العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


تفسير سورة البقرة تفسيرا ميسرا


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1)
هذه الحروف وغيرها من الحروف المقطَّعة في أوائل السور فيها إشارة إلى إعجاز القرآن; فقد وقع به تحدي المشركين, فعجزوا عن معارضته, وهو مركَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لغة العرب. فدَلَّ عجز العرب عن الإتيان بمثله -مع أنهم أفصح الناس- على أن القرآن وحي من الله.
ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)
ذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله, فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه, ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله, ويتبعون أحكامه.

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)
وهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها; لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله, مثل الإيمان بالملائكة, والجنة, والنار, وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، (والإيمان: كلمة جامعة للإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتصديق الإقرار بالقول والعمل بالقلب واللسان والجوارح) وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة.

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

والذين يُصَدِّقون بما أُنزل إليك أيها الرسول من القرآن, وبما أنزل إليك من الحكمة, وهي السنة, وبكل ما أُنزل مِن قبلك على الرسل من كتب, كالتوراة والإنجيل وغيرهما, ويُصَدِّقون بدار الحياة بعد الموت وما فيها من الحساب والجزاء، تصديقا بقلوبهم يظهر على ألسنتهم وجوارحهم وخص يوم الآخرة; لأن الإيمان به من أعظم البواعث على فعل الطاعات, واجتناب المحرمات, ومحاسبة النفس.

أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (5)


أصحاب هذه الصفات يسيرون على نور من ربهم وبتوفيق مِن خالقهم وهاديهم, وهم الفائزون الذين أدركوا ما طلبوا, ونَجَوا من شرِّ ما منه هربوا.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6)

إن الذين جحدوا ما أُنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا, لن يقع منهم الإيمان, سواء أخوَّفتهم وحذرتهم من عذاب الله, أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم.

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)


طبع الله على قلوب هؤلاء وعلى سمعهم, وجعل على أبصارهم غطاء; بسبب كفرهم وعنادهم مِن بعد ما تبيَّن لهم الحق, فلم يوفقهم للهدى, ولهم عذاب شديد في نار جهنم.

وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)


ومن الناس فريق يتردد متحيِّرًا بين المؤمنين والكافرين, وهم المنافقون الذين يقولون بألسنتهم: صدَّقْنَا بالله وباليوم الآخر, وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا.

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر, وما يخدعون إلا أنفسهم; لأن عاقبة خداعهم تعود عليهم. ومِن فرط جهلهم لا يُحِسُّون بذلك; لفساد قلوبهم.

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)


في قلوبهم شكٌّ وفساد فابْتُلوا بالمعاصي الموجبة لعقوبتهم, فزادهم الله شكًا, ولهم عقوبة موجعة بسبب كذبهم ونفاقهم.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)


وإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي, وإفشاء أسرار المؤمنين, وموالاة الكافرين, قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن أهل الإصلاح.

أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)


إنَّ هذا الذي يفعلونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد, لكنهم بسبب جهلهم وعنادهم لا يُحِسُّون.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13)


وإذا قيل للمنافقين: آمِنُوا -مثل إيمان الصحابة، وهو الإيمان بالقلب واللسان والجوارح-, جادَلوا وقالوا: أَنُصَدِّق مثل تصديق ضعاف العقل والرأي, فنكون نحن وهم في السَّفَهِ سواء؟ فردَّ الله عليهم بأن السَّفَهَ مقصور عليهم, وهم لا يعلمون أن ما هم فيه هو الضلال والخسران.

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)


هؤلاء المنافقون إذا قابلوا المؤمنين قالوا: صدَّقنا بالإسلام مثلكم, وإذا انصرفوا وذهبوا إلى زعمائهم الكفرة المتمردين على الله أكَّدوا لهم أنهم على ملة الكفر لم يتركوها, وإنما كانوا يَسْتَخِفُّون بالمؤمنين, ويسخرون منهم.

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)


الله يستهزئ بهم ويُمهلهم; ليزدادوا ضلالا وحَيْرة وترددًا, ويجازيهم على استهزائهم بالمؤمنين.

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)


أولئك المنافقون باعوا أنفسهم في صفقة خاسرة, فأخذوا الكفر, وتركوا الإيمان, فما كسبوا شيئًا, بل خَسِروا الهداية. وهذا هو الخسران المبين.

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)


حال المنافقين الذين آمنوا -ظاهرًا لا باطنًا- برسالة محمد صلى الله عليه وسلم, ثم كفروا, فصاروا يتخبطون في ظلماتِ ضلالهم وهم لا يشعرون, ولا أمل لهم في الخروج منها, تُشْبه حالَ جماعة في ليلة مظلمة, وأوقد أحدهم نارًا عظيمة للدفء والإضاءة, فلما سطعت النار وأنارت ما حوله, انطفأت وأعتمت, فصار أصحابها في ظلمات لا يرون شيئًا, ولا يهتدون إلى طريق ولا مخرج.

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)


هم صُمٌّ عن سماع الحق سماع تدبر, بُكْم عن النطق به, عُمْي عن إبصار نور الهداية; لذلك لا يستطيعون الرجوع إلى الإيمان الذي تركوه, واستعاضوا عنه بالضلال.

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ
أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)

أو تُشْبه حالُ فريق آخر من المنافقين يظهر لهم الحق تارة, ويشكون فيه تارة أخرى, حالَ جماعة يمشون في العراء, فينصب عليهم مطر شديد, تصاحبه ظلمات بعضها فوق بعض, مع قصف الرعد, ولمعان البرق, والصواعق المحرقة, التي تجعلهم من شدة الهول يضعون أصابعهم في آذانهم; خوفًا من الهلاك. والله تعالى محيط بالكافرين لا يفوتونه ولا يعجزونه.

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)


يقارب البرق -من شدة لمعانه- أن يسلب أبصارهم, ومع ذلك فكلَّما أضاء لهم مشَوْا في ضوئه, وإذا ذهب أظلم الطريق عليهم فيقفون في أماكنهم. ولولا إمهال الله لهم لسلب سمعهم وأبصارهم, وهو قادر على ذلك في كل وقتٍ, إنه على كل شيء قدير.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)


نداء من الله للبشر جميعًا: أن اعبدوا الله الذي ربَّاكم بنعمه, وخافوه ولا تخالفوا دينه; فقد أوجدكم من العدم, وأوجد الذين من قبلكم; لتكونوا من المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

ربكم الذي جعل لكم الأرض بساطًا; لتسهل حياتكم عليها, والسماء محكمة البناء, وأنزل المطر من السحاب فأخرج لكم به من ألوان الثمرات وأنواع النبات رزقًا لكم, فلا تجعلوا لله نظراء في العبادة, وأنتم تعلمون تفرُّده بالخلق والرزق, واستحقاقِه العبودية.

وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (23)


وإن كنتم -أيها الكافرون المعاندون- في شَكٍّ من القرآن الذي نَزَّلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم, وتزعمون أنه ليس من عند الله, فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن, واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم, إن كنتم صادقين في دعواكم.

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)


فإن عجَزتم الآن -وستعجزون مستقبلا لا محالة- فاتقوا النار بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى. هذه النار التي حَطَبُها الناس والحجارة, أُعِدَّتْ للكافرين بالله ورسله

وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)


وأخبر -أيها الرسول- أهل الإيمان والعمل الصالح خبرًا يملؤهم سرورًا, بأن لهم في الآخرة حدائق عجيبة, تجري الأنهار تحت قصورها العالية وأشجارها الظليلة. كلَّما رزقهم الله فيها نوعًا من الفاكهة اللذيذة قالوا: قد رَزَقَنا الله هذا النوع من قبل, فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته, وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم. ولهم في الجنَّات زوجات مطهَّرات من كل ألوان الدنس الحسيِّ كالبول والحيض, والمعنوي كالكذب وسوء الخُلُق. وهم في الجنة ونعيمها دائمون, لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا

فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26)


إن الله تعالى لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئًا ما, قلَّ أو كثر, ولو كان تمثيلا بأصغر شيء, كالبعوضة والذباب ونحو ذلك, مما ضربه الله مثلا لِعَجْز كل ما يُعْبَد من دون الله. فأما المؤمنون فيعلمون حكمة الله في التمثيل بالصغير والكبير من خلقه, وأما الكفار فَيَسْخرون ويقولون: ما مراد الله مِن ضَرْب المثل بهذه الحشرات الحقيرة؟ ويجيبهم الله بأن المراد هو الاختبار, وتمييز المؤمن من الكافر; لذلك يصرف الله بهذا المثل ناسًا كثيرين عن الحق لسخريتهم منه, ويوفق به غيرهم إلى مزيد من الإيمان والهداية. والله تعالى لا يظلم أحدًا; لأنه لا يَصْرِف عن الحق إلا الخارجين عن طاعته.

الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (27)


الذين ينكثون عهد الله الذي أخذه عليهم بالتوحيد والطاعة, وقد أكَّده بإرسال الرسل, وإنزال الكتب, ويخالفون دين الله كقطع الأرحام ونشر الفساد في الأرض, أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)


كيف تنكرون -أيُّها المشركون- وحدانية الله تعالى, وتشركون به غيره في العبادة مع البرهان القاطع عليها في أنفسكم؟ فلقد كنتم أمواتًا فأوجدكم ونفخ فيكم الحياة, ثم يميتكم بعد انقضاء آجالكم التي حددها لكم, ثم يعيدكم أحياء يوم البعث, ثم إليه ترجعون للحساب والجزاء.

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

اللهُ وحده الذي خَلَق لأجلكم كل ما في الأرض من النِّعم التي تنتفعون بها, ثم قصد إلى خلق السموات, فسوَّاهنَّ سبع سموات, وهو بكل شيء عليم. فعِلْمُه -سبحانه- محيط بجميع ما خلق

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)


واذكر -أيها الرسول- للناس حين قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض قومًا يخلف بعضهم بعضًا لعمارتها. قالت: يا ربَّنا علِّمْنا وأَرْشِدْنا ما الحكمة في خلق هؤلاء, مع أنَّ من شأنهم الإفساد في الأرض واراقة الدماء ظلما وعدوانًا ونحن طوع أمرك, ننزِّهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ونمجِّدك بكل صفات الكمال والجلال؟ قال الله لهم: إني أعلم ما لا تعلمون من الحكمة البالغة في خلقهم

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)



وبيانًا لفضل آدم عليه السلام علَّمه الله أسماء الأشياء كلها, ثم عرض مسمياتها على الملائكة قائلا لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء الموجودات, إن كنتم صادقين في أنكم أَوْلى بالاستخلاف في الأرض منهم

قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

قالت الملائكة: ننزِّهك يا ربَّنا, ليس لنا علم إلا ما علَّمتنا إياه. إنك أنت وحدك العليم بشئون خلقك, الحكيم في تدبيرك.

قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)


قال الله: يا آدم أخبرهم بأسماء هذه الأشياء التي عجَزوا عن معرفتها. فلما أخبرهم آدم بها, قال الله للملائكة: لقد أخبرتكم أني أعلم ما خفي عنكم في السموات والأرض, وأعلم ما تظهرونه وما تخفونه.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (34)


واذكر -أيها الرسول- للناس تكريم الله لآدم حين قال سبحانه للملائكة: اسجدوا لآدم إكرامًا له وإظهارًا لفضله, فأطاعوا جميعًا إلا إبليس امتنع عن السجود تكبرًا وحسدًا, فصار من الجاحدين بالله, العاصين لأمره.

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (35)


وقال الله: يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء الجنة, وتمتعا بثمارها تمتعًا هنيئًا واسعًا في أي مكان تشاءان فيها, ولا تقربا هذه الشجرة حتى لا تقعا في المعصية, فتصيرا من المتجاوزين أمر الله.

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)


فأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ وسوس لهما حتى أكلا من الشجرة, فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها. وقال الله لهم: اهبطوا إلى الأرض, يعادي بعضكم بعضًا -أي آدم وحواء والشيطان- ولكم في الأرض استقرار وإقامة, وانتفاع بما فيها إلى وقت انتهاء آجالكم.

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)


فتلقى آدمُ بالقبول كلماتٍ, ألهمه الله إياها توبة واستغفارًا, وهي قوله تعالى: (ربَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِن الخَاسِرِينَ) فتاب الله عليه, وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده, الرحيم بهم

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)


قال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا, وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق. فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)

والذين جحدوا وكذبوا بآياتنا المتلوة ودلائل توحيدنا, أولئك الذين يلازمون النار, هم فيها خالدون, لا يخرجون منها.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)


يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم, واشكروا لي, وأتموا وصيتي لكم: بأن تؤمنوا بكتبي ورسلي جميعًا, وتعملوا بشرائعي. فإن فعلتم ذلك أُتمم لكم ما وعدتكم به من الرحمة في الدنيا, والنجاة في الآخرة. وإيَّايَ -وحدي- فخافوني, واحذروا نقمتي إن نقضتم العهد, وكفرتم بي

وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)


وآمنوا- يا بني إسرائيل- بالقرآن الذي أنزَلْتُه على محمد نبي الله ورسوله, موافقًا لما تعلمونه من صحيح التوراة, ولا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر به, ولا تستبدلوا بآياتي ثمنًا قليلا من حطام الدنيا الزائل, وإياي وحدي فاعملوا بطاعتي واتركوا معصيتي.

وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42
)

ولا تخلِطوا الحق الذي بيَّنته لكم بالباطل الذي افتريتموه, واحذروا كتمان الحق الصريح من صفة نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبكم, وأنتم تجدونها مكتوبة عندكم، فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43
)

وادخلوا في دين الإسلام: بأن تقيموا الصلاة على الوجه الصحيح, كما جاء بها نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وتؤدوا الزكاة المفروضة على الوجه المشروع, وتكونوا مع الراكعين من أمته صلى الله عليه وسلم.

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44)


ما أقبح حالَكم وحالَ علمائكم حين تأمرون الناس بعمل الخيرات, وتتركون أنفسكم, فلا تأمرونها بالخير العظيم, وهو الإسلام, وأنتم تقرءون التوراة, التي فيها صفات محمد صلى الله عليه وسلم, ووجوب الإيمان به!! أفلا تستعملون عقولكم استعمالا صحيحًا
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)
واستعينوا في كل أموركم بالصبر بجميع أنواعه, وكذلك الصلاة. وإنها لشاقة إلا على الخاشعين الذين يخشون الله ويرجون ما عنده, ويوقنون أنهم ملاقو ربِّهم جلَّ وعلا بعد الموت, وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)


يا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم, واشكروا لي عليها, وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بكثرة الأنبياء, والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل

وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (48)


وخافوا يوم القيامة, يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا, ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين, ولا يقبل منهم فدية, ولو كانت أموال الأرض جميعًا, ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

واذكروا نعمتنا عليكم حين أنقذناكم من بطش فرعون وأتباعه, وهم يُذيقونكم أشدَّ العذاب, فيُكثِرون مِن ذَبْح أبنائكم, وترك بناتكم للخدمة والامتهان. وفي ذلك اختبار لكم من ربكم, وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة, تستوجب شكر الله تعالى في كل عصوركم وأجيالكم

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (50)


واذكروا نعمتنا عليكم, حين فَصَلْنا بسببكم البحر, وجعلنا فيه طرقًا يابسةً, فعبرتم, وأنقذناكم من فرعون وجنوده, ومن الهلاك في الماء. فلما دخل فرعون وجنوده طرقكم أهلكناهم في الماء أمام أعينكم

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)


واذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم, فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة, وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا.

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)


ثمَّ تجاوزنا عن هذه الفعلة المنكرة, وقَبِلْنَا توبتكم بعد عودة موسى; رجاءَ أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله, ولا تتمادوا في الكفر والطغيان.

وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)


واذكروا نعمتنا عليكم حين أعطينا موسى الكتاب الفارق بين الحق والباطل -وهو التوراة-; لكي تهتدوا من الضلالة

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)


واذكروا نعمتنا عليكم حين قال موسى لقومه: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا, فتوبوا إلى خالقكم: بأن يَقْتل بعضكم بعضًا, وهذا خير لكم عند خالقكم من الخلود الأبدي في النار, فامتثلتم ذلك, فمنَّ الله عليكم بقَبول توبتكم. إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده, الرحيم بهم.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55)


واذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله, حتى نرى الله عِيَانًا, فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم, فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم, وجُرْأتكم على الله تعالى.

ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

ثم أحييناكم مِن بعد موتكم بالصاعقة; لتشكروا نعمة الله عليكم, فهذا الموت عقوبة لهم, ثم بعثهم الله لاستيفاء آجالهم.

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)


واذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض; إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس, وأنزلنا عليكم المنَّ, وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل, وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى, وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم, ولا تخالفوا دينكم, فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم, ولكن كانوا أنفسهم يظلمون; لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)


واذكروا نعمتنا عليكم حين قلنا: ادخلوا مدينة "بيت المقدس" فكلوا من طيباتها في أي مكان منها أكلا هنيئًا, وكونوا في دخولكم خاضعين لله, ذليلين له, وقولوا: ربَّنا ضَعْ عنَّا ذنوبنا, نستجب لكم ونعف ونسترها عليكم, وسنزيد المحسنين بأعمالهم خيرًا وثوابًا

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)


فبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله, وحرَّفوا القول والفعل جميعًا, إذ دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة, واستهزءوا بدين الله. فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء; بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله.

وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)


واذكروا نعمتنا عليكم -وأنتم عطاش في التِّيْه- حين دعانا موسى -بضراعة- أن نسقي قومه, فقلنا: اضرب بعصاك الحجر, فضرب, فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا, بعدد القبائل, مع إعلام كل قبيلة بالعين الخاصة بها حتى لا يتنازعوا. وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله, ولا تسعوا في الأرض مفسدين.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

واذكروا حين أنزلنا عليكم الطعام الحلو, والطير الشهي, فبطِرتم النعمة كعادتكم, وأصابكم الضيق والملل, فقلتم: يا موسى لن نصبر على طعام ثابت لا يتغير مع الأيام, فادع لنا ربك يخرج لنا من نبات الأرض طعامًا من البقول والخُضَر, والقثاء والحبوب التي تؤكل, والعدس, والبصل. قال موسى -مستنكرًا عليهم-: أتطلبون هذه الأطعمة التي هي أقل قدرًا, وتتركون هذا الرزق النافع الذي اختاره الله لكم؟ اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة, تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق. ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم يُقَدِّمون اختيارهم -في كل موطن- على اختيار الله, ويُؤْثِرون شهواتهم على ما اختاره الله لهم; لذلك لزمتهم صِفَةُ الذل وفقر النفوس, وانصرفوا ورجعوا بغضب من الله; لإعراضهم عن دين الله, ولأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ظلمًا وعدوانًا; وذلك بسبب عصيانهم وتجاوزهم حدود ربهم.




2 
مجدى سالم

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)


إن المؤمنين من هذه الأمة, الذين صدَّقوا بالله ورسله, وعملوا بشرعه, والذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمم السالفة من اليهود, والنصارى, والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم, ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا, وبيوم البعث والجزاء, وعملوا عملا مرضيًا عند الله, فثوابهم ثابت لهم عند ربهم, ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة, فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به, وهو الإسلام.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)


واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا العهد المؤكَّد منكم بالإيمان بالله وإفراده بالعبادة, ورفعنا جبل الطور فوقكم, وقلنا لكم: خذوا الكتاب الذي أعطيناكم بجدٍ واجتهاد واحفظوه, وإلا أطبقنا عليكم الجبل، ولا تنسوا التوراة قولا وعملا كي تتقوني وتخافوا عقابي.

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (64)


ثم خالفتم وعصيتم مرة أخرى, بعد أَخْذِ الميثاق ورَفْع الجبل كشأنكم دائمًا. فلولا فَضْلُ الله عليكم ورحمته بالتوبة, والتجاوز عن خطاياكم, لصرتم من الخاسرين في الدنيا والآخرة.

وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)


ولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت ، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)


فجعلنا هذه القرية عبرة لمن بحضرتها من القرى, يبلغهم خبرها وما حلَّ بها, وعبرة لمن يعمل بعدها مثل تلك الذُّنوب, وجعلناها تذكرة للصالحين; ليعلموا أنهم على الحق, فيثبتوا عليه.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (67)


واذكروا يا بني إسرائيل جناية أسلافكم, وكثرة تعنتهم وجدالهم لموسى عليه الصلاة والسلام, حين قال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة, فقالوا -مستكبرين-: أتجعلنا موضعًا للسخرية والاستخفاف؟ فردَّ عليهم موسى بقوله: أستجير بالله أن أكون من المستهزئين.

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)


قالوا: ادع لنا ربَّك يوضح لنا صفة هذه البقرة, فأجابهم: إن الله يقول لكم: صفتها ألا تكون مسنَّة هَرِمة, ولا صغيرة فَتِيَّة, وإنما هي متوسطة بينهما, فسارِعوا إلى امتثال أمر ربكم.

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

فعادوا إلى جدالهم قائلين: ادع لنا ربك يوضح لنا لونها. قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء شديدة الصُّفْرة, تَسُرُّ مَن ينظر إليها.

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)


قال بنو إسرائيل لموسى: ادع لنا ربك يوضح لنا صفات أخرى غير ما سبق; لأن البقر -بهذه الصفات- كثير فاشْتَبَهَ علينا ماذا نختار؟ وإننا -إن شاء الله- لمهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها.

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة, وغير معدة للسقي من الساقية, وخالية من العيوب جميعها, وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة, فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة, وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72)


واذكروا إذ قتلتم نفسًا فتنازعتم بشأنها, كلٌّ يدفع عن نفسه تهمة القتل, والله مخرج ما كنتم تخفون مِن قَتْل القتيل.

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

فقلنا: اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة المذبوحة, فإن الله سيبعثه حيًا, ويخبركم عن قاتله. فضربوه ببعضها فأحياه الله وأخبر بقاتله. كذلك يُحيي الله الموتى يوم القيامة, ويريكم- يا بني إسرائيل- معجزاته الدالة على كمال قدرته تعالى; لكي تتفكروا بعقولكم, فتمتنعوا عن معاصيه.

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)


ولكنكم لم تنتفعوا بذلك; إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة اشتدت قلوبكم وغلظت, فلم يَنْفُذ إليها خير, ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرة التي أريتكموها, حتى صارت قلوبكم مثل الحجارة الصمَّاء, بل هي أشد منها غلظة; لأن من الحجارة ما يتسع وينفرج حتى تنصبَّ منه المياه صبًا, فتصير أنهارًا جاريةً, ومن الحجارة ما يتصدع فينشق, فتخرج منه العيون والينابيع, ومن الحجارة ما يسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه. وما الله بغافل عما تعملون.

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)


أيها المسلمون أنسيتم أفعال بني إسرائيل, فطمعت نفوسكم أن يصدِّق اليهودُ بدينكم؟ وقد كان علماؤهم يسمعون كلام الله من التوراة, ثم يحرفونه بِصَرْفِه إلى غير معناه الصحيح بعد ما عقلوا حقيقته, أو بتحريف ألفاظه, وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76)


هؤلاء اليهود إذا لقوا الذين آمنوا قالوا بلسانهم: آمنَّا بدينكم ورسولكم المبشَّر به في التوراة, وإذا خلا بعض هؤلاء المنافقين من اليهود إلى بعض قالوا في إنكار: أتحدِّثون المؤمنين بما بيَّن الله لكم في التوراة من أمر محمد; لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم يوم القيامة؟ أفلا تفقهون فتحذروا؟

أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)


أيفعلون كلَّ هذه الجرائم, ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يخفونه وما يظهرونه؟

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78)

ومن اليهود جماعة يجهلون القراءة والكتابة, ولا يعلمون التوراة وما فيها من صفات نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وما عندهم من ذلك إلا أكاذيبُ وظنون فاسدة.

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم, ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام; ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم, ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام, كالرشوة وغيرها.

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80)


وقال بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد. قل لهم -أيها الرسول مبطلا دعواهم-: أعندكم عهد من الله بهذا, فإن الله لا يخلف عهده؟ بل إنكم تقولون على الله ما لا تعلمون بافترائكم الكذب.

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)


فحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر, واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله, فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)


وحكم الله الثابتُ في مقابل هذا: أنَّ الذين صدَّقوا بالله ورسله تصديقًا خالصًا, وعملوا الأعمال المتفقة مع شريعة الله التي أوحاها إلى رسله, هؤلاء يلازمون الجنة في الآخرة ملازمةً دائمةً لا تنقطع.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)


واذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له, وأن تحسنوا للوالدين, وللأقربين, وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم, وللمساكين, وأن تقولوا للناس أطيب الكلام, مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة, ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد -إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)

واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض, وإخراج بعضكم بعضًا من دياركم, ثم اعترفتم بذلك, وأنتم تشهدون على صحته.

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

ثم أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضًا, ويُخرج بعضكم بعضًا من ديارهم, ويَتَقَوَّى كل فريق منكم على إخوانه بالأعداء بغيًا وعدوانًا. وأن يأتوكم أسارى في يد الأعداء سعيتم في تحريرهم من الأسر, بدفع الفدية, مع أنه محرم عليكم إخراجهم من ديارهم. ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها! فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا. ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار. وما الله بغافل عما تعملون.

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (86)

أولئك هم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة, فلا يخفف عنهم العذاب, وليس لهم ناصر ينصرهم مِن عذاب الله.

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)


ولقد أعطينا موسى التوراة, وأتبعناه برسل من بني إسرائيل, وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات, وقوَّيناه بجبريل عليه السلام. أفكلما جاءكم رسول بوحي من عند الله لا يوافق أهواءكم, استعليتم عليه, فكذَّبتم فريقًا وتقتلون فريقًا؟

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (88)


وقال بنو إسرائيل لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قلوبنا مغطاة, لا يَنْفُذ إليها قولك. وليس الأمر كما ادَّعَوْا, بل قلوبهم ملعونة, مطبوع عليها, وهم مطرودون من رحمة الله بسبب جحودهم, فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)


وحين جاءهم القرأن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه, وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب, ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان, وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه. فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وكتابه الذي أوحاه الله إليه.

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)

قَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم; إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم, بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة. وللجاحدين نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)


وإذا قال بعض المسلمين لليهود: صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن, قالوا: نحن نصدِّق بما أنزل الله على أنبيائنا, ويجحدون ما أنزل الله بعد ذلك, وهو الحق مصدقًا لما معهم. فلو كانوا يؤمنون بكتبهم حقًا لآمنوا بالقرآن الذي صدَّقها. قل لهم -يا محمد-: إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم, فلماذا قتلتم أنبياء الله مِن قبل؟

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)

ولقد جاءكم نبي الله موسى بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه, كالطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع, وغير ذلك مما ذكره الله في القرآن العظيم, ومع ذلك اتخذتم العجل معبودًا, بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه, وأنتم متجاوزون حدود الله.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)


واذكروا حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا بقَبول ما جاءكم به موسى من التوراة, فنقضتم العهد, فرفعنا جبل الطور فوق رؤوسكم, وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بجدٍّ, واسمعوا وأطيعوا, وإلا أسقطنا الجبل عليكم, فقلتم: سمعنا قولك وعصينا أمرك; لأن عبادة العجل قد امتزجت بقلوبكم بسبب تماديكم في الكفر. قل لهم -أيها الرسول-: قَبُحَ ما يأمركم به إيمانكم من الكفر والضلال, إن كنتم مصدِّقين بما أنزل الله عليكم.

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّـهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٤

-- ثم أمر الله الحق سيدى رسول الله أن يقول لبنى إسرائيل : إن كانت مزاعمكم على مر العصور صحيحة وهى : إنكم ابناء الله وأحباءه + لن تعذبوا ألا إياما معدودة بالنار مهما فعلتم + أن الجنة لن يدخلها ألا اليهود + أنكم شعب الله المختار -- فقدموا دليل يثبت صدق ما زعمتم وهو : ادعوا الله طلبا للموت --

بمعنى : لقد قالوا على مر العصور أن الآخرة ونعيمها وجنتها حق مكتسب لبنى أسرائيل لن يناله غيرهم من الناس فإن كانوا حقا صادقين فعليهم أن يدعوا الله طلبا للموت والسبب : أن الدنيا بكل متاعها لا تروق للمؤمن أبدا لآنه يقارن بينها وبين جنة الخلد لذا يميل قلبه للقاء الله والخروج من الدنيا سريعا ليحيا بالنعيم المقيم أما الكافر فيفعل العكس
( الدَّارُ الْآخِرَةُ : المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها وجنتها
خَالِصَةً : أي خاصة بكم لن ينالها غيركم
فَتَمَنَّوُا الْمَوْت : أي تشوقوا له واجعلوا نفوسكم ترتاح إليه وادعوا الله طلبا له )






وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٩٥ --

واعلم يا رسول الله انهم لن يتمنوا الموت أبدا لآنهم : يعلمون يقينا أن إيديهم ما قدمت بحياتهم الدنيا ألا السوء والفسق والعصيان والفساد فى الآرض + افتروا على الله ورسله الكذب -- وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ : والله ربك الحق يعلم الظالمين منهم وسيعاقبهم بما يستحقون







وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦

-- ولسوف تجد يا رسول الله محمد صل الله عليه وسلم من خلال عشرتك معهم أنهم أكثر الناس حرصا على الحياة وأكثرهم هربا وخوفا من الموت --
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا : وأن حرصهم على الحياة أشد وأكبر من حرص المشركين والدليل : أن المشركين كانوا لا يخافون من الموت مثلهم ولو فعلوا ما كان هذا أمرا غريبا أما أن يخاف من الموت من يعلن أنه من أصحاب الجنة فهذا هو أكبر دليل على كذبهم -- يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ : ولقد كان ومازال كلا منهم يتمنى أن يصل عمره لآلف سنة أو يزيد -- وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ : وهم لا يعلمون أنه حتى ولو طال عمر أحدهم لآلف سنة فلن ينجيه هذا من العذاب الذى أعده الله له بالآخرة -- وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ : والله الحق علمه محيطا بما يفعلون وبصره معهم إينما كانوا ولكنهم قوما يجهلون



( أَحْرَصَ النَّاسِ : حرَصَ على شئ : إى أكثر تمسكًا بالشّيء وأشدّ محافظة عليه وعناية به -- والمعنى : هم أكثر الناس تمسكًا بالدنيا ومتعاها

بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ : زَحْزَحَهُ عن العذاب إى : نحّاه وأبعده )








قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّـهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٩٧﴾ --


وعلى ما يبدو أن البعض من بنى إسرائيل قالوا ما يقوله بعض فرق الشيعة حاليا وهو : أن الملك جبريل أخطأ بأنزال القرءان على رسول الله محمد لأن الرسالة الخاتمة كانت مرسلة لأحد اليهود –

( الشيعه يقولون لولا خطأ جبريل لوصلت الرساله لعلى ابن ابى طالب بدلا من سيدنا محمد فسبحان الله توافقا بنفس الآفك ) -- لذا يرد الله الحق عليهما معا قائلا بالحق سبحانه : من أعلن أو أسر منكم العداوة للملك جبريل فهو من الهالكين المعذبين بسبب سوء ظنه الذى جعله يتوهم الأتى : أن الله لم يحفظ القرءان المكتوب من قبل الحياة أنه كتاب ومعجزة الله المرسلة للناس على لسان سيدنا محمد صل الله عليه وسلم + أن الله كالبشر سبحانه يقبل بنظرية : الآمر الواقع لذا عندما أخطأ جبريل بأنزال القرءان على سيدنا محمد بدلا من غيره قبل الله الآمر الواقع الذى حرفت وبدلت به مشيئته سبحانه + أن الله لا تقع مشيئته وفضله كما يريد وقتما يريد بقدر ما يريد على من يريد سبحانه + أن الملائكة لا يفعلون ما يأمرهم الله به حرفيا -- فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّـهِ : لذا على هؤلاء الضالين المضلين أن يعلموا يقينا أن الله الحق هو من أمر الملك جبريل بأنزال القرءان على قلب سيدنا محمد صل الله عليه وسلم لا غيره من البشر -- مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى : والذى جاء به ما يوافق الكتب السماوية من قبله والتى أوصلها إيضا للرسل الملك جبريل ليكون القرءان وما سبقه من كتب كل كتاب بزمنه عدا القرءان ليوم القيامة دليلا يهتدى به العباد إلى صراط الله المستقيم -- وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ : وبطاعتهم لما جاء بالقرءان يستبشرون بالخلود بجنات ونعيم عظيم أعده الله لكل من يؤمن بإياته ويتبع ما جاء بها من الحق


(( ملاحظة سريعه : تجدوا الآتى ببعض كتب الشيعه : الغرابية قالوا : محمد بعلي أشبة من الغراب بالغراب والذباب بالذباب ، فبعث الله جبرائيل إلى علي ، فغلط جبرائيل في تبليغ الرسالة من علي عليه السلام إلى محمد -- المصدر : طرائف المقال - السيد علي البروجردي ج 2 ص 232
-- تعليق سريع : لاحظوا سوء الآدب مع الله الحق وسوء الآدب مع النبى الذى اختاروا له أقذر تشبيه وهو : الغراب رمز الشؤم والنحس عندهم + الذباب - لعنة الله على الظالمين )




مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّـهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴿٩٨ --

واعلموا الحق يقينا من ربكم وحكم الله الذى لا مبدل لحكمه أو قضاءه وهو : أن من كان منكم إيها الناس عدوا لله : إى عاصيا مخالفا لآوامر الله عن عمد وقصد واصرارا أو كفر بالله أو اشرك به -- وَمَلَائِكَتِهِ : وعدوا للملائكة بأساءة الآدب معهم أو بالسخرية والآستهزاء بشأنهم -- وَرُسُلِهِ : وعدوا لرسل الله أحدهم أو جميعهم بأن رفض الآيمان بالرسول أو كذب ما جاء به أو أساء له بشتى طرق الآساءة حيا وميتا -- وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ : وعدوا للملك جبريل أو الملك ميكال على وجه الخصوص -- فَإِنَّ اللَّـهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ : فهو من الكافرين والله عدو للكافرين ومن يعاديه الله فقد هلك وخسر الخسران العظيم -- مع ملاحظة أن المقصود الكفر بذلك كله أو بأحدهم







وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ﴿٩٩ --

ولقد أنزل الله عليك يا سيدى محمد صل الله عليه وسلم إيات القرءان الكريم تحمل الهدى وسبيل الرشاد وتظهر شرائع الله وأحكامه وقوانينه وحكمه على كل ما اختلف به أو عليه الناس عقائديا أو شرعيا أو بحياتهم بشكل عام -- وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ
: لذا لن يكفر بإيات القرءان قولا أو فعلا ألا من خرجوا عن الآيمان الصحيح والطاعة لله الحق سبحانه



( آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ : تحصل بها الهداية لمن استهدى, وإقامة الحجة على من عاند, وهي في الوضوح والدلالة على الحق, قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله, وخرج عن طاعة الله, واستكبر غاية التكبر – تفسير السعدى رحمه الله امين (






أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠٠ --


سؤال أستفهام أنكارى يحمل التعجب والملامة والتأنيب الشديد يقول به الله الحق سبحانه : أكلما عاهد بنى إسرائيل الله أو رسول من رسله أو نبى من أنبياءه عليهم السلام جميعا قامت جماعة منهم بنقض العهد بحجة تكن أكثر بطلانا وسوءا وسفاهة من الذنب !! ؟؟؟ --

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ : بل الحق أن أكثرهم لا يؤمنون حق الآيمان لذا لا عهد لهم ولا زمة
( كُلَّمَا : تفيد التكرار بمعنى : كلما أخذ العهد عليهم قاموا بنقضه
نَّبَذَهُ : النبذ : طرح الشيء وإلقاؤه )






وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّـهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾ --


وأن من عجائب ما صنع أهل الكتاب والمقصود بهم هنا اليهود والنصارى معا :
أن الله الحق أرسل لهم سيدى محمد صل الله عليه وسلم ومعه القرءان المصدق للكثير مما جاء بالتوراة والآنجيل -- فقام مجموعة منهم بعد اليقين بصدق ما جاءهم برفض أعلان الآيمان بكتاب الله ورسول الله محمد ونيتهم بالآنكار أن يظهروا لله أنهم لم يعلموا شيئا إى أرادوا خداع الله سبحانه وتعالى عما يصفون



ملاحظات هامه :


# المقصود هنا من عرفوا الحق يقينا مثل : الرهبان والآحبار والعلماء


# المقصود بكتاب الله : التوراة + الانجيل + القرءان
فالتوراة والآنجيل حملا بشارة بالنبى وصفاته ومكان خروج رسالته وهو فران إى مكة المكرمة والقرءان جاء مصدقا للكتابين وحاملا للبراهين والأدلة التى تثبت صدق نبوة النبى وأن القرءان كلام الله فترك علماء أهل الكتاب كتب الله الثلاث خلف ظهورهم وتمسكوا بطاعة الشياطين – والله الحق الآعلى والآعلم


( وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ : تشبيه يظهر الله الحق به أنهم كانوا يعلمون الحق تمام العلم ولمسوه بإيديهم ( بقلوبهم وعقولهم ) وبعد العلم واليقين تركوه وأعرضوا عنه كفرا وفسوقا )




3 
مجدى سالم





وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿١٠٢



وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ : ثم اظهر الله الحق معصية عظيمة الشأن وقع بها بعض اليهود قائلا بالحق سبحانه : ولقد اتبع بعضهم ما قاله بعض شياطين الجن والأنس عن أن سيدنا نبى الله سليمان عليه السلام كان يتعامل بالسحر وألف كتب عن ذلك ظلت بمملكته بعد وفاته ومنها يتعلم الناس السحر جيلا بعد جيل -- وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ : وهم فيما زعموا كاذبين ضالين مضلين فنبى الله سليمان لم يكفر يوما ولم يعمل بالسحر أبدا لآن السحر من أعمال الكفر وحاشا لله أن يكفر أنبياءه ورسله المصطفين الآخيار -- وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ : أما من كفر فهم شياطين الجن الذين كانوا ومازالوا وسيظلوا ليوم القيامة يعلمون الناس أسرار السحر وكيفية التعامل به وذلك منذ ظهور السحر الذى تعلموه من ملكان جعلهما الله جل وعلا فتنة إى أختبار للأنس والجن كانا يقيمان ببابل بالعراق وأسمائهما هاروت / ماروت -- وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ : ولقد كان الملكان يعظان وينصحان كل من يطلب منهما أن يعلماه السحر قائلين : إن علمنا بفنون السحر أختبار من الله لك فلا تتعلم منا ما يجعلك من الكافرين أصحاب الجحيم -- فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ : فيصروا على الفسوق والعصيان بتعلم فنون السحرومنه نوع يفرقون به بين الزوجين وهو : سحر الكراهية -- وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ : ولقد كانوا يتعلمون فنون السحر الشيطانيه ليضروا بعض الناس لمصلحة أخرين مقابل المال أو لمصلحة شخصيه مثل : الساحر الذى يسحر المتعاملين معه ليعودوا له مرارا وتكرارا وهم لا يعلمون أنهم لن يضروا أحد ألا بإذن الله -- بمعنى : أنهم مهما فعلوا فلن يغيروا مشيئة الله وقضاءه أبدا لذا من كتب الله عليه بعض الآبتلاء مثل : الطلاق فسيبتلى به بالوقت المحدد كما قضى الله تماما سواء حدث هذا بسبب سحر أو بغيره من الآسباب -- وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ : لذا ما تعلم هؤلاء ألا ما جعلهم من الخاسرين بالدنيا وبالآخرة -- وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ : ولقد عرف السحرة من الملكان ومن رسل وأنبياء الله ومن الكتب السماويه على مر العصور أن من اشترى منهم الكفر بتعلم السحر وممارسته ليس له حظ أو نصيب بجنات النعيم لأنه فى الأخرة من الملعونين المقبوحين المطرودين من رحمة الله -- وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ : هذا تشبيه يظهر الله جل وعلا به أنهم بجهلهم اعتقدوا أنهم أشتروا لأنفسهم متاع الدنيا ونعيمها بتعلمهم فنون السحر الذى يجلب لهم المال وبعض المصالح ولكن الحق أنهم باشتغالهم بالسحر قد باعوا أنفسهم لأنهم ضيعوا نصيبهم من متاع الآخرة وهى خيرا وابقى ومن باع الخلود بالجنة ونعيمها مقابل بضعة ساعات بالدنيا لبئس ما فعل لو كان ممن يفقهون


خلاصة الآية الكريمه : لا نجاة أو مهرب من قضاء الله ألا باللجوء إلى الله جل وعلا وطاعته -- ولا نجاة أو حفظ
من السحر والحسد ألا بكثرة ذكر الله وأعظمه القرءان وأقواه لمحاربة الشياطين : سورة البقره العظيمه + سورة الجن الكريمه + الرقية الشرعية -- فبهم يحصّن الآنسان نفسه ومن يهمه مثل : الآبناء من شياطين الآنس والجن بأذن الله وفضله
( فِتْنَةٌ : أختبار
شَرَوْا : اشتروا وبدلوا
خَلَاقٍ : النصيب والحظ )






وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿١٠٣ --
ولو أن السحرة ومن اتبعوهم قد أمنوا بالله حق الأيمان وخافوا من عذاب الله ويوم الحساب فابتعدوا عن السحر من البداية أو بعد الذنب تابوا وعادوا للحق سريعا -- لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ : لكان الله العلى العظيم قد أحسن لهم أجرا بالدنيا وبالأخرة وأجر الله ورضاه خيرا من كل ما جمعوه أو سيجمعوه بالدنيا لو كانوا يعقلون ويفقهون فيعلمون الحق ويتبعونه
( لَمَثُوبَةٌ : جزاء وأجر )






يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٠٤ --


خطاب من الله الحق للصحابة الكرام أمرهم به قائلا بالحق سبحانه : لا تقولوا للنبى سيدى محمد صل الله عليه وسلم كلمة :
رَاعِنَا -- وذلك لأن اليهود بلغتهم معنى كلمة ( رَاعِنَا ) غير مهذب وقد كانوا يقولونها لسيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم بقصد الاستهزاء به والسخرية منه لعلمهم أنه لا يعرف لغتهم -- وبنفس الوقت كان من المؤمنين من يقول تلك الكلمة لسيدنا رسول الله قاصدا معناها باللغة العربيه وهو : راعنا سمعك لتعلم ما نريد أن نسألك عنه -- فنهى الله الحق المؤمنين عن قول تلك الكلمة واستبدالها ب : انْظُرْنَا : إى أمهلنا بعض الوقت حتى نتعلم منك ونطبق ما تعلمناه -- وَاسْمَعُوا : ويا عباد الله المؤمنين أستمعوا سماع فهم وطاعة لآمر ربكم الله جل وعلا خيرا لكم -- وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ : واعلموا أن الكافرين المصرين على التكبر عن طاعة الله جل وعلا قد أعد الله لهم عذاب إليم مهين خالدين فيه أبدا فاحذروا أن تكونوا منهم

( انْظُرْنَا : انظر إلينا و انتظرنا و تأنّ علينا )




ملاحظة سريعه : إنْ كلمة "رَعْ" (רע) – نقرؤها راعْ- العبرية معناها : سيّء، أي هي وصفٌ للشيءِ بالسوءِ، أو القذارةِ، وما إلى ذلك -- فإذا قلتَ في العبريةِ : "شارونْ راعْ" فتقصد : "شارون سيء" أو إذا قلتَ : "شارونْ هوْ إيشْ راعْ" فتقصدُ أنَّ شارونَ هو رجلٌ سيّءٌ.
ولوْ كنتَ بينَ قومٍ عبرانيّينَ وأرادوا أن يشيروا لك إلى شخصٍ بعينِهِ بأنه السيءُ فيهم، أو بأنهُ سيّئهم، فإنهم يقولون عنهُ : "راعينو" רענו (ra'aino, ra3aino ـ أيْ: هوَ سيئُنا أو أسوء رجل فينا


لذا فقد كان اليهود يقولون للنبى : راعينو רענו (ra'aino, أي: يا سيّئَنا، أو : يا أيّها السيءُ فينا ومن بيننا.

أو كانوا يقولون : "راعْنا"، بتسكين العين على أصلِ كلمة "راعْ" في لسانِهم. وهي أيضاً بمعنى : يا سيّئنا، أو : أيها السيءُ فينا ومن بيننا. --- من كتاب : التفسير الغائب / تأليف: عطية زاهدة



ولكن لآن الله هو العليم الحكيم سبحانه ولآن الله يعلم اللغات كافة لآنها من صنعه وعلمه سبحانه فقد فضح أمرهم للنبى وبين المؤمنين ليعلم النبى سوء ما يفعلون وليعلم الكافرين من اليهود أن سيدى محمد رسول الله ولاريب بذلك والدليل : أنهم مهما أسروا السوء كان الله يفضحهم






مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّـهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿١٠٥﴾ --واعلموا إيها المؤمنين وعلى رأسكم سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم أن الكافرين من أهل الكتاب وكذلك المشركين من عبدة الأصنام وغيرهم قد كرهوا نزول القرءان من عند الله علي رسولكم محمد صل الله عليه وسلم -- وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ : ولكن الله وحده من يختار من عباده من ينزل عليه رحمة منه -- وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ : والله تبارك وتعالى صاحب الفضل العظيم على جميع من وما خلق وهو سبحانه يقسّم رحمته وفضله بين العباد كيفما شاء وبما يشاء وبقدر ما يشاء ووقتما يشاء وليس لمخلوق إيا كان أن يغير ذلك أو يبدله أو يعترض عليه فالله لا يسأل عما يفعل وجميع خلقه منه سيسألون ويحاسبون
( مَّا يَوَدُّ : لا يرغب ولا يحب
أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم : إن يهبكم الله من السماء
مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ : من بعض خيرات الله والمقصود هنا : القرءان الكريم أعظم الخيرات عند المؤمنين فهو الهداية العظمى، وبه جمع الله شملهم ووحّد شعوبهم وقبائلهم، وطهّر عقولهم من زيغ الوثنية، وأقامهم على سنن الفطرة )










مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٦

أرجو الآنتباه لتفسير هذه الآية المباركة لآن بها الرد على العديد من القضايا بعصرنا الحالى والله المستعان :



مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا : هنا يرد الله جل وعلا على بعض المشككين بإيات القرءان الحكيم الذين يجدوا حكم الله بإية يأتى مختلفا بإية أخرى + يرد الله جل وعلا على بعض اليهود الذين أنكروا النسخ مع أنه موجود لديهم بالتوراة + يرد الله على بعض المدافعين عن القرءان ضد أحاديث تخالفه و الذين جانب بعضهم الصواب عندما أنكروا وجود النسخ فى القرءان الكريم + يرد الله على من ادعوا أنه كان يحق للرسول أو الصحابة أن ينسخوا حكم الله بالقرءان من تلقاء انفسهم + هو رد الله على من ادعوا ظلما وبهتانا : أن إية من القرءان أكلتها نعجة لذا لا نراها فى المصاحف ؟؟ !!!! -- قائلا بالحق سبحانه : إن الله ربكم تبارك وتعالى إذا أزال حكم بإية بأن ينزل حكما جديدا بإية أخرى يكن حكم الله الثانى مثل الأول أو خيرا منه موافقة للظروف القائمة بوقته -- وكذلك الحال عندما يجعل الله عباده ينسون حكم قد سبق العمل به -- أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ : واعلم يا رسول الله ويا عباد الله الحق من ربكم وهو : أن الله قادر على كل شئ فما أمره لشئ أراده ألا أن يقول له كن فيكون -- لذا إن أراد الله أن ينسخ إيه فله ما يشاء وليس للمؤمن سوى السمع والطاعة إن أراد الفلاح والفوز بالدارين -- وقد قال الله تبارك وتعالى ما يؤكد نفس المعنى بسورة النحل الكريمة قائلا بالحق سبحانه : وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ -- وفى هذا تأكيد أخر أكثر توضيحا على وجود النسخ فى القرءان الكريم مع توضيح أن الحكم بالقرءان إن تم نسخه ينسخ بإية أخرى تجدوها إيضا بالقرءان الكريم


( نَنْسَخْ : النسخ في اللغة الإزالة وحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع, إلى حكم آخر
نُنْسِهَا : نمحى العمل بها من قلوب العباد حتى ينسوها )
روي أن هذه الآيات الكريمه نزلت حين قال المشركون واليهود، ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، فقد أمر في حد الزاني بإيذاء الزانيين باللسان حيث قال : فَآذُوهُما
ثم غيّره وأمر بإمساكهنّ في البيوت حيث قال : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
ثم غيّره بقوله : فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
فما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضا -- ومقصدهم من ذلك الطعن في الدين ليضعفوا عزيمة من يريد الدخول فيه وينضوى تحت لوائه -- تفسير المراغى رحمه الله امين






أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿١٠٧ --
ويا رسول الله محمدا صل الله عليه وسلم ألم يعلمك الله بأن لله جل وعلا ملك السماوات والأرض يحكم كما يشاء ويقضى بما يريد ويرزق من يشاء بغير حساب ويمنع ما يشاء عن من يريد ويعز من يشاء ويذل من يشاء إى أن الكون بما فيه رهن مشيئة الله جل وعلا
لذا فالله وحده جل وعلا أن يقضى بما يشاء كيفما يشاء ووقتما يشاء وبقدر ما يشاء سبحانه جل وعلا ؟ -- وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ : لذا يا عباد الله تيقنوا بأنه لا يوجد أحدا من دون الله جل وعلا قادرا على أن ينصركم أمام قضاء الله وحكمه أو أن يتولى شؤنكم ويدبر ما فيه الخير لكم مثل : جلب النفع أو كف الضر ولهذا استمعوا لله جل وعلا وأطيعوه لعلكم تفلحون






أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١٠٨ --

يحذر ويعظ الله جل وعلا عباده المؤمنين بعهد النبى صل الله عليه وسلم قائلا بالحق سبحانه : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ : هل تريدون أن تفعلوا مع رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام ما كان يفعله اليهود مع رسول الله موسى عليه السلام فتضلوا كما ضلوا بغير الحق ؟؟؟ مثل : أنهم كانوا يطالبونه بتغير بعض الأحكام الشرعية تبعا لأهوائهم -- وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ : وذلك لآن من يعترض على حكم الله أو يرفض الطاعة والآستسلام لله رب العالمين فى الآمر والنهى يكن قد بدل الأيمان بالكفر فيضل الطريق الصحيح المعتدل المؤدى إلى رضوان الله جل وعلا ودخول جنات النعيم ويسلك بدلا منه طريق نهايته الجحيم


( سَوَاءَ : الوسط من كل شيء )










وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّـهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٩ -- ثم اظهر الله جل وعلا ما كان يخفيه أكثر اليهود بعهد رسول الله محمدا صل الله عليه وسلم وهو أنهم تمنوا أن يبعدوا المؤمنين عن الأيمان فيعودوا للكفر -- حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ : لأنهم كانوا يحسدون المؤمنين العرب لأن خاتم الأنبياء والرسل خرج من بينهم وليس من بنى إسرائيل كما تمنوا ويحسدونهم على القرءان المجيد المهيمن على باقى الكتب السابقة له وذلك بعدما عرفوا الحق يقينا وهو : أن القرءان كلام الله ومحمدا رسول الله صل الله عليه وسلم -- فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ : ثم أمر الله المؤمنين المتقين بأن يعفوا عن أهل الكتاب ويصفحوا عنهم إى يتركوا حتى عتابهم ولومهم على ما بقلوبهم من كره وحسد وحقد علي المؤمنين وذلك حتى يأتى أمر الله مثل : أن ينصرهم الله عليهم نصر عزيز مقتدر
( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا : الصفح أبلغ وأقوى فى المعنى من العفو، لأن العفو هو عدم المؤاخذة مع إمكانية بقاء أثر ذلك في النفس، أما الصفح فهو التجاوز عن الخطأ مع محو أثره من النفس بقدر المستطاع )








وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٠

-- ثم أمر الله الحق عباده المؤمنين / المؤمنات قائلا بالحق سبحانه : وبعدما تصفحوا عن أهل الكتاب أقيموا الصلوات الخمس بوقتها وبالمسجد للرجال وادفعوا زكاة أموالكم --
وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ : واعلموا الحق يقينا وهو : أن كل عمل صالح تقدموه لله وحبا فى الله ستجدوا ثوابه وأجره كاملا وافيا بالدنيا ويوم القيامة لآن الله الحق يرى كل فعل / قول صالح ولن يضيع أجر صاحبه







وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١١١﴾ --


هنا يذكر الله الحق بعض هلاوس علماء اليهود والنصارى ومنها قولهم : لن يدخل الجنة ألا اليهود وهو قول اليهود -- لن يدخل الجنة ألا النصارى وهو قول النصارى --
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ : ولقد كانت تلك الآقوال مجرد أوهام وأمانى لا مكان لها بأرض الواقع لذا أمر الله الحق سيدنا رسول الله محمد صل الله عليه وسلم أن يقول لمن يزعم ذلك منهم : احضر لنا دليل من التوراة أو الآنجيل يثبت صدق ما تزعم

( أَمَانِيُّهُمْ : مفردها أمنية وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه، والعرب تسمى كل ما لا حجة عليه ولا برهان له : تمنيا وغرورا )






بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١١٢ --




ثم بيّن الله الحق للجميع : مسلمين / نصارى / يهود -- أن من كان منهم مؤمن بالله حق الآيمان فسلم نفسه لله وأطاع ما أمره الله به فكان بهذا من المحسنين الذين أحسنوا لآنفسهم بطاعة ربهم الله الحق فإن له أجره
عند الله بالدنيا وبالآخرة ولا خوف عليه من أن يقع عليه غضب الله ولعنته ولن يحزن يوم القيامة يوم الحزن الآعظم لكل من تكبر على الله وعصاه حتى مات على ذلك دون توبة أو اصلاح للنفس أو العمل

( أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ : إى أنقاد وأخلص لله في القول والعمل والوجه هنا تشبيه يقصد به : العقل والقلب والنية والجوارح )






وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّـهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١١٣﴾ --
وقد كان وما زال من أقوال اليهود :
أن النصارى عقيدتهم غير صحيحه وكتابهم الأنجيل ليس كتاب سماوى ورسولهم عيسى ليس رسول ولذلك فهم ليسوا على الدين الصحيح -- كما كان وما زال من أقوال النصارى المثل وهو : أن اليهود ليسوا على الدين الصحيح -- وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ : ولقد كانا يفعلان ذلك وفريق منهم يقرأ التوراة الذى يبشر برسول يأتى بعد موسى من بنى إسرائيل وهو عيسى والفريق الثانى يقرأ الآنجيل الذى يؤكد أن الله أرسل عيسى ليتمم رسالة موسى عليهما السلام ورأسها التوحيد ومع ذلك كفر كلا الفريقان بكتاب الآخر ورسوله والفريقان كفرا بالقرءان ورسوله !!! -- كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ : ولقد قال الكافرون والمشركون الذين لا يعلمون شيئا عن الرسل / الكتب السماوية / حقائق التوحيد نفس قول اليهود والنصارى وهو : المسلمين ليسوا على الدين الصحيح إى أن أنكار الحق من الفئات الثلاث كان واحدا -- فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ : لذا ليس عليك يا رسول الله محمد صل الله عليه وسلم ألا أن تبلغهم جميعا رسائل الله بإيات القرءان المجيد وبعدها أتركهم لعقولهم وبالأخرة سوف يحكم الله جل وعلا بينهم ويظهر لهم حقيقة كل ما اختلفوا عليه وفيه






وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١٤ --


ينبه ويحذر ويعظ الله الحق عباده قائلا بالحق سبحانه : لا يوجد على وجه الأرض أنسان أكثر ظلما لنفسه ممن منع أن يذكر اسم الله العظيم بالمساجد وذلك على مر العصور ولمختلف الآسباب -- وَسَعَى فِي خَرَابِهَا : وكان ممن يسعون ويجتهدون لخراب ودمار بيوت الله -- أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ : فهؤلاء المجرمين المخربين الذين تجرأوا على فعل ذلك كان عليهم أن يعلموا بأنه ما كان لهم أبدا أن يدخلوا بيوت الله جل وعلا ألا وبقلوبهم الخوف والرهبة من خشية الله بدلا من أن يحدث العكس وهو أن يدخلوها بنية الخرابوكأن الله غافلا عما يعملون سبحانه -- لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ : لذا وعد الحق من الله : أن لهؤلاء المخربين فى الدنيا الخزى والعار وبالأخرة لهم عذاب إليم مهين خالدين فيه أبدا ولبئس المصير



( ومَنْ أَظْلَمُ : الاستفهام هنا للإنكار ويفيد النفي والمعنى : أي امرئ أشدّ تعديا وجراءة على الله ومخالفة لأمره
وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا : اجتهد فى خرابها بهدمها أو تعطيل شعائر الدين فيها
خِزْيٌ : الذل والعار والخسران المبين )






وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾ -


-
ولله ربنا العظيم يا عباد الله المشرق والمغرب إى مكان شروق الشمس وغروبها -- فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ : لذا بأى مكان ستكونوا به سواء للصلاة أو للعمل أو للدعاء أو لأى سبب خيرا أو شر فسوف تجدوا الله العظيم محيطا بكم بسمعه وبصره وعلمه سبحانه -- إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ : وذلك لأن ربنا الله العظيم واسع العلم بكل ما يجرى بالكون بما فيه ومحيطا بجميع من وما خلق سبحانه جل وعلا

( فَثَمَّ : فهناك
وَجْهُ اللَّهِ : يقصد به : أن الله العلى العظيم موجود بكل مكان سميعا بصيرا عليما وشهيدا سبحانه إى ليس المقصود أن لله الحق وجه كالبشر أو كباقى المخلوقات سبحانه فالله ليس كمثله شئ جل وعلا - والله الحق الآعلى والآعلم )






وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّـهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴿١١٦﴾ --


ثم أظهر الله الحق خطأ عظيم وقع به بعض طوائف الأنس والجن على مر العصور قائلا بالحق

سبحانه : قالت طائفة من النصارى بغير علم وبضلال مبين أن رسول الله عيسى ابن الله - وقالت اليهود بغير علم وبضلال مبين أن نبى الله العزير ابن الله - وقال بعض المشركين بغير علم وبضلال مبين أن الملائكة بنات الله -- وتعالى الله علوا عظيما وتنزه وتقدس عن أن يتخذ ولدا سبحانه -- لآن الحق الذى لا حق غيره هو أن كل من وما بالسماوات والآرض مجرد مخلوقات باختلاف أنواعها خلقها ودبر أمرها الأله العظيم الله لا شريك له وجميعهم خاضعون لمشيئته منقادين لرحمته وقضاءه وحكمه واقعا عليهم لا محالة وهو القاهر فوقهم جميعا طوعا وكرها سبحانه
( قَانِتُونَ : القنوت يعنى الخضوع والأنقياد )








بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿١١٧ -


-
وإن الله ربكم الحق الذى أبدع بصنع وخلق السماوات والأرض ومابهما من مخلوقات بكمال بالغ الدقة يستحيل أن يحتاج لولد أو لشريك أو لصاحبة سبحانه فالله هو الغنى عن العالمين والذى إذا : قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ : قضى وحكم وأمر وأراد إيجاد شيئا ما مهما كان فما على الله العظيم ألا أن يقول لهذا الشئ كن فيكون فورا

( بَدِيعُ : البديع : بمعنى المبدع، والإبداع : هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سابق
قَضى أَمْرًا : أراد إحداث أمر وإيجاده )






وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّـهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿١١٨﴾ -- وقد كان من شروط كفار ومشركى مكة لآعلان الأيمان : لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّـهُ : أن الله جل وعلا يكلمهم بدون رسول -- أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ : أو أن ينزل على رسول الله إيه مبصرة يروها بأعينهم مثل : مائدة سيدنا عيسى عليه السلام -- كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ : فأظهر الله العليم الحكيم للنبى أن نفس الأقوال التى تظهر مدى تكبر هؤلاء عن الأيمان بالحق قد قالها الكافرين من الآمم السابقة -- تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ : وذلك لآن جميعهم أصحاب قلوب تشابهت فى الكفر والتكبر والأعراض عن الحق -- قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ : ولقد اظهر وبيّن الله بإيات القرءان الكريم البراهين والآدلة التى تثبت لكل من يبحث عن الحق أن القرءان كلام الله المنزل على رسوله محمد صل الله عليه وسلم فمن شاء فاليؤمن ومن شاء فاليكفر






إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴿١١٩﴾ --


ثم خاطب الله سيدى رسول الله محمد صل الله عليه وسلم قائلا بالحق سبحانه : واعلم يقينا يا رسول الله أن الله ارسلك بالقرءان للأنس والجن كافة لتوصله وتفسره لهم ولتظهر ما خفى عليهم من العلوم الشرعية وحكم الله بكل ما اختلف حوله وعليه أهل الكتاب وغيرهم وبعدها : تبشر المؤمنين منهم بأن لهم الجنة هم فيها خالدون -- وتنذر الكافرين المصرين على بغيهم بأن لهم عذاب الحريق بالآخرة هم فيه خالدون --
وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ : ولن يسألك أو يحاسبك الله بعد البلاغ عما فعل أصحاب الجحيم أي لست مسئولا عنهم إنما عليك البلاغ وعلى الله الحساب






وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴿١٢٠ --


لفت الله الحق نظر النبى سيدى محمد صل الله عليه وسلم للحقيقة التالية قائلا بالحق سبحانه :
إن بعض اليهود والنصارى الذين أصروا على كفرهم بك وبالقرءان رغم علمهم بالحق لن يرضوا عنك ويكفوا عن أذيتك والأساءة لك ألا إن أتبعت عقيدتهم -- بمعنى : إن أعلن النبى اتباعه للديانة المسيحية تركه المسيحين وإن أعلن التهود تركه اليهود لحال سبيله --

قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى : لذا أمره الله جل وعلا بأن يقول لكلا منهم : إن الهدى بما أنزله الله العظيم على الأنبياء والرسل وبالكتب التوراة والأنجيل والقرءان الحكيم بالحق وليس ما أضفتموه وحرفتموه بكتبكم -- وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ : ثم حذر الله العظيم النبى قائلا : واعلم يا رسول الله محمد إنك إن أتبعت أهواء الضالين من أهل الكتاب بعد العلم الذى جاءك من الله بالقرءان الكريم بأن تقول على سبيل المثال : أنتم على حق إى أخبرتهم بما يودوا سماعه منك بدلا من قول الحق وقتها لن تجد نصرا من الله ولن يتولى الله أمرك بالحفاظ عليك من كيدهم ومكرهم كما يفعل سبحانه بالوقت الذى تطيع فيه الله
( تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ : تؤمن بعقيدتهم -- الطريقة المشروعة للعباد تسمي ملة لأن الأنبياء أملّوها وكتبوها لأمتهم ، وتسمى دينا لأن العباد انقادوا لمن سنها، وتسمى شريعة لأنها مورد للمتعطشين إلى ثواب الله ورحمته )






الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٢١﴾ --
ثم اظهر الله جل وعلا أن البعض من أهل الكتاب الذين نزل عليهم التوراة ومن بعده الأنجيل ومن بعده القرءان الكريم كانوا يتلون كتاب الله المنزل إليهم كل كتاب بزمنه مع رسل الله أسيادنا موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم حق القراءة إى يتبعون قوانين وشرائع الله بالكتاب السماوى وهؤلاء هم المؤمنين حقا الذين وعدهم الله جل وعلا بحسن الأجر والثواب بالدنيا وبالأخرة -- وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ : أما من كفر منهم بكتاب الله ورفض طاعة ما جاء به من الحق فهؤلاء هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم ونعيم عظيم بالأخرة ورضوان من الله أكبر لو كانوا يفقهون
( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ : أي يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله, ويحرمون حرامه, ويعملون بمحكمه, ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب السماوى على مر العصور )






يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿١٢٢

--
يذكر الله جل وعلا عباده من بنى إسرائيل أكثر أهل الأرض كفرا وأعراضا عن الحق بالنعم التى لا تعد ولا تحصى التى أنزلها عليهم مثل : أن أكثر الرسل والأنبياء كانوا منهم ولهم + كلما سألوا الله شيئا رد عليهم عن طريق الرسل والآنبياء وغير ذلك الكثير -- وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ : وأن الله بهذا يكن قد فضلهم بعض الوقت على العالمين من الأنس والجن







وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿١٢٣ --


و
خافوا يا بنى أسرائيل من الله رب العالمين ومن يوم الحساب الذى إذا جاء لن تحاسب نفس عن عمل نفس أخرى -- ولن تقبل من نفس فدية تقدمها لله لتنجى من سوء المصير وهذا تشبيه يظهر به الله أنه لا أمل لهم نهائيا بالنجاة -- وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ : ولن يقبل الله الشفاعة ألا للمؤمنين أما أصحاب الجحيم فسيحرموا منها لذا لن يستطيع أحد أن ينصر هؤلاء الظالمين بأن ينجيهم من سوء العذاب الآليم المهين



( وَاتَّقُوا يَوْمًا : وخافوا من يوم الحساب
لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا : لا تقضى فيه نفس عن نفس شيئا من الحقوق التي لزمتها
عَدْلٌ : فدية
وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ : لن تنفعهم شفاعة الآنبياء / الملائكة / الصالحين من عباد الله لآن الشفاعة لن تقبل ألا من المؤمنين / المؤمنات وللمؤمنين و المؤمنات
وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ : ولن يأتيهم ناصر ينصرهم بأن يمنع عنهم عذاب الله إذا نزل بهم )






وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿١٢٤ --

يظهر الله الحق أجمل نموذج للآيمان والتقوى قائلا بالحق سبحانه :
ولقد اختبر ربنا الله العظيم صدق إيمان رسوله وخليله سيدى إبراهيم عليه السلام بالأوامر : أفعل والنواهى : لا تفعل فأتم سيدنا إبراهيم الطاعة لله رب العالمين على أحسن وجه -- قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي : فأكرمه الله فى الآولين والآخرين قائلا بالحق سبحانه : سأجعلك رسولا أماما للناس بحياتك وبعد موتك ليوم القيامة فيكن على المؤمن فيهم أن يتبع خطاك فى الأيمان والطاعة لله فى السراء والضراء والآمر والنهى مع صلاح النفس والعمل -- ففرح سيدنا إبراهيم بهذا العطاء والتكريم ثم أراد المزيد لذا طلب من الله العظيم أن يجعل من ذريته أئمة للناس مثله -- قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ : فرد الله الحق بالحق والعدل قائلا : قد استجبت لدعاءك يا إبراهيم ولكن اعلم أن الظالمين من ذريتك لن ينالوا الآمامة والرسالة ولن يكونوا قدوة للناس لآن من ظلم نفسه لن يفلح بهداية غيره

( ابْتَلَىٰ : اختبر
بِكَلِمَاتٍ : بالآوامر والنواهى
فَأَتَمَّهُنَّ : فقام بهنّ خير قيام وأدّاهنّ أحسن التأدية
إِمَامًا : رسولا يؤتمّ به، ويقتدى بهداه إلى يوم القيامة )






وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿١٢٥ -

-
ولقد جعل الله ربنا الحق البيت الحرام مكان ومرجع للعباد يتوبوا فيه عن ذنوبهم ويتقربوا فيه إلى الله بأداء مناسك الحج والعمرة ومختلف العبادات ما كان منها فرضا بالآضافة للسنن والتطوع -- وَأَمْنًا : ومكان للأمان والسلام يحرم ويجرم به فعل المنكرات والفواحش من القول والعمل وكل من يدخله فهو أمن ألا من ظلم نفسه بفعل ما يوجب عقابه ويحكم بذلك أولى الأمر المعنيين بذلك بالمملكة -- وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى : ثم أمر الله العظيم عباده المؤمنين بأن يتخذوا من مقام إبراهيم عند الكعبة المكرمة مصلى -- ويحتمل أن يكون المراد بذلك ركعتى الطواف اللتان يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم سنة عن النبى صل الله عليه وسلم -- وهو ما جاء بتفسير ابن كثير رحمه الله امين : عن جابر قال : استلم رسول الله صل الله عليه وسلم الركن ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم ، فقرأ : - وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى -- فجعل المقام بينه وبين البيت ، فصلى ركعتين جزء من حديث طويل رواه مسلم في صحيحه


ويحتمل أن يكون المقام هو ما يضم الشعائر كلها مثل : الطواف والسعي والوقوف بعرفة وغير ذلك من مناسك الحج فيكون قول الله تبارك وتعالى ( مُصَلًّى ) يعنى : معبدا -- فيكن المعنى : اقتدوا برسول الله إبراهيم في أقامة شعائر الحج حسبما كان يفعل ولعل هذا المعنى أولى لدخول المعانى كلها فيه والله تبارك وتعالى الأعلى والأعلم -- وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ : وقد أمر ووصى الله جل وعلا عبده ورسوله إبراهيم ومعه ابنه نبى الله إسماعيل عليهما السلام بأن يطهرا الكعبة المكرمة وما حولها من أثار الشرك مثل : التماثيل ليكون بيت الله الحرام معدا كأكرم وأقدس مكان للعبادة وذلك : لِلطَّائِفِينَ : لمن يطوفون حول الكعبة المكرمة -- وَالْعَاكِفِينَ : وللمعتكفين وهم المنقطعين عن الدنيا للعبادة لفترة زمنية يحددوها بأنفسهم -- وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ : ولمن يركعون ويسجدون بوقت أقامة الصلوات لله رب العالمين
( عَهِدْنَا : وصّينا وأمرنا بعد أخذ العهد على الطاعة
مَثَابَةً : أي ملجأ أو موضع ثواب
مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ : الحجر الذى كان يقف عليه ليرفع عمدان الكعبة -- ويحتمل أن يكون المقصود كل مكان بالكعبة لآنك حين ترفع بناء تقف بكل مكان حوله وبه حتى تتم بناءه والله الحق الآعلى والآعلم )




4 
مجدى سالم





وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٢٦ --ولقد كان من دعاء خليل الله إبراهيم عليه السلام الآتى : يارب العالمين اجعل بأذنك ورحمتك مكة المكرمة بلدا أمنة مطمئنة لا يمسها معتدى بسوء ولا يصيبها ما يصيب بعض البلاد مثل : البراكين -- وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ : ويارب ارزق اهلها المؤمنين بالله واليوم الأخر بمختلف أنواع الثمرات -- قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ : فرد الله الحى القيوم قائلا : أن ربك الله الحق لن يرزق فقط المؤمنين بالله واليوم الأخر كما طلبت بل سيرزق إيضا الكافرين بمختلف أنواع الرزق اللازم لمعاشهم حتى يأتيهم الموت ثم رغم أنفهم بالآخرة سيدخلوا عذاب الحريق بجهنم لآنهم رفضوا فى الدنيا بأصرار الآيمان بالله الواحد الآحد وطاعته سبحانه -- وَبِئْسَ الْمَصِيرُ : وما اسوءه من مصير اختاروه لآنفسهم لو كانوا يفقهون


( الثَّمَرَاتِ : المأكولات مما يخرج من الأرض والشجر تزرع بأرضهم أو تصلهم من شتى بقاع الآرض وهو ما نراه بالسعودية بوضوح أستجابة لدعاء خليل الله إبراهيم عليه السلام
فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا : فأمده بالرزق يتمتع به مدة وجوده في الدنيا لآنه ليس للكافر رب غير الله يرزقه ولكنه من الجاهلين
أَضْطَرُّهُ : أرغمه وأضطره رغما عن أرادته دون أن يكون له القدرة على الهرب أو النجاة من عذاب الحريق )






وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٢٧ --
وقد كان من دعاء سيدنا إبراهيم وأبنه نبى الله إسماعيل عليهما السلام عندما كانا يرفعان عواميد وحوائط الكعبة المكرمة فوق قواعدها الثابته بالأرض :
يارب العالمين تقبل منا هذا العمل خالصا لوجهك الكريم إنك يا الله سميعا للدعاء عليما بالعمل والنوايا سبحانك
( يَرْفَعُ : إى يضع حجر على حجر حتى يرتفع بناء الكعبة
الْقَوَاعِدَ : مفردها قاعدة بمعنى ما يقعد ويقوم عليه البناء من الأساس ورفعها بمعنى البناء عليها )






رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٢٨ -


-
دعاء لابد وأن يحفظه كل مسلم / مسلمة لآنه دعاء جميل للنفس وللآبناء ومعناه : يارب العالمين بفضلك وجودك اجعلنا من المسلمين المستسلمين لك وثبتنا على ذلك حتى الممات وبرحمة من لدنك وفضلا اجعل من نسلنا أمة من المسلمين لك وعلمنا مناسك وشعائر العبادات كافة واغفر لنا ذنوبنا واعفو عن العقاب إنك يا الله التواب على التائبين المستغفرين من عبادك وأنت يا الله الرحمن الرحيم الذى وسعت رحمته كل شئ سبحانك

( مَنَاسِكَنَا : المناسك مفردها منسك من النسك وهو غاية الخضوع والعبادة والتعبد وشاع استعماله في معالم الحج وأعماله ولكنه هنا بمعنى العبادات والشعائر على أختلافها )






رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٢٩﴾ --


-
وقد أكمل رسول الله إبراهيم وابنه نبى الله إسماعيل باقى دعائهما الكريم قائلان : ويارب العالمين ابعث من بين ذرياتنا رسولا منهم يتحدث بلغتهم معروفا لديهم بالصدق والأمانة وحسن الخلق لكى يصدقوه عندما يخبرهم بأنه رسول من الله لهم -- يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ : ليتلو عليهم إيات الكتاب السماوى الذى سترسله له ولقومه رحمة من لدنك وهدى ونور -- وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ : وليعلم قومه وغيرهم العلوم الشرعية من الكتاب السماوى -- وَالْحِكْمَةَ : والحكمة من حسن الأيمان وطاعة ما شرع الله من حلال وحرام وخلاصتها : إن طاعة الله هى السبيل الوحيد للنجاة والفلاح والفوز بالدارين -- وَيُزَكِّيهِمْ : لتطهر نفوسهم من الشرك والمعاصى -- إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : وتقبل دعائنا يا الله فإنك العزيز الذى لا يغلبه غالب القادر على كل شئ وأنت يا الله الحكيم بقولك وحكمك وعملك وصفاتك وأسمائك وقضاءك وكل ما يأتى منك يا الله أو يتعلق بذاتك العليا يكن بالحكمة البالغة سبحانك -- وقد أستجاب الله جل وعلا لرسول الله إبراهيم فخرج من ذريته رسول الله موسى ومعه التوراة - ورسول الله عيسى ومعه الأنجيل - ورسول الله محمد ومعه القرءان - وكذلك جعل معظم الأنبياء والرسل من ذريته الكريمه -- كما استجاب الله العظيم لنبى الله إسماعيل فخرج من ذريته رسول الله محمد ومعه القرءان الكريم صلوات الله وسلامه عليهم جميعا








وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٣٠


--
يحذر ويعظ الله جل وعلا عباده قائلا بالحق سبحانه : إن من يرفض أو يتكبر أو يعرض أو يتعالى عن اتباع ملة إبراهيم إى طريقته فى العبادة والخضوع لله الحق قولا وفعلا وبجميع الأحوال فقد أذل نفسه واساء لها وظلمها ظلما عظيما -- وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا : وذلك لأن حسن عبادة سيدنا إبراهيم لله الحق قد جعلته من عباد الله المختارين لحسن ثواب الدنيا ومن ذلك نجد : جعل ولديه إسماعيل واسحاق وحفيده يعقوب من أنبياء الله وغيرهم الكثير من ذريته المكرمه + جعلته ينال شرف رفع قواعد البيت الحرام بيده الشريفه ومعه ابنه نبى الله إسماعيل عليهما السلام وغير ذلك الكثير -- وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ : وبالأخرة سيكن من عباد الله الصالحين الذين لهم الخلود بخير مقام بجنات النعيم -- لذا من ترك ملته وطريقته فى العبادة فقد خسر الخسران العظيم ولن يفعل ذلك ألا سفيه لا يملك العقل والأدراك لما فيه الخير له بالدنيا وبالآخرة



( سَفِهَ نَفْسَهُ : جهِلها أو امتهنها واستخفّ بها
اصْطَفَيْنَاهُ : مشتق من الصفوة ومعناه تخير الأصفى، والمراد اصطفاؤه بالرسالة والخلة والإمامة )






إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٣١ -


-
ولقد أمره الله العظيم قائلا : يا إبراهيم أسلم نفسك لله ربك الحق فقال : اسلمت واستسلمت لله رب العالمين وكان قوله موافقا لفعله فكان عليه الصلاة والسلام مطيعا محبا موحدا عابدا لله رب العالمين رافضا لكل ما يبعده عن طاعة الله جل وعلا







وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿١٣٢ --
وقد وصى رسول الله إبراهيم ولديه نبى الله إسماعيل ونبى الله أسحاق وكذلك حفيده نبى الله يعقوب عليهم السلام جميعا قائلا : يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ : يا أبنائى إن الله جل وعلا قد اختار لكم الدين عند الله الأسلام وفصّل لكم شرائعه بأحكام فلا تبتعدوا عن طاعة ما شرع الله لكم لحظة واحدة حتى لا تموتوا على غير الأسلام فتكونوا من الخاسرين أصحاب الجحيم




ملاحظة هامه : معنى قول الله الحق : فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ : كونوا على السمع والطاعة لله طيلة الوقت حتى إذا حضر أحدكم الموت فجأة يموت على الطاعة فيكن من المفلحين بأذن الله وفضله






أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٣


--
توبيخ وتأنيب من الله الحق لبعض أهل الكتاب الذين افتروا الكذب على الله ورسله قائلين : إن إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب كانوا على ملة اليهود وهو قول اليهود – وعلى ملة النصارى وهو قول النصارى وقد نسوا أو تناسوا جميعا أن أسيادنا إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب كانوا جميعا قبل ظهور اليهودية والنصرانية لذا رد الله الحق عليهم قائلا : أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ : هل كنتم حاضرون وقتما جاءت سكرات الموت لنبى الله يعقوب عليه السلام فجمع أولاده وسألهم ليطمئن قلبه وليخلص عمله أمام الله رب العالمين قائلا وموصيا : مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي : من الأله الذى ستعبدوه من بعدى ؟؟؟ بمعنى أنهم كانوا يعبدون الله بحياة أبيهم فهل سيظلوا هكذا بعد موته أم سينقلبوا على أعقابهم خاسرين ؟؟؟ -- قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ : فردوا قائلين : سنعبد الأله الواحد الأحد الله العظيم الذى عبدته أنت وءاباءك من قبلك إبراهيم جدك وأسحاق أباك وإسماعيل عمك فالله هو الأله الواحد الآحد الذى نحن لعبادته وطاعته مسلمون ومستسلمون حتى الموت



( شُهَدَاءَ : حاضرون تشهدون الوصية
حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ : حضور الموت يعنى : حضور أماراته وسكراته )




تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴿١٣٤ --
وأن تلك الأمة الصالحة المصلحة فى الأرض والتى تضم سيدنا إبراهيم وولديه وحفيده قد أنتهى أمرهم بوفاتهم ولهم أجر ما كسبت إيديهم من الأعمال الصالحة -- وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ : ولكم أنتم أجر وعقاب ما كسبت إيديكم من خير وشر -- وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ : ولن يسألكم الله جل وعلا عن ما كانوا يفعلون لذا لا تتحججوا بهم ولا تلقوا عليهم بالآفتراءات الكاذبة فقط لتبرروا أصراركم على الكفر والطغيان يا أهل الكتاب


( خَلَتْ : مضت وذهب زمانها )






وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٣٥﴾ --
ولقد كان اليهود والنصارى يقولون للنبى صل الله عليه وسلم والمؤمنين معه :


كونوا على ملة وعقيدة اليهود تهتدوا للطريق المستقيم وتفلحوا وهو قول اليهود -- كونوا على ملة وعقيدة النصارى تهتدوا للطريق المستقيم وتفلحوا وهو قول النصارى -- قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : فأمر الله الحق رسوله بأن يبلغهم الحق من عند الله ربهم قائلا : اعلموا أن المهتدى المفلح منكم هو فقط من سيتبع طريقة سيدنا إبراهيم فى العبادة وملخصها : آنه لم يكن من المشركين ولم يحرف كلام الله ولم يساوى بقلبه بين الله وأحد المخلوقات إيا كان وكان قائما على التوحيد والسمع والطاعة لله الواحد الآحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ما أحياه الله
ملاحظة : الله جل وعلا أمرهم باتباع ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام تحديدا لآنه الرسول الوحيد الذى لم تختلف على نبوته الفرق الثلاث
( حَنِيفًا : المائل، وأطلق على سيدى إبراهيم لأنه خالف الناس جميعا بزمنه ، ومال عن الكفر إلى الإيمان )




قُولُوا آمَنَّا بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ --


ثم أمر الله الحق رسوله والمؤمنين / المؤمنات بأن يقولوا قولا وفعلا الآتى
: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا : أمنا بالله إله واحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وبالقرءان الكريم كلام الله المهيمن على ما قبله من وقت نزوله وإلى يوم القيامة -- وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ : ونؤمن بما نزل على أسيادنا إبراهيم وإسماعيل وأسحاق ويعقوب والأسباط مثل : عقيدة التوحيد -- وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى : ونؤمن بأن التوراة التى نزلت على سيدنا موسى والأنجيل الذى نزل على سيدنا عيسى كلاهما من الكتب السماوية -- وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ : ونؤمن بكل ما جاء من عند الله للأنبياء والرسل مثل : المعجزات - لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ : ولا نفرق بين رسل وأنبياء الله فنحن نؤمن بهم جميعا ونوقرهم ونحترمهم -- وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ : ونحن لله الحق من المسلمون المستسلمون لله رب العالمين



( وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا : القرءان
وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ : التوحيد وبعض مناسك العبادة مثل : الحج والصلاة
وَالْأَسْبَاطِ : مفردها : سبط، وسبط الرجل ولد ولده، والأسباط : من بني إسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم )






فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّـهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٣٧ --

ف
إن ءامن أهل الكتاب بمثل ما ءامن به الرسول والمؤمنين فقد اهتدوا إلى طريق الله المستقيم -- وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ : وإن رفضوا أن يتبعوا ما أنتم عليه من الحق معك يارسول الله محمد فلا تهتم بشأنهم لأنهم فى جانب والحق بجانب أخر -- فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ :

ولا تخف يا سيدنا رسول الله منهم فسوف يحفظك الله بقدرته من شرهم وكيدهم ومكرهم وينصرك عليهم نصر عزيزا مقتدر فالله جل وعلا هو السميع لما يقولون بألسنتهم سرا وعلانية -- والله الحق هو العليم بمكرهم وحسدهم وبغضهم لك لذا سوف يجعل كيدهم فى تضليل ولن يضروا ألا أنفسهم وبالأخرة لهم عذاب إليم مهين
( شِقَاقٍ : مأخوذ من الشّق وهو الجانب بمعنى : أن أمرهم يكون محصورا في المشاقّة والعداوة وكل ما يوسع مسافة الخلاف بينكم وبينهم
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ : فسيكفيك ويحفظك الله من إيذاءهم وسيّئ مكرهم )






صِبْغَةَ اللَّـهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴿١٣٨ --
وإن الله الحق قد جعل الأسلام ذو شرائع قوية متماسكة متكاملة مثل الصبغة التى تصبغ الثوب فتلتصق به ولا تترك ذرة منه دون لون وهذا تشبيه يظهر الله به دقة تدبيره وأحكامه وتفصيله لمختلف شرائع هذا الدين -- وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً : سؤال أستفهام أنكارى من الله الحق يقول به عز وجل القائل : ومن أحسن من الله صنعا لدين متكامل محكم فصّل لدن عليم حكيم سبحانه ؟؟؟؟ -- وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ : وبعدما تقروا إيها المؤمنين بحسن صنع الله العظيم للدين وشرائعه أعلنوا إيمانكم واستسلامكم لله الحق رب العالمين -- بمعنى بسيط : إن الله الحق قد جعل الدين عند الله الأسلام دين قائم على التوحيد ومكارم الأخلاق وصفاء النفوس وطهرها والأعمال و الآقوال الصالحة والآصلاح فى الآرض وبين الناس -- ولن يصنع دين مثل هذا ألا الآله الواحد الله جل وعلا فإن ءامنوا بذلك اهتدوا وإن لم يفعلوا فسينبئهم الله بما كانوا يفعلون يوم الحساب ولن يلوموا ألا انفسهم
( صِبْغَةَ : الصبغة في اللغة اسم لهيئة صبغ الثوب وجعله بلون خاص )






قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّـهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴿١٣٩ -- أمر الله الحق رسوله سيدى محمد أن يسأل أهل الكتاب سؤال استفهام أنكارى قائلا بالحق سبحانه : هل تجادلوننا بغير الحق دفاعا عن عقيدتكم الباطلة وأنتم تعلمون يقينا أن الله هو ربنا وربكم إى أن مصدر الدين واحد فالماذا تجادلون وتنكرون الحق بعدما قدم الله لكم البراهين على صدق ما جاءكم مع رسوله محمد ؟؟ -- وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ : ونحن نؤمن ونقيم ونؤدى مناسك العبادة بالطريقة التى أوحى الله بها لرسوله سيدى محمد - وأنتم لكم شرائعكم التى علمها لكم رسل الله وأنبياءه على مر العصور -- وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ : ولكن نحن أخلصنا لله فى العبادة ولم نحرف كتابنا ولم نبدل مناسكنا وأوفينا بعهدنا مع الله -- أما أنتم فلم تفعلوا والدليل : أخذ الله عليكم عهدا على ألسنة الرسل والآنبياء بأن تكونوا أول من يؤمن بالرسول أو النبى المرسل من الله لكم وذلك وصولا للآيمان ومؤازرة ونصر الرسول الخاتم وكتاب الله المرسل معه فوافقتم وتعهدتم لله بالسمع والطاعة جيلا بعد جيل حتى إذا أرسل الله الرسول الخاتم محمد ومعه خاتم الكتب السماوية القرءان نقضتم العهد وأعلنتم الكفر والجحود وأنتم تعلمون -- وتوضيح ذلك نجده بقول الله الحق بسورة المائدة الكريمه من الآية 12 إلى الآية 16
ملاحظة هامه : قول الله الحق : وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ -- المقصود به : سيدى رسول الله محمد صل الله عليه وسلم والمؤمنون معه على نفس المنهج الآلهى -- إى ليس المقصود المسلمين بشكل عام لآن من المسلمين اسما من اتبع نفس خطوات الشيطان التى اتبعها أكثر اهل الكتاب
( أَتُحَاجُّونَنَا : المحاجة هي المجادلة بين اثنين فأكثر وغالبا ما تتعلق بالمسائل الخلافية )






أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّـهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّـهِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٤٠ --وإن قولكم يا أهل الكتاب أن أسيادنا إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وهم أبناء سيدنا يعقوب كانوا من اليهود كما قال اليهود أو من النصارى كما أدعى النصارى رغم أنهم جميعا عاشوا وماتوا قبل ظهور اليهودية والنصرانية لهو باطل لا صحة ولا أصل له -- لذا أمر الله الحق رسوله بأن يقول لهم أنكارا وتوبيخا وتأنيبا : أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ : هل أنتم الأعلم بحقيقة ملة هؤلاء أم أن الآعلم منكم حقا هو الله الآله الواحد الذى خلقكم وخلقهم من قبلكم سبحانه ؟؟؟ -- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ : ويا أهل الكتاب إن الله ربنا الحق يعلم أن منكم من يعلم الحق تمام العلم وهو أن القرءان كلام الله و محمد رسول الله وأن التوحيد اساس الدين من بدأ الخليقة ولكنه لا يشهد بذلك رغم أن شهادة الحق من ضمن ميثاق وعهد الله معكم لذا لا يوجد من هو أظلم لنفسه ممن كتم تلك الشهادة منكم وهو يعلمها يقينا لأنه بذلك ظلم نفسه وظلم من اتبعه فى الضلال بغير علم -- وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ : واعلموا يقينا إن الله الحق لا يغيب عن سمعه وبصره وعلمه ما تفعلون وتقولون سرا وعلانية سبحانه






تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٤١ --

وللتأكيد مرة أخرى : إ
ن تلك الأمة الصالحة المصلحة فى الأرض أنتهى أمرهم بوفاتهم ولهم أجر ما كسبت إيديهم ولكم أنتم أجر أو عقوبة ما كسبت إيديكم من خير و شر -- ولن يسألكم الله الحق عن ما كانوا يفعلون فلا تتخذوهم حجة لتستمروا بغيكم فليس للآنسان ألا ما سعى -- لذا من أراد الفلاح عليه أن يتبع طريق الله المستقيم وعلى رأسه التوحيد والسمع والطاعة لله رب العالمين ومن أعرض عن ذلك فلا يلومن إلا نفسه يوم القيامة








سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٤٢﴾ -- يظهر الله الحق ما سيحدث من أصحاب الأراء المضطربة الذين ينكرون الخروج عن المألوف حتى ولو كان خطأ أو به أشد الضرر وحتى لو جاء التغير بفرض من الله قائلا بالحق سبحانه : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا : سيقول لك السفهاء يا رسول الله ما الذى جعلك تتحول عن الصلاة جهة المسجد الأقصى قبلة أغلبية الأنبياء والرسل من قبلك ؟؟؟ -- ثم أمر الله الحق رسوله سيدى محمد بأن يرد عليهم وقتها
قائلا : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ : إن لله المشرق والمغرب بمعنى من يصلى لله جل وعلا فالله موجود بكل مكان وبكل أتجاه ولله وحده أن يضع الشرائع ويسن القوانين ويحدد طرق عبادته بما إن الله وحده من سيعطى الأجر على الطاعة والله وحده من سيعاقب على المعصية والله وحده من يهدى ويرشد من يشاء من عباده إلى طريق الله المستقيم
ملاحظة : نزلت هذه الآية الكريمه لآعلان قرب تغير قبلة المسلمين عند الصلاة من جهة المسجد الأقصى بفلسطين إلى جهة المسجد الحرام بالمملكة العربية السعودية
( السُّفَهَاءُ : السفه والسفاهة بمعنى اضطراب في الرأي والفكر أو الأخلاق
مَا وَلَّاهُمْ : ما غيرهم وصرفهم وحولهم عن الصلاة تجاه القبلة التى اعتادوا عليها )








وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤٣﴾ -- ولقد تفضل الله الحق ومنّ عليكم يا أمة التوحيد والقرءان بأن جعلكم أمة وسط بكل شئ فلا أنتم جميعا قائمين على الكفر والعصيان والتكبر عن كل طاعة مثل : غالبية اليهود -- ولا أنتم جميعا مغاليين فى الدين مثل : النصارى -- لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ : وذلك لكى يشهد المؤمنين منكم بالحق على الناس بما فيهم المنافقين من المسلمين -- والشهادة تكون على هذا النحو : 1 - الحكم بالحق على إى مسألة تعلم يقينا حكم الله بها من القرءان الكريم أو من السنة الموافقة للقرءان مثل : تحريم الزنا -- 2 - الحكم بالحق والعدل بين الناس ولو كانوا أقرب الناس إليك ولو كنت أنت شخصيا الخصم والحكم -- 3 - بيان شرائع الدين لغير المسلمين وللمنافقين لأنك ستشهد عليهم يوم الحساب أمام الله الحق - ولهذه النقطة تحديدا شروط منها : أ // أن تعلم دينك تمام العلم حتى إذا تم سؤالك عن إى أمر يتعلق به يكن لديك الآجابة الصحيحه بأذن الله وعونه وإن كنت لا تعلم فسأل أهل العلم الموثوق بهم قبل أن تجيب – ب // يجب أن تكون علاقتك بهم طيبة خاصة أهل الكتاب حتى تكن لديك فرصة لدعوتهم للحق وحتى يتقبلوا منك النصح والمعلومة وحتى يروا من حسن معاملتك لهم كنموذج وعنوان للآسلام أن دينك دين قويم صحيح مصلح فى الآرض – ج // أن تكون طوال الوقت حاضرا للشهادة لله بالحق ولآحقاق الحق مثل : أن تبلغ المنافق أن : الكذب + نقض العهد + خيانة الآمانة + الفجر فى الخصومة من أهم علامات المنافق صاحب الدرك الأسفل من النار لعله يرتدع ويعود عن بغيه فتنال أنت ثواب هدايته إن تاب وأصلح نفسه وعمله أو تقيم عليه الحجة إن أصر على البغى وهكذا -- والخلاصة : عليك أن تكون حاضرا للشهادة بالحق ولآحقاق الحق والعدل كما علمك الله طيلة حياتك الدنيا وبكل الظروف لآنك بالأخرة ستشهد أما على نفسك بأنك كنت من الظالمين لكتمانك الحق عن علم وأما على غيرك بأنك أبلغتهم الحق من ربهم ثم تركت حسابهم على الله وهو المطلوب منك والمفروض عليك -- وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا : وليكون رسول الله سيدى محمد شهيدا عليكم يوم القيامة -- للتوضيح : سيشهد الرسول على من منكم قد اتبع القرءان وشرائع الله به كما علمكم الله ورسوله ومن منكم قد خرج عن الأيمان بابتداع ما يخالف الدين الصحيح -- وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ : ثم اخبر الله الحق رسوله بأن الله كان قادرا على أن يرسله للناس ومعه فرض أتخاذ الكعبة قبلة عند الصلاة من بداية الآمر -- ولكن الله الحق قد ترك القبلة جهة المسجد الآقصى لفترة زمنية ثم حولها للمسجد الحرام ليميز الله المؤمن الذى سيتبع فرض الله إيا كان من المنافق الذى سيجدها فرصة ليعلن فراره من التظاهر بالآيمان والتقوى -- وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ : والله الحق يعلم أن تحويل القبلة كان خطوة كبيرة شاقة نفسيا على المؤمنين لذا لن يقوم بها فورا طاعة لله ألا من هداه الله للفلاح والتقوى -- وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ : بيان من الله الحق يبشر به قلوب المؤمنين قائلا بالحق سبحانه : ولن يضيع الله إيمان المؤمنين أبدا لذا على الرغم من أن تحويل القبلة كان أمرا شاق نفسيا ألا أن الله الهادى قد هدى المؤمنين للسمع والطاعة فورا + من كان يصلى منهم جهة المسجد الآقصى ومات قبل أن يعلم بتغير القبلة لن يحاسبه الله العدل على ذلك -- إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ : لأن الله الحق رءوف لطيف رحيم بالناس كافة -- وإن كان الله العظيم رءوفا لطيفا رحيما بعباده البر منهم والفاجر / المؤمن منهم والكافر / المطيع منهم والعاصى فكيف برحمته على من ءامن وأطاع واصلح نفسه وعمله لوجه الله العظيم سبحانه ؟؟
( يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ : رجع القهقري وولّى مُدبرا إى ارتدّ عن الإسلام عند تحويل القبلة إلى الكعبة )






قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٤﴾ --

يخاطب الله الحق سيدى رسول الله قائلا :
إن ربك الله الحق قد رأى قلبك وبصرك يا رسول الله محمد وهما يقلبان النظر ما بين جهة المسجد الأقصى بفلسطين وجهة المسجد الحرام بالسعودية فعلم الله وهو العليم الحكيم رغبتك وأمنيتك أن تتحول القبلة عند الصلاة لجهة المسجد الحرام -- فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا : لذا سيحول الله قبلة الصلاة لجهة القبلة التى ترضيك -- فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ : فاتجه بوجهك وجسدك عند الصلاة لجهة البيت الحرام بمكه -- وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ : وإينما كنتم إيها المؤمنين عندما يحين وقت أقامة الصلاة اتجهوا نحو البيت الحرام كقبلة لكم إلى يوم القيامة -- وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ : واعلم يا رسول الله أن أهل الكتاب على يقين أن تلك القبلة هى الحق من عند الله ربهم لآن تغير القبلة مذكور بكتبهم السماوية كعلامة من علامات صدق نبوة خاتم الآنبياء والرسل -- وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ : وتيقن يا رسول الله ويا علماء أهل الكتاب من أن الله الحق ليس غافلا عن كل ما تقومون به من التشكيك بالدين الحق وأنتم على علم تام بسوء وخطأ ما تفعلون
( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً : لنحولنّك إلى قبلة عند الصلاة
تَرْضَاهَا : تحبها وترضيك
فَوَلِّ وَجْهَكَ : فاتجه بوجهك وجسدك وقلبك إى قلبا وقالبا
شَطْرَ : ناحية أو تجاه )






وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٥ --

واعلم يا رسول الله أنك إن أحضرت لأهل الكتاب كل برهان ودليل يثبت لهم صدقك كى يتبعوا قبلتك إى شرائع الدين كافة ومن ضمنها الصلاة جهة بيت الله الحرام : فلن يتبعوك لأن البغى والعند والتكبر عن الحق قد اضلوهم الضلال البعيد -- وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ : وأنت يا رسول الله لن تتبع عقيدتهم وشرائعهم ومن ذلك قبلتهم بوقت الصلاة -- وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ : ولن يتبع النصارى قبلة اليهود ولن يتبع اليهود قبلة النصارى فكل حزب بما لديهم فرحون -- وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ : وأحذر يا رسول الله أن تتبع ما يدعونك إليه من الضلال والباطل بعدما أنزل الله عليك العلم والدين الحق بالقرءان المجيد وأعلم إنك إن فعلت ذلك فستكون من الظالمين لأنفسهم الذين أعد الله لهم سوء العذاب الأليم المهين بالدنيا وبالآخرة



( آيَةٍ : برهان ودليل وحجة
أَهْوَاءَهُمْ : رغباتهم وما تهواه أنفسهم )






ملاحظة سريعة أخيره :




لمنكرى نبوة النبى محمد المتابعين معى مشكورين : رجل كاذب مدعى ما حاجته لآن يغير قبلة الصلاة وهو الآمر الذى جعل حتى بعض اتباعه يرتدون عن الآسلام ؟؟؟؟؟؟؟؟؟




ولماذا لم يعود للقبلة الآولى بعدما رأى أرتداد الكثيرون عن الآسلام إن كان من الكاذبين ؟؟




ورجل كاذب مدعى ما حاجته لآن يحدث نفسه بطريقة تظهر مدى ضعفه وقلة حيلته وأنه يعجز حتى عن تخليص نفسه من عذاب الله إن أخطأ أو خرج عن الطريق المرسوم له من الله ؟؟؟


الخلاصة : والله الذى لا إله ألا هو لم يكن سيدى محمد كاذب أو كاهن أو شاعر أو ساحر أو مدعى نبوة بل كان رسول الله خاتم الرسل والآنبياء عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام حتى يبعث حيا








الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤٦﴾ --

وبقول الحق يقول الله سبحانه وتعالى : إن علماء اليهود والنصارى يعرفون أن سيدى محمد هو رسول الله وأن القرءان كلام الله بنفس درجة يقينهم ومعرفتهم بأبناءهم وذلك لآن صفات النبى والعلامات التى تدل عليه قد عرفوها من كتبهم ولآن لديهم خبرة قوية بالكتب السماويه لذا من أسهل ما يكون عليهم أن يعلموا أن القرءان كلام الله المنزل على رسوله محمد خاتم الآنبياء والرسل --
وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ : وإن فريق من الآحبار والرهبان والحخامات وقلة من العامة قد اخفى هذا العلم واليقين لتظل امتهم على الضلال أما الفريق الآخر فقد انقسم بدوره لفريقان فريق ءامنوا بالله رب واحد وبالقرءان كلام الله وبسيدى محمد / موسى / عيسى عبده ورسوله وفريق كان ومازال على ضلاله لا يعلم من الحق شيئا





( الْكِتَابَ : التوراة / الآنجيل
لَيَكْتُمُونَ : يخفون الحق بعدما علموه يقينا )








5 
بسومه

جزاك الله خير أخي مجدي على التفسير والتوضيح
جعله فى ميزان حسناتك
وانار دربك بالايمان
ويعطيك العافيه على طرحك
ماننحرم من جديدك المميز

خالص ودي وورودي



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.