العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


100موقف بطولي للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه


100موقف بطولي للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
أولا:

المواقف البطولية عند دعوته صلى الله عليه وسلم لأقربائه

إن عودة الوحي كانت حامية حارة اذ اُمر فيها الرسول بإنذار قومه عاقبة ما هم فيه من الشرك وما هم عليه من الكفر والفساد والشر كما اُمر بتعظيم الله عز وجل وتوحيده ثم بتطهير ثيابه من النجاسات لأنه أصبح يتلقى الوحي في كل حين فتعين له ان يكون على أتم الأحوال وأحسنها كما اُمر بالإستمرار على هجر الاوثان والبعد عنها وعدم الالتفات إليها بحال من الاحوال كل هذا يظهر لنا جليا قول الله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ))

ومن هنا بدأ صلى الله عليه وسلم دعوته بعرضها على من يرى فيهالاستعداد لقبولها وذلك سرا وأثناء هذه الفترة حدثت مواقف بطولية

نذكر منها ما يلي:


(1) موقف السيدة خديجة بنت خويلد:
لقد كان للسيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها موقفا عظيما حيث آمنت بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل الله عليه من آيات فكانت أول من أمنت به ووقفت بجانبه وقفة المؤمن الذي لا تلين له قناة ولا يدخل القنوط إلى قلبه وقد كانت رضي الله عنها تخفف عنه آلامه وتفرج عنه كروبه وتهون عليه أمر الناس وكانت له وزير صدق يشكو إليها وعندما قدم إليها من غار حراء مرتجفا من رؤيته للوحي قامت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ومعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه ما حدث فاهتز ورقة بن نوفل لما سمع وسرت روح الإيمان الصافي في جسده الهزيل الذي أرقده المرض وكبر السن وانتفض بكل ما أوتي من قوة وهو يردد. قدوس... قدوس... هذا الناموس الذي نزل على موسى عليه السلام يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال له رسول الله: (( أو مخرجي هم))؟ قال له ورقة: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. وهدأت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمع وانصرف مع زوجته الى بيتهما وهكذا كانت الوقفة الاولى للسيدة الفاضلة خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الدعوة في بدايتها وأول إشراقاتها تظهر مدى الايمان الصادق عند هذه السيدة الصادقة الوفية لزوجها ومدى فراستها وكمال عقلها فقد كانت اعرف الناس بقدر زوجها. لهذا أرسل الله سبحانه وتعالى إليها ((السلام)) عن طريق الوحي ((جبريل)) عليه السلام وبشرها بالجنة. عن أبي زرعة أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: أتى جبيرل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( هذه خديجة اتتك معها إناء فيه إدام وطعام أو شراب فإذا هي اتتك فأقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب )) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.

(2) موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
في الحقيقة أن الامام علي كرم الله وجهه وهو أول من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم من الصبيان وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى وهو ابن عشر سنين وكان مما أنعم الله عليه أنه كان في
حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان إذا حظرت الصلاة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى شعاب مكة وخرج معه علي مستخفيا من أبيه ومن
جميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا ما شاء الله أن يمكثا ثن إن أبا طالب
عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يابن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟
قال: (( أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم بعثني الله به رسولا إلى العباد وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة والدعوة إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه ))
بتصرف.فقال أبو طالب أي ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانو عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت وذكروا أنه قال لعلي: أي بني: ما هذ الدين الذي أنت عليه؟ فقال:
يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله واتبعته فزعموا أنه قال: أما إنهلم يدعك إلا إلى خير فالزمه.
السيرة النبوية لابن هشام 1/265.


(3) موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
أبو بكر بن أبي قحافة أول ما سمع عن الإسلام أسلم وأعلن إسلامه ودعا إلى الله وإلى الرسول وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر وكان تاجرا ذا خلق ومعروف. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يجلس إليه فأسلم على يديه عثمان بن عفان وال**ير ابن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و حين استجابوا له فأسلموا وصلوا وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما دعوت أحد إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه))
السيرة النبوية لابن هشام 1/268

(4) موقف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين بلحى بعير فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام.
السيرة النبوية لابن هشام 1/275.

المواقف البطولية في مرحلة الجهر بالدعوة:


لما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالاسلام وصدع به كما أمره الله تعالى في قوله عز وجل:
(( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98)وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99) ظهر العديد من المواقف البطولية نذكر منها ما يلي:

(5) موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي طالب:
لما رأت قريش أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب وقالوا:يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافة فنكفيكه فقال لهم قولا
رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى الرسول صلى الله عليه وسلم على ماهو عليه ثم إنهم كفار قريش
ذهبوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سناً وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنه وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى نكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام الرسول لهم ولا خذلانه.
فبعث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له : يابن أخي: إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني ما لا أطيق. فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والله لو وضعوا الشمس في يميني
والقمرفي يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته )).
ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولي ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي وقال له: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا. ثم إن قريشا عرضت على عمه فتى يقال له عمارة بن الوليد يأخذه ابناً له ويسلمهم محمدا ليقتلوه فقال: والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله ما لا يكون أبدا. السيرة النبوية لابن هشام 1/279 بتصرف.

(6) موقف حمزة بن عبد المطلب:
مر أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره فلم يرد عليه رسول الله صلى عليه وسلم ولم يكلمه وكانت موالاة لعبد الله بن جدعان تسمع ما قال أبو جهل وشاء الله أن يمر حمزة راجعا من قنص له متوحشا قوسه فقالت له المرأة عما حدث فاحتمل حمزة الغضب فخرج يسعى ولم يلتفت إلى أحد حتى أتى أبا جهل وهو جالس في نادي القوم حول المسجد فضربه بالقوس فشج رأسه ثم قال: أشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول.
وثبت حمزة من هذه الساعة على ما قاله فأسلم وحسن إسلامه ويومها عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة بإسلام حمزة المعروف عندهم بأنه أعز فتى في قريش.

(7) موقف بلال بن رباح:
مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ويئست قريش منه فنزل غضبهم على من كان قد أسلم من أبناء قبائلهم وليس لهم من يمنعهم وكان ممن أسلم بلال بن رباح رضي الله عنه كان مولى أبي بكر وكان أبوه من سبي الحبشة وأمه حمامة سبيه أيضا وهو من مولدي السراة وكنيته أبو عبد الله فصار بلال لأمية بن خلف الجمحي فكان إذا حمت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فكان ورقة بن نوفل يمر عليه وهو يعذب ويقول أحد أحد فيقول ورقة أحد أحد والله يا بلال ثم يقول ورقة لأمية: أحلف بالله لأن قتلتموه على هذا لأجعلن قبره موضع حنان. أي: موضع رحمة للناس يتمسحون به تبركا كما يتمسح بقبور الصالحين الذين قتلوا في سبيل الله من الأمم الماضية فيرجع ذلك عارا عليكم وسبة عند الناس وكان هذا الشيء موجودا قبل الإسلام فلما جاء الإسلام أبطله وكان أبو بكر الصديق يمر عليه فيجده يعذب فيقول لأمية بن خلف: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ فكان أمية يقول له: ابعد عنه فأنت الذي أفسدته علينا فقال له أبو بكر: يا أمية عندي غلام على دينك أسود أجلد من هذا أعطيكه به قال: قبلت, فأعطاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه غلامه وأخذ بلال وأعتقه فهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمسُك بلال وإصراره على بقائه في الدين رغم هذا التعذيب لموقف من أفضل المواقف التي حفظها التاريخ لهذا البطل.

(8) موقف آل ياسر:
وكان بنو مخزوم يخرجون بعمّار ابن ياسر وأبيه وأمه وكانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: ((صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة )) فأما أم ياسر فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام وكانت أول شهيدة فيالإسلام رحمها الله ومات ياسر تحت العذاب رحمه الله.

وشدد أعداء الله العذاب على عمار ونوعوا العذاب عليهم وهم يقولون له: لا نتركك حتى تسب محمدا وتقول في اللات والعزى خيرا وفعل ما طلبوا منه فتركوه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حدث فقال له: ((كيف تجد قلبك))؟ قال: أجده مطمئنا بالإيمان فقال: ((إن عادوا يا عمار فعد)) فأنزل الله تعالى قوله من سورة النحل: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا )).
ومن الذين عذبوا أيضا وكانت لهم مواقف رائعة خ باب وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة ومصعب بن عمير وغيرهم فهؤلاء جميعا لهم مواقف بطولية تجعلنا نتمسك بما تمسكوا به ونضحي بالغالي والنفيس من أجل رفعة شأن الإسلام فهاهم المسلمون رغم قلتهم في بداية نشر الدعوة الإسلامية نجدهم يقفون مواقف بطولية مشرفة فلنا فيهم الأسوة الحسنة.

(9) موقف عبد الله بن مسعود:
لقد اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهم إياه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا,قالوا: إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم ان ارادوه قال: دعوني فإن الله سيمنعني فغدا ابن مسعود حتى اتى المقام وقريش في انديتها ثم قرأ سورة الرحمن فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أم عبد؟ ثم قالوا إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمدا فقاموا اليه فجعلوا يضربونه في وجه وجعل يقرأ ثم انصرف الى اصحابه وقد أثروا في وجهه فقالوا: هذا الذي خشينا عليك فقال: ما كان أعداء
الله أهون علي منهم الآن ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا قالوا لا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.
السيرة النبوية لابنهشام 1/236"237.


(10) موقف أبو ذر الغفاري:
في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عله وسلم قال: ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الغبراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر وفي رواية ابن سعد ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر . من سره أن ينظر إلى زهد عيسى عليه السلام فلينظر الى أبي ذر وفي مسند أحمد أن أبا ذر قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس: أرحم المساكين وأجالسهم وأنظر الى من تحتي ولا أنظر الى من فوقي وأن اصل الرحم وإن ادبرتْ وأن أقول الحق وإن كان مرا وأن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله.
ويبدو صدق اللهجة في أبي ذر من أول ساعات إسلامه فقد جاء في قصة إسلام أبي ذر كما ورد في الصحيحين قال ابن عباس ألا أخبركم بإسلام أبي ذر قلنا بلى قال أبو ذر: بلغني أن رجلا بمكة قد خرج يزعم أنه نبي فأرسلت أخي
(يعني أخاه أنيسا) ليكلمه. فقلت: انطلق إلى هذا الرجل فكلمه فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت: ما عندك؟ قال: والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر قلت لم تشفني. (يعني أنه لم يفهم كل شيء عن محمد) قال أبو ذر فأخذت جربتا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه. وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد فمر عليّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: هذا رجل غريب؟ قلت: نعم. قال: انطلق إلى المنزل (أي منزل علي) فانطلقت معه لا أسأله عن شيء ولا يخبرني فلما أصبح الغد جئت إلى المسجد وليس يخبرني عن النبي بشيء فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعود؟ قلت: لا. قال: ما أمرك وما أقدمك. قلت: إن كتمت علي أخبرتك قال: أفعل. قلت: قد بلغنا أنه خرج نبي قال: أما قد رشدت هذا وجهي إليه فاتبعني وادخل حيث أدخل فإن رأيت أحدا أخافه
عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت فمضى ومضيت معه فدخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: اعرض علي الإسلام فعرض عليّ فأسلمت مكاني فقال لي: ((يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى
قومك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل)) فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها (أي دعوة الحق) بين أظهرهم فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا: فضُرِبتُ لأموت فأدركني العباس فأكب علي وقال: ويلكم أتقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأطلقوا عني فلما أصبحت رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي كذلك وأدركني العباس فأكب علي وفي إضافة لابن سعد أن أبا ذر حين أسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((متى كنت ههنا؟)) قال: منذ ثلاثين يوما قال: ((فمن كان يطعمك؟)) قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت وما أجد على بطني سخفة جوع قال صلى الله عليه وسلم: ((إنها مباركة وإنها طعام طعم)) فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة فانطلقنا ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من **يب الطائف فكان أول طعام أكلته بها وذكر أبو ذر أنه لقي أخاه أنيسا فأخبره برحلته وإسلامه فأسلم أنيس وكان معهما أمهما فأسلمت ثم عاد إلى قومه فأسلم نصفهم ثم أسلم نصفهم الآخر وجاءت قبيلة أسلم فقالوا: يا رسول الله هؤلاء إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله)).

(11)موقف عمر بن الخطاب:
لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذهب إلى دار الأرقم وقرع الباب ففزع من في الدار فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر.قال: افتحوا له الباب فإنه إن قبل قبلناه وإن أدبر قتلناه.وكان صلى الله عليه وسلم في حجرة من الدار فلما سمع الحديث خرج فتشهد عمر فكبر أهل الدار وقال عمر: ألسنا على الحق يا رسول الله؟ قال: بلى. قال: ففيم الاختفاء؟ فخرجوا صفين عمر في أحدهما وحمزة في الآخر وقد أسلم قبل عمر ولما دخلوا المسجد ورأيتهم قريش وبينهم حمزة وعمر أصابتها كآبة وحزن شديد وسمى النبي صلى الله عليه وسلم عمر الفاروق لأنه فرق بهذا الموقف بين الحق والباطل.


المواقف البطولية في حادثة شعب أبي طالب:

إنه لما رأت قريش انتشار الإسلام وكثرة من يدخل فيه وبلغها ما لقي المهاجرون في بلاد الحبشة من إكرام وتأمين
مع عودة وفدها خائبا لم يحصل على طائل اشتد حنقها على الإسلام والمسلمين فقامت باتخاذ إجراء انتقام ظالم جائر ما كان لها أن تتخذه لولا ما أصابها من خيبة أمل جعلها تفكر هذا التفكير وتعمل هذا العمل الشرير. اجتمع رجالها واتخذوا قرارا بكتابة كتاب يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينحكوا إليهم ولا يُنكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم وفعلا كتبوا صحيفة بذلك وتعاهدوا عليها وتواثقوا ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة تأكيد لامرهم بذلك وكتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلّت يده.
ولما فعلت قريش هذا الفعل القبيح الجائر انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى شعب أبي طالب ودخلوا فيه برجالهم ونسائهم وأطفالهم الا ما كان من الطاغية أبي لهب فإنه لم يدخل معهم لأنه ظاهر قريشا على عملهم الاجرامي هذا وكانت سنة سبع من البعثة واستمر الحصار في الشعب لبني هاشم وبني المطلب ثلاث سنوات عانوا فيها الجوع والحرمان ما لا يخطر ببال حتى إنهم من شدة الجوع أكلوا ورق الشجر وكان يسمع من بعيد بكاء أطفالهم من الجوع.




2 
مجدى سالم


(12) موقف هشام بن عمرو بن ربيعة:
ولما أراد الله تعالى تفريج كربهم بعد أن ضربوا الرقم القياسي في الصبر والاحتساب قيض الله جل جلاله رجالا من ذوي المروءة والحسب وعلى رأسهم هشام بن عمرو بن ربيعة اذ هو الذي مشى الى رجال من قريش عرف فيهم عدم رضاهم على قرار قريش الجائر فاستثار شعورهم وحملهم على ان يتعاونوا على نقض الصحيفة وكانوا خمسة رجال ولما اجتمعت قريش في انديتها قام أحدهم وهو زهير بن أبي أمية وأقبل على الناس وقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع لهم ولا يبتاع منهم والله لا أقعدنّ حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة وقام أحد الرجال الخمسة وقام رابع بنفس الروح وتقدم المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا كلمة ((باسمك اللهم)) وكان أبو جهل يسمع ويرى ما يجري في القضية فلم يتمالك اللعين حتى قال: هذا أمر دبّر بليل ... ومزقت الصحيفة وبطل مفعولها ويومئذ خرج بنو هاشم وبنو المطلب من الشعب.
ومن آيات النبوة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عمه أبا طالب بأن الأرضة قد أكلت كلمات الباطل والجور فيها وأبقت كلمة الحق فيها وهي ((باسمك اللهم)) وبذلك وبخهم أبو طالب على صنيعهم فطأطؤا رؤوسهم ولم يجيبوا بشيء وقال في هذا أبو طالب شعرا وهو قوله:
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة
متى ما يخبر غائب القوم يُعجب
محا الله منها كفرهم وعقوقهم
وما نقموا من ناطق الحق مُعرب
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا
ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

المواقف البطولية التي حدثت عند خروج الرسول صلى الله عيه وسلم إلى الطائف:

(13) موقف الرسول صلى الله عليه وسلم:
ومواقفه كلها شرف وبطوله فإنه لما نقضت الصحيفة وافق
موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما وقت يسير
فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم
من سفهاء قومه فكاشفوه بالأذى فخرج صلى الله
عليه وسلم إلى الطائف رجاء أن ينصروه على قومه
ويمنعوه منهم ودعاهم إلى الله عز وجل فلم يجد
ناصرا بل آذوه وأغروا به سفهاءهم فرموه بالحجارة
حتى أدموا قدماه .
فانصرف راجعا إلى مكة وفي مرجعه ذلك دعا
بدعائه المشهور دعاء الطائف (( اللهم إليك أشكو
ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا
أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي
إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني؟ أو عدو ملكته
أمري إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي غير أن
عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي
أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة
أن يحل عليّ غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك
العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ))
السيرة النبوية لابن هشام 1/262,260.
وأتى جبريل برسالة من الله وقال: إن الله أمرني
أن أعطيك في قومك لما صنعوه معك فقال عليه
الصلاة والسلام: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون
فقال جبريل: صدق من سماك الرؤوف الرحيم.
فيا له من موقف عظيم على الرغم من كل ما حدث
من إيذاء وتعذيب وطرد ومحاولة قتل وغيره يصبر
عليهم صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ به الغضب كل
مأخذ فلم يرض على قومه الهلاك بل دعا لهم أن
يهديهم وأن يخرج من أصلابهم من يعبد الله فصدق
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال :
((ليس الشديد بالصرعة ولكن من يملك نفسه عند الغضب ))
فيا له من موقف بطولي لا يتحمله سوى
رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(14) موقف زيد بن حارثة:
لما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف
خرج معه مولاه زيد بن حارثة فلما دعا الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم أهل الطائف إلى
الإسلام قالوا: اخرج من بلادنا وأغروا به سفهاءهم
يسبونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة حتى اختصب
نعلاه بالدم وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى
أصابه شجاج في رأسه.

(15) موقف عداس:
جلس النبي صلى الله عليه وسلم بجوار حائط لعتبه
وشيبة فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما فدعوا
غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس وقالا له: خذ قطفا
من العنب واذهب به إلى هذا الرجل فلما وضعه
بين يدين الرسول صلى الله عليه وسلم مد يده إليه قائلا:
((بسم الله)) ثم أكل فقال عداس: إن هذا الكلام
ما يقوله أهل هذه البلاد فقال صلى الله عليه وسلم:
من أي البلاد أنت ؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني
من أهل ((نينوي)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( من قرية الرجل الصالح يونس بن متى))
قال له:وما يدريك ما يونس بن متى؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي))
فأكب عداس على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم
ويديه ورجليه يقبلها. فلما ذهب إلى ابني ربيعة
قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي ما في
الأرض شيء خير من هذا الرجل. لقد أخبرني بأمر
لا يعلمه إلا نبي قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك
عن دينك فإن دينك خير من دينه.

(16) موقف المطعم بن عدي:
وعند عودته صلى الله عليه وسلم إلى مكة قال له
زيد بن حارثة وكان رفيقه في رحلة الطائف : كيف تدخل
عليهم وقد أخرجوك؟ يعني قريشا. فقال:
((يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن
الله ناصر دينه ومظهر نبيه)).
ثم انتهى إلى مكة فأرسل رجلا إلى المطعم بن عدي:
أدخل في جوارك؟ فقال: نعم, ودعا بنيه وقومه
فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت
فإني قد أجرت محمدا فدخل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد
الحرام فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر
قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم
فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن
فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته والمطعم
بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته
صلى الله عليه وسلم وهو في حمايتهم ولم يستطع
أي مشرك من قريش أن يحرك ساكنا.
فهذا موقف بطولي وإن كان قد حدث من رجل
لم يكن قد آمن برسول الله إلا أنه موقف بطولي
رائع يدل على عزة العربي وكرامته وحفظه للعهود
ويدل على مدى ما كان يتمتع به محمد صلى الله عليه
وسلم من خلق عظيم جعل حتى المشرك يقوم بحمايته
من أهله وقومه.


المواقف البطولية في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة

بعد أن خرج المؤمنؤن من مكة مهاجرين إلى المدينة ، ورأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا ، وخرجوا وحملوا ، وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج ، عرفوا أن الدار دار منعة ، خافوا خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ولحقوه بهم فاجتمعوا في دار الندوة ، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والمشورة منهم ، ليتشاوروا في أمره ، وحضرهم وليهم وشيخهم إبليس في صورة
شيخ كبير من أهل نجد ، فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار كل واحد منهم برأي ، والشيخ يرده ولا يرضاه ، إلى أن قال أبو جهل : قد بدى لي فيه رأي ما أراكم قد وقعتم عليه ، قالوا : ما هو ؟ قال :أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً نهداً جلداً ، ثم نعطيه سيفاً صارماً ، فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل ، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنع ، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها ، ونسوق إليهم ديته، فقال الشيخ : لله در الفتى ، هذا والله الرأي ، قال : فتفرقوا على ذلك1 . فأتى جبريل عليه السلام رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه2 .
وبعد أن جاءه الأمر من السماء أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة حصلت مواقف بطولية نذكر منها ما يلي :

17ـ موقف علي بن أبي طالب عندما استخلفه الرسول لينام على فراشه :
بعد أن أوحى الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم المبيت في فراشه ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن ينام على فراشه ، ويتغطى ببردته صلى الله عليه وسلم ، وأعلمه أنه لا يناله ما يكره إن شاء ال3له .
وفي تلك الساعة الحرجة ، وقريش في غاية استعدادها لتنفيذ خطتها يقبل البطل هذا الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم بكل شجاعة ، وينام رضي الله عنه في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم .

18- موقف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج والمشركون واقفون على بابه :
يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم والمشركون واقفون على بابه ينتظرون بالسيوف ، لكنه خرج صلى الله عليه وسلم ، واخترق صفوفهم ، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم ، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه وهو يتلو : (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ {9})4.
فلم يبقى منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً ، ومضى إلى بيت أبي بكر5 الصدّيق رضي الله عنه .

موقف أبي بكر الصدِّيق وهو يستعد للهجرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم :
لم يكن الموقف سهلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فالقوم يبحثون عن الرسول ويطاردونه يريدون قتله ، ومع ذلك خرج من بين أيديهم متهجاً إلى دار رفيقه أبي بكرالصدِّيق ، وها نحن نستمع للسيدة عائشة أم المؤمنين وهي تروي لنا هذا الحدث العظيم فتقول : (( كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار : إما بكرة وإما عشية ، حتى إذا كان ذلك اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه ، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت : فلما رآه أبو بكر قال : ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث . : فلما دخل، تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أخرج عني من عندك )) . فقال : يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي ، وما ذاك فداك أبي وأمي ؟ فقال ( إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة )) قالت : فقال أبو بكر لصاحبه : الصحبة يا رسول الله ، قال : (( الصحبة )) قالت : فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذن ، ثم قال : يا نبي الله ، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا ، فاستأجرا عبد الله بن أريقط ، رجلاً من بني الديل بن بكر وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركا )) ،
يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما6 .

19ـ موقف علي بن أبي طالب عندما تأخر ليرد ودائع النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابها :
كانت مكة ترتجف بحثاً عن محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن موقف علياً رضي الله عنه سهلاً ، فهو الذي نام في فراش نبي الله ، وهو الذي خدع المشركين بنومه في الفراش ، وقد علموا بذلك ، فكان معرضاً للبطش من قبلهم ، ومع ذلك لم يكن موقفه إلا كسابقه ، فقد تأخر بعد خروج الرسول ليؤدي مهمة أخرى غير التي قبلها ، فقد تركه الرسول ليؤدي بعض الودائع التي كانت عنده لأصحابها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معروفاً عند
أهل مكة بصدقه وأمانته ، فكان الناس يضعون عنده ما يخافون عليه1 .

20ـ موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في غار ثور :
قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن } البصري { قال : انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر إلى الغار ليلاً ، فدخل أبو بكر رضي الله عنه قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية ؟ يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه2 .
ووجد أبو بكر في جانب الغار ثقباً فشق إزاره وسد هابه ، وبقي منها اثنان فألقهما رجليه ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووضع رأسه في حجره ، ونام ، فلدغ أبو بكر في رجله من الحجر ، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما لك يا أبا بكر ؟ قال : لدغت ، فداك أبي وأمي ، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب ما يجده 3 .
وجلسنا في الغار ثلاث ليال ، وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة يرده عليهم4 .

21ـ موقف عبد الله بن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما :
كان لهذا البطل دور فعال ولا عجب في ذلك فهو ابن أبي بكر رضي الله عنهما جميعاً كان هذا البطل يبيت عندهما . تقول عائشة : وهو غلام شاب ثقف لقن ، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت،
فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام5 .

22ـ موقف عامر بن فهيرة :
لقد كان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنهما ، يرعى في رعيان أهل مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا ، فإذاعبد الله بن أبي بكرغداً من عندهما إلى مكة اتبع عامر ابن فهيرة أثره بالغنم ، حتى يعفى عليه ، حتى إذا مضت الثلاث ، وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرهما ، وبعيراً له6 .

23ـ موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما :
عندما مضت ثلاثة أيام ، وسكن الناس عنهما ، ويئسوا من العثور عليهما أتتهم أسماء بطعام في سفرة ونسيت أن تجعل لها عصاماً ، وأرادت أن تعلق السفرة بالبعير فلم تستطع ذلك ، فشقت نطاقها نصفين ، فعلقت السفرة بنصفه ، وانتطقت بالنصف الآخر ، فمن ثم لقبت بذات النطاقين7 ، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وارتحل معهما عامر ابن فهيرة ، وأخذ بهم الدليل ـ عبد الله بن أريقط ـ على طريق الداخل ،

وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن ، ثم اتجه غرباً نحو الساحل ، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالاً على مقربة من شاطىء البحر الأحمر ، وسلك طريقاً لم يكن يسلكه أحد إلا نادراً8 .وهناك موقف بطولي آخر لأسماء رضي الله عنها : يقول ابن إسحاق : فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن ال**ير، أن أباه عباد حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر، قالت : لما خرج رسول الله صلى عليه وسلم وخرج أبو بكر معه ، احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف ، فانطلق بها معه ، قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بعيره ، فقال : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قالت : كلا لقد ترك لنا خيراً كثيراً ، قالت : فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوباً ، ثم أخذت بيده ، فقلت : يا أبت ضع يدك على هذا المال ، قالت فوضع يده عليه ، فقال : لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا إبلاغ لكم ، ولا والله ما ترك لنا شيئاً ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك9 .

24ـ موقف أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه أثناء سيرهم في الطريق :
روى البخاري ، عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه قال : أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة ، وخلا الطريق ، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل ، لم تأت عليها الشمس ، فنزلنا عندها ، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكاناً بيدي ، ينام عليه ، وبسطت عليه فروة وقلت : نم يا رسول الله ، وأنا أنفض لك ما حولك ، فنام ، وخرجت أنفض ما حوله ، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة ، يريد منها مثل الذي أردنا ، فقلت له : لمن أنت يا غلام ؟ فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة ، فقلت : أفي غنمك لبن؟ قال : نعم . قلت : أفتحلب؟ قال : نعم ، فأخذت شاة ، فقلت : أنفض الضرع من التراب والشعر والقذى فحلب في كعب كثير من اللبن ، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها ، يشرب ويتوضأ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه ، فوافقته حين استيقظ فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت : اشرب يا رسول الله ، فشرب حتى رضيت ، ثم قال : (( ألم يأن الرحيل؟ )) قلت : بلى قال : فارتحلنا1 .
وكذلك من مواقف أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه البطولية ، أنه كان ردفاً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان شيخاً يعرف ، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف ، فيلقى الرجل أبا بكر ، فيقول : من هذا الرجل الذي بين يديك فيقول أبو بكر : هذا رجل يهديني الطريق ، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق ، وإنما يعني سبيل الخير2 .

25ـ موقف سراقة بن مالك :
عن سراقة قال : بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج في قديد قرب رابغ ، أقبل رجل منهم فقال:
يا سراقة! إني رأيت أسودة ، أي أشخاصاً بالسواحل ، أراه محمداً وأصحابه ، قال سراقة : فعرفت أنهم هم ، فقلت: إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا (( بمعرفتنا )) يطلبون ضالة لهم . فلبثت في المجلس ساعة ، ثم قمت إلى منزلي ، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي خفية إلى بطن الوادي ، وتحبسها علي ، وأحضرت رمحي ، وخرجت به من ظهر البيت . فخططت بزجه في الأرض (( الزج : الحديدة التي تكون في أسفل الرمح )) وخفضت عاليه وجعلت أسفله في الأرض لئلا يراه أحد ، (( فعل ذلك ليفوز بالجعل المتقدم ذكره وحده، ولا يشركه فيه أحد من قومه بخروجه معه لقتلهما أو أسرهما )) . ثم انطلقت فلبست لأمتي ، وجعلت أجر الرمح ، حتى أتيت فرسي ، وكان يقال لها( العود ) فركبتها وبالغت في إجرائها ، حتى دنوت منهم ، فعثرت بي ، فوقعت لمنخريها ، ثم قامت تحمحم ، فخررت عنها ، فقمت فأهويت بيدي على كنانتي ، فاستخرجت الأزلام أستقسم بها ، أضرّهم أم لا؟ فخرج الذي أكره ، وهو عدم إضرارهم ، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، وما زالت تقرب بي ، حتى سمعت قراءة رسول الله، وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الإلتفات، فساخت يدا فرسي في الأرض
حتى بلغتا الركبتين . وكانت الأرض صلدة ، فخررت عنها ، ثم زجرتها ، فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها ، واستوت قائمة ، فاستقسمت مرة ثانية ، فخرج أيضاً الذي أكره فناديتهم بالأمان ، وقلت : انظروني ، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه ، وقلت : أنا سراقة بن مالك ، أنا لكم نافع غير ضار، وإني لا أدري لعل الحي فزعوا لركوبي ، إن بلغهم ذلك ، وأنا راجع ، رادهم عنكم ، فقال رسول الله لأبي بكر : (( قل له : ما تبتغي؟ )) فأخبرتهم بما يريد الناس منهم ، فقلت : إن قومك جعلوا فيك الدية ، مئة ناقة ، لمن قتلك أو أسرك ، ثم عرضت عليهما الزاد والمتاع ، فقال لهما : خذا هذا السهم من كنانتي ، وغنمي وإبلي محل كذا وكذا ، فخذا منهما ما شئتما ، فقالا : اكفنا نفسك ، فقلت : كفيتكماها . وسأل سراقة أن يكتب له النبي كتاباً ، ففي ( السبعينات ) قال سراقة : يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر أمرك في العالم ، وتملك رقاب الناس ، فعاهدني أني إذا أتيتك يوم ملكك ، فأكرمني ،
فأمر أبا بكر فكتب لي كتاباً في رقعة من أدم . فعاد سراقة وصار يرد عنهم الطلب ، لا يلقى أحداً إلا ردّه ، قال سراقة : خرجت وأنا أحب الناس في تحصيلهما ، ورجعت وأنا أحب الناس ألا يعلم بهما أحد ، فكان يقول لمن يطلبهما : سرت الطريق فلم أر أحدا3ً .
أسلم سراقة بالجعرانة . قال : لما فرغ رسول الله من حنين والطائف خرجت ومعي الكتاب لألقاه ، فلقيته بالجعرانة ، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار ، فجعلوا يقرعونني بالرماح ، ويقولون : إليك ، ماذا تريد؟ فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته ، فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت : يا رسول الله! هذا كتابي ، وأنا سراقة ، فقال : (( يوم وفاء وبرّ . ادنه )) ، فدنوت ، وأسلمت .

موقف :



3 
مجدى سالم


26ـ آية نسج العنكبوت وتعشيش الحمامة :
عندما خرج صلى الله عليه وسلم مهاجراً دخل في غار ثور ليختفي من أنظار قريش وفي الغار حدثت بعض علامات النبوة إذ قام العنكبوت بنسج بيت له على باب الغار وعششت الحمامة وباضت مما جعل من يرى الغار
يظن أنه لا يمكن أن يكون قد دخله أحد منذ زمن بعيد وإلا لتقطعت خيوط العنكبوت وطارت الحمامة ، وبالفعل لما وصلت فرسان قريش إلى الغار ووجدوا هذا المنظر لم يشكوا لحظة واحدة بأن هذا الغار لم يدخله أي إنسان في حين أن أبا بكر قال : (( والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا )) . فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم باطمئنانه المعهود وثقته بربه : (( لا تحزن إن الله معنا )) . وفي رواية قال : (( ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ )) فكان ذلك علامة من علامات النبوة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم .

27ـ در الشاة وسقى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه وأهل بيت أم معبد :
في مسيرة صلى الله عليه وسلم مر بخيمتي أم معبد الخزاعية ، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ، ثم تطعم وتسقي من مر بها ، فسألها : هل عندها شيء؟ فقالت : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى والشاء عا** ، وكانت سنة شهباء . فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : (( ما هذه الشاة يا أم معبد؟ )) قالت : شاة خلّفها الجهد عن الغنم ، فقال : (( هل بها من لبن؟ )) قالت : هي أجهد من ذلك .
فقال : (( أتأذنين لي أن أحلبها؟ )) قالت : نعم بأبي وأمي ، إن رأيت بها حلباً فاحلبها فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها ، وسمى الله ودعاه فتفاجت عليه ودرت ، فدعا بإناء لها يربض الرهط ، فحلب فيه حتى علته الرغوة ، فسقاها ، فشربت حتى رويت . وسقى من معه حتى رووا ، ثم شرب ، وحلب فيه ثانياً ، حتى ملأ الإناء ،ثم غادره عندها وارتحلوا . فلما قدم زوج أم معبد ورأى اللبن عجب من ذلك . ثم قال : من أين لك هذا؟ والشاء عا** ولا حلوبة في البيت ؟ قالت : لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت ومن حاله كذا وكذا . قال : إني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه ، صفيه لي يا أم معبد1 ؟ فقالت : ظاهر الوضاءة ،أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعيه تجلة ، ولم تزر به صعلة ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشعاره وطف ، وفي صوته صحل ، وفي عنقه سطح ، أحور ، أكحل ، أزج ، أقرن ، شديد سواد الشعر ، إذا صمت علاه الوقار ، وإن تكلم علاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد ، وأحسنه وأحلاه من قريب ، حلو المنطق ، فضل ، لا تزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن ، ربعة ، لا تقحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول ، غصن بين غصنين ، فهو أنظر الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قدراً ، له رفقاء يحفون به ، إذا قال استمعوا لقوله ، وإذا أمر تبادروا إلى أمره ، محفود ، محشود ، لا عابس ولا مفند2 فلما وصفته بهذه الصفات الرائعة التي تجعل السامع والقارىء ينظر إليه وهو أمامه ، عند ذلك ، قال لها أبو معبد والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا ، لقد هممت أن أصحبه ، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً ، وأصبح صوت بمكة عالياً يسمعونه ولا يرون القائل :

قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وما في ذلك من مواقف:

قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة والناس
في فرح وسرور بمقدمه صلى الله عليه وسلم لم نجد فرحا
وسرورا مثل ذلك وفي هذا القدوم المبارك تظهر المواقف
البطولية المبهجة نذكر منها ما يلي:

(28) موقف بنات الأنصار:
في الحقيقة لقد كان لبنات الأنصار موقفا مشرفا حيث قمن
بإنشاد هذه الأبيات وهم في فرح وسرور:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا
جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة
مرحبا يا خير داع

فالضيف الذي يحل على قوم ويفرحون به فيكون ذلك
موقفا مشرفا لهم.

(29) موقف الخدم والصبيان:
لقد كان للخدم والصبيان موقفا عظيما فقد خرجوا أمام
رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتكبير
والتبشير بمقدمة الشريف يقولون: الله أكبر جاء رسول
الله جاء محمد والحبشة تسير أمامه تلعب بحرابها وهنا تظهر
الفرحة والبهجة والسرور لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الأرض التي اختارها الله لبناء الدولة الإسلامية فيها فشتان
بين قوم أخرجوه وآذوه وبين قوم فرحول لمقدمه.

(30) موقف أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه:
نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب الأنصاري
وقال المرء مع رحله فقال أبو أيوب: داري هذه وقد حططنا
رحلك فيها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((اذهب وهيىء لنا مقيلا)) فذهب فذهب يهيىء ذلك
ثم جاء فقال: يا نبي الله قد هيأت مقيلا فقم على بركة
الله تعالى ونزل معه زيد بن حارثة ثم أجاب في الليل دعوة
بني النجار أخوال جده عبد المطلب ولما أصبح عاد إلى
منزل أبي أيوب.
وكان أبو أيوب قد أعد المكان لرسول الله في الطابق
السفلي من الدار وهو وزوجته بالطابق العلوي فآلم ذلك
أبا أيوب فقال: يا رسول الله إني أكره أن أكون فوقك
وتكون تحتي فاظهر أنت فكن في العلوي وننزل نحن
ونكون في السفلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في
أسفل البيت)) وبذلك طابت نفس أبا أيوب رضي الله عنه.
ومن مواقفه أيضا أنه كان يصنع الطعام لرسول الله فإذا
أكل منه أخذ الطعام ليأكل فكان رضي الله عنه يسأل
عن موضع أصابع رسول الله ليتتبع موضع أصابعه فيأكل
منه رجاء البركة.
بهذا الموقف يتبين لنا أن أبا أيوب لم تطب نفسه أن يكون
فوق رسول الله في السكن ولم تطب نفسه أن يأكل قبل
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب الأنصاري
حتى أتم بناء المسجد وبعض حجراته ثم انتقل إلى حجراته
صلى الله عليه وسلم.

التآخي بين المهاجرين والانصار وما كان في ذلك من مواقف:

لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة عمل على بناء المجتمع الجديد فآخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار آخى بينهم على الحق والمساواة. لم يشهد التاريخ مثل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فلم يتم الأمر من خلال القمع والإرهاب ولا من خلال الإستيلاء على السلطة والتأميم للأموال المنقولة وغير المنقولة لقد كان تشريع المؤاخاة الذي تم بإشراف الرسول صلى الله عليه وسلم وبأقصى ما يملك المتآخون من رغبة وإندفاع للتنفيذ هي النموذج الحي للحكم على مستوى الدعاة في الأرض اليوم ومدى قدرتهم على أن تتمثل فيهم هذه الروح الأخوية
لقد أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه المؤاخاة بنفسه وقال: (( تآخوا في الله أخوين أخوين )).
ولم يكن الأمر وعظا عاما وكلاما جميلا تُبح الأصوات فيه ولا ينتج عنه الا الصدقة النادرة والمرتبطة بالمن والأذى إنما كانت خطوة عملية حية قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتنفيذها وتحديد التآخي المباشر كل أخ مهاجر وأخ أنصاري.
وتتجلى في هذه المؤاخاة مواقف بطولية لم يزل يذكرها التاريخ مواقف رائعة فيها كل معاني التضحية والوفاء والكرم ونذكر من هذه المواقف ما يلي:

(31) موقف عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع:
قدم عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة مهاجرا فآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن أن يناصفه أهله وماله فقال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق فذهب إلى السوق وباع واشترى حتى ربح كثيرا حتى أنه قال عن نفسه: ولقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا أو فضة. لقد كان هذا مثلا رائعا وموقفا بطوليا يذكره التاريخ لقد
ارتفع سعد بن الربيع فوق المستوى فقد عرض خير أرضه وخير أهله وترك الإختيار لأخيه عبد الرحمن بن عوف
وشهد لهم القرآن بذلك: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ))
وهل يحتاجون إلى ثناء من الناس بعد هذه الشهادة من خالقهم. لقد بذل الأنصار كل شيء لإخوانهم المهاجرين
حتى أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا من
كثير لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله قال: (( لا! ما أثنيتم عليهم
ودعوتم الله لهم )) وهكذا كانت المؤاخاة في ظروف الحاجة ولما وسع الله على المسلمين نسخ التوارث بها
وأقر المودة والحب بينهم فقال تعالى: (( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ))


(32) موقف النبي وأصحابه من المعاهدة :
بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ووثق من رسوخ قواعد المجتمع الإسلامي الجديد ، بإقامة
الوحدة العقائدية والسياسية والنظامية بين المسلمين ، رأى أن يقوم بتنظيم علاقاته بغير المسلمين ، وكان همه في
ذلك هو توفير الأمن والسعادة والخير للبشرية جمعاء ، فسن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في
عالم ملىء بالتعصب والتغالي .

وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود ، وهم وإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين ، لكن لم يكونوا
أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد ، فعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة مع المهاجرين والأنصار والأقليات
غير المسلمة بالمدينة ليضمن للدولة الإسلامية الحقوق التي لها والواجبات التي عليها وكان نص هذه المعاهدة كما يلي :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(( هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ، فلحق بهم وجاهد معهم ، أنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على رباعتهم ، يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف
والقسط بين المؤمنين . وبنو عوف على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط
بين المؤمنين . وبنو ساعدة على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو الحارث على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو جشمْ على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو النجار على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو عمرو بن عوف على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو النبيت على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو الأوس على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل ولا يحالف مؤمن مولي دونه ، وأن المؤمنين

المتقين على من بغي منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ، أو إثم ، أو دوان ، أو فساد بين المؤمنين ، وأن أيديهم عليه
جميعاً ، ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم
أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وأنه من تبعنا من يهود ، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم ، وأن سلم المؤمنين واحدة ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم . وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعض وأن المؤمنين يبىء بعضهم على بعض بمال نال دماءهم في سبيل الله ، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه ، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ، ولا يحول دونه على مؤمن ، وأنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به إلى أن يرضى ولي المقتول ، وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه ، وأنه لا يحل لمؤمن آمن بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه وأنه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ، فإن مرده إلى الله عزَّ وجلَّ وإلى محمد (( وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، وإلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يرتع إلا نفسه وأهل بيته وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف ، وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف ، وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف ، وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف . إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوقع إلا نفسه وأهل بيته . وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم وأن لبني الشطنة مثل ما ليهود بني عوف ، وأن البر دون الإثم وأن موالي ثعلبة كأنفسهم ، وأن بطانة يهود كأنفسهم . وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا . وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم وأنه لم يأثم امرؤ بحليفة . وأن النصر للمظلوم ، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها . وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عزَّ وجلَّ ، وإلى محمد رسول الله ، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها ، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب . وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم وأن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على ما لأهل هذه الصحيفة مع البر الحسن من أهل هذه الصحيفة وأن البر
دون الإثم . ولا يكسب كاسب إلاعلى نفسه وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره . وأنه لا يحول هذا الكتاب
دون ظالم وآثم وأنه من خرج آمن . ومن قعد آمن بالمدينة . إلا من ظلم أو آثم ، وأن الله جار لمن بر وأتقى ، ومحمد
رسول الله )) .
إن المتأمل في هذه المعاهدة يجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع فيها الحدود التي تضمن العيشة السعيدة للجميع فلا يتعدى أحد على أحد فكان هدفه الوحيد هو توفير الأمن والأمان والسلام والسعادة والخير للبشرية جمعاء لذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على تنفيذ ما جاء في هذه المعاهدة وبالفعل لم يأت من المسلمين ما
يخالف حرفاً واحداً من نصوص وثيقة المعاهدة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم ليضمن للكل السعادة ولكن
اليهود الذين ملأوا تاريخهم بالحقد والحسد والكراهية والغدر والخيانة ونكث العهود لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة وأخذوا في طريق الدس والمؤامرة والتحريش وإثارة القلق والاضطراب في صفوف المسلمين وهذا دأبهم في كل مكان الحقد والحسد وضيق الصدر وجمود القلب وإن القارىء لكتاب الله تعالى يجد أنه نقد ما كان عليه اليهود من عقائد باطلة وأخلاق فاسدة منحطة وعادات سيئة وذكر تاريخهم المليء بالأحداث من محاربة الأنبياء ودعواتهم والاجتراء على قتلهم وعنادهم وصدهم عن سبيل الله وافترائهم على الله وأخذهم الربا ، وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأكلهم السحت وتحريفهم للتوراة وحبهم الزائد للحياة وغير ذلك مما زخر به القرآن الكريم فسرعان ما نقضوا العهود والمواثيق وبدأوا يتهمون الإسلام بأنه دين لا يقبل جوار دين آخر ، وأن المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلط ، وما زالوا يتهمون الإسلام والمسلمين بهذا الاتهام الخطير ليشككوا المسلمين في دينهم ويزعزعوا كل من أراد الدخول في الدين الإسلامي وذلك بتشويه سمعة الإسلام والمسلمين حتى عصرنا الحالي والحقد والعداء مستمر ، فعلى العاقل أن يعقد المقارنة ، لقد مد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون أيديهم إليهم وبدأوهم بالإحسان وعاهدوهم على أن لهم حرية العقيدة وحرية العبادة وحرية التدين ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) وله أن يبني دينه وعقيدة الإيمان في قلوب أتباعه دون إكراه في الدين ولهم أن يمارسوا طقوسهم وشعائرهم كيف يشاءون دون ضيق بالنبي والذين آمنوا معه لو كانوا منصفين يا من تتهمون الإسلام والمسلمين بما ليس فيهم لكانوا قد التزموا جانب الوفاء بهذا العهد ليتعايشوا في سلام مع النبي والذين آمنوا معه ، لكن لؤم الطبع والغدر واللجاجة وأخلاق القردة وأخلاق الخنازير كانت تحكمهم . إنهم إذ لم تواتيهم الفرصة المناسبة للغدر يتحصنون بمعاني الغدر والوفاء والحفاظ على العهود ، لكن إذا ما ألمت أو نزلت كربة فإنهم ينقضون على الطرف الذي هادنهم ووثق بهم وقبل منهم أن يكونوا طرفاً في عهد معه . لقد كان المرجو من قبل اليهود أن يكونوا أهل وفاء بالعهد وأن يساندوا المسلمين في المدينة وأن يقفوا بجانبهم وأن يحموا ظهورهم ويستجيبوا لمقتضيات العهد . ولكن الذي جرى أنهم خالفوا العهود والمواثيق وانقضوا على النبي والذين آمنوا معه ليضربوهم في ظهورهم . فهل الإسلام دين لا يقبل جوار دين آخر؟ وهل المسلمون لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلط؟ هكذا خالف اليهود عهودهم ومواثيقهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووقفوا حجر عثرة في وجه الدعوة الإسلامية لذلك شرع الله عزَّ وجلَّ القتال من هذا يتضح لنا موقف المسلمين البطولي في الوفاء بالعهود وهذا هو حالهم في كل مكان .


موقف سعد بن معاذ

لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش ، استشار أصحابه ، فتكلم المهاجرون فأحسنوا ، ثم استشارهم ثانياً ، فتكلم المهاجرون فأحسنوا ، ثم استشارهم ثالثاً ـ ففهمت الأنصار أنه يعنيهم ـ فبادر سعد بن معاذ ، فقال : يا رسول الله : كأنك تُعَرِّضُ بنا؟ وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم ، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم ، فقال له سعد : لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم ، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم ،فاظعن حيث شئت وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت ، واعطنا ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك ، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان ، لنسيرن معك ، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك ، قال له المقداد : لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى (( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون )) ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ، ومن بين يديك ومن خلفك ، فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسر بما سمع من أصحابه . وقال : (( سيروا وأبشروا ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، وإني قد رأيت مصارع القوم ))3 ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر .

34ـ موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه وهما يقومان بعملية الاستكشاف :
ولما وصل الجيش إلى قرب بدر ، قام القائد محمد صلى الله عليه وسلم ، مع صاحبه أبي بكر بعملية الاستكشاف ، وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة ، إذا هما بشيخ من العرب فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش ، وعن محمد وأصحابه ، وسأل عن الجيشين ـ زيادة في التكتم ـ ولكن الشيخ قال : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا أخبرتنا أخبرناك )) قال : أو ذا بذلك؟ قال : (( نعم )) . قال الشيخ : فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به جيش المدينة ـ وبلغني أمر قريش خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش مكة ـ . ولما فرغ من خبره قال : ممن أنتما؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( نحن من ماء )) ، ثم انصرف عنه وبقي الشيخ يتفوه : من ماء؟ أمن ماء العراق4؟




4 
مجدى سالم


35ـ موقف علي بن أبي طالب وال**ير بن العوام وسعد بن أبي وقاص :
لم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بجولة استكشاف مع صاحبه أبي بكر بل أرسل في الليل عليا وسعداً وال**ير إلى ماء بدر كي يلتمسوا أخبار العدو .
ووجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة ، فألقوا عليهما القبض وجاؤوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته5 .

36ـ موقف حمزة بن عبد المطلب :
عندما خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ـ وكان رجلاً شرساً سيء الخلق ـ قائلاً : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه ، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وضربه بسيفه فألمن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، يريد أن يبر يمينه ، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض1 .


37ـ موقف عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء رضي الله عنهم جميعاً :
وذلك بعد مقتل الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، والذي كان أول فتيلة تشعل المعركة ، بعد قتله ، خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ، يطلبون المبارزة ، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار : عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء ، فقالوا لهم : من أنتم؟ فقالوا : من الأنصار . قالوا : أكفاء كرام ، وإنما نريد بني عمنا ، فرجعوا ولم يبارزوهم2 .

38ـ موقف عوف بن الحارث بن عفراء رضي الله عنه :
جاء عوف بن الحارث الصحابي الجليل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عما يضحك الرب من عبده؟
قال : (( غمسه يده في العدو حاسراً )) ، فنزع درعاً كانت عليه فقذفها ، ثم أخذ سيفه وقاتل حتى قتل شهيدا3ً .
إنه مشهد بطولي حينما يكون البطل قد أخذ أهبته واستعد للقتال ولبس آلة الحرب من درع ومغفر وبيضة4 .
وجاء يسأل عما يرضى الله سبحانه وتعالى . غاية الرضا ، ويأتيه الجواب : غمسه يده في العدو حاسراً ، أي بدون هذه الأثقال من درع وغيره والتي تعيق حركته وتحد من نشاطه في صفوف العدو ، فلما تخلى عنها صال وجال في الميدان وفتك بأعداء الله فتكاً ذريعاً .

39ـ موقف علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث وحمزة رضي الله عنهم جميعاً :
لما رجع عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء ، نادى منادي قريش ، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول الله : (( قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي )) . فلما قاموا ودنوا منهم ، قالوا : من أنتم؟ فأخبروهم ، فقالوا : أنتم أكفاء كرام . فبارز علي الوليد وقتله ، وبارز حمزة عتبة وقتله وبارز عبيدة شيبة فضرب عبيدة شيبة وبادله شيبة قبلها فأثخن كل واحد منهما الآخر ، ثم انطلق علي وحمزة على عتبة فقتلاه ، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله فلم يزل مريضاً حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام من معركة بدر حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة5 .

40ـ موقف عمير بن الحمام رضي الله عنه :
بعد أن دنا العدو ، وتواجه القوم ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في الناس فوعظهم وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر وبما أعد لهم من الثواب الآجل ، وأخبرهم بأن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله ، وقال لهم ( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة )) . ثم قال لهم ـ وهو يحثهم على القتال : (( قدموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض )) وحينئذ قال العمير بن الحملم : يا رسول الله : جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال : (( نعم )) . قال : بخ بخ يا رسول الله ، فقال رسول الله : (( ما يحملك على قولك بخ بخ؟ )) قال : لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون أهلها ، قال : (( فإنك من أهلها )) ، فأخرج تمرات من قرنه ، فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن حييت حتى آكل هذه التمرات ، إنها الحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه6 .

41ـ موقف معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء :
بعد أن رأى أبو جهل بدايات الاضطراب في صفوفه ، حاول أن يصمد في وجه جيش محمد صلى الله عليه وسلم ، فجعل يشجع جيشه ، ويجول على فرسه أمام المسلمين ، وكان الموت ينتظره ، وأثناء هذا الحماس يقول عبد الرحمان بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه : يا عم أرني أبا جهل ، فقلت : يا ابن أخي ، فما تصنع به؟ قال : أخبرت أنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا ، فتعجب لذلك ، قال : وغمزني الآخر : فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس ، فقلت : ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه ، قال : فابتدراه بسيفهما فضرباه حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلته . قال : هل مسحتما سيفكما؟ فقالا : لا ، فنظر رسول الله إلى السيفين ، فقال : كلاكما قتله ، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن عمرو بن الجموح1 .

42ـ موقف سرية محمد بن مَسْلَمة البطولي لقتل كعب :
لما انهزمت قريش في بدر ، وجاء البشيران من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم زيد ابن حارثة ، وعبد الله بن رواحة فبشرا بنصر المسلمين وهزيمة المشركين في بدر ، وبلغ ذلك كعب بن الأشرف الطائي اليهودي ، قال : والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها ، وكشر عن أنيابه كال*** العقور ، وأخذ يسب النبي ويتشبب بنساء المسلمين ، وذهب إلى قريش يستدعي رجالها للحرب فاستضافوه وسألوه عن دينهم فقال : دينكم خير من دينه ، وكذب اللعين وغش ، فنزل فيه قرآناً من سورة النساء وهو قوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً {51} )2 .
ولما عاد إلى المدينة وأوحى الله إلى رسوله بما قاله كعب ، الأمر الذي استوجب قتله ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من لي بابن الأشرف )) فقال محمد بن مسلمة : أنا لك به يا رسول الله ، أنا أقتله ، قال : (( فافعل إن قدرت على ذلك )) فقال : يا رسول الله إنه لا بد أن نقول ، قال : (( قولوا ما بدا لكم ، فأنتم في حل من ذلك )) فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة وسِلكْان بن سلامة وعباد بن بشر والحارث بن أوس ، وأبو عبس ابن جبر أحد بني حارثة ، وساروا نحوه ، ولما كانوا بمقربة من قصره ، قدموا سلكان بن سلامة أمامهم فذهب فأتى كعباً وجلس إليه وتناشدا الشعر ثم قال سلكان : ويحك يا ابن الأشرف ، إني قد جئتك لحاجة : فقال : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء ، عادتنا العرب ، وقطعت عنا السبل وجهدت الأنفس فقال ابن الأشرف : أما والله لقد كنت أخبرك أن الأمر يصير إلى ما تقول ، قال سلكان : إني أردت أن تبيعنا طعاماً ، ونرهنك ونوثق لك . ثم ذهب إلى أصحابه وأخبرهم بما حدث وأمر أصحابه أن يأخذوا سلاحهم ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه ، واجتمعوا عند رسول الله ، فخرج معهم قائلاً : (( اللهم أعنهم )) ومضوا حتى انتهوا إلى حصن كعب ونادى عليه سلكان فنزل وتحدث مع أبي نائلة ساعة ـ على الرغم من تحذير زوجته له من سلكان ـ ثم قال له أبو نائلة سلكان هل لك أن نتماشى إلى شعب العجوز ، فنتحدث بقية ليلتنا هذه؟ قال : إن شئتم فخرجوا يتماشون ، فمشوا ساعة ، ثم إن أبا نائلة أدخل يده في فود رأس كعب ثم شم يده فقال : ما رأيت كالليلة طيباً أعطر قط ، ثم مشى ساعة وعاد لمثلها ، ومرة أخرى وثالثة حتى اطمأن كعب ، ثم أخذ بفود رأسه وقال : اضربوا عدو الله فقتلوه ، وعادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بقتل عدو الله 3.
ولما علمت اليهود بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف ، دب الرعب في قلوبهم العنيدة وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يتوانى في استخدام القوة حين يرى أن النصح لا يجدي نفعاً لمن يريد العبث بالأمن وإثارة الاضطرابات ، وعدم احترام المواثيق ، فلم يحركوا ساكناً لقتل طاغيتهم بل لزموا الهدوء ، وتظاهروا بإيفاء العهود واستكانوا ، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبىء فيها4 .
فكان هذا موقفاً بطولياً رائعاً .

(43) موقف العباس بن عبد المطلب :
كان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية ، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضمنها جميع تفاصيل الجيش . وأسرع العباس بإبلاغ الرسالة ، وجد في السير حتى أنه قطع الطريق بين مكة والمدينة ـ التي تبلغ مسافتها إلى خمسمائة كيلو متراً ـ في ثلاثة أيام ، وسلم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في مسجد قباء ، قرأ الرسالة على النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب ، فأمره بالكتمان ، وعاد مسرعاً إلى المدينة ، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار .

(44) موقف أبي دجانة رضي الله عنه :
عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بتجهيز الجيش وإعداده وكان صلى الله عليه وسلم يحمل سيفه ، فقال : (( من يأخذ هذا السيف بحقه ))؟ فقام إليه رجال ، فأمسكه عنهم ، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة ، فقال : وما حقه يا رسول الله؟ قال : (( أن تضرب به العدو حتى ينحني )) قال : أنا آخذه يا رسول الله بحقه ، فأعطاه إياه وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب إذا كانت ، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها ، علم الناس أنه سيقاتل . فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخرج عصابته تلك ، فعصب بها رأسه ، ثم
جعل يتبختر بين الصفين . قال ابن إسحاق : فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ، عن رجل من الأنصار من بني سلمة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ حين رأى أبا دجانة يتبختر ـ ( إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن )) قال ابن إسحاق : وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد (( أمت أمت )) ثم اقتتل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس .
قال ابن هشام : حدثني غير واحد من أهل العلم أن ال**ير بن العوام قال : وجدت في نفسي ـ حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة ـ وقلت : أنا ابن صفية عمته ، ومن قريش ، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله ، فأعطاه إياه وتركني والله لأنظرن ما يصنع ، فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه ؛ فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت ، وهكذا
كانت تقول له إذا تعصب بها ، فخرج وهو يقول :
أنا الذي عاهدني خليلي ** ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيول ** أضرب بسيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله ، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحاً إلا أجهز عليه ، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا ، فاختلفا ضربتين ، فضرب المشرك أبا دجانة ، فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه ، وضربه أبو دجانة ، فقتله ، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق هند بنت عتبة ، ثم عدل السيف عنها ، وقال أبو دجانة : رأيت إنساناً يحمش الناس حمشاً شديداً ( يشجعهم على القتال ) فصمدت له فلما حملت عليه السيف ؛ فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة .

(45) موقف حمزة بن عبد المطلب :
وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هشام ، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشي وكان يكنى بأبي نيار ، فقال له حمزة : هلم إليّ يا ابن مقطعة البظور ، ولما التقيا ضربه حمزة فقتله وكان حمزة مثل الجمل الأورق في المعركة ، وكان وحشي يتابعه ، يقول وحشي : فهززت حربتي ؛ حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه ، فوقعت في ثنته ، حتى خرجت من بين رجليه ، فأقبل نحوي فغُلب فوقع ، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر .

(46) موقف حنظلة بن أبي عامر :
وكان من الأبطال المغامرين ، وكان حديث عهد بالعرس ، فلما سمع هواتف الحرب ـ وهو على امرأته ـ انخلع من أحضانها ، وقام من فوره إلى الجهاد ، فلما التقى بجيش المشركين في ساحة القتال ، أخذ يشق الصفوف ، حتى خلص إلى قائد المشركين أبي سفيان صخر بن حرب ، وكاد يقضي عليه ، لولا أن أتاح الله له الشهادة ، فقد شد على أبي سفيان ، فلما استعلاه وتمكن منه ، رآه شداد بن الأسود فضربه حتى قتله .

(47) موقف عبد الله بن جبير :
كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عبأ جيشه وهيأ الصفوف للقتال وانتخب فصيلة من الرماة الماهرين ، قوامهم خمسون مقاتلاً ، وأعطى قيادتها لعبد الله بن جبير بن النعمان الانصاري ، وقال صلى الله عليه وسلم له : (( انضح الخيل عنا بالنبل ، لا يأتون من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك )) . ثم قال للرماة (( احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا )) ، لكن على الرغم من هذه الأوامر المشددة ؛ لما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا ، فقال بعضهم لبعض : الغنيمة ، الغنيمة ، ظهر أصحابكم ، فما تنتظرون؟ أما عبد الله بن جبير ، فقد ذكرهم أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولكن الأغلبية لم تلق بالأً لهذا
التذكير ، ثم غادر أربعون رجلاً من هؤلاء الرماة مواقعهم ، وهكذا خلت ظهور المسلمين ، ولم يبق إلا ابن جبير وتسعة من أصحابه التزموا مواقعهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا . وانتهز خالد بن الوليد الفرصة وانقض على عبد الله بن جبير وأصحابهم فأبادهم وانقض على المسلمين من خلفهم .


قاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد ، فذكر سعد بن زيد الأنصاري أن أم سعد بن الربيع كانت تقول دخلت على أم عمارة ، فقلت لها : يا خالة أخبريني خبرك . فقالت : خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه ، والدولة والريح للمسلمين ، فلما انهزمالمسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف ، وأرمي عن القوس ،حتى خلصت الجراح إليّ . قالت : فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غور ، فقلت لها : من أصابك بهذا؟ قالت : ابن قمئة أقمأه الله ، لما ولى الناس عن رسول الله أقبل يقول : دلوني على محمد لا نجوت إن نجا ، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكن عدو الله كانت عليه درعان ، فلم أستطع قتل عدو الله لأنه كان مدرعاً بدرعين .

(49) موقف أنس بن النضر :
لما انهزم الناس لم يهزم أنس بن النضر . وقال : اللهم إني أعتذر إليك مما يصنع هؤلاء ، يعني المسلمين ، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء ، يعني المشركين ، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ ، فقال : إلى أين يا أبا عمر؟ فقال أنس : واهاً لريح الجنة يا سعد ، إني أجده دون أحد ، ثم مضى ، فقاتل القوم حتى قتل فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون ، مابين طعنة برمح ، وضربة بسيف ورمية بسهم .

(50) موقف سعد بن الربيع :
قال زيد بن ثابت : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أطلب سعد بن الربيع ، فقال لي : (( إن رأيته فأقرئه مني السلام ، وقل له : يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم :كيف تجدك؟ )) قال : فجعلت أطوف بين القتلى ، فأتيته ، وهو بآخر رمق ، وفيه سبعون ضربة ، ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ورمية بسهم ، فقلت : يا سعد ، إن رسول الله يقرأ عليك السلام ، ويقول لك :
أخبرني كيف تجدك؟ فقال : وعلى رسول الله السلام ، قل له : يا رسول الله ، أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الانصار : لا لكم عند الله إن خُلِصَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف ، وفاضت نفسه من وقته.



5 
مجدى سالم


(51) موقف طلحة بن عبيد الله :
انهزم الناس عن رسول الله يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار ، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل ، فلحقهم المشركون فقال : (( ألا رجل لهؤلاء ))؟ فقال طلحة أنا يا رسول الله فقال ( كما أنت يا طلحة )) فقال رجل من الأنصار ، فأنا يا رسول الله ، فقاتل عنه ،وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه ، ثم قتل الأنصاري ، فلحقوه ، فقال : (( ألا رجل لهؤلاء ))؟ فقال طلحة مثل قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله ، فقال رجل من الأنصار ، فأنا يا رسول الله ، فقاتل وأصحابه يصعدون ، ثم قتل فلحقوه ، فلم يزل يقول مثل قوله الاول ، ويقول طلحة : أنا يا رسول الله فيحبه ، فيستأذنه رجل من الانصار للقتال فيأذن له فيقاتل حتى لم يبق معه سوى طلحة فغشوهما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من لهؤلاء )) فقال طلحة أنا ، فقاتل حتى أصيبت أنامله . فقال : حسن . فقال : (( لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج في جو السماء )) ثم صعد صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون .

(52) موقف الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم :
في الحقيقة إن حياته كلها مواقف شرف وكمال . لما أسند صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبيّ بن خلف على جواد له يزعم أنه يقتل عليه محمداً ، تقدم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول : لا نجوت إن نجا ، فلما اقترب منه تناول الرسول صلى الله عليه وسلم الحربة من يد الحارث بن الصمة ، فلما أخذها انتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير ، ثم استقبله فطعنه بها طعنة أصابت نحره ، فوقع عن فرسه فحمل إلى قريش ، وهو يخور كالثور ويقول : قتلني والله محمداً ، فمات في الطريق عند سرف . وبعدما حدث ما حدث أخذ صلى الله عليه وسلم شيئاً فجعل ينشف الدم عنه ويقول : (( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ( بالدم ) وهو يدعوهم إلى ربهم )) فأوحى إليه ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ). فقال : (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون )) . وموقف آخر للرسول حيث كان في مفرزة صغيرة في مؤخرة المسلمين ، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين ؛ إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة فكان أمامه طريقان ، إما أن ينجو ـ بالسرعة ـ بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون ، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور ، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله ، ويتخذ بهم
جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد . وهناك تجلت عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم وشجاعته المنقطعة النظير ، فقد رفع صوته ينادي أصحابه : عباد الله ، وهو يعرف أن المشركين سيسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون ، لكنه ناداهم ودعاهم مخاطراً بنفسه في هذا الظرف الدقيق . وفعلاً فقد علم به المشركون فخلصوا إليه ، قبل أن يصل إليه المسلمون.

(53) موقف عمرو بن الجموح :
وكان رجلاً أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد ، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا له : إن الله عزَّ وجلَّ قد عذرك ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أما أنت فقدعذرك الله عزَّ وجلَّ فلا جهاد عليك )) وقال لبنيه : (( ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة )) فخرج معه ، فقتل يوم أحد .

(54) موقف صفية بنت عبد المطلب :
لما قتل حمزة بن عبد المطلب أقبلت صفية لتنظر إليه ، وكان أخاها لأبيها وأمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها ال**ير بن العوام : (( القها فارجعها لا ترى ما بأخيها )) فقال لها : يا أمت ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي . قالت : ولم وقد بلغني أن قد مثل بأخي وذلك في الله؟ فما أرضانا بما كان من ذلك ، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله ، فلما جاء ال**ير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك قال : (( خل سبيلها )) فأتته فنظرت إليه ، فصلت عليه ، واسترجعت ، واستغفرت له .

(55) موقف حمنة بنت جحش:
ومر صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظفر فسمع البكاء والنواح على القتلى ، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى ، ثم قال : (( لكن حمزة لا بواكي له )) . وعند عودة الرسول إلى المدينة بعد أحد لقيته حمنة بنت جحش فلما لقيت الناس نعي لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت ، واستغفرت له ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت فقال : (( إن زوج المرأة منها لبمكان )) لما رأى صلى الله عليه وسلم من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها .

(56) موقف المرأة الدينارية :
مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله بأحد ، فلما نُعوا لها قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ قالوا : خيراً يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ، قالت : أرونيه حتى أنظر إليه ، قال : فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل ، تريد صغيرة


المواقف البطولية في غزوة بني النضير


(57) موقف الرسول صلى الله عليه و سلم :
ولما كان من يهود بني النضير ما كان من الغدر ونقص العهد ،

أمر الرسول صلى الله عليه و سلم الصحابي محمد بن
مسلمة الأنصاري أن يذهب إليهم ويبلغهم أمره :
(( اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني فيها ، وقد هممتم بما
هممتم به من الغدر ، وقد أجلتكم عشراً فمن رؤى منكم بعد
ذلك ضربت عنقه )) .
فهموا بالخروج لكن المنافقين تعاهدوا معهم على نصرتهم وقالوا :
لا تخرجوا من دياركم فلما سمعوا ما سمعوا من المنافقين أرسلوا
إلى الرسول يقولون : إنا لن نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا
لك .فحاصرهم صلى الله عليه و سلم خمسة عشر يوماً وانتظر
اليهود الوعود البراقة بنصرتهم وهم في حالة من الشدة والضنك .
فلما أيقنوا أن المنافقين تخلوا عنهم ، وحسوا حزم رسول الله صلى
الله عليه و سلم وتصميمه على إخراجهم بالقوة استسلموا
لإرادة الرسول صلى الله عليه و سلم وقد تحدوه من قبل
أنهم لن يخرجوا فليصنع ما بدا له . وانقادوا لشروط الرسول
صلى الله عليه و سلم بأن لا يأخذوا قطعة سلاح معهم ،
وأن يسلموها للمسلمين ، وأن يمتلك المسلمون بقية أموالهم
بعد خروجهم ، فانقادوا لشروطه صاغرين وخرجوا مدحورين.

(58) موقف علي بن أبي طالب :
كان في يهود بني النضير رجل يدعى غردك ، وكان رامياً
ماهراً بعيد المدى ، يوجه نباله إلى المسلمين ، بل قد وصل
سهمه إلى قرب خيمة رسول الله صلى الله عليه و سلم في اليوم
الأول من الحصار مما جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم
يأمر ببناء خيمته بعيداً عن متناول سهام هذا اليهودي وغيره .
وفي ليلة من ليالي الحصار ، افتقدوا علي بن أبي طالب ،
فجاؤوا إلى الرسول يخبروه قائلين : ما نرى علياً . فقال
صلى الله عليه و سلم : (( دعوه فإنه في بعض شأنكم
وبعدها بقليل جاء علي برأس غردك )) .


(59) موقف عبد الله بن عقيل :
لم يضرب الرسول صلى الله عليه و سلم أعناق بني النضير

جزاء على خيانتهم وتآمرهم على حياته ، بل إن الرسول صلى
الله عليه و سلم اكتفى بطردهم ولكنهم رغم ذلك استمروا في
حقدهم وغدرهم حتى أن (( رافع سلام بن الحقيق توجه
في نفر من قومه إلى قريش وغطفان وثقيف يحرضهم على
الرسول صلى الله عليه و سلم ومن معه وبذل من أجل
ذلك الأموال الطائلة )) .
فسارت هذه القبائل لحصار المدينة في غزوة الخندق إلا أنها
رجعت تجر أذيال الهزيمة . وكان هذا الموقف الخبيث كافياً لأن
ينال أشد العقاب ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم
خمسة نفر من الخزرج لقتل هذا الخبيث وعلى رأس هؤلاء
(( عبد الله بن عقيل )) . فتوجهوا إلى خيبر ، وكان
أبو رافع في حصن له ، فلما دنو منه قال عبد الله
لأصحابه : اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف إلى البواب
لعلي أن أدخل ، فأقبل حتى دنا من الباب ، ثم تصنع
بثوبه كأنه يقضي حاجته .. فهتف به البواب : يا عبد الله
إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق
الباب ، فدخل ، ثم أغلق الباب وكمن ، حتى ادرك أن
نفراً من أصحاب أبي رافع يسمرون عنده ، وكان متخفياً وظل
كذلك حتى ذهب أصحابه ، فصعد إليه وكلما دخل باباً أغلقه
عليه من الداخل حتى لا يحول أحد بينه وبين تنفيذ العقوبة
التي قررها له رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فانتهى إلى أبي رافع فإذا هو في بيت مظلم لا يدري أين
هو من البيت قال ابن عتيك : فقلت : يا أبا رافع ـ وكان
يجيد العبرية ـ قال : من هذا قال ابن عتيك : فأهويت
نحو الصوت فأضربه ضربة بلسيف ما أغنت شيئاً .
وصاح ، فخرجت من البيت ، فأمكث غير بعيد ثم دخلت
إليه فقلت : ما هذا الصوت يا أبا رافع؟
ـ وقد غير صوته ـ قال : لأمك الويل إن رجلاً في البيت
ضربني قبل بالسيف . قلت : فأضربه ضربة أثخنته ،
ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره
فعرفت أني قتلته . ثم خرج يفتح الأبواب وبسرعة وأثناء
خروجه وقع فانكسرت رجله ، فعصبها بعمامته ثم انطلق إلى
أصحابه ، وانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال : (( ابسط رجلك فبسط رجله فمسحها
فكأنها لم تصب قط )) .

60ـ موقف سعد بن معاذ :
فلما كانت غزوة الخندق وعظم على المؤمنين البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من كل مكان ، حتى ظن المؤمنين كل ظن، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قائدي غطفان وأراد أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، ثم بعث الرسول إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه4 . فقالا : يا رسول الله! إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة ، وإن كان شيئاً تصنعه لنا ، فلا حاجة لنا فيه ، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا إلا قرىً أو بيعاً فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له ، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ؟! والله لا نعطيهم إلا السيف5 ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم6 . فصوب رأيهما ، وقال : (( إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ))7 . وفي هذه الغزوة رمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل ، رماه حبان بن قيس بن العرقة فلما أصيب سعد ، قال : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها ؛ فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجلدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه ، اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة8 .

61ـ موقف صفية بنت عبد المطلب :
كانت صفية في فارع حصن حسان بن ثابت ، وكان هناك رجل يهودي يطوف بالحصن ، وليس هناك من يدفع عنهم داخل الحصن فقالت صفية لحسان : إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن ، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود ، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله . قال : والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ، قالت : فاحتجزت (شدت وسطها ) ثم أخذت عموداً ، ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته . وقد كان هذا الفعل المجيد من عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر عميق في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم ، ويبدو أن يهود ظنوا أن هذه الآطام والحصون في منعة من الجيش الإسلامي ـ مع أنها كانت خالية عنهم تماماً ـ فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل1 .

62ـ موقف علي بن أبي طالب :
ثم إن المشركين أثناء حصارهم للمدينة تيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحمت منه ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة . ووقف عمرو بن عبد ودٍ هو وخيله وقال لعلي وصحبه من يبارز؟ فبرز علي له وقال : يا عمرو ، إنك قد عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه ، قال له : أجل ، قال له علي : فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ، قال : لا حاجة لي بذلك ، قال : فإني أدعوك إلى النزال ، فقال له : لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ، قال علي : ولكني أحب أن أقتلك ، فحمي عمرو عند ذلك وأقبل على علي فتنازلا ، فقتله علي رضي الله عنه وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربةً2 .

63ـ موقف نعيم بن مسعود الغطفاني :
جاء نعيم بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله! إني قد أسلمت ، فمرني بما شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنما أنت رجل واحد ، فخذل عنا ما استطعت ، فإن الحرب خدعة )) . فذهب من فوره إلى بني قريظة ، وكان عشيراً لهم في الجاهلية ، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه ، فقال : يا بني قريظة ، إنكم قد حاربتم محمداً ، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها ، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين ، وتركوكم ومحمداً ، فانتقم منكم . قالوا : فما العمل يا نعيم؟ قال لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن . قالوا : لقد أشرت بالرأي ، ثم مضى إلى قريش ، فقال لهم : تعلمون ودي لكم ، ونصحي لكم ، قالوا : نعم . قال : إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقص عهد محمد وأصحابه ، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ، ثم يمالؤونه عليكم فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم ، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك وتخاذل اليهود وغطفان وقريش وفرق الله شملهم به وأرسل عليهم ريحاً تقوص خيامهم ، ولا تدع قدراً إلا كفأتها ، ولم يقر لهم قرار3 .

64ـ موقف حذيفة بن اليمان :
فلما فرق الله شمل الأحزاب دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلاً ، وشرط الرسول صلى الله عليه وسلم له الرجعة ، وقد كانت ليلة شديدة البرد والجوع ، وقال الرسول لحذيفة : (( اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا )) فذهب حذيفة ودخل في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، فقام أبو سفيان وقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه . قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت : من أنت؟ قال : فلان بن فلان ؛ ثم قال أبو سفيان مقولة ختمها بقوله : فارتحلوا فإني مرتحل ، ثم قام إلى جمله وركبه فلولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ (سلمان ) لا تحدث شيئاً حتى تأتيني لقتله بسهم . قال حذيفة : فرجعت إلى الرسول وهو قائم يصلي ، فلما سلم أخبرته الخبر4 .

المواقف البطولية في غزوة بني قريظة:

في اليوم الذي رجع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد غزوة الأحزاب جاءه جبريل عند الظهر وقال :أو قد وضعت السلاح؟ فإن الملائكة لم تضع أسلحتها ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ، فانهض بمن معك إلى بني قريظة ، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم ، وأقذف في قلوبهم الرعب ، فسار جبريل في موكبه من الملائكة . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً فأذن في الناس : من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة . وخلال هذه الغزوة حدثت عدة مواقف بطولية نذكر منها ما يلي :


(65) موقف أبي لبابة :
وصل الجيش الإسلامي إلى بني قريظة ، وفرضوا عليهم الحصار ، ولما اشتد عليهم الحصار وحدث ما حدث رأوا أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكنهم أرادوا أن يتصلوا ببعض حلفائهم من المسلمين لعلهم يتعرفون ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرسل إلينا أبا لبابة نستشيره ، وكان حليفاً لهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهن النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم ، وقالوا : يا أبا لبابة : أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال : نعم! وأشار إلى حلقه بيده ، يقول أنه الذبح ، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجهه ، ولم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المسجد النبوي بالمدينة ، فربط نفسه بسارية المسجد ، وحلف أن لايحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، فلما بلغ رسول
الله صلى الله عليه وسلم خبره ـ وكان قد استبطأه ـ قال : (( أما إنه لو جاءني لاستغفرت له ، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه )) .




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.