العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


فضلُ الصحابةِ في القرآنِ الكريمِ والسنة

فضلُ الصحابةِ في القرآنِ الكريمِ:
لقد اختار الله سبحانه لصحبة نبيه صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم نماذجَ فذَّةً من البشر؛ آمنوا به، وصدَّقوه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزِل معه، فكانوا من المفلحين في الدنيا والآخرة، بذلوا أنفسهم وأموالهم لنشر دعوة الإسلام، والذود عنها، فاستحقوا من الله عظيم الثواب، وحسن المآب، وحقَّ لهم أن يُخلَّد ذكرُهم في قرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة.
إنهم جميعًا شموسٌ أشرقت في سماء الإنسانية، فأناروا الدنيا، وملأوها عدلًا ورحمةً، بعد أن مُلئت جورًا وظلمًا، فكانوا خيرَ صَحْبٍ لخير نبي، أُرسِل لخير أُمَّةٍ أُخرِجت للناس.
ومن الواجب على الذين يأتون بعد الصحابة أن يرددوا بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] الآيات.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ} هم الذين هاجروا بعدما قَوِيَ الإسلامُ، أو التابعون بإحسان، وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا} أي: في الدين، الذي هو أعزُّ وأشرفُ عندهم من النسبِ، {الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} وصفوهم بذلك اعترافًا بفضلهم، {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا} هو: الحقد، {لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا} على الإطلاق، {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي مُبالِغٌ في الرأفةِ والرحمةِ، فحقيقٌ بأن تجيب دعاءنا".
وقال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب":إنَّ مِنْ شأن مَنْ جاء مِنْ بعد المهاجرين والأنصار، أن يذكر السابقين، وهم المهاجرون والأنصار، بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك، بل ذكَرَهم بسوء، كان خارجًا من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية.
وما أكثر الآيات التي وردت في القرآن الكريم تبيِّن فضل الصحابة الكرام، وسرعتهم في الاستجابة لأمر الله سبحانه، ونصرة النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم. ولا غرو؛ فهم الذين شرَّفهم الله بصحبة نبيه، والتبليغ عنه، وهم الذين كانوا رهبانًا بالليل، فرسانًا بالنهار.
وقد أثنى القرآن الكريم على الصحابة ثناءً عامًا، يشملهم جميعًا، ويشهد لهم بالفضل والإحسان. وثناءً خاصًا، يُفضِّل بعضهم؛ بسبقهم في الإيمان والإنفاق والجهاد.
فمن الآيات التي وردت في الثناء على الصحابة ثناءً عامًا:ـــ
قول الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
قال ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن محمد صلوات الله عليه، أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب، فقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ}، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، كما قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]، وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا بَرًّا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، وقال النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجَسَدِ بالحمَّى والسَّهَر"، وقال: "المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشُدُّ بعضُهُ بعضًا" وشبَّك بين أصابعه، وكلا الحديثين في الصحيح.

وقوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}؛ وصفهم بكثرة العمل، وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل، والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سَعَة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول، كما قال: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72]. وقوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}؛ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم} يعني: السَّمْتُ الحَسَن. وقال مجاهد وغير واحد: يعني: الخشوع والتواضع.

وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم. وقال بعض السلف: من كثُرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وقال بعضهم: إن للحسنة نورٌ في القلب، وضياء في الوجه، وسَعَة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان: ما أَسَرَّ أحدٌ سريرةَ إلا أبداها الله على صَفَحَات وجهه، وفَلتَاتِ لسانه.

والغرضُ أن الشيءَ الكامنَ في النفسِ يظهَرُ على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته. فالصحابة رضي الله عنهم خلُصَت نيَّاتُهُم، وحسُنَت أعمالُهُم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.

وقال مالك رحمه الله: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون: "والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا"، وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها: أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم، وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}، ثم قال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ}.
وجاء في "التفسير الوسيط": "ثم بيَّن سبحانه صِفَتهم في الإِنجيل فقال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ}، قوله: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ} معطوف على ما قبله وهو مثلهم في التوراة؛ والإِنجيل: هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيِّه عيسى عليه السلام. والشطء: فروع الزرع، وهو ما خرج منه وتفرع على شاطئيه، أي: جانبيه. وقوله: {فَئَازَرَهُ} أي: فَقَوَّتْ تلك الفروعُ أصولَها، وآزرتها، وجعلتها مكينة ثابتة في الأرض. وقوله: {فَاسْتَغْلَظَ} أي: فصار الزرع غليظًا بعد أن كان رقيقًا. وقوله: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} أي: فاستقام وتكامل على سيقانه التي يعلو عليها. وقوله: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} أي: يعجب الخبراء بالزراعة؛ لقوته وحسن هيئته.

والمعنى: أن صفة المؤمنين في الإِنجيل، أنهم كالزرع، يظهر في أول أمره رقيقًا ضعيفًا متفرقًا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتدَّ، وتعجب جودتُهُ أصحابَ الزراعة العارفين بها. فكذلك النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم وأصحابه، كانوا في أوَّلِ الأمرِ في قِلَّةٍ وضعفٍ، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة، حتى بلغوا في ذلك".
ومنها ــ أيضًا ــ قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
جاء في "زاد المسير" لابن الجوزي: "قوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} فيهم ستة أقوال:

أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم؛ قاله أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة.

والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم بيعة الرضوان، وهي الحديبية؛ قاله الشعبي.

والثالث: أنهم أهل بدر؛ قاله عطاء بن أبي رباح.

والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم حصل لهم السبق بصحبته. قال محمد بن كعب القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم، وأوجب لهم الجنة: محسنِهم ومسيئِهم، في قوله {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ}.

والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة سبقوا إلى ثواب الله تعالى؛ ذكره الماوردي.

والسادس: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة؛ ذكره القاضي أبو يعلى.
وقال "ابن كثير" في تفسيره: "يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم. وقال محمد بن كعب القرظي: مرَّ عمر بن الخطاب برجُلٍ يقرأ هذه الآية {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ}، فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأَكَ هذا؟ فقال: أُبَيُّ بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه. فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأتَ هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم، قال: وسمعتها من رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم؟ قال: نعم، قال: لقد كنت أرى أنا رُفِعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أُبَيُّ: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لْمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وفي سورة الحشر: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ} [الجمعة: 3]الآية، وفي الأنفال: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} [الأنفال: 75] الآية".
وقال "القرطبي" في تفسيره: "قال ابن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: الصفة؛ وهو الإيمان، والزمان، والمكان. وأفضلُ هذه الوجوه، سبقُ الصفات، والدليل عليه قوله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم في الصحيح: "نحن الآخرون الأولون، بيْد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غدًا والنصارى بعد غدٍ".

فأخبر النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم أن من سبَقَنَا من الأمم بالزمان، سبقناهم بالإيمان، والامتثال لأمر الله تعالى، والانقياد إليه، والاستسلام لأمره، والرضا بتكليفه، والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه، ولا نختار معه، ولا نبدِّل بالرأي شريعته، كما فعل أهلُ الكتاب، وذلك بتوفيق الله لما قضاه تيسيره لما يرضاه، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".
ومنها ــ أيضًا ــ قوله تعالى: {لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة [88: 89].
جاء في "التفسير الوسيط": "قوله سبحانه: {لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} استدراك لبيان حال الرسول صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم والمؤمنين، بعد بيان حال المنافقين. أي: إذا كان حال المنافقين كما وصفنا من جبن وتخاذل؛ فإن حال المؤمنين ليس كذلك؛ فإنهم قد وقفوا إلى جانب رسولهم صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم، فجاهدوا معه بأموالهم، وأنفسهم، من أجل إعلاء كلمة الله، وأطاعوه في السر والعلن، وآثروا ما عند الله على كل شيء في هذه الحياة.
وجاء في "فتح القدير" للشوكاني: "المقصود من الاستدراك بقوله: {لَـكِنِ الرَّسُولُ} إلى آخره: الإشعار بأن تَخَلُّفَ هؤلاء غيرُ ضائر؛ فإنه قد قام بفريضة الجهاد مَنْ هو خيرٌ منهم، وأخلصَ نيَّةً، كما في قوله: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89]. ثم ذكر منافع الجهاد فقال: {وَأُولَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} وهي: جمع خير، فيشمل منافع الدنيا والدّين، وقيل المراد به: النساء الحسان، كقوله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرحمن: 70].
وقال "القشيري" في تفسيره في قوله تعالى: {لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ...}: "ليس مَنْ أَقْبَلَ كمَنْ أعرض وصدَّ، ولا مَنْ قُبِلَ أَمْرُه كَمَنْ رُدَّ، ولا من وحَّدَ كمن جَحَد، ولا من عَبَدَ كَمن عَنَدَ، ولا مَنْ أَتَى كمن أَبَى. فلا جَرَمَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهم، وجَلتْ رُتْبَتُهم".
ومنها ــ أيضًا ــ قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
قال "ابن كثير" في تفسيره: "الصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه. وخير قرونهم هم الذين بُعث فيهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يلُونهم، كما قال في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: خيارًا {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]الآية".
وقال "القشيري" في تفسير قوله تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...}: لمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرفَ الأنبياء، كانت أُمَّتُه ــ عليه السلام ــ خيرَ الأمم".
قال ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة": اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة: بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم؛ فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه:

منها قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، فأثبت الله لهم الخيرية على سائر الأمم، ولا شيء يعادل شهادة الله لهم بذلك؛ لأنه تعالى أعلمُ بعبادِهِ، وما انطوَوْا عليه من الخيراتِ وغيرِها، بل لا يعلم ذلك غيره تعالى، فإذا شهد تعالى فيهم بأنهم خير الأمم، وَجَبَ على كُلِّ أحد اعتقاد ذلك، والإيمان به، وإلا كان مكذِّبًا لله في إخباره. ولا شكَّ أن من ارتابَ في حقِّيَّة شيء مما أخبر الله أو رسوله به، كان كافرًا بإجماع المسلمين.
وقال بعض العلماء: كنتم بمعنى "أنتم" خير أمة. وقيل: "كنتم في علم الله"، وقد روى بهز بن حكيم بن معاوية بن حيوة القشيري عن أبيه، عن جده قال: سمعت النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم يقول: "ألا إِنَّكُم تُوفُون تِسْعِين أُمَّةً أَنْتُم خَيْرُهَا وأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ" ومعلوم أن مواجهة رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم لأصحابه بقوله: "أَنْتُمْ خَيْرُهَا" إشارة بالتقدمة في الفضل إليهم على من بعدهم. والله أعلم.
وقال أبو سعيد الخدري: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] قرأها رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم حتى ختمها وقال: "النَّاسُ خَيْرٌ، وأَنَا وأَصحَابِي خَيْرٌ"، وقال: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفتحِ؛ ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ".

ومنها قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله حقيقة. فانظرْ إلى كونه تعالى خلقهم عُدُولًا وخيارًا؛ ليكونوا شهداء على بقيَّة الأُمَم يوم القيامة، وحينئذ فكيف يَسْتَشْهِد الله تعالى بغير عُدُول.
ونقل ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" عن ابن حزم قوله: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا؛ قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]، فثبت أن جميعهم من أهل الجنة، وأنه لا يدخُل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبتت لكل منهم الحسنى، وهي الجنة، ولا يُتوهَّم أن التقييد بالإنفاق أو القتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتَّصفْ بذلك منهم؛ لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب، فلا مفهوم لها على أن المراد من اتَّصفَ بذلك ولو بالقوة أو العزم.
ومنها ــ أيضًا ــ قوله تعالى: {قُلِ الْحُمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى...} [النمل: 59].
قال القرطبي في تفسيره: {قُلِ}: يا محمد، {الْحُمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} يعني: أمته عليه السلام، قال الكلبي: اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته، وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم.
ومنها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:74].
يقول أبو السعود في تفسيره: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} كلامٌ مسوقٌ للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلَّى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله تعالى: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} لا تبعةَ له ولا منة فيه.
وجاء في "التفسير الوسيط" بعد أن ذكر الآية: هذا كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار؛ إذ إن الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة قد ساقها الله ــ تعالى ــ لإيجاب التواصل بينهم؛ أما هذه الآية فقد ساقها سبحانه؛ للثناء عليهم والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حقَّ الايمان وأكمله؛ بخلاف من أقام من المؤمنين بدار الشرك، مع الحاجة إلى هجرته وجهاده.
قال الفخر الرازى: أثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار من ثلاثة أوجه:
أولها قوله: {أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فإن هذه الجملة تفيد المبالغة في مدحهم؛ حيث وصفهم بكونهم حقين في طريق الدين، وقد كانوا كذلك؛ لأن من لم يكن مُحِقًّا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال.
وثانيها قوله: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ} والتنكير يدل على الكمال، أي: مغفرة تامة كاملة.
وثالثها قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، والمراد منه الثواب الرفيع.
والحاصل: أنه ــ سبحانه ــ شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة؛ أمَّا في الدنيا فقد وصفهم بقوله: {أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}. وأما في الآخرة فالمقصود؛ إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب. أما دفع العقاب فهو المراد بقوله {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ}، وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
ومن الآيات التي أثنت على بعض الصحابة ثناءً خاصًا:
أولًا: ثناء الله على المهاجرين:
أثنى الله تعالى على الصحابة عامة وعلى المهاجرين خاصة ثناء خالدًا في آيٍات كثيرة تُتلى إلى يوم الدين؛ منها قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].
قال الإمام أبو السعود في تفسيره: "{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} حيث اضطرهم كفار مكة وأحوجوهم إلى الخروج، {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} من الديار والأموال، وقُيِّدَ ذلك ثانيًا بما يوجبُ تفخيمَ شأنِهِم ويؤكده: {وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: ناوينَ لنصرةِ الله تعالى ورسولِهِ. {أُولَئِكَ} الموصوفونَ بما فُصِّلَ من الصفاتِ الحميدةِ، {هُمُ الصَّادِقُونَ} الراسخونَ في الصدقِ حيث ظهر ذلك بما فعلوا ظهورًا بيِّنًا.
ومنها قول الله عز وجل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} رُوي عن ابن عباس أنه قال: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة؛ رواه سماك بن حرب عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقال عكرِمةُ عن ابن عباس في قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}؛ قال: هُمُ الذين هاجروا مع محمد صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم إلى المدينة؛ هكذا قال: "مع محمد" وأكثر الرواة عن سماك يقولون: "إنهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة" والمعنى واحد؛ لأنهم هاجروا بأمره، وإن لم يكونوا هاجروا معه في سَفَرٍ واحدٍ؛ وإنما أشار إليهم ابن عباس بالذكر؛ لأنهم الذين قاتلوا من خالفهم على الدين حتى دخلوا فيه، وكذلك قال أبو هريرة، ومجاهد، والحسن، وعكرمة: "خير الناس للناس الذين يقاتلون حتى يُدخِلوهم في الدين طوعًا أو كرهًا"؛ وإذا كان ذلك فمعلوم أن المهاجرين الأولين والأنصار في ذلك سواء.
وذكر محمد بن إسحاق السرَّاج في تاريخه عن عامر الشعبي قال: المهاجرون الأولون الذين بايعوا معه بيعة الرضوان، وعن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: لم سُمُّوا المهاجرين الأولين؟ قال: من صلَّى مع النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم القبلتين جميعًا فهو من المهاجرين الأولين والأنصار، فقال أبو عمر رضي الله عنه: قول الشعبي وسعيد بن المسيب يقضي بأن قولهم: المهاجرين الأولين كمعنى قول الله تبارك وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ}. [التوبة: 100]؛ لأنهم صَلَّوا القبلتين جميعًا، وبايعوا بيعة الرضوان، وفي ذلك أقوال لغيرهم، سنذكرها بعدُ إن شاء الله تعالى.
ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218].
قال الإمام الآلوسي في تفسيره: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في "الكبير" من حديث جندب بن عبد الله أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر. {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} أي فارقوا أوطانهم، وأصله من الهجر ضد الوصل. {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}؛ لإعلاء دينه وإنما كرر الموصول مع أن المراد بهما واحد؛ لتفخيم شأن الهجرة والجهاد فكأنهما ــ وإن كانا مشروطين بالإيمان في الواقع ــ مستقلان في تحقق الرجاء، وقدم الهجرة على الجهاد؛ لتقدمها عليه في الوقوع تقدم الإيمان عليهما. {أُولَئِكَ} المنعوتون بالنعوت الجليلة، {يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} أي يؤملون تعلق رحمته سبحانه بهم، أو ثوابه على أعمالهم، ومنها تلك الغزاة في الشهر الحرام، واقتصر البعض عليها بناءًا على ما رواه الزهري أنه لما فرَّج الله تعالى عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من غمٍّ طمعوا فيما عند الله تعالى من ثوابه فقالوا: يا نبيَّ الله أنطمع أن تكون غزوة نعطى فيها أجر المهاجرين في سبيل الله تعالى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولا يخفى أن العموم أعم نفعًا، وأثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجوِّ؛ للإشارة إلى أن العمل غير موجب؛ إذ لا استحقاق به، ولا يدل دلالة قطعية على تحقق الثواب؛ إذ لا علاقة عقلية بينهما، وإنما هو تفضل منه تعالى سيَّما والعبرة بالخواتيم، فلعله يحدث بعد ذلك ما يوجب الحبوط، ولقد وقع ذلك ــ والعياذ بالله تعالى ــ كثيرًا، فلا ينبغي الاتِّكَال على العمل، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذييل لما تقدَّمَ وتأكيد له، ولم يذكر المغفرة فيما تقدم؛ لأن رجاء الرحمة يدل عليها وقدَّم وصف المغفرة؛ لأن درأ المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
وجاء في كتاب "فتح القدير": أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217]، قال: كفار قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} قال: هؤلاء خيار هذه الأمة جعلهم الله أهل رجاء؛ إنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.

وجاء في "التفسير الوسيط": المعنى: إن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، واستقاموا على طريق الحق، وأذعنوا لحكمه، واستجابوا لأوامر الله ونواهيه: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} أي: تركوا أموالهم وأوطانهم من أجل نصرة دينهم: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لإِعلاء كلمته {أُولَئِكَ} الموصوفون بتلك الصفات الثلاث، {يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} أي: يؤملون تعلق رحمته ــ تعالى ــ بهم، أو ثوابه على أعمالهم، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ أي: واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين.
قال الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ هذه الأعمال الثلاثة هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح والخسران، فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة، وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد قُبِلَت أعمال الخير منه، وإذا عُدِم منه لم يقبَلْ له صرفٌ ولا عدلٌ، ولا فرضٌ، ولا نفْلٌ، وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف؛ لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله، وأهله، وخلانه؛ تقربا إلى الله ونصرة لدينه، وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عُبَّاد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم.
ثانيًا: ثناء الله تعالى على الأنصار:
جاء ثناء الله تعالى على الأنصار في كتابه؛ ليثبت فضلهم ويؤكد مكانتهم في الإسلام؛ ومما ورد في القرآن من ثناء الله تعالى عليهم:
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].




2 
مجدى سالم


{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} كلام مستأنف مَسُوقٌ لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاص الفيء بهم، أحسن رضا وأكمله. ومعنى تَبَوُّئِهِمْ الدارَ: أنهم اتخذوا المدينة والإيمان مباءةً، وتمكنوا فيهما أشدَّ تمكُّنٍ. {مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبلِ هجرة المهاجرين.
{يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ} أي: في نفوسِهِم، {حَاجَةً} أي: شيئًا كالطلب والحسد والغيظ، {مِّمَّا أُوتُوا} أي: ما أُوتِيَ المهاجرون من الفيء وغيره. {وَيُؤْثِرُونَ} أي: يقدمون المهاجرين، {عَلَى أَنفُسِهِمْ} في كل شيء من أسبابِ المعاش حتى إنَّ من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدًا منهم. {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: حاجة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام قسَّم أموال بني النضير على المهاجرين ولم يُعطِ الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين: أبا دُجَانَةَ سماكَ بنَ خَرَشَةَ، وسهلَ بنَ حُنيفٍ، والحارثَ بنَ الصِّمَّةِ. وقال لهم: "إنْ شئتُمْ قسمتُم للمهاجرينَ من أموالِكُم وديارِكُم وشاركتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ، وإن شئتُم كانتْ لكُم ديارُكُم وأموالُكُم، ولم يُقسم لكم شيءٌ من الغنيمةِ"، فقالِ الأنصارُ: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها، فنزلت الآية. {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} الشُّح: اللؤم، وإضافته إلى النفس؛ لأنَّه غريزة فيها، مقتضِّيَة للحرص على المنع الذي هو البخل. أي: ومن يُوقَ بتوفيق الله تعالى شُحَّها حتى يُخالفها فيما يُغلب عليها من حُبِّ المالِ وبغضِ الإنفاقِ: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مكروه.
ومنه قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: لما ذكر عز وجل أصناف الأعراب، ذكر المهاجرين والأنصار، وبيَّن أن منهم السابقين إلى الهجرة، وأن منهم التابعين، وأثنى عليهم، وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم ونحن نذكر من ذلك طرفًا نبيِّن الغرض فيه إن شاء الله تعالى، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ: {وَالْأَنصَارُ} رفعًا؛ عطفًا على {السَّابِقُونَ}، قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه؛ لأن السابقين منهما؛ والأنصار اسم إسلامي. قيل لأنس بن مالك: أرأيت قول الناس لكم: الأنصار؛ اسم سَمَّاكم الله به أم كنتم تُدْعَوْن به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن؛ ذكره أبو عمر في "الاستذكار".
كما نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة، وفي قول أصحاب الشافعي: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية، وقاله الشعبي، وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار: هم أهل بدر واتَّفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم.
ثالثًا: ثناء الله على من شهد بيعة الرضوان:
قال تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، قال الطبري في تفسيره: عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم حين بلغه أن عثمان قد قُتِل، قال: "لا نَبْرَحُ حتى نُناجِزَ القَوْمَ"، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم على الموت فكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم لم يبايعنا على الموت، ولكنه بايعنا على أن لا نفرَّ، فبايع الناسُ رسولَ الله، ولم يتخلف عنه أحدٌ من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، كان جابر بن عبد الله يقول: لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد اختبأ إليها، يستتر بها من الناس، ثم أتى رسولَ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم أن الذي ذُكر من أمر عثمان باطل".
وروى إياس بن سلمة، قال: قال سلمة: "بينما نحن قائلون زمن الحديبية، نادى منادي رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم: أيها الناس البيعةَ البيعةَ، نزل روح القدس صلوات الله عليه، قال: فَسِرْنَا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم، وهو تحت شجرة سمرة، قال: فبايعناه، وذلك قول الله: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}.
وقال صاحب "الظلال" رحمه الله في تفسير هذه الآية: وإنني لأحاول اليوم من وراء ألف وأربعمائة عام أن أستشرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كلُّه ذلك التبليغَ العُلْوي الكريم من الله العلي العظيم إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين. أحاول أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة وضميره المكنون؛ وهو يتجاوب جميعه بالقول الإلهي الكريم، عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود. وأحاول أن أستشعر بالذات شيئًا من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بآذانهم، أنهم هم؛ بأشخاصهم وأعيانهم، يقول الله عنهم: لقد رضي عنهم. ويحدد المكان الذي كانوا فيه، والهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضا: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}. يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق، مبلغًا عن ربه العظيم الجليل.
يا الله! كيف تلقوا ــ أولئك السعداء ــ تلك اللحظة القدسية، وذلك التبليغ الإلهي؟ التبليغ الذي يشير إلى كل أحد، في ذات نفسه، ويقول له: أنت أنت بذاتك. يبلغك الله: لقد رضي عنك، وأنت تبايع تحت الشجرة! وعلم ما في نفسك، فأنزل السكينة عليك!
إن الواحد منا ليقرأ أو يسمع: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [البقرة: 257] فيسعد. يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلًا في هذا العموم؟ ويقرأ أو يسمع: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] فيطمئن. يقول في نفسه: ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟ وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون. واحدًا واحدًا. أن الله يقصده بعينه وبذاته. ويبلغه: لقد رضي عنه! وعلم ما في نفسه. ورضي عما في نفسه!
يا الله! إنه أمر مهول! {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}.
علم ما في قلوبهم من حمية لدينهم لا لأنفسهم. وعلم ما في قلوبهم من الصدق في بيعتهم. وعلم ما في قلوبهم من كظم لانفعالاتهم تجاه الاستفزاز، وضبط لمشاعرهم؛ ليقفوا خلف كلمة رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم طائعين مسلمين صابرين.
وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. [الحديد: 10].
قال القرطبي: قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أيْ: أيُّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم، وأنتم تموتون وتُخَلِّفُون أموالَكم، وهي صائرة إلى الله تعالى. فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: إنهما راجعتان إليه بانقراض من فيهما، كرجوع الميراث إلى المستحق له. واتَّفَقَ أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح في قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ}؛ هو فتح مكة. وقال الشعبي والزهري: فتح الحديبية. قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. وفي الكلام حذف، أي: "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل"، فحذف؛ لدلالة الكلام عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم؛ لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق والأجر على قدر النصب. والله أعلم. وقوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} أي: المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعًا الجنة مع تفاوت الدرجات.
وقال صاحب "الظلال" في تفسير قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ...}: إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة، والأنصار قلة، وليس في الأفق ظل منفعة، ولا سلطان، ولا رخاء؛ غير الذي ينفق ويقاتل والعقيدة آمنة، والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال. ذلك متعلق مباشرة بالله، متجرد تجرُّدًا كاملًا، لا شبهة فيه.. عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده.. بعيد عن كل سبب ظاهر، وكل واقع قريب.. لا يجد على الخير عونًا، إلا ما يستمده مباشرة من عقيدته. وهذا له على الخير أنصار، حتى حين تَصِحُّ نيَّتُه، ويتجرَّد تجرُّدَ الأولين.
وقال "القشيري" في تفسيره: لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك. بل أولئك أعظم ثوابًا وأعلى درجةً من هؤلاء؛ لأنَّ حاجةَ الناسِ كانت أكثر إلى ذلك، وكان ذلك أشقَّ على أصحابه. ثم قال: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} إلاَّ أنَّ فضيلة السَّبْقِ لهم، ولهذا قالوا:
السِّبَاقَ السِّبَاقَ قولًا وفعلًا حَذِّروا النَّفسَ حَسْرَةَ المسبوقِ
ومما ذكر الله تعالى في فضلهم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10].
يقول الأستاذ سيد قطب: أما الحديث عن الوفاء بالبيعة والنكث فيها في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} فالإيحاء فيه أكثر إلى تكريم المبايعين وتعظيم شأن البيعة.
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}. وهو تصوير رهيب جليل للبيعة بينهم وبين رسول الله ــ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم ــ والواحد منهم يشعر وهو يضع يده في يده، أن يد الله فوق أيديهم. فالله حاضر البيعة. والله صاحبها. والله آخذها. ويده فوق أيدي المتبايعين.. ومن؟ الله! يا للهول! ويا للروعة! ويا للجلال! وإن هذه الصورة لتستأصل من النفس خاطر النكث بهذه البيعة مهما غاب شخص رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم؛ فالله حاضر لا يغيب. والله آخذ في هذه البيعة ومعطٍ، وهو عليها رقيب. {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ..} فهو الخاسر في كل جانب. هو الخاسر في الرجاع عن الصفقة الرابحة بينه وبين الله تعالى. وما من بيعة بين الله وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله، والله هو الغني عن العالمين. وهو الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع الله فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذى يكرهه ويمقته، فالله يحب الوفاء ويحب الأوفياء: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا..} هكذا على إطلاقه: {أَجْرًا عَظِيمًا..} لا يفصله ولا يحدده. فهو الأجر الذي يقول عنه الله: إنه عظيم.
عظيم بحساب الله وميزانه ووصفه الذي لا يرتقي إلى تصوره أبناء الأرض المقلون المحدودون الفانون!
رابعًا: ثناء الله تعالى على من شهد غزوة تبوك:
في قوله تعالى: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117].
وجاء في "التفسير الوسيط": قال الإِمام الرازى: اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك، وبيَّن أحوال المتخلفين عنها، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذى لخصناه فيما سبق، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها، ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم ما يجري مجرى ترك الأولى، وصدر عن المؤمنين كذلك نوع زلة، فذكر سبحانه أنه تفضَّل عليهم، وتاب عليهم، في تلك الزلات، فقال تعالى: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ}.
وللعلماء أقوال في المراد بالتوبة التى تابها الله على النبى صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم وعلى المهاجرين والأنصار: فمنهم من يرى أن المرد بها قبول توبتهم، وغفران ذنوبهم، والتجاوز عن زلاتهم التى حدثت منهم في تلك الغزوة أو في غيرها، وإلى هذا المعنى أشارة القرطبى بقوله:


قال ابن عباس: كانت التوبة على النبى صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم؛ لأجل أنه أذن للمنافقين في القعود، بدليل قوله سبحانه قبل ذلك: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ...} [التوبة: 43] وكانت توبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه ــ أى: إلى التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك.
ومنهم من يرى أن المقصود بذكر التوبة هنا التنويه بفضلها، والحض على تجديدها، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال: {تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} كقوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] وكقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19] وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرين والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح.
ومنهم من يرى أن المراد بالتوبة هنا: دوامها لا أصلها، وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} أى: أدام توبته على النبي والمهاجرين والأنصار. وهذا جواب عما يقال: من أن النبي معصوم من الذنب، وأن المهاجرين والأنصار لم يفعلوا ذنبًا في هذه القضية، بل اتبعوه من غير تلعثم، قلنا: المراد بالتوبة في حق الجميع دوامها لا أصلها.
ومنهم من يرى أن ذكر النبي هنا إنما هو من باب التشريف، والمراد قبول توبة المهاجرين والأنصار فيما صدر عن بعضهم من زلات. وقد وضَّح هذا المعنى الإِمام الآلوسى فقال: قال أصحاب المعانى: المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار، إلا أنه جيء في ذلك بالنبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم؛ تشريفا لهم، وتعظيما لقدرهم، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] الآية، أى: عفا سبحانه عن زلات صدرت منهم يوم أُحُد ويوم حنين. ويبدو لنا أن الرأي الأول أقرب الآراء إلى الصواب؛ لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان فضل الله تعالى على رسوله وعلى المؤمنين، حيث غفر لهم ما فرط منهم من هفوات وقعت في هذه الغزوة، وهذه الهفوات صدرت منهم بمقتضى الطبيعة البشرية، وبمقتضى الاجتهاد في أمور لم يبين الله تعالى حُكْمَه فيها، فهي لا تنقص من منزلة الرسول صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم ولا من منزلة أصحابه الصادقين في إيمانهم.
والمعنى: لقد تقبَّل الله تعالى توبة النبى صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم كما تقبَّل توبة أصحابه المهاجرين والأنصار، الذين اتبعوه عن طواعية واختيار وإخلاص في ساعة العُسْرَة. أى في وقت الشدة والضيق، وهو وقت غزوة تبوك، فالمراد بالساعة هنا مطلق الوقت.
وقد كانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، كما كان الجيش الذى اشترك فيها يسمى بجيش العسرة؛ وذلك لأن المؤمنين خرجوا إليها في مجدبة، وحر شديد، وفقر في الزاد والماء والراحلة.
قال بعضهم: فإن قلت: قد ذكر التوبة أوَّلًا ثم ذكرها ثانيًا فما فائدة التكرار؟
قلت: إنه سبحانه ذكر التوبة أولًا قبل ذكر الذنب؛ تفضُّلًا منه وتطييبًا لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى؛ تعظيمًا لشأنهم، وليعلموا أنه تعالى قد قَبِل توبتهم، وعفا عنهم، ثم أتبعه بقوله سبحانه: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تأكيدًا لذلك. والرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال النفع.

وقال القرطبى: قوله {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ وتلك سنة الحق - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك، أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم.
قال الشاعر:
منك أرجو ولست أعرف ربا يرتجى منه بعض ما منك أرجو
وإذا اشتدت الشدائد في الأر ض على الخلق فاستغاثوا وعجوا
وابتليت العباد بالخوف والجو ع، وصروا على الذنوبِ ولَجُّوا
لم يكن لي سواك ربي ملاذ فتيقنتُ
أنَّنِي
بك
أنجو
وكما تقبل الله تعالى توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم في ساعة العسرة. فقد تقبَّل توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن الاشتراك في غزوة تبوك.
يقول ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير": انتقال من التحريض على الجهاد والتحذير من التقاعس والتوبيخ على التخلف، وما طرأ على ذلك التحريض من بيان أحوال الناس تجاه ذلك التحريض وما عقَّبه من أعمال المنافقين والضعفاء والجبناء إلى بيان فضيلة الذين انتدبوا للغزو واقتحموا شدائده؛ فالجملة استئناف ابتدائي.
وافتتاحها بحرف التحقيق تأكيد لمضمونها المتقرر فيما مضى من الزمان حسبما دلَّ عليه الإتيان بالمسندات كلها أفعالًا ماضية. ومن المحسنات افتتاح هذا الكلام بما يؤذن بالبشارة لرضى الله على المؤمنين الذين غزوا تبوك. وتقديم النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم في تعلُّق فعل التوبة بالغُزاة؛ للتنويه بشأن هذه التوبة وإتيانها على جميع الذنوب؛ إذ قد علم المسلمون كلهم أن النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ومعنى: {تَّابَ} عليه: غفر له، أي: لم يؤاخذه بالذنوب؛ سواء كان مذنبًا أم لم يكنه، كقوله تعالى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [المزمل: 20] أي فغفر لكم وتجاوز عن تقصيركم وليس هنالك ذنب ولا توبة. فمعنى التوبة على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه أن الله لا يؤاخذهم بما قد يحسبون أنه يسبب مؤاخذة كقول النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم: "لعلَّ اللهَ اطَّلَعَ علَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَد غَفَرْتُ لَكُمْ".
وأما توبة الله على الثلاثة الذين خُلِّفوا فهي استجابته لتوبتهم من ذنبهم.
والمهاجرون والأنصار: هم مجموع أهل المدينة، وكان جيش العسرة منهم ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينة ومكة، ولكنهم خُصُّوا بالثناء؛ لأنهم لم يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحُّوا بأموالهم، فكانوا أُسوةً لمن اتَّسى بهم من غيرهم من القبائل. ووصف المهاجرون والأنصار بـ {الَّّذِينَ اتَّبَعُوهُ}؛ للإيماء إلى أن لصلة الموصول تسبُّبًا في هذه المغفرة. ومعنى {اتَّبَعُوهُ} أطاعوه ولم يخالفوا عليه، فالاتباع مجازيٌّ. والساعة: الحصة من الزمن. والعسرة: اسم العسر، زيدت فيه التاء للمبالغة وهي الشدة؛ وساعة العسرة هي زمن استنفار النبي صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم الناس إلى غزوة تبوك، فهو الذي تقدمت الإشارة إليه بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38] فالذين انتدبوا وتأهبوا وخرجوا هم الذين اتبعوه، فأما ما بعد الخروج إلى الغزو فذلك ليس هو الاتباع ولكنه الجهاد. ويدل على ذلك قوله: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} أي: من المهاجرين والأنصار، فإنه متعلق بـ {اتَّبَعُوهُ} أي اتبعوا أمره بعد أن خامر فريقًا منهم خاطر التثاقل والقعود والمعصية بحيث يشبهون المنافقين؛ فإن ذلك لا يتصور وقوعه بعد الخروج، وهذا الزيغ لم يقع ولكنه قارب الوقوع.
هذه بعض ثناءات القرآن على الصحابة؛ هذا الجيل الإسلامي الفريد، سجل لهم سبقهم وفضلهم في آي حكيم يتلى إلى يوم الدين، فرضي الله تعالى عنهم أجمعين.
يتبع


3 
مجدى سالم

فضلُ الصحابةِ في السُنَّةِ المطهرةِ:
إنَّ أصحاب محمدٍ صَلَّى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلَها تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه صَلَّى الله عليه وسلم، ولإقامة دينه، وقد أثنى الله عز وجل عليهم، ورضي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عنهم، وثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله صَلَّى الله عليه وسلم، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، فقد نظر الله في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صَلَّى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه، وبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب الصحابة أطهر القلوب، فجعلهم وزراء نبيه؛ يقاتلون عن دينه، وقد وضع الله عز وجل أصحاب رسوله صَلَّى الله عليه وسلم الموضع الذي وضعهم فيه بثنائه عليهم من العدالة والدين والإمامة؛ لتقوم الحجة على جميع أهل الملة بما أدُّوه عن نبيهم من فريضة وسنة، فصَلَّى الله عليه وسلم، ورضي عنهم أجمعين، فنعم العون كانوا له على الدين في تبليغهم عنه إلى مَن بعدهم من المسلمين، وقد أثنى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عليهم في أحاديث كثيرة، منها ما جاء عاما في بيان فضل كل من صحبه صَلَّى الله عليه وسلم، ومنها ماخَصَّ به بعض أصحابه بأوصافهم؛ كالأنصار وأهل بدر وغيرهم:
أولًا: فضل الصحابة عامةً:
جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالدٌ، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدَكم لو أنفق مثَل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَهُ". فالنبي صَلَّى الله عليه وسلم يقول لخالد رضي الله عنه: "لا تسبوا أصحابي" ــ يعني: عبد الرحمن وغيره من السابقين؛ وهم الذين أسلموا من قبل الفتح، وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي صَلَّى الله عليه وسلم أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن يَسُبَّ من له صحبة أولًا؛ لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نَصِيفَهُ، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية؛ وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة؟.
وقال صَلَّى الله عليه وسلم: "طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني، وآمن بي" وقال عليه الصلاة والسلام في معرض الحديث عنهم: "ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بُعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة". فقوله: "إلا بُعث" أي إلا حشر ذلك الأحد من أصحابي، وقوله: "قائدا" أي لأهل تلك الأرض في الجنة، وقوله: "ونورا لهم" أي هاديا لهم.
وروى عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة بن شعبة أنه قال: تخلفتُ مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فتبرز رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثم رجع إليَّ، ومعي الإداوة، قال: فصببت على يدي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثم استنثر، ثم تمضمض، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم أراد أن يغسل يديه قبل أن يخرجهما من كمي جُبته فضاق عنه كماها، فأخرج يده من الجبة، فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات، ومسح بخفيه ولم ينزعهما، ثم عمد إلى الناس، فوجدهم قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف يصَلَّي بهم، فأدرك رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة بصلاة عبد الرحمن، فلما سَلَّم عبد الرحمن، قام رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يتم صلاته، فأفزع المسلمين، فأكثروا التسبيح فلما قضى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أقبل عليهم، فقال: "قد أحسنتم، وأصبتم"، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها.
وروى طلحة بن خراشٍ قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: سمعت رسول اللّه صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "لا تمسّ النّار مسلمًا رآني، أو رأى من رآني". قال الشّيخ عبد الحقّ الدّهلويّ في ترجمة المشكاة: خصّص هذا الحديث هذه البشارة بالصّحابة، والتّابعين اتّفاقًا منهم، ولا يختصّ به العشرة المبشّرة، ولا من بشّرهم بدخول الجنّة من غيرهم، بل يشمل جميع المؤمنين والمسلمين، ولكنّ الصّحابيّ والتّابعيّ والمسلم هو من مات على الإسلام، وهذا الخبر لا يعلم إلّا من بيان المخبر الصّادق وتبشيره به. وعنه صَلَّى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ". وفي رواية: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ".
وروى عروة قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "خير هذه الأمة أولها وآخرها؛ أولها فيهم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وآخرها فيهم عيسى بن مريم، وبين ذلك ثبج أعوج ليس منك ولست منهم".
وعنه صَلَّى الله عليه وسلم قال: "يأتي على الناس زمان يغزو فِئَام ــ يعني جماعة ــ من الناس، فيُقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فِئَام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فِئَام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم".
وروى ابن عباس أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: " لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمُقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً ــ يعني مع النبي صَلَّى الله عليه وسلم ــ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ أربعين سنة"، وفي رواية: "خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ".
وروى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول: لما دخل أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم بالشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب، فقال: ما كان أصحاب عيسى بن مريم الذين قُطِّعوا بالمناشير، وصلبوا على الخشب، بأشد اجتهادًا من هؤلاء.
وروى بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدَّه، قال: سمعت النَّبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".
وروى عبد اللَّه بن مغفَّلٍ قال: قال رسول اللَّه صَلَّى الله عليه وسلم: "اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي، لا تتَّخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبَّهم فبحبَّي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه يوشك أن يأخذه". فقوله: "اللَّه اللَّه" أي اتَّقوا اللَّه ثمَّ اتَّقوا اللَّه، وقوله: "في أصحابي" أي في حقَّهم، والمعنى لا تنقصوا من حقَّهم ولا تسبُّّوهم، أو التَّقدير: أُذكَّركم اللَّه ثمَّ أُنْشدكم اللَّه في حقَّ أصحابي، وتعظيمهم وتوقيرهم، كما يقول الأب المشفق: اللَّه اللَّه في حقَّ أولادي، وقوله: "لا تتَّخذوهم غرضًا" أي هدفًا ترموهم بقبيح الكلام كما يُرمى الهدف بالسَّهم، وقوله: "فبحبَّي أحبهم" أي بسبب حبَّه إيَّاي أحبهم أو بسبب حبَّي إيَّاهم أحبهم، وقوله: "ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم" أي إنَّما أبغضهم بسبب بغضه إيَّاي، وقوله: "يوشك أن يأخذه" أي يعاقبه في الدُّنيا، أو في الآخرة.
وغير ذلك من الأحاديث النبوية التي تبين فضل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين مما يضيق المقام بذكرها.
ثانيًا: الفضائل الخاصة:
وقد روي عنه صَلَّى الله عليه وسلم من الأحاديث ما يخص بعض أصحابه بالفضل والثناء لِما لَهم من مكانة عند الله تعالى، ورسوله صَلَّى الله عليه وسلم، من ذلك: ما رُويَ في فضل الأنصار، وفضل من شهد بدرًا، وفضل من شهد بيعة الرضوان؛ وفيما يلي بعض هذه الفضائل:
فضل الأنصار:
وردت عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم أحاديث في فضائل الأنصار، والثناء عليهم، واعتبار حبهم من الإيمان وبغضهم من النفاق؛ فمن ذلك:
ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار". وأورد النووي في شرحه على "صحيح مسلم": قوله صَلَّى الله عليه وسلم: "آية المنافق بغض الانصار، وآية المؤمن حب الانصار"، وفى الرواية الأخرى: "حب الانصار آية الايمان وبغضهم آية النفاق"، وفى الأخرى: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق؛ من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله"، وفي الأخرى: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر"، فقد تقدم أن الآية هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الاسلام والسعى في إظهاره، وإيواء المسلمين، وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام، ثم أحب الأنصار لهذا؛ كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الاسلام والقيام بما يرضي الله سبحانه وتعالى ورسوله صَلَّى الله عليه وسلم، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستُدِلَّ به على نفاقه وفساد سريرته والله اعلم.
وقال ابن المنير: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنما يكون للدين؛ وأما من أبغض بعضهم لمعنىً يسوِّغ البُغض له فليس داخلا في ذلك. قال الإمام السيوطي: إن أراد بهذا من أبغض لهذا المعنى ممن أدركهم ووقع له مع بعضهم خصومة تقتضي ذلك؛ فقريب، وأما إذا أراد من بعدهم إذا أبغض أحدا منهم لأمر بلغه عنه فلا، والله ليس له ذلك لما لهم من الآثار الحميدة التي تمحو سيئاتهم، وقد وعدوا بالمغفرة والدرجات العلى، وقيل لكثير منهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
ومن ثناء النبي صَلَّى الله عليه وسلم عليهم ما رواه أنس بن مالك قال: مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صَلَّى الله عليه وسلم منا، فدخل على النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي صَلَّى الله عليه وسلم، وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ــ ولم يصعده بعد ذلك اليوم ــ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". كما جاء في صحيح البخاري.
وأخرج البخاري أيضا عن أبي التيَّاح قال: سمعت أنسا رضي الله عنه يقول: قالت الأنصار يوم فتح مكة، وقدأعطى النبي صَلَّى الله عليه وسلم قريشا: والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فدعا الأنصار، قال: فقال: "ما الذي بلغني عنكم" ــ وكانوا لا يكذبون ــ فقالوا: هو الذي بلغك، قال: "أو لا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى بيوتكم؟، لو سلكت الأنصار واديا، أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار، أو شعبهم".

ومنه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار واديا، أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار، أو شعب الأنصار".
وما رواه سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة؛ فاغفر للمهاجرين والأنصار". كما جاء في الصحيحين.
وروى البخاري من حديث أنس رضي الله عنه يقول: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما حيينا أبدا
فأجابهم النبي صَلَّى الله عليه وسلم فقال: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة؛ فأكرم الأنصار، والمهاجرة".
وعن أنس بن مالك قال: خرج نبي الله صَلَّى الله عليه وسلم، فتلقته الأنصار بينهم فقال: "والذي نفس محمد بيده إني لأحبكم، إن الأنصار قد قضوا ما عليهم، وبقي الذي عليكم، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم".
فضل أهل بدر:
ومما اختص به النبي صَلَّى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالثناء ما جاء في فضل أهل بدر؛ الفئة التي رفعت أول سيف في وجوه أعداء الله، وحملت أول حملة لإرهاب الطواغيت؛ من أجل إقامة منهج الله في الأرض؛ فرضي الله تعالى عنهم، ومما ورد عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم:
ما أخرجه البخاري عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه ــ وكان أبوه من أهل بدر ــ قال: جاء جبريل إلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟" قال: "من أفضل المسلمين" ــ أو كلمة نحوها ــ قال: "وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة".
وفي "صحيح البخاري" أن عليًا رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأبا مرثد الغنوي، والزبير بن العوام وكلنا فارس؛ قال: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ" فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقلنا: الكتاب فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا، فلم نر كتابا، فقلنا: ما كذب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب، أو لَنُجردنَكِ، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها؛ وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "ما حملك على ما صنعت"؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صَلَّى الله عليه وسلم؛ وإنما أردت أن يكون لي عند القوم يَدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "صَدَقَ ولا تقولوا له إلا خيرًا"، فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: "أليس من أهل بدر؟" فقال: "لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة" أو "فقد غفرت لكم"، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، قال النووي في شرحه على مسلم في هذا الحديث: قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ الْغُفْرَان لَهُمْ فِي الْآخِرَة، وَإِلَّا فَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ حَدٌّ أَوْ غَيْره أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض الْإِجْمَاع عَلَى إِقَامَة الْحَدّ، وَأَقَامَهُ عُمَر عَلَى بَعْضِهِمْ، قَالَ: وَضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى الله عليه وسلم مِسْطَحًا الْحَدّ وَكَانَ بَدْرِيًّا.
وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: أخبرنا هاشم عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: كان عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاث عشرة أو أربع عشرة أحد العددين.
وقال البراء بن عازب: كنا ــ يعني أصحاب محمد صَلَّى الله عليه وسلم ــ نتحدث أن عدة أهل بدر: ثلاثمائة وبضع عشرة، كعدد أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر وما جاز معه النهر إلا مؤمن، وكذلك قال ابن إسحاق: من شهد بدرًا من المسلمين من المهاجرين والأنصار: ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلًا، من المهاجرين ثلاث وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وتسعون رجلًا.
فضل من شهد بيعة الرضوان:
أخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض"، وكنا ألفا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة.
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقال الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية": "ويفضلون ــ أي أهل السنة والجماعة ــ من أنفق من قبل الفتح وهو صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صَلَّى الله عليه وسلم؛ بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة".
قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وآله وسلم؛ وعمر بن الخطاب آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه غير الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره فقيل لجابر: هل بايع النبيُ صَلَّى الله عليه وسلم بذي الحليفة قال: لا، ولكنه صلى بها ولم يبايع تحت شجرة إلا الشجرة التي عند الحديبية، قال أبو الزبير: قلت لجابر: كيف بايعوا؟ قال: بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت، قال: وأخبرني أبو الزبير عن جابر قال: جاء عبدٌ لحاطب بن أبي بلتعة أحد بني أسد يشتكي سيده، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال له: "كذبت لا يدخلها أحد شهد بدرًا أو الحديبية"، قال أبو عمر رضي الله عنه: قال الله سبحانه: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدًا إن شاء الله.
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدُ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا"، قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم: "قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72]. وقال النووي في شرحه على مسلم في هذا الحديث: قَوْله صَلَّى الله عليه وسلم: "لَا يَدْخُل النَّار إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ أَصْحَاب الشَّجَرَة أَحَد مِنْ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتهَا"، قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلهَا أَحَد مِنْهُمْ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله حَدِيث حَاطِب، وَإِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شَاءَ اللَّه" لِلتَّبَرُّكِ، لَا لِلشَّكِّ، وَأَمَّا قَوْل حَفْصَة: "بَلَى"، وَانْتِهَار النَّبِيّ صَلَّى الله عليه وسلم لَهَا، فَقَالَتْ: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى الله عليه وسلم: "وَقَدْ قَالَ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا}؛ فِيهِ دَلِيل لِلْمُنَاظَرَةِ وَالِاعْتِرَاض وَالْجَوَاب عَلَى وَجْه الِاسْتِرْشَاد، وَهُوَ مَقْصُود حَفْصَة؛ لَا أَنَّهَا أَرَادَتْ رَدَّ مَقَالَته صَلَّى الله عليه وسلم، وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد بِالْوُرُودِ فِي الْآيَة: الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَى جَهَنَّم، فَيَقَع فِيهَا أَهْلهَا، وَيَنْجُو الْآخَرُونَ.
وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: رحم الله جابرًا، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.
وقال سفيان بن عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "أنتم اليوم خير أهل الأرض".
وقال سالم بن أبي الجعد: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة؛ قال: كنا ألفا وخمسمائة، وقال: ولو كنا مائة ألف لكفانا، وقال أبو عمر رضي الله عنه: يعني الماء النابع من أنامله صَلَّى الله عليه وسلم، وقد كان ذلك منه مرات في مواطن شتى صَلَّى الله عليه وسلم.


4 
مجدى سالم

عدالةُ الصحابة:
العدالةُ لغةًً: جاء في الصحاح للجوهري: العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدِلته ومعدَلته، وفلان من أهل المَعدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة.. إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام.
واصطلاحًا: تنوعت عبارات العلماء في تعريف العدالة في الاصطلاح:
فعرفها الخطيب البغدادي في "الكفاية" بقوله: العدل هو مَن عُرِف بأداء فرائضه، ولزوم ما أُمِر به وتوقِي ما نُهِيَ عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحرَّى الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة؛ فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه، وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقًا حتى يكون مع ذلك متوقيًا لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير.
وذهب ابن همام في تعريف العدالة كما في كتابه "التحرير" إلى أنها: ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة؛ والشرط أدناه ترك الكبائر، والإصرار على صغيرة، وما يخل بالمروءة.
وعرف القرافي العدالة في كتابه "شرح تنقيح الفصول" بأنها: اجتناب الكبائر وبغض الصغائر والإصرار عليها، والمباحات القادحة في المروءة.
وقال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر": المراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة؛ والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة.
هذه بعض تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح؛ وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة: ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي، وأن يبتعد عما يخل بالمروءة، وأيضًا: لا تتحقق إلا بالإسلام والبلوغ والعقل والسلامة من الفسق.
والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب أو الإصرار على صغيرة من الصغائر؛ لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.
والمروءة التي ذكرها أهل العلم هي: الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
وما يخل بالمروءة شيئان:ــ
الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخِسَّة، كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصدًا.
الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم.
ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فجميعهم رضي الله عنهم عدول تحققت فيهم صفة العدالة، وما صدر منهم وهو يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية، فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته، فرضي الله عنهم أجمعين تعديل من الله تعالى ورسوله صَلَّى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
أولًا: دلالة القرآن على عدالة الصحابة:
تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم على تعديل الصحابة الكرام، مما لا يبقى معها لمرتاب شك في تحقيق عدالتهم؛ فكل حديث له سند متصل بين من رواه وبين المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ذلك:
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن معنى كلمة "وسطا": عدولًا خيارًا، وأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة، كما جاء في تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير.
وذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عامًا إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم؛ فالآية ناطقة بعدالة الصحابة رضي الله عنهم قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.
وقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، ووجه الاستدلال هنا: أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها، وأول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وذلك يقتضي استقامتهم في كل حال، ومن البعيد أن يصفهم الله عز وجل بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك؟ كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطًا ــ أي عدولًا ــ وهم غير ذلك؛ كما جاء في "الموافقات" للشاطبي.

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوَّاْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق ومن شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.
وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم، ولا يُثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلًا للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلًا في دينه.
وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، وهذه الآية فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي صَلَّى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ووجه دلالة الآية على تعديلهم أن الله تعالى أخبر برضاه عنهم وشهد لهم بالإيمان وزكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة، ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من الله تعالى إلا لمن بلغ الذروة في تحقيق الاستقامة على وفق ما أمر الله به.
وقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ... الآية} [الفتح: 29]، فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه وهذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق إلى النفس معه شك في عدالتهم؛ كما جاء في تفسير القرطبي.
ثانيًا: دلالة السنة على عدالتهم رضي الله عنهم:
منها ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي بكرة أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب"؛ ووجه الدلالة: أن هذا القول صدر من النبي صَلَّى الله عليه وسلم في أعظم جمع من الصحابة في حجة الوداع، وهذا من أعظم الأدلة على ثبوت عدالتهم حيث طلب منهم أن يبلغوا ما سمعوه منه من لم يحضر ذلك الجمع دون أن يستثني منهم أحدًا.
ومنها ما رواه الشيخان أيضا في صحيحيهما من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"... الحديث؛ ووجه الدلالة: أن الصحابة عدول على الإطلاق حيث شهد لهم النبي صَلَّى الله عليه وسلم بالخيرية المطلقة. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم وثنائه عليهم وثناء رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فليسوا بحاجة إلى تعديل أحد من الخلق.
أهميةُ معرفةِ عدالةِ الصحابةِ:
إن صحابة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم هم الواسطة الذين بلغوا لنا هذا الدين، فإذا سقطت عدالتهم ضاع هذا الدين؛ لعدم التأكد من صحة نسبته للنبي صَلَّى الله عليه وسلم، ولكن من فضل الله علينا أنه قد بيّن لنا عدالة الصحابة في القرآن بما لا يدع مجالا للشك، وبيَّن ضلال من طعن في أحد منهم؛ قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]؛ ففي قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} إخلاص النية، وفي قوله: {وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} تحقيق العمل، وقوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، أي: لم يفعلوا ذلك رياء ولا سمعة، ولكن عن صدق نية، ثم قال في الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، فوصفهم الله بأوصاف ثلاث: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}، {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، ثم قال تعالي بعد ذلك: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وهم التابعون لهم بإحسان وتابعوهم إلي يوم القيامة، فقد أثنوا عليهم بالأخوة، وبأنهم سبقوهم بالإيمان، وسألوا الله أن لا يجعل في قلوبهم غلًّا لهم، فكل من خالف في ذلك وقدح فيهم ولم يعرف لهم حقهم، فليس من هؤلاء الذين قال الله عنهم: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا...}.
ولما سُئِلت عائشة رضي الله عنها عن قوم يسبون الصحابة، قالت: لا تعجبوا، هؤلاء قوم انقطعت أعمالهم بموتهم، فأحب الله أن يجري أجرهم بعد موتهم! وقوله: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا}، ولم يقل: للذين سبقونا بالإيمان؛ ليشمل هؤلاء السابقين وغيرهم إلى يوم القيامة، {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}: ولرأفتك ورحمتك نسألك المغفرة لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.
مذاهبُ الفرق الأخرى، والأقوال الشاذة في معنى عدالة الصحابة:
ذهبت بعض المذاهب إلى القول بخلاف هذا الإجماع، وأصحابها ممن لا يعتدُّ بقولهم ولا يعتبر بخلافهم، وهي لا تستحق أن تذكر، وإنما تذكر لبيان بطلانها ومجانبتها للحق والصواب:
أولًا: مذهب الشيعة الرافضة:
الشيعة الرافضة يعتقدون أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ليسوا بعدول، بل يعتقدون ضلال كل من لم يعتقد أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم نص على أن الخلافة من بعده بلا فصل لعلي رضي الله عنه، ويعتقدون أن جميع الناس هلكوا، وارتدوا بعد أن قبض النبي صَلَّى الله عليه وسلم إلا نفرًا يسيرًا منهم يعدون على الأصابع؛ وسبب تكفيرهم لهم أنهم يزعمون أنهم بايعوا بالخلافة غير علي رضي الله عنه، ولم يعملوا بالنص عليه، ومعتقداتهم هذه طافحةٌ بها كتبُهم؛ كما في: "الاختصاص" للمفيد، و"الروضة من الكافي" للكليني.
ثانيًا: مذهب المعتزلة:
أما المعتزلة فقد اضطربت آراؤهم في عدالة الصحابة إلى ثلاثة أقوال؛ وإليك مختصرها:ــ
القول الأول: أن الصحابة جميعهم عدول إلا من قاتل عليًا، حيث إن الجمهور منهم صوبوا عليًا في حروبه وخطئوا من قاتله فنسبوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية إلى الخطأ؛ كما جاء في "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري، و"الفَرْقُ بَيْنِ الفِرَقِ" للبغدادي.
القول الثاني: قول واصل بن عطاء، فقد ذهب إلى أن أحد الفريقين من الصحابة في موقعتي الجمل وصفين كان مخطئًا لا بعينه كالمتلاعنين، فإن أحدهما فاسق لا محالة، وأقل درجات الفريقين أنه غير مقبول الشهادة كما لا تقبل شهادة المتلاعنين. فقد قال: لو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل، لم أحكم بشهادتهم؛ كما جاء في "المِلَلُ والنِحَلُ" للشهرستاني، و"ميزان الاعتدال" للذهبي، و"الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَقِ".
القول الثالث: قول عمرو بن عبيد؛ فإنه يعتقد أن الطرفين المتحاربين في موقعتي الجمل وصفين قد فسقوا جميعًا، وقال: لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين، أو كان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل؛ كما جاء في "الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَقِ"، و "المِلَلُ والنِحَلُ".
ثالثًا: أن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية. وهو قول أبي الحسين القطان من علماء الشافعية، كما حكى ذلك السخاوي في "فتح المغيث"، و"الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي.
رابعًا: أن العدالة لا تثبت إلا لمن لازم النبي صَلَّى الله عليه وسلم من أصحابه دون من رآه، أو زاره، أو وفد عليه لمدة قليلة. وهو قول المازري من علماء المالكية، كما حكى ذلك عنه ابن حجر في "الإصابة في معرفة الصحابة".
فهذه هي المذاهب التي خالف فيها أصحابها إجماع أهل السنة والجماعة في مسألة عدالة الصحابة، فهي كما رأينا مبنية على شبه واهية لا تزيدها إلا ضعفًا.
لقد اتفق أهل السُنَّة على أن جميع الصحابة عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في "الكفاية" فصلا نفيسًا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في آيات كثيرة سبق ذكر بعضها، وأحاديث شهيرة يكثر عددها؛ فجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق؛ على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام ببذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان، واليقين القطع بتعديلهم، والاعتقاد بنزاهتهم هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتمد قوله ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا، فلا يلتفت إليهم ولا يعول عليهم، وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي من أَجَلِّ شيوخ مسلم: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسُنَّة؛ فيكون الجرح به ألصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق.
قال أبو محمد بن حزم: "الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا؛ قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]، فثبت أن جميع الصحابة من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية السابقة.
فإن قيل: التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة وهي قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] الآية، يخرج من لم يتصف بذلك وهي من أصرح ما ورد في المقصود، ولهذا قال الماذري في "شرح البرهان": لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كل من رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يومًا ما، أو زاره لماما، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب؛ وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.
والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو بالقوة، وأما كلام الماذري فلم يوافق عليه؛ بل اعترضه جماعة من الفضلاء؛ وقال الشيخ صلاح الدين العلائي: هو قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة؛ كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم، ممن وفد على النبي صَلَّى الله عليه وسلم، ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف، وكذلك من لم يُعرف إلا برواية الحديث الواحد، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل. والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر، والله أعلم.
ومما رُدَّ به عليه أن تعظيم الصحابة وإن قل اجتماعهم به كان مقررا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، وقد صح عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من أهل البادية تناول معاوية في حضرته، وكان متكئا فجلس ثم ذكر أنه وأبا بكر ورجلا من أهل البادية نزلوا على أبيات فيهم امرأة حامل، فقال البدوي لها: أبشرك أن تلدي غلامًا، قالت: نعم، قال: إن أعطيتني شاة ولدت غلامًا فأعطته فسمع لها أسجاعًا، ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها وجلسنا نأكل منها، ومعنا أبو بكر فلما علم القصة قام فتقيأ كل شيء أكل، ثم رأيتُ ذلك البدوي قد أتي به عمر وقد هجا الأنصار، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله ما أدري ما قال فيها لكفيتكموه. فانظر توقف عمر عن معاتبته فضلا عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي تعلم أن فيه أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء.
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب": إن أولى ما نظر فيه الطالب، وعني به العالِم بعد كتاب الله عز وجل سنن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهي المبينة لمراد الله عز وجل من مجملات كتابه، والدالة على حدوده، والميسرة له، والهادية إلى الصراط المستقيم صراط الله؛ من اتبعها اهتدى ومن سلك غير سبيلها ضل وغوى، وولاه الله ما تولى؛ ومن أوكد آلات السنن المعينة عليها والمؤدية إلى حفظها: معرفة الذين نقلوها عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة، وحفظوها عليه، وبلغوها عنه، وهم صحابته الحواريون الذين وعوها، وأدوها ناصحين محسنين حتى كمل بما نقلوه الدين وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين، فهم خير القرون وخير أمة أخرجت للناس، وقد أثنى الله عز وجل عليهم، ورضي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عنهم. ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله عليه السلام ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه.
قال ابن عبد البر: وقد كفينا البحث عن أحوال الصحابة رضي الله عنهم؛ لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول، فرضي الله عن كل الصحابة أجمعين.






5 
بسومه

اتضــــرع لله بكمـــــال أسمــــــائه وصفـــــاته العلى

أن يبــــارك فــــي جهـــودك أخي مجدي..
وان يســـدد خطـــاك
وأن ينفــــع بكــــم الامـــة عـاجــلا غيـر اجـــلا
وأن يجعلكـــم الله دائمــا للخير ومن الخير



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.