن توحيد وبإيمان صادق ، ووفق ما أنزله على خاتم رسله وبينه وشرحه آله الطاهرين.
فلو لم يصدقهم إنسان ووقع في العقاب الأليم : لظلم نفسه ثم للامها و لأزرى بعقله ، لكونه ترك الكلام الحسن للأنبياء والأوصياء والصالحين وكل الطاهرين والطيبين والصديقين ، وتبع هواه وشهواته ، وركن إلى الظن و التخرص الفكري والتخمين الوهمي على احتمال عدم جديتهم في قولهم أو كذبهم وعدم صدقهم ، وترك الدليل والبرهان العقلي الذي أوجب عليه تصديق مخبر صادق واحد حتى لو كان طفل ، فكيف بتكذيبه لهذا الجمع من الخيرين والناس الطبيين الطاهرين الصادقين . فإن عقلك والعقلاء : هما الذين أوجبا عليك دفع الضرر المحتمل للتصديق وللاعتناء بقول طفل ، أو إشارة منصوبة على طريق ، حين إخبارهم عن ضرر بسيط محتمل ، ونفس العقلاء وعقلك يوجبان عليك أن تدفع الضرر المحتمل لهذا الإخبار من الصالحين .
بل يا أخي : الحق إنه يصبح ضرر متيقن لإخبار هذه الألوف من الأنبياء والصالحين والصديقين والطيبين والطاهرين ، ويجب أن تصدقهم بأقوى الإيمان وتدين لهم بأفضل الاعتقاد ، وهو بأن الله إذا لم تتعرف عليه وتؤمن به وتقيم له العبودية وتحسن شكره وتخلص له ، فسوف يعاقبك عقاب شديد أبدي وخالد في نار تكوي الجلود وتشوي الوجوه ، ويحرمك نعيمه ورحمته ونوره .
وإذا صدقتهم بما قالوا : وجب عليك أن تؤمن إيمانا حقيقيا ، وعن علم ومعرفة راسخة وكما يريد الله تعالى منك ، ووفق الأصول الخمسة للدين الإسلامي الحنيف ، وهي : التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد ، وبما يتعلق بهما من تكاليف عن معرفة حقيقية وعلم متقن . وهذه يا طيب : كتب { موسوعة صحف الطيبين وبالخصوص : صحف أصول الدين } بين يدك تدبرها ، إن شاء الله توصلك لحقيقة ما يجب عليك من الإيمان الحقيقي في العقائد الإسلامية الحقة ، فندين بدين ومذهب واحد ، وشكر الله سعيك وأوصلك لرضاه ، وآجرنا الله وإياك بأحسن الجزاء إنه ولي حميد ومنه التوفيق ، آمين .

النور الرابع
لكي يحصل للإنسان الاطمئنان بعقائده وبأعماله يجب عليه معرفة أصول الدين
وفيه أشعة نور تنورنا معارف الهدى الحق إن شاء الله :

عرفنا يا طيب : إن كل إنسان له نوع من العقائد : سواء كانت دينية أو غير دينية ، وذكرنا أنه يجب عليه معرفة عقائده بالدليل المتقن والبرهان المحكم عقلاً وشرعاً ، وذلك لكي يستطيع أن يقنع نفسه بفائدة عقائده ، ويحصل له الاطمئنان للعمل وفقها بإخلاص ، وليتفانى لها ويضحي من أجلها عند الضرورة ، ولكي يكون عنده حيوية ونشاط في تطبيقها والدفاع عنها .
وعرفنا : إنه إذا لم يكن عند الإنسان دليل على عقائده لم يستطع الإيمان بها إيمان حقيقي ؛ ويمكن أن يتركها لأي سبب ، ولا يكون متحمس لها وللعمل وفقها ، وكذلك يكون من الناس الذين لا هدف لهم ولا غاية حقيقة إذا لم يكن له مبادئ وعقائد متقنه ، وتكون أفكاره تافه ولم يستطع الإبداع ولا التقدم للعمل الهادف لا في الفكر ولا في المجتمع ، وسوف يعجز عن الدوام وهو مطمئن النفس مرتاح البال في بقاء عمله خالدا مع جزاء حسن له ونعيما دائما ثوابه.
وما ذكرنا من الأمور : هي التي كانت موجبة للنظر في طلب معرفة العقائد الحقة ، وتوجب البحث عنها والتعرف عليها والإيمان بها والعمل وفقها ، ولذا يجب على المؤمنين المطالعة والتدبر في أدلة دينهم وبراهينه وحججه ليقوى إيمانهم ولترسخ عقيدتهم ، ولتطمئن نفس كل مؤمن بحسن عاقبته وفلاحه في الدنيا والآخرة ، وللعمل وفق عقائده بحيوية ونشاط ، وليحصل على المزيد من راحة البال واطمئنان النفس ، ولينتفع ويسعد أكثر في دنياه وأخرته .
وما ذكرنا من وجوب النظر والمعرفة : هو في الأصول الخمسة التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد وما يترتب عليها من أحكام وتكاليف ، وذلك لأنها أصول متكاملة إذا عرفها إنسان بالدليل والبرهان ، اطمأنت نفسه وأذعن عقله لفائدتها ، وحصل على نفع هذه العقائد ، فيتقدم للإيمان بها ويعتقد أنها تستحق الدفاع عنها والعمل وفقها عن حيوية ونشاط .
وإما إذا كانت عقائد الإنسان : غير هذه الأصول الخمسة أو آمن ببعضها ولم يؤمن بها جميعها ؛ لا يمكن أن تطمئن نفسه لعقائده ، ولا يستطيع العمل بنشاط لدينه ، ولو عمل فهو ناقص الإيمان الحقيقي إذا كان قاصر قليل الفهم ، و إلا إذا كان معاند ومتعمد لعدم الإيمان بها ، فهو مغفل مُلقي بنفسه في التهلكة والضرر الحتمي ، وتوضيح هذا وتقريره نتدبره في أشعة نور لهذا الإشراق تعرفنا الهدى الحق إن شاء الله تعالى :

الإشراق الأول : ضرورة الإيمان بتوحيد الله تعالى :
يا طيب الغير مؤمن بالله تعالى : فهو ملحد ولم يستجيب لعقله ووجدانه وروحه الموجبان عليه الإيمان بالله تعالى ، وترك قول الصادقين واتبع هواه وضل ضلال مبين ، وقصر عن شكر المنعم ووقع في الضرر المحتمل .
ثم إنه لا توجد عقائد : تستحق العمل لها بجد ونشاط والدفاع عنها والتضحية لها إذا لم تكن خالصة لله تعالى ، ويخسر الإنسان نفسه والأخلاق الفاضلة وجميع القيم الحقيقية الموصلة للسعادة ، ويفقد كل خير وفضيلة وكرامة ونعمة وبركة لفقده الإيمان بالله .
كما إنه لا يمكنه : أن يقيم دليلا محكما ولا برهانا قاطعا على عدم وجوب الإيمان بالله تعالى وعلى دين خلاف دينه ومعتقد معاند له ، فضلاً من أن يؤيد معتقده المخالف للإيمان بالله تعالى ونور دينه ، وما بينه من التعليم والمعارف الصادقة التي فيها كل هدى ، والذي يكفي التدبر في أي جزء منها مما موجود في كتاب الله المجيد ، أو في سنة نبيه المطهرة لترى الحقائق الناصعة في معارف الخير والفضيلة ، والإيمان الذي ترتاح له القلوب ، وتستقر في نعيمه الأرواح ، ويهدأ عنده العقل ، ويتنسم بتعاليمه كماله وشأنه الشريف ، ولا توجد أي تعاليم في الدنيا تطمئن لها النفس والعقل والوجدان مثل تعاليم الله في كتابه الكريم وسنة نبيه المطهرة ، وما شرحه الأوصياء المعصومين من آله محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين ، تدبرها تعرف .
وما ذكرنا ليس كلام خطابي : ففضلاً عما ذكرنا من بيان ، فإنه يصدقه من يتدبر الأدلة المذكورة في باب الإيمان بالله تعالى وتوحيده ، بل كل الأدلة في موسوعة صحف الطيبين ، وبالخصوص المتعلقة منها بأصول الدين ، وليقارنها مع ما عنده من أدلة لمذهبه المخالف ، وليضع ميزان الحق من عقله ووجدانه وفطرته السليمة ، وليحكم ولا يشطط في الحكم ، يرى الحق معنا والدليل يصدقنا .
الإشراق الثاني : ضرورة الإيمان بعدل الله تعالى :
فإنه يا طيب : من أمن بالله تعالى دون عدله : أيضاً كذبته الأدلة المُقامة على عدل الله تعالى ، وكذلك لا يمكنه أن تطمئن نفسه لأعماله ، حيث إذا لم يكن الله تعالى عادل فماذا يكون ؟!
ثم من لم يؤمن بعدل الله : فهو يؤمن بالله ـ على فرض ـ ويتعب بالعمل بالتكاليف ثم لا يقام لأعماله وزنا ولا قيمة ويلقى في النار ، أو أن يحاسب حساب الكافر والكافر يحاسب حساب المؤمن ، ولا ينفع عند ذلك الإيمان بالله فضلاً عن العمل بالتكاليف ، وهذا بعينه يدعوا لعدم الطاعة والعبودية وعدم النشاط لهما ولا للدفاع عنهما ولا التضحية في سبيلهما وهذا الكفر بعينه.


الإشراق الثالث : ضرورة الإيمان بالنبوة :
يا أخي : إن في عدم الإيمان بالنبوة وبالخصوص بخاتم الأنبياء : لا يمكن للإنسان أن يحصل على تعاليم الله الحقيقة ، وتدفعه أدلة النبوة الصادقة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأدلة ختم دين الله الحق النازل على نبيه الصادق الأمين ، راجعها في صحيفة النبوة من موسوعة صحف الطيبين ، ترى حقائق كريمة تعرفنا ضرورة وجود النبوة والرسالة وختمها من الله تعالى .
وكذالك : يدخل في الضرر المحتمل من لم يؤمن بالنبوة ، لعدم تصديقه خاتم المرسلين وشواهد نبوته ، وهكذا لا يكون عنده اطمئنان ولا نشاط لعبادة وفق دين مخالف للإسلام ، إلا أن يكون قاصر أو غافل عن الإسلام وأدلته القوية على أصول دينه وتعاليمه وبراهينه المحكمة ، والتي تبين إنه فيه تمت تعاليم الله التي توصل عباده لعبوديته ولكل خير وفضيلة بالكمال والتمام الواقعي .
والإنسان الذي لم يأخذ تعاليمه من الإسلام : ما حجته إن أخذها من غيره من الأديان ، وللإسلام كتاب سماوي خالد يعجز الإنسان بأن يأتي بمثله غير محرف ، وإنه قد أيد الله تعالى به نبيه الصادق وجعل كل أحكامه فيه ، واعتنى الله تعالى بالإسلام وبالحفاظ على تعاليمه وسنة نبيه ، وهذا لا يوجد عند أي دين أخر ، ثم إن من يؤمن بدين معين ولا يؤمن بدين قبله على أن الله نسخ تعاليمه السابقة بالدين الجديد ، لا حجة له في دينه وتعاليمه وعالميته وأحقيته ، وإذا آمن على نحو النسخ فدينه غير الإسلام قد نسخ بما أنزل الله على خاتم رسله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما نسخ دينه الأديان السابقة .
ثم هذا دين وله نبي كريم : علينا مراجعته ومعرفة تعاليمه وحججه ويقارنها مع دينه ، ويرى حقيقة تعليمة الواسعة وكثرتها التي شملت الحياة كلها ، ولم يوجد مثله في غيره من الأديان ، وتابع سنته في الموسوعة تعرف حقه .
الإشراق الرابع : ضرورة الإيمان بإمامة لآل محمد عليهم السلام :
يا أخي إن في عدم الإيمان بالإمامة والخلافة المختارة من قبل الله تعالى : يمنع الإنسان من الحصول على تعاليم الله الحقيقية ، ويعتقد إن الله تعالى أنزل تعاليمه ولم يهمه الحفاظ عليها بصادقين مختارين من قبله ، وقد أعدهم إعداد خاص لهداية من يرغب بالعبودية الحقيقية له ، ولم يريد أن تعرف أحكامه كما هي ، ولا الحفاظ عليها بعد نزولها مع علمه سبحانه باختلاف الناس وحبهم لشهواتهم ، وقد سبق أن حُرفت كل الأديان قبل الإسلام .
فإنه لو كان إنسان عادي : يعلم إن عمله يخرب في كل مره يعمله ، لفكر ألف مرة بكيفية حفظه قبل عمله مرة أخرى ، فكيف برب العالمين المخبر بكتابه الكريم عن اختلاف الناس ، لا يحافظ على تعاليمه ، ولا يصونها بثقاة يختارهم على علم على العالمين ليهدوهم لدينه المبين ، ويصون دينه من الاختلاف والانحراف ويعصم عبادة الطيبين بهم ، ويهدهم بأناس قد أختارهم وأصطفاهم وعرفهم لهم ليهتدوا بهم للصراط المستقيم ، والذي جعله عند المنعم عليهم نبينا وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين .
وفي الحقيقة من لم يؤمن بالإمامة بعد النبوة : يكون قد أنكر بأن الله يريد أن يهدي عباده المؤمنين بأوصياء نبيه ومختارين من قبله للهداية الصحيحة ووفق الصراط المستقيم ، وأعَتقد إن الله يريد أخذ دينه من أي إنسان يدعي العلم والمعرفة وعنده لباقة وقوة خطابه وقوة إقناع ولو كان يدمج الحق بالباطل و ولو يخلط بين الهدى والضلال من فكره وقياسه واستحسانه ، وهذا خلاف وحدة الدين ، ولتفرق الناس مذاهب مختلفة ولهم عبادة وتعاليم مختلفة وإن ادعوا وحدة دينهم ، ويجب أن نقول كلها مرادة لله تعالى مع اختلافها الواسع ، وإثبات هذا دونه خرط القتاد ، وإدخال جمل في ثقب ابره ثم إخراجه سالماً أهون من إثباته .
كما إنه تكذيب لله ولرسوله : وذلك لعدم إطاعة ما أمروا به وما أقاموا من براهين محكمة في سنة الله في الأمم الماضية للإمامة وللوصاية للأنبياء فيهم ، وما ذكره في كتابه المجيد من وجود أئمة حق وأئمة باطل ، وفي سنة وأقوال الرسول الكريم من بيعة الغدير وغيرها ، والتي تُثبت بما لا يقبل الشك وجوب إتباع الإمام علي وولده عليهم السلام من بعده كخلفاء لرسول الله وأوصياء وأئمة حق وهدى للمسلمين ، وهذه إشارة لدليل الإمامة وسيأتيك بحث أكثر تفصيلا في صحيفة الإمامة من موسوعة صحف الطيبين بإذن الله وراجع صحيفة الثقلين منها تعرف حقائق كريمة .
كما إن عدم وضع حاكم من قبل الله تعالى بعد النبي الأكرم : يبين للناس تعاليمهم يكون حد وتقيّيد لحاكمية الله ، وهو القول بعدم اهتمامه بدينه وهو شرك جلي من الإنسان ، وذلك لأنه يتبع حاكم قد يعدل أو يظلم أو يقول بما لم ينزل الله به من سلطان وخلاف تعاليمه الحقة ، وقد يتبع ما حُرف على طول الزمان ، ولا يطمئن للتعاليم التي بين يديه ، ولا يمكنه العمل لها بجد وإخلاص إلا أن يكون قليل الفهم أو قاصر ، هذا وبراهين إثبات الإمامة تمنع هذا القول ، أقصد قول عدم الإيمان بالإمامة وعدم وجوب معرفة الإمام الحق المنصوب من قبل الله بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن دليل محكم وبرهان قوي .

الإشراق الخامس : ضرورة الإيمان بالمعاد :
يا طيب إن عدم الإيمان بالمعاد في يوم القيامة : أيضاً يكون مثل سابقه ، يجعل الإنسان لا يلتزم بالعمل بالتكاليف ولا حتى الإيمان بالله عزّ وجل ، لأنه إذا لا ثواب على عملها ولا عقاب على تركها ، ولا اهتمام منه تعالى بالإيمان والعمل بها يحث العباد عليها ، ولا أجر ولا فائدة تُرغب العباد بالطاعة واحترام تعاليم الدين ، فلماذا يُتعب الإنسان نفسه بالإيمان بها ، ولِما يلتزم بها عملا و يعتبرها تكاليفه ، ولِما يضحي من أجلها ولم يطلبها الله منه ، ولا فائدة تعود عليه ولا نفع يحصل له ، بل الحقيقة تكون لا ضرر يُدفع ولا شكر منعم يحصل مع عدم الإيمان بالمعاد ، وهذا هدم لقواعد الدين وأسسه وأصوله .
فمع عدم الإيمان بالمعاد : ترى الإنسان لا يؤمن بالله ولا يعمل بتعاليمه بنشاط وجد إذ العمل بها وعدمه سواء ، ثم إنه تكذيب لله ولرسله بما اخبروا من المعاد والجزاء ، وعدم الإيمان بالمعاد يهدم كل طاعة ، ويعدم عمل الخير والتضحية والفداء من أجل العقيدة والدعوة لها ، ويكون سبب لفناء الدين وإطفاء نوره .
وكم في الناس : مثل نبينا الكريم يحب ويود أن يكون عبداً شكورا ، فقط يعبد للشكر ، أو مثل الإمام علي عليه السلام يخاطب رب العزة فيقول :
إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.
فإنك تدبر في الناس : مع الترغيب والترهيب والوعد والوعيد تجد قول الله يصدع في الناس : قليل من عبادي الشكور ، فكيف يوجد الإيمان الشديد والراسخ في الناس ، أو الشاكر لله والعابد له والمدافع عن الدين الحق النازل على خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ؛ عند عدم الإيمان بالمعاد ، وعند عدم الثواب الذي لا يبيد في الجنة وعدم خوف العقاب الشديد في النار.
ولما عرفت يا طيب : وجب علينا معرفة أصول الدين مجتمعة خمستها ، وبالدليل والبرهان ، ومن دون التبعيض بالاعتقاد بها ، وعدم جواز الأخذ ببعضها دون بعض ، وللمزيد من معارفها راجع صحف أصول الدين كلا في صحيفتها في موسوعة صحف الطيبين ، أو في كتب العقائد الحقة لعلماء الدين ، ويكفي أن تراجع كتب الأستاذ جعفر السبحاني أو غيرها لتعرف الاعتقاد الحق وأهله .

النور الخامس
حب الإطلاع على أخبار المؤمنين الطيبين يوجب معرفة أصول الدين

يا أخي الطيب : لو عرف إنسان : إن هناك بستان وفيها كثير من الورود والأزهار والرياحين والثمار الطيبة ، والطيور الجميلة والماء العذب الرقراق ، والهواء الصافي المنعش ، ولها منظر جميل زاهي وبهاء حسن وضاء ، وإنها كثير الزوار وكلهم يمدحون ما فيها ، وكثير منهم يعتني بأمرها ويداوم على زيارتها ، لحصل لكل إنسان لم يزرها حب الإطلاع عليها والرغبة لرؤية ما فيها .
والدين الإسلامي بأصوله الخمسة : وما يتعلق بها في الحقيقة بستان وروضة معارف وعلوم ، هي أجمل ما خلق الله من التعاليم والمعارف والأحكام المدبرة للعباد ، وفيها الأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة ، ومعارف التطهير الروحي والإقناع العقلي ، وإنه بحق يستحق الزيارة والإطلاع عليه وعلى معارفه ، فإن زوار الإسلام بل المقيمين في هذا البستان الكبير خمس أهل الأرض ، وهم أكثر من مليار مسلم ، والمداومين عليه بالزيارة والبقاء في هذا البستان نسبة يعتد بها عقلاً ، وهي كافية لمن عنده أقل شوق وغريزة لحب الإطلاع لأن يكون عنده داعي لرؤية بستان الإسلام الحنيف ومعرفة ما فيه من دين قيم وعقائد جميلة .
وهذه يا طيب : معارف وأصول دين الإسلام الحنيف بين يديك : تستحق الزيارة والتدبر فيها ، وفيها أجمل ما خلق الله من المعنويات والعلوم الروحية ، وجميع التعاليم النافعة والجالبة للسعادة والكرامة الدنيوية والأخروية ، وبصوره لطيفه وشفافة ، تعجب ناظرها ، ويحب المنصف اقتناءها ، ويشتاق العاقل للبقاء فيها ، ومطمئن النفس المؤمن بها ، وفي راحة وكرامة الباقي فيها.
وهذا يكفي لكل إنسان واعي : وعنده ذوق سليم وغريزة حب الإطلاع ؛ أن يقرأ ويتدبر وينظر التعاليم الإسلامية كلها ، وبالخصوص أصولها الخمسة ثم اعتناقها ، كما أنه ستجد سبب شريف وله أثر منيف يدعوك للإقامة فيها عند زيارتها وتجعلها في ملكك الروحي والعقلي والبدني وتقتنيها بكل أبعادها ، فراجع ما كتب أهل الحق من علماء المذهب الصادق أتباع نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين في معارف أصول الدين ، أو راجع وتدبر فيما بين يدك وأمامك من صحيفة التوحيد وأخواتها في باقي أصول الدين ، ونسأل الله أن تعجبك أدلته وبراهينه وتعتنقها وتدافع عنها وتنشرها .
ثم يا طيب : إنك ترى إن الإنسان يزور المتاحف لرؤية آثارها ، وتعاليم الإسلام وآثاره عريقة بل ماجدة وتليدة تستحق الزيارة ، وهكذا من عنده حب المطالعة ، فهذه تعليم الدين الإسلامي وبالخصوص أصول دينه يمتدحها الكثير ويتدين بها ويدافع عنها أمة منهم يعتد بها ، فهي تستحق المطالعة لمعرفة أراء أصحابها ومعتنقيها ، ولتحكم لهم أو عليهم ، ويا ترى أيحق لهم التعبد بها واعتناقها والدفاع عنها والتضحية في سبيلها أم لا ؟!
وما ذكرنا : في هذا الأمر الأخير وإن كان شبيه بالدعوة لمحبي الإطلاع من غير المسلمين ، لكن في الحقيقة هو فيه دعوة للمؤمنين أيضاً ، فإذا كان عقلاً على محب الإطلاع وشوق المعرفة وعشق الجمال والخير والفضيلة ، زيارة أصول الدين الإسلامية وما يتعلق بها لرؤية ما فيها ، فأهلها أولى بها وأحق بالمداومة على زيارتها بين فترة وأخرى وتجديد العهد معها ، وليتذكروا ما فيها لأن الذكرى تنفع المؤمنين ، ويستأنس بذكر الله وتعاليمه كل الطيبين .
والحق يقال : فإنه بتعاليم الله وبالخصوص معرفته وذكره تطمئن القلوب به ، وتسكن النفوس له ، وفي معرفة الله الحق ترتاح العقول ، ويفرح الإنسان المؤمن بالحقيقة والصفاء الروحي الذي يحصل له من معرفة أصول دين الله بل ومن فروعه ، ويتخلص من هم المعارف المادية والأمور الدنيوية المتعبة للأعصاب والمثيرة للهموم ، وتجلبه للنظر في حسن العاقبة وقلة التنافس على زينة الدنيا أو الحرص عليها وتحويلها لغيره دون الانتفاع الحقيقي بها ، وتدعوه للسعي لأمور ذو قيم أعلى وأهداف أسمى ، بل ويجعل سعيه في تعلم العلوم الدنيوية واقتناء زينة الحياة الدنيا لخدمة عقائده وأصول دينه .
بل والأهم : إن الموجب على المؤمن لأن يطلع على أمور دينه ، وهو ما عرفت إنه لكي يرسخ في نفسه ولتظهر أثاره في أفعاله وليكون له الهمة والجد من أجل العمل له وبه ، ويكون عنده هدف في الحياة سامي ينظر له بعين الإعجاب والتقدير ، وذلك بعد أن يُصدق بفائدته ويقطع بصدق دليله وحقيقة برهانه ، ومن ثم يكون عنده الجد والنشاط للسير في كل مجالات الحياة بفرح وسرور لما عنده من القيم العالية ، ولما ينتظره من المستقبل المشرق في كل الظروف وأصعب الأحوال ، فتهون عليه الدنيا وزينتها ، ولا يتحسر على شيء فاته منها إن لم يكن في خدمة دينه واعتقاده الشريف السامي .
وأين من ينتظر ويأمل : رضا الله ونعيمه المقيم وكل خير وفضيلة وكرامة وهو على هدى واضح ونور حقيقي يضيء له سبيله في الحياة على كل حال ، ومن ثم يُكرم بالحشر والنشر مع أشرف الناس وأنبلهم وخير البشر وأفضلهم ، وفي مقام عالي ورفيع فيه الحور العين والولدان المخلدين والنور والقصور ، والهواء المنعش لا برد فيه ولا حرور وفيه كل ما لذ وطاب .
وأين كون إنسان أخر :لم يؤمن بالله ولا ينتظر هداه ونعيمه ورحمته ، فيكون في أحسن أحواله لا اطمئنان له بمستقبله مهما كان له من قوة ، وفي كل ما هو فيه من خيرات الدنيا ونعيمها لا يأمن العجز والكبر والمرض ومن ثم العدم والفناء وبعدها العذاب الشديد .وهذا أمر واقعي وحقيقي وجدي : بأن يكون المؤمن يعيش السعادة والاطمئنان الروحي في أتعس الأحوال وأفضلها ، ويسعى في فرح واقعي في صميم قلبه وإن أظهر الحزن على عدم إيمان الناس وخسرانهم ، وتألم لما يفوته من تضييع بعض حق الطاعة وشكر المنعم .
وبين الكافر : والغير المبالي بأمور الدين والاعتقاد الحق الذي يعيش عدم الاستقرار ، والحسرة على كل شيء مر من عمره وعلى زينة الحياة الدنيا إذا لم يملكها أو ملكها وسيتركها لغيره ، ويتألم تألم شديد في مرضه وكبره وعجزه وانتظاره للخسران لكل شيء ، وترك كل ما جمعه لغيره من غير التنعم به تنعم واقعي لم يشغله شيء عنه من هم جمعه وصرفه والمحافظة عليه والفكر به بأعز أحوال عمره وفي عز ثمرة شبابه وعمره .
وذلك لكونه : كان مشغول طول عمره لجمع تلك الزينة والمال والبناء ، ومن ثم تركه في أتعس حال من العجز والكبر والمرض ، وهكذا حال من يرثه وينميه لغيره ، ولم يطلب به رضا الله تعالى وحسن ثوابه ونعيمه الواقعي ، فهو شاء أم أبى في حزن وحسرة وهمّ في طول عمره ، وإن أظهر الفرح الكاذب الوهمي بالرقص والموسيقى والغناء وشرب الخمر وارتكاب المحرمات وكل ما يلهه عن الدنيا وزينتها واقعا .
فإن الفرق البعيد : بين من يجمع للفناء ويبني للخراب ويتحسر على كل ما فاته من الخسران ، من إنسان مطمئن بأن كل ما يجمع فهو يجمعه وينميه للبقاء ويبنيه للعمران الدائم والنعيم المقيم في ثواب رب العالمين .
فلذا يا طيب ويا أخي المؤمن : أنت أحق بتعالم الإسلام التي فيها كل خير وكرامة وفضيلة وشرف وعزة من غيرك لتطلع عليها ولتعلمها ولتؤمن بها ولتعمل بها ولتنشرها ولتدافع عنها ولتدعوا لها ، وهذه صحف كريمة في أصول الدين الإسلامي الحنيف ، تدبرها ومتع نظرك فيها ، وقل ربي زدني علماً ، وعلمني ما لم أعلم ، وأهدني لصراطك المستقيم بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين ، إنك أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .


4 
مجدى سالم

الذكر الرابع

معارف عامة في المعرفة والعبودية وأقل ما يجب معرفته

يا طيب : بعد الذي مر عليك من البيان : وعرفت أهم الأمور الموجبة لمعرفة أصول الدين ، تحصل لك : إنه لا يوجد دين في الدنيا يحث ويرغب على طلب العلم والمعرفة وضعي كان أو سماوي كالإسلام ، ففي القرآن المجيد توجد أكثر من ثلاثمائة آية كريمة تحث على التدبر والتفكر والعلم والمعرفة ، وتُفضل العلم والعلماء على الجهل والجهلاء بصورة مباشرة ، بل كل القرآن المجيد يدعوا للإيمان بمعارفه عن علم ، بل هو كتاب علم ومعارف إلهية مقدسة فيه أفضل بيان وهدى ، ويعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله ، والله تعالى جعله بقوة بيانه وإحكامه وبهدى تعاليمه يتحدى البشر بأن يأتوا بسورة من مثله فيها نور وهدى وتحذر من الضلال مع قوة البيان وإحكامه مثله .
وأعلم يا أخي : إن قُرب الإنسان من النبوة والأنبياء وتعاليمهم : يكون بالعلم والإيمان بالمعارف الإلهية والتعاليم الربانية ، وبتطبيقها والعمل بها ، وإنه تعالى كان اختياره واصطفاءه للأنبياء والأوصياء هو لما آتاهم من العلم ولإيمانهم ولعملهم به ، بل مقامات الجنة ومراتبها والثواب الرباني مترتب على العلم الإلهي والإيمان والعمل به ، والله تعالى ذم الجهل بالعقائد والمرور على الآيات الكونية والنفسية من غير تفكر وتدبر فضلاً عن العلم الديني ، وقبح سبحانه اعتناق عقيدة من غير دليل وبرهان ، ومدح الله العلماء بأحسن صورة ممكنة ، وقد مرت عليك بعض الآيات القرآنية في هذا المجال .
والله تعالى لما علم إن : نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين هم أكرم ناس في الوجود وأقواهم على إيمانهم به ، والعلم بمعارفه وعملهم بها وإخلاصهم له ، أختارهم هداة لدينه وجعلهم أئمة للناس يهدون بأمره ، وهكذا تجد فضل العلم والعلماء عند نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وتقديرهم لهم وفضلهم ومنزلتهم عندهم ، وبين قرب المؤمنين منهم وكرامتهم لديهم بمقدار ما عندهم من علومهم وإيمانهم وعملهم بها ، وإن كان كل المؤمنين مرضيين عند الله ولكن العلماء مفضلون ولهم درجات عالية ومنزلة كريمة عند الله تعالى حتى يقترب من النبي الكريم وأهل بيته الطيبين الطاهرين ويكون معهم في الدنيا والآخرة .
وبين يديك يا أخي : بعض الأحاديث الشريفة في وجوب المعرفة والعبودية من سنة وأحاديث نبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وإن أردت المزيد فراجع الجزء الأول من الكافي ، أو الجزء الأول والثاني من بحار الأنوار ، فتعرف فضل العلم والعلماء في الإسلام واهتمامه بهما وتقديره لهما .
وفي الذكر هذا : أنوار تشرق علينا معارف لها أشعة تنورنا الهدى الحق إن شاء الله :
النور الأول
أحاديث شريفة تحثنا على طلب العلم والتفكر والمعرفة
وفيه تشرق علينا أنوار معارف الهدى الحق إن شاء الله :
الإشراق الأول : أحاديث في طلب العلم وفي فضل التفكر:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا وإن الله يحب بغاة العلم ) .
قال الإمام علي عليه السلام : ( التفكر حياة قلب البصير )[1].
وقال عليه السلام : ( التفكر في ملكوت السماوات والأرض عبادة المخلصين )[2] .
قال الإمام الصادق عليه السلام : ( لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بعمل ) [3].
قال الإمام الصادق عليه السلام : ( إن الله تعالى خص عباده بآيتين من كتابه ، أن لا يقولوا حتى يعلموا ، ولا يردوا ما لم يعلموا ، وقال عز وجل : {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ } ،وقال :{ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } .
وقال عليه السلام : ( من تعلم العلم وعمل به وعَلّم لله ، دُعي في ملكوت السماوات عظيماً ، تعلم لله وعمل لله وعلّم لله) [4].
الإشراق الثاني :
كلمات قصار في الإيمان والعبودية تستحق التدبر والحفظ :
عن الإمام الحسين قال الإمام علي عليهم السلام :
وقد سُئل عن الإيمان :
( الإيمان : مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ ، وعَمَلٌ بالأركانِ ) [5].
عن سماعة قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان ؟
فقال عليه السلام : ( الإسلام : شهادة أن لا إله إلى الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، به حقنة الدماء وعليه جرت المواريث وعلى ظاهره جماعة الناس .
والإيمان : الهدى وما ثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به ، والإيمان أرفع من الإسلام درجة ، إن الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن ، وإن اجتمعا في القول والصفة )[6] .
وقال الإمام الصادق عليه السلام : ( إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة ، فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشر .
فلا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك .
وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فأرفقه إليك برفق ، ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره .
فإن من كسر مؤمن فعليه جبره )[7] .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( طوبى : لمن أخلص لله العبادة والدعاء ، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ، ولم يحزن صدره بما أعطي غيره ) [8].
قال الإمام علي عليه السلام : ( إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ، ولا طمعاً في جنتك ولاكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) .
وقال عليه السلام : ( الهي كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً ، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب )[9] .
قال الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفه :
( …، إلهي : ترددي في الآثار يوجب بعد المزار ، فأجمعن عليك بخدمة توصلني إليك ، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك .
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟!
متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ !
ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟!
عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً …
الهي : هذا ذلي ظاهر بين يديك ، وهذا حالي لا يخفى عليك ، منك أطلب الوصول إليك ، وبك استدل عليك ، فأهدني بنورك إليك ، وأقمني بصدق العبودية بين يديك [10].
ألهي آمين مصدقين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين.

النور الثاني
ما كتب في أصول الدين وأقل ما يجب من المعرفة فيها


الإشراق الأول : أهم ما كتب في أصول الدين وأنواعه :
يا طيب : إنه قد كتبت كتب كثيرة في المعارف والتعاليم الإلهية ، وبالخصوص أصول الدين التي يجب على كل مؤمن معرفتها بالدليل والبرهان ، وكانت رسائل مختصرة لا تتجاوز الصفحة والصفحتان ، إلى كتب مفصلة في علم الكلام والفلسفة والحديث والشرح لها ، فبعد أن تُمهد له كثير من المقدمات تعرج لبيان المعارف الإلهية وما ترتب عليها من أصول الدين وبعض فروعها .
وكل من يكتب : في فن من العلوم العقائدية الكلامية والفلسفية والتفسير والحديث ، وفي نفس العقائد وأصول الدين وفي موضوع منها ، يكون له أسلوبه الخاص به وبيانه وما يختار من مسائل وفروعها ، وإن ألتزم بأصولها والمهم منها ، ولكن أهم ما يكتب في الاعتقاد الديني هي أصول الدين الخمسة وبيانها ، والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير في فروعها والمسائل المترتبة عليها .
فإن طلبت الشرح المفصل لأصول الدين : راجع الكتب التي لها مقدماتها ككتب الكلام وأهمها شروح كتاب تجريد الاعتقاد الكثيرة ، أو إرشاد الطالبين لنهج المسترشدين ، وقواعد المرام في علم الكلام ، أو موجزها ككتاب الباب الحادي عشر ، أو كتب الفلسفة التي أوسعها كتاب الأسفار الأربعة لصدر المتألهين ، أو المختصرة ككتاب نهاية الحكمة وبدايتها للطباطبائي وما علق عليهما وشُرح ، وكل منها له أسلوبه للوصول لمعرفة الله وتوحيده ، وما أوجب علينا العقل من المعرفة في أصول الدين وأهم مسائله .
أو أقِرأ : ما يكتب في أصول الدين بدون مقدمات فلسفية وكلامية ، كالذي نكتبه في صحف أصول الدين في ضمن موسوعة صحف الطيبين ، أو إحقاق الحق وشرحه الشريف للمرعشي رحمه الله ، أو الملل والنحل للأستاذ السبحاني لتطلع على تأريخ الأديان ، وكذا كتابه الشريف أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتأريخهم ، أو تقرأ ما قرر من درسه في الإلهيات المتعلقة بأصول الدين الخمسة ، أو كتاب العقائد الحقة ، أو عقائد المظفر ، أو كتب الحديث كتوحيد الصدوق وأصول الكافي وكتاب بحار الأنوار ، أو غيرها من الكتب التي تتعرض لأصول الدين بدون مقدمات كلامية وفلسفية ، وإن كان لكل منها أهل ذوق ، ومُحب لما تعرضه من معارف أصول الدين بأسلوبها الشيق وبيانها جميل .
وفي هذا الكتاب : نختصر البحث فلا نكتب إلا في صلب موضوع أصول الدين الخمسة وأهم مسائلها ، وإن أحبب مختصرها فإليك يا طيب هذا الحديث الآتي ، وهو مختصر لبيان أهم أصول الاعتقاد في الدين الإسلامي الحنيف .
أو الحديث الذي بعده : فإنه يذكر بعد أصول الدين أهم الواجبات المترتبة عليها بعد المعرفة ، وإن كان معرفتها من الرسائل العملية للفقهاء المجتهدين أولى ، لأن التقليد في الفروع واجب كوجوب المعرفة بالدليل والبرهان في أصول الدين ، وذلك لكون مسائلها كثيرة وفرعية وهي متعلقة بأفعالنا بعد ما نقر لها بإقرارنا لأصول الدين وأسسها الخمسة بقلوبنا وعقولنا اعتقادا جازما محكم البرهان ، وإن فروع الدين كثيرة ويحتاج لاستنباطها ومعرفتها متفرغ بكل عمره للبحث فيها ، وبجد وأجتهد وزهد وورع وفطنة وذكاء وتوفيق من الله ، والمداومة عليها على طول الزمان في الدراسة والبحث حتى تتم معرفتها ومعرفة فروعها وأحاديثها ثم استنباطها ، وهي توقيفية حسب ما جاءت التعاليم فيها دون الدخول المباشر للعقل لإثباتها ، فهي ليست كأصول الدين التي نقر لها بالعقل والوجدان قبل تعليم الشرع وبيانه ، بل والفطن يقر بها قبل إشارة الشرع المقدس وإرشاده لكيفية المعرفة فيها والاستدلال عليها ، ومر عليك بعض البيان في الأمور الخمسة في أنوار الذكر السابق وإشراقها .
وذكرنا الحديث الأخير : لتعرف يا طيب إنه ليس الواجب من المعرفة فقط أصول الدين ، بل أصول الدين هي أُسس الاعتقاد ومبادئ الدين ، وهي التي يجب عقد القلب على الإيمان بها في كل الأحوال ، والاعتقاد بها على نحو اليقين العقلي بالدليل والبرهان ، وهي فقط إيمان واعتقاد ، وما بعدها تترتب التكاليف والأحكام وتُلقى المسؤولية الدينية ، والتبعات التي تشرفنا عملاً وفعلاً جوارحي ، وهذا حال كل العقائد والأديان فإن بعد الإيمان بها كعقيد يجب العمل بها ولها ، وهي تحسب من فروع الدين والتكاليف العملية بعد معرفة أصوله .
فإن اكتفيت يا أخي بالمقدم في هذا الباب : وبهذه الأحاديث لتعرف نص أصول الدين أو مع بعض فروعه كما في الحديث الأخير فبها ، لتصون نفسك إن شاء الله وتعرف أس الإيمان فبها ، وهي من صلب الإيمان وأسسه ، وإن فيها معارف دين قيمة ، وقراءة سريعة لأهم تعاليمه و واجباته وما رفضه ونهى عن ارتكابه ، و إلا إن أحببت أن تتوسع في المعرفة لترسخ في نفسك ولبك إيمانا وقعا حاثا للعلم والعمل ، ولكي تفهم أجمل معرفة ، وأشرف تعاليم في الوجود ، وأكرم معرفة يحبها الرب المعبود ، وهي في نفس تعلمها فضلا عن العمل بها عبادة كبيرة الفضل ، ولها ثواب جزيل عظيم ، فراجع كتب العقائد الموسعة أو تابعنا في البحث في هذه الصحيفة ، ستجدها إن شاء الله مليه نافعة في معرفة أصول الدين ، هذا وقد عرفت ضرورة المعرفة بالدليل والبرهان وآثارها ، وأما الحديثان فهما ليس من أضعف الإيمان إن ثبت عليهما المؤمن وكفاه اليقين بهما ، وهما في بيان الأشراقين الآتيين فندبر بهما ، فإنهما كريمان وفيهما معارف شريفة :


الإشراق الثاني :
حديث مختصر في أهم ما يجب معرفته:
يا طيب : روى الصدوق في التوحيد : بالإسناد عن عبد العظيم الحسني قال : دخلت على سيدي : علي بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
فلما بصر بي قال لي : ( مرحباً بك يا أبا القاسم أنت ولينا حقاً ) .
قال : فقلت له : يا أبن رسول الله إنني أريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقى الله عز وجل .
فقال : (( هات يا أبا القاسم )) .
فقلت إني أقول :
إن الله تبارك وتعالى : واحد ليس كمثله شيء ، خارج من الحدين ، حد الإبطال وحد التشبيه ، وأنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ، ولا جوهر ، بل هو مجسم الأجسام ومصور الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، ورب كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه .
وإن محمداً : عبده ورسوله ، وخاتم النبيين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة .
وأقول : إن الإمام والخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم أنت يا مولاي .
فقال عليه السلام : (( ومن بعدي الحسن أبني ، فكيف للناس بالخلف من بعده ؟ )) .
قال فقلت : وكيف ذلك يا مولاي ؟
قال : (( لأنه لا يرى شخصه ، ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا ، كما ملئت جوراً وظلماً )) .
قال : فقلت : أقررت ، وأقول : إن وليهم ولي الله ، وعدوهم عدوا الله ، وطاعتهم طاعة الله ، ومعصيتهم معصية الله .
وأقول : إن المعراج حق ، والمساءلة في القبر حق ، وإن الجنة حق ، والنار حق ، والميزان حق ، وإن الساعة آتية لا ريب فيها ، وإن الله يبعث من في القبور .
وأقول : إن الفرائض الواجبة بعد الولاية : الصلاة والزكاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر.
فقال علي بن محمد عليه السلام :
(( يا أبي القاسم ، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فأثبت عليه ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة )) [11].
اللهم: ثبتنا معه ، واجعلنا مع نبينا وآله الكرام صلاتك وسلامك عليهم ، إنك أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

الإشراق الثالث :
حديث مفصل في أهم يجب معرفته :
يا طيب : ذكر الصدوق في عيون أخبار الرضا عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا عليه السلام أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ؟
فكتب عليه السلام له : إن محض الإسلام :
شهادة : أن لا إله إلا الله : وحده لا شريك له ، إلها واحدا أحدا ، فردا صمدا قيوما ، سميعا بصيرا ، قديراً قائماً باقياً ، عالما لا يجهل ، قادرا لا يعجز ، غنيا لا يحتاج ، عدلاً لا يجور ، وإنه خالق كل شيء ، وليس كمثله شيء ، لا شبه له ، ولا ضد له ، ولا ند له ، ولا كفؤ له ، وأنه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة.
وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله : وأمينه وصفيه ، وصفوته من خلقه ، وسيد المرسلين وخاتم النبيين ، وأفضل العالمين ، لا نبي بعده ، ولا تبديل لملته ، ولا تغيير لشريعته ، وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه .
والتصديق بكتابه : الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وأنه المهيمن على الكتب كلها ، وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه وخاصه وعامه ووعده ووعيده وناسخه ومنسوخه وقصصه وأخباره ، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله .
وأن الدليل بعده والحجة على المؤمنين : والقائم بأمر المسلمين والناطق عن القرآن والعالم بأحكامه أخوه وخليفته ووصيه ووليه ، الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين ، وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وأفضل الوصيين ، ووارث علم النبيين والمرسلين .
وبعده : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، ثم علي بن الحسين زين العابدين ، ثم محمد بن علي باقر علم الأولين ، ثم جعفر بن محمد الصادق وارث علم الوصيين ، ثم موسى بن جعفر الكاظم ، ثم علي بن موسى الرضا ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم الحجة القائم المنتظر ولده صلوات الله عليهم أجمعين .
أشهد لهم بالوصية والإمامة : وأن الأرض لا تخلو من حجة الله تعالى على خلقه في كل عصر وأوان ، وأنهم العروة الوثقى ، وأئمة الهدى ، والحجة على أهل الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وأن كل من خالفهم : ضال مضل باطل ، تارك للحق والهدى . وأنهم المعبرون عن القرآن : والناطقون عن الرسول صلى الله عليه وآله بالبيان ، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية .
وأن من دينهم : الورع والعفة ، والصدق والصلاح ، والاستقامة والاجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر ، وطول السجود ، وصيام النهار ، وقيام الليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر ، وحسن الجوار ، وكرم الصحبة .
ثم الوضوء : كما أمر الله عز وجل في كتابه غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ، ومسح الرأس والرجلين مرة واحدة ، ولا ينقض الوضوء إلا غائط أو بول أو ريح أو نوم أو جنابة ، وإن من مسح على الخفين فقد خالف الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وترك فريضته وكتابه .
وغسل : يوم الجمعة سنة ، وغسل العيدين ، وغسل دخول مكة والمدينة ، وغسل الزيارة ، وغسل الإحرام ، وأول ليلة من شهر رمضان ، وليلة سبعة عشر وليلة تسعة عشر وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ، هذه الأغسال سنة ، وغسل الجنابة فريضة ، وغسل الحيض مثله .
والصلاة الفريضة : الظهر أربع ركعات ، والعصر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعشاء الآخرة أربع ركعات ، والغداة ركعتان ، هذه سبع عشرة ركعة .
والسُنة أربع وثلاثون ركعة : ثمان ركعات قبل فريضة الظهر ، وثمان ركعات قبل العصر ، وأربع ركعات بعد المغرب ، وركعتان من جلوس بعد العتمة تعدان بركعة ، وثمان ركعات في السحر ، والشفع والوتر ثلاث ركعات تسلم بعد الركعتين ، وركعتا الفجر .
والصلاة في أول الوقت أفضل : وفضل الجماعة على الفرد بكل ركعة ألفي ركعة ، ولا صلاة خلف الفاجر ، ولا يُقتدى إلا بأهل الولاية ، ولا يصلى في جلود الميتة ولا في جلود السباع ، ولا يجوز أن تقول في التشهد الأول : السلام علينا وعلى عباد لله الصالحين ، لأن تحليل الصلاة التسليم فإذا قلت هذا فقد سلمت .
والتقصير : في ثمانية فراسخ وما زاد ، وإذا قصرت أفطرت ، ومن لم يفطر لم يجز عنه صومه في السفر وعليه القضاء لأنه ليس عليه صوم في السفر .
والقنوت : سنة واجبة في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة.
والصلاة على الميت : خمس تكبيرات ، فمن نقص فقد خالف السنة ، والميت يسل من قبل رجليه ويرفق به إذا ادخل قبره .
والاجهار : ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة .
والزكاة الفريضة : في كل مائتي درهم خمسة دراهم ، ولا يجب فيما دون ذلك شيء ولا تجب الزكاة على المال حتى يحول عليه الحول ، ولا يجوز أن يعطى الزكاة غير أهل الولاية المعروفين ، والعشر من الحنطة والشعير والتمر والزبيب إذا بلغ خمسة أو ساق ، والوسق ستون صاعا ، والصاع أربعة أمداد ، وزكاة الفطر فريضة : على كل رأس صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى من الحنطة والشعير والتمر والزبيب صاع ، وهو أربعة أمداد ، ولا يجوز دفعها إلا على أهل الولاية .
وأكثر الحيض : عشرة أيام ، وأقله ثلاثة أيام ، والمستحاضة تحتشي وتغتسل و تصلي ، والحائض تترك الصلاة ولا تقضي ، وتترك الصوم وتقضي .
وصيام شهر رمضان فريضة : يصام للرؤية ويفطر للرؤية ، ولا يجوز أن يصلى التطوع في جماعة ، لان ذلك بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، وصوم ثلاثة أيام في كل شهر سنة ، في كل عشرة أيام يوم أربعاء بين خميسين ، وصوم شعبان حسن لمن صامه ، وإن قضيت فوائت شهر رمضان متفرقا أجزأ .
وحج البيت فريضة : على من استطاع إليه سببلاً ، والسبيل : الزاد والراحلة مع الصحة ، ولا يجوز الحج إلا تمتعا ، ولا يجوز القران والإفراد الذي يستعمله العامة إلا لأهل مكة وحاضريها ، ولا يجوز الإحرام دون الميقات ، قال الله عز وجل { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ }البقرة196 ولا يجوز أن يضحي بالخصي لأنه ناقص ، ولا يجوز الموجوء .
والجهاد واجب مع الإمام العدل : ومن قتل دون ماله فهو شهيد ، ولا يجوز قتل أحد من الكفار والنصاب في دار التقية إلا قاتل أو ساع في فساد ، وذلك إذا لم تخف على نفسك وعلى أصحابك ، والتقية في دار التقية واجبة ، ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلما عن نفسه .
والطلاق للسنة : على ما ذكره الله عز وجل في كتابه وسنة رسول صلى الله عليه وآله ، ولا يكون طلاق لغير السنة ، وكل طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق ، كما أن كل نكاح يخالف الكتاب فليس بنكاح ، ولا يجوز الجمع بين أكثر من أربع حرائر ، وإذا طلقت المرأة للعدة ثلاث مرات لم تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام : اتقوا تزويج المطلقات ثلاثا في موضع واحد ، فإنهن ذوات أزواج .
والصلاة على النبي وآله عليهم السلام : واجبة في كل موطن وعند العطاس والذبائح وغير ذلك . وحب أولياء الله عز وجل واجب ، وكذلك بغض أعداء الله والبراءة منهم ومن أئمتهم . وبر الوالدين واجب وإن كانا مشركين ، ولا طاعة لهما في معصية الله عز وجل ولا لغيرهما ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر وأوبر .
وتحليل المتعتين : اللتين أنزلهما الله عز وجل في كتابه وسنهما رسول الله عليه و على آله السلام : متعة النساء ومتعة الحج .
والفرائض : على ما أنزل الله عز وجل في كتابه ، ولا عول فيها ، ولا يرث مع الولد والوالدين أحد إلا الزوج والمرأة ، وذو السهم أحق ممن لأسهم له ، وليست العصبة من دين الله عز وجل .
والعقيقة : عن المولود الذكر والأنثى واجبة ، وكذلك تسميته ، وحلق رأسه يوم السابع ، ويتصدق بوزن الشعر ذهبا أو فضة ، والختان سنة واجبة للرجال ، ومكرمة للنساء .

وأن الله تبارك وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها :
وأن أفعال العباد مخلوقة لله خلق تقدير لا خلق تكوين ، والله خالق كل شيء ، ولا يقول بالجبر والتفويض ، ولا يأخذ الله عز وجل البريء بالسقيم ، ولا يعذب الله تعالى الأطفال بذنوب الآباء ، ولاتزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، ولله عز وجل أن يعفو ويتفضل ولا يجور ولا يظلم ، لأنه تعالى منزه عن ذلك ، ولا يفرض الله تعالى طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم ، ولا يختار لرسالته ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته ويعبد الشيطان دونه.
وإن الإسلام غير الإيمان : وكل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمنا ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، و أصحاب الحدود مسلمون لا مؤمنون ولا كافرون ، والله عز وجل لا يدخل النار مؤمنا وقد وعده الجنة ، ولا يخرج من النار كافرا وقد أوعده النار والخلود فيها ، ولا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومذنبوا أهل التوحيد لا يخلدون في النار ويخرجون منها ، والشفاعة جائزة لهم .
وإن الدار اليوم : دار تقية وهي دار الإسلام ، لا دار كفر ولا دار إيمان . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان إذا أمكن ولم يكن خيفة على النفس.
والإيمان : هو أداء الأمانة ، واجتناب جميع الكبائر ، وهو معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان .
والتكبير في العيدين : واجب في الفطر في دبر خمس صلوات ، ويبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر ، وفي الأضحى في دبر عشر صلوات ، يبدأ به من صلاة الظهر يوم النحر وبمنى في دبر خمس عشرة صلاة .
والنفساء : لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوما ـ عشرة أيام ـ فإن طهرت قبل ذلك صلت وإن لم تطهر حتى تجاوزت ثمانية عشر يوما ـ عشرة أيام ـ اغتسلت وصلت وعملت ما تعمل المستحاضة .

وتؤمن : بعذاب القبر ومنكر ونكير والبعث بعد الموت والميزان والصراط.
والبراءة : ـ من الذين ظلموا آل محمد عليهم السلام وهموا بإخراجهم وسنوا ظلمهم و غيروا سنة نبيهم صلى الله عليه وآله ، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين الذين هتكوا حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونكثوا بيعة إمامهم ، وأخرجوا المرأة ، وحاربوا أمير المؤمنين عليه السلام ، وقتلوا الشيعة المتقين رحمة الله عليهم ـ واجبة .
والبراءة : ممن نفى الأخيار وشر دهم وآوى الطرداء اللعناء وجعل الأموال دولة بين الأغنياء ، واستعمل السفهاء مثل معاوية وعمر وبن العاص لعيني رسول الله صلى الله عليه وآله .
والبراءة : من أشياعهم الذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوا الأنصار والمهاجرين وأهل الفضل والصلاح من السابقين ، والبراءة من أهل الاستيثار ومن أبي موسى الأشعري وأهل ولايته {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } الكهف 105 ، وبولاية أمير المؤمنين ولقائه عليه السلام ، كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته ، فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا فهم كلاب أهل النار .
والبراءة : من الأنصاب والأزلام أئمة الضلال وقادة الجور كلهم أولهم وآخرهم ، والبراءة من أشباه عاقري الناقة أشقياء الأولين و الآخرين وممن يتولاهم .
والولاية لأمير المؤمنين : والذين مضوا على منهاج نبيهم صلى الله عليه وآله ولم يغيروا ولم يبدلوا مثل سلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وسهل بن حنيف ، وعبادة بن الصامت ، وأبي أيوب الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، وأبي سعيد الخدري وأمثالهم رضي الله عنهم ، والولاية لاتباعهم وأشياعهم ، والمهتدين بهداهم السالكين منهاجهم رضوان الله عليهم ورحمته .

وتحريم : الخمر قليلها وكثيرها ، وتحريم كل شراب مسكر قليله وكثيره ، وما أسكر كثيره فقليله حرام ، والمضطر لا يشرب الخمر لأنها تقتله .
وتحريم : كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير ، وتحريم الطحال فإنه دم ، وتحريم الجري والسمك الطافي والمار ما هي والزمير وكل سمك لا يكون له فلس .
واجتناب الكبائر : وهي قتل النفس التي حرم الله عز وجل ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وعقوق الوالدين ، والفرار من الزحف ، وأكل مال اليتيم ظلما ، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به من غير ضرورة ، وأكل الربا بعد البينة ، والسحت ، والميسر وهو القمار ، والبخس في المكيال والميزان ، وقذف المحصنات ، واللواط ، وشهادة الزور ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمة الله ، ومعونة الظالمين ، والركون إليهم ، واليمين الغموس ، وحبس الحقوق من غير عسر ، والكذب ، والكبر ، والإسراف ، والتبذير ، والخيانة ، و الاستخفاف بالحج ، والمحاربة لأولياء الله تعالى ، والاشتغال بالملاهي ، والإصرار على الذنوب [12].

يا طيب : بعد ما عرفت شيء من أهمية أصول الدين ووجوب المعرفة لتوحيد الله تعالى ، وما يجب الإيمان به من أصول الدين وما يترتب عليها من الإيمان بالفروع ، وضرورة العمل بها كما ذكر في الحديث الشريف أعلاه ، فإنه فضلاً عن ذكره لأصول الدين وأهم مسائلها ، ذكر كذلك أهم ما يجب العمل به من فروعه من الأحكام الفعلية العملية ، وإنه فضلاً عن الإيمان بها يجب العمل بها و إظهارها ، فإنها مترتبة على أصول الدين ، فإن من ينكر ضروريات الدين كالصلاة والصوم وغيرها من الأحكام المهمة إيمانا أو عملا ولا يأتي بها ، يخرج من الإيمان ، أو والإسلام ، وتكون معارفه علم فقط وحجة عليه يحساب بها ، وإن كان يدعي الإيمان علما من غير عمل .
فإن من يؤمن : بالله وتوحيده وعدله وإنه أرسل رسلا وحافظ على دينه بأوصيائهم وإنه في القيامة الحساب ، وإنه قد فاز مَن تبع الحق فآمن وأطاع ، وإن له الثواب ، يختم له بالجنة ونعيم الأبد ورضا الله الأكبر ، وإن النار للعاصيين إن لم تكن لهم شفاعة حتى لو كان يدعي الإيمان ولم يعمل ، فإنه يجب على العبد أن يؤمن ويعمل بما يترتب على أصول الدين من فروعه ، ويطيع تعاليمها عملاً فضلاً عن الاعتقاد ، بل يجب عليه أن ينصرها بتعلمها ، ويعلمها بقدر الوسع والطاقة لأهله ولأهل حيطته ، ولو بذكر طرف من مدارسة هدى الله وما يجر للإيمان به وإطاعته مما شرفنا به من دينه القويم .
ويا طيب : إن التعليم في الإسلام له شأن كريم وبه نزلت أول آيات القرآن المجيد وتعاليمه ، وقد عرفت ذمه سبحانه للجهل وللتقليد ومدحه لأهل العقل والعلماء ، وإن في كتاب الله العلماء هم من عمل صالحا وإلا لم يعد في طاعة الله ولا مدح ولا ثناء له عند الله ، فإن العلم مع الإيمان بهدى الله وحدوده أس الدين ، ويجب أن تكون معرفة موجب للعمل وللتطبيق ، ولذا سنذكر هنا بعض الأحاديث التي تعرفنا ثواب توحيد الله تعالى وضرورة العلم والعمل معا ، فتدبر لتشتاق معارف الله ، وتتقدم للعلم بها والتعليم لها والعمل بها .
وأسأل الله : أن يقبلك ويقوي إيمانك ويزيد درجتك ومكانتك لديه ، ويرضى عنك وعني وعن والدينا ، وعن كل طيب يحب الله ودينه وأهل نعيمه صلى الله عليهم وسلم وأتباعهم الحقيقيين ، إن أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين.



5 
مجدى سالم


النور الثالث
أحاديث شريفة في ثواب التوحيد وعظمته

أعلم يا أخي : إن فضل التوحيد كبير ، وعلمه شريف عظيم ، ونتيجته الكون في رضا الله ومجده ، وبه تطمئن النفوس الواله ، وتستقر الأرواح التائهة ، وعنده تستقر العقول الباحثة ، فتحصل على نورها ومددها في كل كرامة ، وثمنه الجنة ، والكون تحت رعاية الله حتى يسكن الله عبده النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال ، وفي كل هناء وحبور وسرور ، وستأتي في الصحيفة الثالثة للتوحيد : صحيفة العارفين ، معارف كريمة أخرى في فضل المعرفة وثوابها ، ووفق الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، وهنا نختصر البحث فنذكر بعضها .
كما إن : عدم الإقرار لله أو عدم توحيده أو حين رفض شيء من دينه تعالى ، فهو تعصي على رضاه وكرامته ، وهو معصيته وترك لحدود الله تعالى ، و يكون إما كفر أو شرك ، أو كبيرة تُدخل صاحبها النار ، أو تناله شفاعة حسب بعده عن الله وشدة تعصية على رضوانه ، وبمقدار عقله وشأنه في رفض هدى الله ، والعياذ بالله تعالى من أي فكرة في ترك شيء من دين الله فضلا عن توحيده .
ثم يا طيب : إن المعرفة في توحيد الله هي غاية المعرفة وتمامها وأس العلم وكماله ، و إلا أي علم وفن ومعرفة واكتشاف لغير مؤمن يكون حسرة عليه يوم القيامة مهما كان ، وبمعارف التوحيد وما يترتب عليها يُعرف العقل السليم ، والفطرة الطاهرة ، والروح الطيبة ، والنية الصادقة في تعظيم الرب الكريم ، وحبه وشكره والاستعداد لعبوديته تعالى ، وحسب رسوخ الإيمان والمعرفة لهدى الرب ، يكون قيمة العبد وشأنه عند الله ومرتبة في كرامة الوجود ونوره ، وطبعا مع العلم الراسخ المقرون بالإيمان والعمل بكل ما شرفنا الله من هداه ، وإلا عدم العمل بما كرمنا الله من دينه يكون نقص في الإيمان وأصله ، وعدم جديته وعدم رسوخه في النفس رسوخ يُوجد العزم والهمة على العمل بهدى الله ، ولا السير بصراط مستقيم لهداه ورضاه ونعيمه ، ولذا جاءت أحاديث كريمة في هذا المعنى ، نذكر بعضها في مشارق نور تهدينا ثوابها إن شاء الله ، فتدبر فيها يا طيب :

الإشراق الأول : ثواب معرفة الله وتوحيده :
عن محمد بن سماعة ، قال سأل بعض أصحابنا الصادق عليه السلام ، فقال له :
أخبرني أي الأعمال أفضل ؟ قال : توحيدك لربك .
قال : فما أعظم الذنوب ؟ قال : تشبيهك لخالقك [13].
وقال الإمام علي عليه السلام :
معرفة الله سبحانه : أعلى المعارف ، ثمرة العلم معرفة الله ، من عرف الله كملت معرفته ، من عرف الله سبحانه لم يشق أبدا ، ينبغي لمن عرف الله سبحانه أن يرغب فيما لديه ، من عرف الله توحد ، ينبغي لمن عرف الله سبحانه أن لا يخلو قلبه من رجائه و خوفه [14].
وقال عليه السلام :
عجبت لمن عرف الله كيف لا يشتد خوفه .
لا ينبغي لمن عرف الله أن يتعاظم [15].
بل يا طيب : يجب أن يتواضع لله ولكل حق وهدى قيم أمر الله به ، ولا يشرك به أبدا ، فيأتي بكل طاعة شرفنا بها ، وبكل إخلاص العبودية له تعالى ، وعندها يسكن في الجنة كما جاء عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز و جل : هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ .
قال قال الله تبارك و تعالى : أنا أهل أن أتقى ، و لا يشرك بي عبدي شيئا ، و أنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن أدخله الجنة .
و قال عليه السلام : إن الله تبارك و تعالى أقسم بعزته و جلاله : أن لا يعذب أهل توحيده بالنار أبدا[16].
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : كل جبار عنيد من أبى أن يقول : لا إله إلا الله .
و عن الإمام الباقر أبي جعفر عليه السلام قال جاء جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :
يا محمد : طوبى لمن قال من أمتك : لا إله إلا الله وحده وحده وحده .
وعن إسحاق بن راهويه قال لما وافى أبو الحسن الرضا عليه السلام بنيسابور و أراد أن يخرج منها إلى المأمون ، اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له : يا ابن رسول الله ترحل عنا و لا تحدثنا بحديث فنستفيده منك ، و كان قد قعد في العمارية فأطلع رأسه و قال : سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي بن أبي طالب يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : سمعت جبرائيل يقول : سمعت الله جل جلاله يقول :
لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي .
قال : فلما مرت الراحلة نادانا بشروطها ، و أنا من شروطها .
قال الصدوق : من شروطها الإقرار للرضا عليه السلام بأنه إمام من قبل الله عز و جل على العباد ، مفترض الطاعة عليهم [17].
يا طيب : قد عرفت إنه شرط التوحيد لله هو الإقرار بالأصول الخمسة للدين كلها مجتمعه وبكل ما تُشرفنا به من تكاليف ، وهذا هو شرط الإيمان والاعتقاد ، وكونه راسخ يدعوا للعمل ، وإنه من لم يعرف الحق من الهدى لا عمل له ، بل يبتعد عن الله تعالى ، ولذا وجب معرفة الله كما عرفنا نفسه في كتابه القرآن المجيد ، وبسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبشرح آله بعده لأنهم هم أهل الذكر المرفوع ذكرهم ، وأهل آيات النور وفي بيتهم معرفة الله وهم بابه لهداه ، وصراطه المستقيم، ولهذا المعارف راجع صحيفة الإمامة وغيرها.
ولكن يا أخي : قبل أن نختم الذكر في ضرورة معرفة توحيد الله تعالى ، بالدليل المحكم وبالبرهان المتقن الموجب لرسوخ الإيمان حتى اليقين ، وبكل ما يوجبه ضرورة التشرف بكل هدى الله علما ، نذكر أحديث شريفة بضرورة العمل الصالح المرتبط بهدى الله كله ، لأنه مجرد أن نعرف الله لا ينفع مع الإنكار لدينه ، فكم من يدعي المعرفة ولا يعمل فيصير ممن يحث الناس على معصية الله وبالخصوص حين يقتدي به الناس لبعض شأنه ، وإن كان نفس المعرفة عظيمة حسنة كريمة ثمنها الجنة ، ولكن للصادقين في عرفانهم لله ولحقه والإقرار له مع الطاعة وفق هداه الحق ، وهذه كلمة جميلة للشيخ المفيد رحمة الله في جمال معنى التوحيد والإقرار لله ولو بزمان .
قال في أوائل المقالات أقول :
إن من عرف الله تعالى وقتا من دهره ، و آمن به حالا من زمانه .
فإنه لا يموت إلا على الإيمان به .
و من مات على الكفر بالله تعالى ، فإنه لم يؤمن به وقتا من الأوقات[18] .
يا أخي : إن الإيمان الآن يجر للتوبة وللعمل وللتوفيق من الله ، لأن يرجعه إليه قبل أن يموت ويرزقه التوبة أو يصفي ذنوبه ، أو يجعل له أسباب ووسائل للإنابة إليه والخروج من الحقوق الإلهية بل وحقوق العباد أو تناله الشفاعة .
فآمن يا طيب : قبل أن تؤمن مكره يوم القيامة حين يُكشف عن البصر ، وتعرف حقائق الوجود وبقاء الروح في البرزخ وترى حقائق عالم آخر تذعن به أن للكون خالق ويحاسب على كل شيء ، ولكن بعد الموت للأسف لا عمل يقبل ولا توبة ولا شفاعة لكافر بل نار وجحيم ، والمؤمن بأي صورة لا يخلد في النار بل قد تناله شفاعة سريعة أو بعد دخول النار أو يتوب قبل أي عذاب ، والموت على الإيمان به العز والمجد أولا وآخرا بأي صورة كان ، وما أحسنه إن يتبعه العمل ، ولهذا نذكر أحاديث في هذا الموضع تحثنا على العمل مع علوم التوحيد ، فتدبرها يا طيب :

الإشراق الثاني : العلم والمعرفة بتوحيد الله يوجب العمل :
قال الإمام علي عليه السلام :
الحمد لله : الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، و لا يحصي نعمه العادون ، و لا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ، و لا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حد محدود ، و لا نعت موجود ، و لا وقت معدود ، و لا أجل ممدود ، فطر الخلائق بقدرته ، و نشر الرياح برحمته ، و وتد بالصخور ميدان أرضه .
أول الدين : معرفته ، و كمال معرفته التصديق به ، و كمال تصديقه توحيده ، و كمال توحيده الإخلاص له[19] .
وَ قَالَ عليه السلام : الْعِلْمُ : مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ، وَ الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ ، فَإِنْ أَجَابَهُ ، وَ إِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ [20].
فأول الدين : معرفة الله وتوحيده والإخلاص له ، ثم العمل وأوله العمل العلمي هو أن نعرف الله وعظمته ، ثم نعرفه علما بقدر الممكن لأنه أفضل الأعمال في الإسلام ، ولو أنه قد وجب العلم والعمل في كل هدى الله وبالخصوص حين يكون مورد نبتلي به أي يجب أن نعمله ، ولذا قالالإمام أبو محمد العسكري عليه السلام : قال علي بن الحسين عليه الصلاة والسلام :
أوحى الله تعالى إلى موسى : حببني إلى خلقي وحبب خلقي إلى .
قال : يا رب كيف أفعل ؟
قال : ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني ، فلأن ترد آبقا عن بابي ، أو ضالا عن فنائي أفضل لك من عبادة مائة سنة بصيام نهارها وقيام ليلها .
قال موسى : ومن هذا العبد الآبق منك ؟ قال : العاصي المتمرد .
قال : فمن الضال عن فنائك ؟
قال : الجاهل بإمام زمانه تعرفه ، والغائب عنه بعد ما عرفه .
الجاهل بشريعة دينه ، تعرفه شريعته وما يعبد به ربه ويتوصل به إلى مرضاته [21].
وقال صلى الله عليه وآله : فضل العالم على العابد سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاما ، وذلك أن الشيطان يدع البدعة للناس فيبصرها العالم فينهى عنها ، والعابد مقبل على عبادته لا يتوجه لها ولا يعرفها[22] .
قال النبي صلى الله عليه وآله : ألا أحدثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور ، فقيل : من هم يا رسول الله ؟
قال : هم الذين يحببون عباد الله إلى الله ، ويحببون عباد الله إلي ، قال : يأمرونهم بما يحب الله ، وينهونهم عما يكره الله ، فإذا أطاعوهم أحبهم الله [23].
وعن موسى بن جعفر ، عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من يشفع شفاعة حسنة ، أو أمر بمعروف ، أو نهى عن منكر ، أو دل على خير ، أو أشار به : فهو شريك .
ومن أمر بسوء أو دل عليه أو أشار به فهو شريك[24] .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
لم يمت من ترك أفعالا تقتدى بها من الخير ، ومن نشر حكمة ذكر بها [25].
و من كلام الإمام علي عليه السلام عظة الناس :
اعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اللهُ : عَلَى أَعْلَامٍ بَيِّنَةٍ ، فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ ، وَ أَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ .وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ ، وَ الْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ ، وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ ، وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ ، وَ التَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ ، وَ الْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ[26] .
و قال في الإرشاد قال عليه السلام : العلم علمان : علم باللسان و هو الحجة على صاحبه ، و علم بالقلب و هو النافع لمن عمل به ، و ليس الإيمان بالثمن ، و لكنه ما ثبتت في القلب ، و عملت به الجوارح .
و كان نقش خاتم الحسين بن علي عليه السلام :
علمت ، فاعمل[27] .
وخلاصة القول : عن الإمام الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسيد الشهداء ، قال حدثني أبي الوصي علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله :
الإيمان : عقد بالقلب، و نطق باللسان ، و عمل بالأركان[28] .
فبعد المعرفة العلمية الإيمانية المعقودة في القلب التي تحققنا بها ، حان الآن لتظهر علينا بنور النطق باللسان ذكرا لله فضلا عن الشهادتين ، وعملا بالأركان كلها وبما تشتمل عليه من فروعها ليظهر نور العلم عملا في كل وجودنا ومحيطنا فنتطيب بنوره ، وحتى ليأتي نفس المعنى بحق بالتعبير الثاني وهو :
للإمام الحسين بن علي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
الإيمان : قول مقول ، و عمل معمول ، و عرفان العقول[29] .
أي من ظهر على لسانه ذكر الله تعالى وعمل بهداه كان عارف به موحدا له ، ومن أظهر القول والعمل عُرف إيمانه وصدقت نيته ، بل ظهر إنه يعرف عظمة الله تعالى وهو راسخ الإيمان ، ويجب أن يكون علمه وعمله لله عن حب وشوق له تعالى ، حتى يظهر ويتحد العلم والعمل ، ويكون العمل بيان للعلم مع الإيمان بما اعتقده من توحيد الله تعالى ولذا ذكروا :
إن من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شي‏ء .
و روي أن الله تعالى أنزل في بعض كتبه :
عبدي أنا و حقي لك محب فبحقي عليك كن لي محبا .
و المحبة تهيج الشوق إلى لقاء الله تعالى ، فيحب العبد الله تعالى وكل آثاره فيطيع الله ورسوله ، وكل من أمر بطاعتهم ، كما تعرفنا هذه الآيات الكريمة التي نختم بها بحث المعرفة ، لندخل في بحث أدلة التوحيد وما بعدها ، وهي لمن لم يكتفي بهذا ، وقد قال الله تعالى :
{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ()
قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ () إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ()
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } آل عمران31 /34.
وقال الله تعالى : { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ()
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ () وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ( 25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } الشورى23 /26 .
يا طيب : كان في هذا الباب بالإضافة لذكر ضرورة معرفة توحيد الله تعالى وعظمته والإقرار له ، كان بيان لضرورة معرفة كل أصول الدين الخمسة ، وكل ما يترتب عليها مما شرفنا الله بهداها ، والعمل بها بعد العلم والإيمان بها .
وهي يا أخي : لو تدبرتها لأريتها تكفي كأدلة لتوحيد الله تعالى ولطاعة عن حب له ، ولعباده الذين أصطفى ، والعمل بهدى الله الذي عرفوه لنا ، ولمن أراد المزيد من معارف التوحيد الكريمة ، فهذه في الأبواب الآتي من أدلة التوحيد إلى معارف الأسماء الحسنى وظهورها .
وهي يا طيب : معارف شريفة لابد منها ليرسخ الإيمان بالله ، وليسارع العبد الطيب للعمل بالخيرات وبالصالحات ، وكل هدى الله علما وعملا وسيرة وسلوكا حتى تظهر عليه آثاره بأجمل هيئة وبأبهى سناء وبألطف كمال ، فيُعرف فيه صفتا وخلقا وأحوالا سيماء الصالحين وشيم العباد الطيبين المؤمنين ، فنعرف أنفسنا وقيمتنا عند الله وكرامته لنا وترجى الحسنى منه والثواب الجزيل وكل كرامة أعدها لأوليائه الطيبين .
فهيا يا أخير : تدبر معي الأبواب الآتية لتظهر علينا آثار توحيد الله في قلبنا وعقلنا ولساننا ، وبكل جوارحنا علما وعملا خالصا لله تعالى ، فتابع بحوث أبواب صحيفة التوحيد وغيرها من موسوعة صحف الطيبين ، ولو مطالعة بالعمر مرة ، لتعرف معارف كريمة عن الدين القويم ونهجه ذو الصراط المستقيم ، فتكون إن شاء الله من ومع أصحاب النعيم والمجد والكرامة ، ومنور بالعز والخير والفضيلة والصلاح دنيا وآخرة .

وأسأل الله : أن أكون وإياكم من المطيعين العاملين بكل تعاليم الدين ، ومخلصين العمل والإيمان بالله رب العالمين وبكل ما شرفنا به ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .





Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.