العودة   منتديات الدولى > المنتديات الأدبية > منتدى القصص والروايات

منتدى القصص والروايات قسم خاص بعرض أشهر القصص القديمة والحديثة، قصص خيالية وواقعية مكتوبة، أجدد قصص وحكايات 2017


1 
مجدى سالم


موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين


موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين



موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين












موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين

كان الجميع يعيش في قرية صغيرة هادئة بعيدة عن ضوضاء المدينة الصاخبة.
كل شخص يعمل بجد ونشاط وكأنهم أسرة واحدة.
هذا يقلم الأشجار،
هذا يقطف الثمار،
وهذا يحفر الأرض ليخرج الماء.
وكانت أم عدنان تطبخ الطعام لتقدمه لهم، بمساعدة نساء القرية.
وفي نهاية الموسم كانوا يقتسمون ما كسبوه من رزق حلال فيما بينهم.
كان هناك مصطفى شاب كسول خمول، يدّعي المرض دائماً، يحمل العصا في يده كي يتوكأ عليها وكأنه عجوز طاعن في السن.
حتى ملابسه كانت دائماً متسخة ومرقّعة بعدة رقعات، لأنه لا يملك المال لشراء ملابس جديدة.
وهو يأكل مما يأكل شباب القرية من طعام أم عدنان، ويستلقي على الأرض تحت ظل الشجرة، ينظر إلى الشباب وهم يعملون ويجدون، ثم يغطّ في نوم عميق، حتى يأتي الطعام، فيوقظه بعض الشباب، ليقوم معهم عندما يأكلون.
تضايق الشباب من تصرف مصطفى وقرروا أن يلقنوه درساً لن ينساه أبداً.
اتفق الشباب مع أم عدنان أن تضع الطعام خلف المنزل بعيداً عن مصطفى، حتى لا يشعر مصطفى بقدوم الطعام فيستيقظ.
انتهى الشباب من تناول الطعام، واستلقوا قليلاً ليرتاحوا ومن ثم يعاودوا نشاطهم من جديد.
استيقظ مصطفى عند المغيب، ونظر من حوله فرأى الشباب يعملون بجد ونشاط.
شعر مصطفى بالجوع يقرص معدته، اقترب من أم عدنان وهو يتوكأ على عصاه، وسألها عن الطعام.
تبسمت أم عدنان وقالت:
- لقد أكلنا وشبعنا يا مصطفى، وأنت تغطّ في النوم العميق، ولم يبقَ لدي طعام.
غضب مصطفى ولكنه لم يستطع أن يقول شيئاً، لأن شباب القرية كثيراً ما حدثوه عن قيمة العمل، وأن قيمة الإنسان بالعمل وليس بالراحة والاسترخاء.
عاد مصطفى إلى مكانه واستلقى مرة أخرى، ولكنه لم يستطع النوم، من شدة جوعه.
بقي مصطفى هكذا حتى نام والجوع يقرصه قرصاً شديداً.
في اليوم الثاني عاد مصطفى مرة أخرى واستلقى تحت ظل الشجرة ونام، وقد أوصى أم عدنان أن توقظه عندما يحين وقت الطعام.
أيضاً هذه المرة تناول الشباب الطعام خلف المنزل ولم يوقظوا مصطفى.
استيقظ مصطفى وتلفّت حوله فلم يجد أحداً.
أخذ العصى وتوكأ عليها، وبدأ يبحث عن شباب القرية هنا وهناك، حتى وصل إليهم فوجدهم قد انتهوا من طعامهم، وكل واحد منهم قد استلقى ليرتاح قليلاً.
غضب مصطفى وجاء إلى أم عدنان وطلب منها الطعام، فقالت له:
- الطعام فقط لمن يشتغل ويتعب، وليس لمن ينام ويرتاح تحت ظل الشجرة.
أمسك مصطفى معدته وأخذ يصيح من الألم، ولكن دون جدوى، فالطعام قد نفد.
في اليوم الثالث، جاء مصطفى مبكراً، ولم يحمل عصاه،
وشمّر عن ساعديه، وأخذ يعمل بجد واجتهاد.
نظر شباب القرية إلى مصطفى، وفرحوا به فرحاً كبيراً.
وعند الظهيرة اقتربت أم عدنان من مصطفى وقالت له:
- هيا يا مصطفى إلى الطعام، فأنت تعبت اليوم كثيراً، وتحتاج إلى الطعام يا عزيزي، هيا.. هيا..

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين




موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين





موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين











وقع حصان أحد المزارعين في بئر مياه عميقة ولكنها جافة وأجهش الحيوان بالبكاء الشديد من الألم من أثر السقوط واستمر هكذا عدة ساعات
كان المزارع خلالها يبحث الموقف ويفكر كيف يستعيد الحصان؟
ولم يستغرق الأمر طويلاً كي يقنع نفسه بأن الحصان قد أصبح عجوزاً وأن تكلفة استخراجه تقترب من تكلفة شراء حصان آخر هذا إلى جانب أن البئر جافة منذ زمن طويل وتحتاج إلى ردمها بأي شكل.
وهكذا نادى المزارع جيرانه وطلب منهم مساعدته في ردم البئر كي يحل مشكلتين في آن واحد، التخلص من البئر الجاف ودفن الحصان وبدأ الجميع بالمعاول والجواريف في جمع الأتربة والنفايات وإلقائها في البئر
في بادئ الأمر، أدرك الحصان حقيقة ما يجري حيث أخذ في الصهيل بصوت عال يملؤه الألم وطلب النجدة وبعد قليل من الوقت اندهش الجميع لانقطاع صوت الحصان فجأة وبعد عدد قليل من الجواريف، نظر المزارع إلى داخل البئر وقد صعق لما رآه فقد وجد الحصان مشغولاً بهز ظهره
فكلما سقطت عليه الأتربة يرميها بدوره على الأرض ويرتفع هو بمقدار خطوة واحدة لأعلى وهكذا استمر الحال الكل يلقي الأوساخ إلى داخل البئر فتقع على ظهر الحصان فيهز ظهره فتسقط على الأرض حيث يرتفع خطوة بخطوة إلى أعلى وبعد الفترة اللازمة لملء البئر اقترب الحصان للأعلى و قفز قفزة بسيطة وصل بها إلى خارج البئر بسلام

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين



موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين




موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين
استيقظ أبو الغصين ذات صباح، وصار يولولُ ويصيحُ، فاجتمع الجيران، وطرقوا الباب، وقالوا:
- ما بك؟ هل أصابك مكروه؟ لقد سمعنا صُراخاً؟!
فقال لهم: إن قميصي كان منشوراً على حبل الغسيل فوق السطح، ثم هبَّت الريح وقذفت به من فوق.
فقالوا: وإذا سقط من فوق؟! فهو مجرد قميص من قماش!
فحملق في وجوههم وصاح: أيها الحمقى لو كنتُ فيه كنت وقعتُ معه؟! ما أبْأسَ الحياة مع مغفلين من أمثالكم.
ثم أخرجهم وأغلق الباب! وأحضر القميص يتفقده فوجده سليماً وقال:
- الحمد لله أنني لم أكن فيه.
ثم لبسه وجاء بمبخرة يتبخر بها فاحترق ثوبه، فخاف وصاح فاجتمع الجيران،
وقالوا:
- ماذا حدث لك؟
قال: احترقتُ،
قالوا: ولكنَّا نراك سليماً!
قال: كدتُ أحترق بسبب المبخرة.
قالوا: اترك البخور، واجعل مكانه عطراً.
فقال: أيها الحمقى! تطمعون أن أترك المبخرة لتأخذوها، هيا أخرجوا.
ثم خلع ثيابه وجعل يتبخر ويقول:
- والله لا أتبخر بعيد اليوم إلا عرياناً.
ثم ارتدى ثوبه وخرج إلى السوق واشترى رأساً مشوياً، واشتهى أن يأكل منه، فأكل العينين ثم الأذنين ثم اللسان فالدماغ، ومسح فمه وحمل الباقي إلى أبيه وقال:

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين
- جئتك برأس مشوي.
فقال أبوه: أين عيناه؟
قال: كان أعمى.
قال الأب: فأين أُذناه؟
قال أبو الغصين: كان أصم لا يسمع.
قال: فأين لسانه؟
قال: كان أخرس.
قال الأب: فأين دماغه؟
قال: كان أقرع، فغضب الأب وقال: رُدَّهُ، أو بَدِّلهُ.
قال أبو الغصين: لقد اشتريته بريئاً من كل عيب،
فقال الأب: صدقت وإنما العيب فيك!!
وخرج بعد العصر إلى ساحة الحي فوجد واحداً من جيرانه يقول:
- مَنْ يحسب لي مقدار ما جاءني من محصول؟ فإني لا أجيد الحساب.
فقال أبو الغصين: أنا أحسبه لك بأصابعي.

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين
قال الرجل: عندي كيسان من شعير،
فعقد أبو الغصين الخنصر والبنصر. فقال الرجل:
- وعندي كيسان من قمح،
فعقد أبو الغصين السبابة والإبهام وترك الأصبع الوسطى؟! فانتبه الرجل وقال:
- لماذا لم تحسب الوسطى؟
فقال أبو الغصين: كي لا يختلط القمح بالشعير.
فقال الرجل وقد شعر أنه أمام أحمق:
- إنك تجيد الحساب! ولولا طريقتك لتعبنا في عزل الحنطة عن الشعير!
وعند المساء ضاع أخوه الصغير فخرج مع أحد أصحابه يبحث عنه.
رفع صوته وهو يصيح:

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين
- ولد ضائع، من رأى ولداً ضائعاً، أبوه له لحيةٌ مصبوغة،

فلطمه صاحبه وقال: وهل هذه علامة يُعرفُ بها الصبي أيها الغبي؟
فقال: ماذا أقول؟ قال: اعْطِ علامات مميزة من طول ولون وشعر وثوب.
ثم التفت فرأى أخاه خلفه فقال: ويحك أين كنت؟
قال: سمعت صوتك، وأنت تبحث عن صبي لِحيةُ أبيه مصبوغةٌ، فتذكرت أن أبي يصبغُ لحيته، وقلت لعلي أكون أنا الذي تبحثون عنه!
فتوقف صاحبه وقال: لقد ابتُليتُ بأسرة من الحمقى! والله لا أتابع معكم.. إنني أخشى أن أضيع ولا تعرفوا لي علامة.
فتركهما ومضى.


موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين




موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين


موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين
قصة: د.طارق البكري رسم: غياد عيساوي






موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين



باضت دجاجة بيضة على الطريق..
رأى البيضة عصفور صغير.. تعجب!
"ما أكبر هذه البيضة؟؟ أظنّ أنّها تسعني أنا وإخوتي الصغار..!"، قالها باستغراب..
كان العصفور يعرف شكل بيض الطيور.. ولأوّل مرة يشاهد بيضة دجاجة..
عاد إلى أمّه خائفاً.. أخبرها بما رأى..
فضحكت الأم وقالت: هذه بيضة صديقتنا الدجاجة.. فأولادها الكتاكيت أكبر من العصافير.. والدجاجة تكبر بسرعة.. وعشّها أكبر بكثير من عش طائر صغير..
قال العصفور لأمّه: لكنّك حدثتنا سابقاً - أنا وإخوتي - عن النسور وأعشاشها.. والطيور الجارحة وأحجامها.. فخفت أنْ تكون بيضة طير جارح..
قالت الأم: يا بني، إنّ الطيور الجارحة تبني أعشاشها فوق الجبال وفي أعالي الشجر.. أمّا الدجاجة فتبيض على الأرض في عشّ تصنعه بعناية. ومثلها صديقتنا البطة.. وعمتنا النعامة.. لكنّ بيضة النعامة كبيرة جداً.. وهي مثل كل مخلوقات الله تحب أطفالها وتخشى على بيضها من الأخطار... ويبدو أنّ الدجاجة باضت وهي في الطريق.. وربما حاولت نقل البيضة فلم تستطع وأبقتها في مكانها ثم تعود لتجلس عليها وتحرسها حتى تفقس ويخرج منها كتكوت صغير..
قال العصفور لأمه: ما رأيك يا أمي أن نساعد الدجاجة ونوصل البيضة لبيتها؟؟
قالت الأم: فكرة... هيا بنا يا بني..
طار العصفور وأمه.. وراحا يدحرجان البيضة بريشهما الناعم.. يدفع العصفور الصغير البيضة فتتلقاها أمّه.. ثم تدفعها الأم بريشها فيسرع الصغير فيتلقاها.. واستمرا على هذه الحال حتى أوصلا البيضة إلى عش الدجاجة..
كانت الدجاجة تجلس على بيضها.. لما رأت البيضة.. وما فعل العصفور وأمّه ركضت إليهما تشكرهما على فعلهما.. ثمّ عاوناها لتحمل البيضة إلى العش.. ورقدت الدجاجة فوقها تمدّها بالحرارة والعطف حتى يخرج الكتكوت منها...

موسوعة القصص المصورة للأطفال الحلوين


يتبع







2 
مجدى سالم










بقلم : عبد الودود يوسف



رسوم : هيثم حميد




ـ1ـ
بسم اللهِ الرّحمنِ الرحيمِ
ألمْ ترَ كَيفَ فعَلَربُّكَ بأصحابِ الفيلِ (1) ألمْ يجعلْ كيدهُمْ في تضليـلٍ (2) وأرسَلَ عليهمْ طيراًأبابيلَ (3) ترميهمْ بحجارةٍ منْ سجيلٍ (4) فَجَعَلهُمْ كَعَصْفٍ مأكولٍ(5)
كيف فَعَلَ ربّكَ بأصحابِ الفيلِ ؟!!
كانَ الملكُ ذو نواسيُشرِفُ بنفسهِ على حفرِ الخنادقِ وإشعالِ النّيرانِ فيها بينما كان عشرونَ ألفاًمن المؤمنينَ بِدينِ السيّدِ المسيحِ ينتظرونَ مَصيراً لم يكونوا يتصوّرونهُ . اشتعلت نجرانُ بالنّيرانِ ، ووصلَ لهيبُها إلى كلِّ مكانٍ ، وأخذَ جُندُ ذي نُواساليهودي يُلقونَ بالمؤمنينَ في الخنادقِ يُحرقونهمْ دونَ رَحمةٍ لأنّهم اتّبعوا دينَالتّوحيدِ الخالصِ الذي جاءَ به الرّسولُ المسيحُ عليهِ الصّلاةِ والسّلام . لكنْهل يتركُ اللهُ الظّالمينَ دُونَ عقابٍ ؟!! لابُدَّ أنْ يُهْلِكَهُمْ كَما أهْلكواأتباعَهُ وَجُنْدَهُ ،لكِنْ متى سَيتمُّ ضلكَ . وأينَ ؟!!...

الفارسُ ذوثُعْلُبانْ



كانت أجواءُ اليمنِ تمتَلئُ بالنّارِ وَالدُّخَانِ ، مَعَ قهقَهاتِ الملكِ الفاجرِ ذِي نُواسٍ . كمَا كانت أنّاتُ المؤمنينَ والشهداءِ تملأُ أجواءَ نجرانَ . وكانت صَحراءُ العربِ تشهدُ فارساً عَبقرياً جَعَلَ اللهُ بَينَ يديهِ بِداية الثّأرِ لأولئكَ المؤمنينَ .
كانَ الفارسَ دَوْسٌذُو ثُعْلُبان يَطويْ الصّحراءَ كالبَرقِ ، قَلْبُهُ مَمْلوءٌ بالحَسَراتِ ،وَعيناهُ تَذرِفانِ الدّموعَ عَلى أَهلهِ وأصْحابِهِ وأبنائِهِ الذينَ أحْرَقَهمُ الظّالمُ ذو نواسٍ في نجرانَ . كان قلبُهُ يَشتعلُ بالآلامِ حينَ يذكرُ صُراخَ الأمّهاتِ وبُكاءَ الأطفالِ الذينَ كانت نِيرانُ نجرانَ تأكلُهمْ . كما كانت قهقهاتُ ذي نواسٍ تَغرسُ في دمائهِ أعمقُ الأحزانِ .
ماكان دُوسُ ذوثُعلُبانَ يُريدُ أنْ يَستريحَ لحظةً أوْ يأكُلَ زاداً . طارَ منَ اليمنِ إلى الشّامِ ليَلقى هُناكَ قيْصرَ الرّومِ الذيْ كان يزورُ دمشقَ ليثيرهُ على ملكِ اليمنِ ذي نواسٍ وليُقنِعَهُ بإرسالِ جيشٍ يثأرُ لأهلِ نَجرانَ المحَرَّقينَ .
عبرَ ذو ثُعلُبانَ بوّابةَ بابِ الجابيةِ في دمشقَ . وغُبارُ الصَّحراءِ يُغطيهُ من رأسِهِ حتى قدميهِ .
أسرعَ إلى أوّلِ حمامٍ رآهُ ، دخلَ إليهِ ، ولبسَ ثوبهُ اليَمنيُّ الرَّائعَ الذي أحضرهُ منْ أجلِ مقابلةِ القيصرِ العَظيمِ . وأصلحَ من حَالِ فرَسهِ ، وحملَ سيفهُ ورُمْحَهُ .
وتوجّهَ إلى قصرِالقيصرِ العَظيمِ ، لكن كيفَ يَستطيعُ الوصُولَ إليهِ ، اتجهَ إلى الكنيسةِ العُظمى . دخلها وصلّى فيها فأثارَ مَنظرهُ كاهِنَ المعْبدِ ، اقتربَ منهُ ، فقالَ لهُ ذوثعلُبانِ :
ـ أنا من اليَمنِ ،إسمي ذو ثعلبانَ ديني المسيحيةُ ، هل أستطيعُ رؤيةَ الكاهنِ الأعظَمِ ؟!! وهذهِهديةٌ تَليقُ بك .
وأخرجَ منْ جيبهِ كِيساً مَمْلوءاً بالذّهبِ ، ودفعهُ إليهِ .
همس الكاهنُ :
ـ سَأوصلكَ إليه فوراً . اتبعني .
وبعدَ دقائقَ دخلَ ذوثُعلبانَ إلى الكاهنِ الأعظمِ ، فلمّا وقفَ أمامهُ كسَرَ رُمحهُ ، وخمشَ وَجهَهُ ،وصرخَ :
ـ يا للعارِ يَلحقُ بدينِ المسيحِ ، سالتِ الدّماءُ من وَجههِ وأثار مَشهدهُ الكاهنَ الأعظمَ ، صاحَبهِ الكاهنُ:
ـ سَنرفعُ عنكَ العارَ يا ذا ثعلبانِ . قل ماذا حدثَ لكَ ؟ .
صَرخَ ذُو ثعْلبانَ :
ـ يا ليتَ الكارثةَ قدْ وقعتْ بيَ وحدي يا سيّدي .لقد أحرقَ ذو نواسٍ الكافرُ أتباعَ السّيدِ المسيحِفي نجرانَ . ألقى الأطفالَ والنّساءَ والكُهَّانَ في خنادِقِ النّيرانِ .
صرخَ الكاهنُ الأعظمُ :
ـ يا لثاراتِ الشّهداءِ ، لنْ أنامَ ، ولنْ أتناولَ الطّعامَ حَتّى يُرسلَ معَكَ القيْصرُ أعظمَ جيوشِهِ للثّأرِ للشّهداءِ ، فهيّا معيَ إلى القصْرِ .
ما كان ذو ثعْبانَ يظنُّ أنّهُ سَيَصلُ إلى القصرِ بهذِهِ السُّهولةِ . فلمّا دّخلَ القصْرَ معَ الكاهِنِ الأعْظمِ كانَ يُدَبِّرُ خِطّةً ناجحةً لإثارةِ القيصرِ كَما أثارَ الكاهنَ الأعظَمَ .
تقدّمَ الكاهنُ فيقاعة القيصر إلى عرشهِ الامبراطوري ، ووقفَ القيصرُ إجلالاً لهُ ، وَوَقفَ الوزراءُ والقادةُ كُلُّهمْ لِوقوفهِ . صرخَ الكاهنُ :
ـ يا لثاراتِ الشّهداءِ ؟!! صمَتَ الجميعُ بينما كان ذو ثعلبانَ يُمزقُ ثيابهُ ، وَيَجرحُ وَجههُ .
همسَ القيْصرُ :
ـ نحنُ لثأرِكَ يامَولانا ، قلْ مل ما تريدُ ونحنُ تحتَ أمرِكَ .
صرخَ الكاهنُ :
ـ اسمعْ لليَمَن يدَوسٍ ذي ثُعلُبان .
فلمّا حدّثهُ ذوثُعلبانَ صرخَ :
ـ وَيْلكَ يا ذا نُواس، قدْ حَلّتْ عليكَ اللّعنةُ ، ستأكُلُكَ جُيوشُنا ، وتَنتقمُ لشُهَدائنا .
صرخَ القيصرُ وصَوتهُ يَرتجفُ منَ الغَضبِ :
ـ اكتب أيّها الوزيرُ كتاباً إلى نجاشي الحَبشةِ كي يُرسلَ إلى اليمنِ أعظمَ جُيوشِهِ ليذبَحَ ذا نواسٍ وليثأرَ للشهداءِ . أعطِ الرسالةَ لذي ثعلبانَ ، وأرسلْ معهُ مائةَ فارسٍ وخادمٍ يسيرونَ معهُ إلى النّجاشي لتنفيذ أمرنا فَوراً .
خَرَجَ ذو ثعلبان من بلاطِ القيْصرِ وهوَ يُدمدمُ :
ـ بدأ الثأرُ يا ذانُواس . لن أهدأَ حتّى أذبحكَ كمَا ذَبحْتَ المؤمنينَ .

الطريقُ طويلٌ



سارَ ذو ثعبانَ شهوراًىكاملةً مع فُرسانهِ وخدّامهِ ، كانَ كلَّ يَومٍ يَقرأُ رسالةَ القيصرِ إلى النّجاشي مرّتين . مرّةً حينَ يستيقظُ ، ومرّةً حينَ ينامُ . ولا يكادُ ينتهي منها حتى يقفزَقلبُهُ منَ الفرحِ . كانتْ نفسهُ تهتفُ لهُ :

ـ إن كنتَ يا ذانُواسٍ تستطيعُ قتلَ المؤمنينَ الأبرياءِ ، فالله قادرٌ على الانتقامِ منكَ بأيديمنْ همْ أقوى منكَ .
كانَ فُرسانهُ يُحيطونَبهِ كالملكِ ، وكانَ بَيْنهمْ قائداً عبقرياً حَقّاً ، وَجهٌ رائعٌ ، وذكاءٌ لامعٌ، ونفسٌ هنيةٌ ، وقلبٌ حزينٌ ، وكفٌّ كريمةٌ . لكن أينَ أنتِ يا حبشةُ؟!!
هل يستجيبُ النّجاشيّ ؟


تهيّأ فرسانُ الحبشةِلاستقبالِ وفدِ القيصرِ ، كانَ ذو ثعلبانَ يسيرُ وسطَ المائةِ فارسٍ وقلبُهُ قَلقٌ، ونفسُهُ مملوءةٌ بالمخاوِفِ أنْ يجدَ النّجاشي لنفسهِ عُذراً فلا يلبي طلبَ القيصرِ .

صاحَ قائدُ حرسِ القيصرِ عندما دخلَ ذو ثعلبان إلى بلاط النّجاشي :
ـ أهلاً برُسلِ القيصرِ ... أمرهمْ على الرّأسِ والعينِ .
وقفَ القادةُ كلّهمْفي قاعةِ النّجاشي وهُمْ يُتابعونَ حركاتِ ذي ثعلبان الهادئة اقتربَ من النجاشيوأحنى رَأسهُ ، ورَكعَ على رُكبتيهِ ، وقدّمَ رسالةَ القيْصرِ . ثم وقفَ ينتظرُ . قرأ النّجاشيُ الرّسالةَ ، ثمَّ نظرَ إلى ذي ثعلبان . فوضعَ ذو ثعليانَ أظافِرَهُ في وَجْههِ ... وغرسها حتى سَالتْ منهُ الدّماءُ ، ووقعتْ قطراتُها على الأرضِ عندَقدمي النّجاشيِّ حَمراءَ ساخنةً ، وذرفَ الدَّمعَ وهو يَهمسُ :
ـ يا لثاراتِ دينِ المسيحِ ، يا لثاراتِ أهلي وأطفالي وأمّةِ نجرانَ كلِّها .
وقفَ النجاشي بقوةٍ ،ثمّ نظرَ إلى يمينهِ وشِمالهِ وتقدّمَ ، فوقفَ الموجودونَ ، كُلَّهمْ لِوقوفهِ صرخَ :
ـ على القائدينِ أبرهةَ وأرْياطَ أنْ يُجهِّزا جيشاً كبيراً لغزوِ الكافر ذي نُواسٍ في اليمنِ .
صاحَ القائدانِ :
ـ سمعاً وطاعةً يامَولايَ .
بينما كان النجاشي يقتربُ منْ ذي ثعلبانَ ، ويمسحُ بيدهِ دماءَ وجْههِ ودموعَ عَينيهِ .
انحنى ذو ثُعلبان وقبّلَ رِداءَ النجاشي ، فرَفعهُ النجاشي وقال لهُ :
ـ سَتكونُ أنتَ ملكَ اليمنِ بعدَ زَوالِ الفاجرِ ذي نواسٍ ، وسأُرسلُ معكَ جَيشاً لمْ ترَ اليمنُ أكبرَ منهُ ، فهلْ يُرضيكَ هذا ؟!!..
همسَ ذو ثعلبانَ :
ـ وهل نسيرُ غداً إلى اليمنِ يا مولانا ؟!! أمْ أسبقُ الجيشَ لأُمهّدَ لهُ الطّريقَ .
ابتسمَ النجاشيُّ وقال :
ـ لا .. لا .. ستذهبُ مَع الجيشِ ، وجيشُنا القويُّ لا يحتاجُ إلى تَمهيدٍ . وسَتقتلُ ذا نواسٍ بيَدَيكَ، وغداً تُسافرونَ إلى اليمنِ إنْ أردتَ ذلك .
ركعَ ذو ثعلبانَ مَرةًأُخرى ، وقبّلَ طرفَ رِداءِ النَّجاشيّ ، وانسَحبَ منْ بلاطهِ إلى القصرِ الذّي أمَرَ النَّجاشي أن يَنزلَ فيه .
لمْ ينمْ ذو ثعلبان تلكَ اللّيلةَ ، كان يُصلي لله حَمداً وشُكراً ويصقلُ سَيْفهُ ، ويُهيّئ بيدهِ رُمحاً خارقاً ، وتُرساً حبشياً نادراً .
ماذا سيَحدُثُ للملكِ الظَّالمِ ذي نواسٍ ؟!!
عبَرَ جَيْشُ أبرهةَ وأرياطَ الضّخمُ مَضيقَ بابَ المندبِ إلى اليمنِ وكانَ أوّلَ عابرٍ هو ذو ثعلبانَ ،فلمّا خرجَ منَ البحرِ إلى برِّ اليمنِ ، رفعَ يدهُ برمحهِ ، وغرسهُ في الأرضِ بكلِّ قُوّتهِ وصرخَ :
ـ غداً سنثأرُ يا ذا نواس ، سننتقمُ لأرواحِ المؤمنينَ الذينَ أحرقتهمْ في خنَادقِ نجرانَ.
وبعدَ أيّامٍ كان جيشُ أبرهةَ وأرياطَ يقفُ أمامَ جيشِ ذي نواسٍ ، وَهيهاتَ لذي ثعلبانَ أن ينتظرَ ،هَجَمَ على ذي نواسٍ ، وَ هَجَمَ الجيشُ كُلُّهُ بَعدهُ . وفي أقلَّ من ساعةٍ انهزمَ جيشُ ذي نواسٍ ، لكنْ هيهاتَ أنْ يُفلتَ من قبضةِ ذي ثعلبانَ ، هَرَبَ ... فلحقهُ ذو ثعلبانَ رَغمَ الجِراح التي كانتْ تملأُ جَسَدَهُ من ضَرَباتِ حُرّاسِ ذينواسٍ وأعوانهِ . كانَ دمهُ يَنزفُ بغزارةٍ لكنَّ رُوحهُ كانتْ أقوى منهُ ، كان يريدُ أنْ يقتلَ ذا نواسٍ مهما كلّف الأمرُ .
كان معهُ بعضَ جنودِ الحبشةِ . اقتربوا من البحرِ ، ولمّا لم يجد ذو نواسٍ مفراً ، خاضَ بفرسهِ البحرَ ،بينما كانت سهامُ ذي ثعلبان تلاحقهُ ، فلمّا اختفى في البحرِ غريقاً همسَ ذو ثعلبان :
ـ الحمدُ للهِ ، لقدِانتقمَ الله منكَ أيّها الظّالمُ ، فليفرحِ الشّهداءُ المؤمنونَ .
ثمَّ سقطَ على الأرضِ ميتاً وهو يبتسمُ .
صاحَ القائدُ أبرهةُ :
ـ إنّهُ قدّيس .
وصاحَ القائدُ أرياطُ :
ـ إنهُ أعظم القدّيسينَ إنّهُ ملِكاً كما قال النجاشي .
همسَ أبرهةُ :
ـ أمَا وقد ماتَ فمنْ سَيكونُ الملكَ بَعدهُ ؟!!.
قهقهَ أرياطُ وقالَ :
ـ أنا أصبحُ ملكاً يوماً ، وأنتَ تُصبحُ بعدي ملكاً يوماً آخرَ .
قهقهَ أبرهةُ وصرخَ :
ـ أنا القائدُ الأوّلُ .
وصَرَخَ أَرياطُ :
ـ بل أنا القائدُ الأوّلُ ، والملكُ لي وحدي .
رفعَ أبرهةُ سيفهُ ،ووضعَ أرياطُ يدهُ على خنجرهِ ، وانقسمَ جَيشُ الحبشةِ إلى قسمين وكادت تقعُ بينهما حربٌ مدمرةٌ . صاحَ أبرهةُ :
ـ نرسلُ إلى النجاشي ،وننتظرُ أمرَهُ .

وصاحَ أرياطُ :
ـ سيوليني النجاشي مَلكاً على اليمنِ لا شكّ .
صرخَ أبرهةُ وهويبتعدُ :
ـ سنرى ...؟!! سنرى؟!!.
من سيفوزُ في الحربِ؟؟.
لم يكن أبرهةُ يطيقُ أن ينتظرَ عندما علمَ أنَّ القائدَ أرياطَ يتصلُ بقادةِِ جيشِهِ ، ويُغريهمْ بالوقوفِ إلى جانبهِ ، ويعدُهمْ بأعظمِ المناصبِ إنْ همْ وقفوا معهُ ضدّ أبرهة . جمعَ أبرهةُ قادته وقال لهم :
ـ إنّ أرياط لا يُريدُ انتظارَ أمرَ النجاشي فلابدَّ أن نقتلهُ .
همسَ القادةُ :
ـ ونحن معك .
لكنَّ أرياطَ كانَ جَيشهُ للقضاءِ على أَبرهةَ . وقفَ الجيشانِ متقابليْنِ صاحَ أَرياطُ :
ـ يا أبرهةُ ، تعالَ نَحسمِ المعركةَ دونَ أن تذهبَ دِماءُ جيشِ الحبشةِ في هذه البلاد الغيبةِ . تعالَ للمبارزةِ ، فإمّا أنْ تقتلني وإمّا أن أقتلكَ .
أسرعَ أبرهةُ وخلفهُ حارِسهُ عَتودةُ . وهجمَ على أرياطَ يُريدُ قَتلهُ ، لكنَّ سيفَ أرياطَ كان أسرعَمنهُ ، أّصابَ وجهَ أّبرهةَ فقطعَ أنفهُ وشَفتهُ وذقنهُ فَشَرمهُ ، وأسرعَ عَتودةُ حارسُ أبرهةَ إلى أرياطَ ، وغرسَ رُمحهُ في عُنِقِهِ فقتَلَهُ .
صاحَ عتودة :
ـ الأحباشُ يَدٌ واحدةٌ مع أبرهةَ .
فصاحَ الجيشانِ :
ـ كُلُّنا مع أبرهةَ .
رَكِبَ أبرهةُ إلى قَصرِهِ لِيُداوي فيهِ جِراحهُ ، لكنَّ شفتُهُ بقيتْ مشقُوقَةً فَسمّاهُ العَربُ أبرهةَ الأشرمَ .
رسالةٌ من النّجاشي
امتلأ قلبُ أبرهة بالخوفِ حِينَ وصلتهُ رسالةٌ من النجاشي يقولُ لهُ فيها :
ـ واللهِ سأقتلُكَ ،سَأدوسُ أَرضكَ ، سَأذِلُّكَ ، سَأحلِقُ شعرَ رأسِكَ كالعبيدِ ، كيفَ تقتلُ قائدي أرياطَ ؟!!.. أيّها الأحمقُ ، تُريدُ أنْ يكونَ لكَ مُلكُ اليَمنِ دونَ إذني ،سَأقودُ جَيشاً بِنفسي لأؤدِّبكَ .
اشتعلتِ الحُمّى فيجِسمِ أبرهةَ المريضِ خوفاً منَ النّجاشي أن يقتُلهُ أو يعزِلهُ عنْ مُلْكِ اليمنِ فمَاذا يفعل ؟!
صرخَ :
ـ آتوني بقدرٍ منْذهبٍ .
فلمّا أَتوهُ بهِ صاحَ :
ـ املؤوهُ مِنْ تُرابِ اليمنِ ، وعطّروهُ .
ففعلوا . صرخَ :
ـ أيّها الحلاّقُ ،احْلِقْ رأسي كُلّهُ .
فلمّا حلقَ لهُ ، صاحَ :
ـ هاتوا صُندوقاً مُطَعّماً بالماسِ والجوهرِ .
فلمّا أتوهُ به وَضَعَ به شعرهُ ، ثمَّ تناولَ ورقةً وقلماً وكتبَ :
ـ سيّدي وَمولايَ النجاشي . دمي فِداؤكَ ، وأنا عَبدُكَ المطيعُ ، أَرسلتُ لكَ تُراباً من أرضِ اليمنِ لِتدوسهُ . وقصَصْتُ لكَ شَعري كلّه كما أحْبَبْتَ لتَبَرَّ بيَمينكَ ، ولاحاجةَ بك أن تَأتيَ إلينا فأنا تحتَ أمركَ ، أنا آتٍ إليكَ عَبداً ذليلاً إنْ أَردتَ ، إنني بانتظارِ أمركَ .
ابتسمَ النجاشيُّ حينَ قرأ رسالةَ أبرهةَ ، فأرسلَ إليهِ أنّهُ قدْ رضيَ عنهُ ، وأنّهُ قد عيّنهُ ملكاًعلى اليمنِ .
القُلَّيسْ
كانَ سرورُ عظيماً بجيشِ الحبشةِ وبأبرهةَ الذّي خلّصهمْ منْ الظّالمِ ذي نواسٍ .
أعلنَ المؤمنونَ دِينهمْ ، وبنَوا الكنائسَ في كُلِّ مكانٍ ، لكنَّ ضَنعاءَ لَمْ تكنْ تحوي كنيسةً مَلَكيةً ، وهلْ تقومُ مَملكةٌ دونَ كَنيسةٍ ملكيةٍ . وَكُهّانٍ عِظامٍ؟!!.
وتحوّلتْ صنعاءُ كُلُّها إلى ورشةٍ عظيمةٍ لبناءِ كنيسةِ الملكِ أبرهة . وما زالَ البَنّاؤونَ يَرفعونَ بناءَها حتى ناطحتِ السّحابَ ، كانَ النّاسُ يَنظرونَ إليْها فلا يَرونَ آخِرها حتى تقعَ قلانسُهُمْ عنْ رؤوسهمْ .
مَلأها أبرهةُ بالكُهّانِ ، فأصبحتْ آيةً من آياتِ الدُّنيا الرّائعةِ ، بناءً لمْ تعرفْ لهُ اليمنُ مَثيلاً إلا قصرَ بلقيسَ العظيمَ الذي أخذَ أبرهةَ أحجارَهُ وَرُخامهُ ومرمرهُ ليَبني بهِ كَنيستهُ الهَائلةِ .
كانت قوافلُ قريشٍ تدخلُ صَنعاءَ ، فيَدورُ رجالها حولَ كنيسةِ الُلَّيسِ يَتفرجونَ عليها ويقولونَ :
ـ ما أروعها وما أعظمها .
لكنهم ما كانوا ليدخلوها لأنّ عندهمُ الكعبةَ بَيتَ اللهِ الذي بناهُ النبيُ إبراهيمُ عَليهِالصّلاةُ والسَّلامُ .
دخلَ أبرهةُ كنيستهُ مَعَ وفدِ النجاشيِّ الذّي جَاءَ ليَرى الكَنيسةَ المذهلةَ . وامتلأتْ نفسُ أبرهةَ فَرَحاً بِها وعَادَ الوفدُ إلى النجاشيِّ ليُخبرهُ بمَا رَأى ومَعهُ رسَالةٌ منْ أبرهة .
يَقولُ لهُ فيها :
ـ أصبحَ شعبُ اليمنِ كُلّهُ على دِينِ المسِيحِ ، وسَأعملُ على إيصالِ ديننا إلى أبعدِ مكانٍ في بلادِ العَربِ ، وسأوافيكَ بالأخبارِ عَن كلِّ انتصارٍ ، وسَأجعلُ العَربَ كُلَّهمْ يَحجّونَ إلى القُلَّيسِ ، وَيتركونَ الحَجَّ إلى الكَعبةِ في مكّة .
أبرهةُ الأشرمُ مَاذا يفعلُ ؟!
فُوجئَ أهلُ مَكّةَ برسُولِ أبرهةَ إليهمْ ، جَلسوا إليهِ في دَارِ النّدوةِ ، قال لهمْ :
ـ إن المَلكَ أبرهةَ يأمركمْ أن تَحُجُّوا إلى كَنيسةِ القُلَّيسِ في صَنعاءَ ، وتتركوا الحجَّ إلى الكعبة في مكةَ .
صاحَ عَبدُ المطلبِ :
ـ ويْلكَ ، أنتركُ دِينَ إبراهيمَ ، وكعبةَ ربِّنا التي بَناها نبيّهُ ، ونحجُّ إلى كنيسةِ صنعاءَ .. لا .. لا.. لا يمكنُ لهذا أن يكونَ .
وضجَّتْ أحياءُ العَربِ كُلُّها بأمرِ أبرهةَ الأشرمِ ، ورَفضوا كلُّهمْ ما أرادهُ . وصلَ الرُّسُلُ إلى إلى أبرهةَ ، وأبلغوهُ ما سمعوهُ من قبائلِ العربِ ، فطارَ صوابُه ،كيفَ ترفضُ العربُ دينهُ وقَدْ أتى ليُنقذَهمْ من الملوكِ الذينَ كانوا يَظلمونهُمْ؟!
وَفوجئ أبرهةُ بمَالَمْ يكنْ يَتوقعُهُ . قبلَ أنْ تطلعَ الشّمسُ ، أسرعَ إليهِ وزيرهُ وهمسَ لهُ :
ـ سيّدي أبرهة ، كاهنُ كنيسةِ القُلّيسِ يرجو رؤيتكُم .
نَهَض أبرهةُلاستقبالهِ بِنفسهِ ، رآهُ يقطرُ وجههُ بالغَضبِ ، عَجِبَ لهُ ، هَمَسَ رئيسُ الكُهّانِ :
ـ أدركْ شرفكَ وَشَرفَ دينِكَ يا مولايَ ، دخلَ إلى كنيسةِ القُلّيسِ بَعضُ عَربِ مكّةَ ، فلمّا خَرَجوا وجَدنا في الهيكلِ بقاياهُمْ النّجسةَ ، فهلْ تتصوّرُ أفظعَ من هذهِ الإهانةِ لبيوتِ اللهِ ؟!! صرخَ أبرهةُ :
ـ يا ويْلهم ، لابُدَّ أن أؤدِّبهمْ..
لكنَّ حديثهما لم يتمّ حِينَ دَخلَ مجموعة من الكهّانِ يَصرخونَ :
ـ كنيسةُ القُليسِ تحترقُ ، أدركنا يا مولانا الكاهِنُ الأعظمُ .
ردّدَ أبرهةُ :
ـ تحترقْ ؟!! واللهِ لأهدِمنَّ كعبتهمْ ، واللهِ لأنهبنّ بِلادهمْ ، غداً يَروْنَ ماذا سَأصنعُ بهم؟.
كانَ غضبُ نجاشيِّ الحبشةِ أشدَّ منْ غضبِ أبرهةَ حينَ علمَ بما حدثَ في كنيسةِ القُلّيسِ . أرسلَ لأبرهةَ جَيشاً ضخماً ، وأرسلَ لهُ أكبرَ أفيالهِ ليَهدمَ بهِ الكعبةَ ، فَلمّا وَصَلَ فيلُ النجاشيِّ إلى صنعاءَ انتشرَ خبرَهُ بَينَ قبائلِ العربِ كُلها .
خرجَ جيشُ أبرهةَ الضخمُ مُتوجّهاً من صَنعاءَ إلى مكّةَ ليهدمَ كعبتها ، وَينهبَ أهلها ، ويُجبرَالعربَ على الحَجِّ إلى كنيسةِ القُلّيسِ في صنعاءَ .
البطلُ العظيمُ ذونَفْر
كانَ النعاسُ يُغالبُ الحارسَ قُماهَةَ ، فقدْ اقتربَ الفجرُ وكادَ النّهارُ يُطلُّ على الدنيا ، لكنّهُ طَرَدَ النَّومَ منْ عينيهِ حينَ رأى مجموعةً منَ الفُرسانِ يَقتربونَ من مضاربِ قبيلتهِ ، أخذَ سَيفهُ ، وأطلقَ كلابهُ ، التّي أسرعتْ تنبحُ بعُنفٍ ، فأيقظتْ رِجالَ القبيلةِ كُلَّهُمْ . خرجوا برماحهمْ وخناجرِهمْ ، وركبوا خيولَهمْ حينما رَأوا أن الفرسانَ القادمينَ ملثمونَ . أسرعَ أحدُ الفرسانِ القادمينَ ، وكشفَ لِثامهُ ، وألقى سَيفهُ أمامَ مَضاربَ القبيلةِ ، فألقى قُماهةُ سَيفهُ واقتربَ منه، همسَ الغريبُ :
ـ الملكُ ذو نفرٍ ملكُ قبائلِ اليمنِ قدْ أتاكمْ .
هَلّلَ الرِّجالُ :
ـ يا مَرحباً بالملكِ، يا مرحباً بالعزيزِ ، الأرضُ أرضُكَ ، والبلادُ بلادكَ .
أسرعَ الرِّجالُ إلى النيران فأوقدوها ، وقام النّساءُ يَنقلْنَ المياهَ ، بينما كانَ اليمنيُّ ذو نفرٍ يُعانقُ شيخَ القبيلةِ . همسَ شيخُ القبيلةِ :
ـ بكَّرتنا بالخيرِ يامولايَ ؟
همسَ ذو نفر :
ـ أتيتُكمْ بخبرِالسّوءِ ، لا بالخيرِ ، أبرهةُ الأشرم الحبشيُّ في طريقهِ الآن إلى مكة ليَهدمَ الكعبةَ فماذا أنتمْ فاعلون ؟!!
هتفَ شَيخُ القبيلةِ :
ـ ويْلَهُ لنْ يصلَ إلى ما يُريدُ إلاّ على أعناقنا .
صاحَ ذو نفرٍ :
ـ حَيّاكَ اللهُ ياشيخُ ، فقد اكتملَ منّا جَيشٌ منْ قبائلِ اليمنِ كلّها ، وموعدُنا بعدَ ثلاثةِ أيّامٍ معَ جيشِ أَبرهةَ على مسيرةِ سِتةِ أيامٍ منْ صنعاءَ .
هتفَ شيخُ القبيلةِ :
ـ سنكونُ معكَ يامَولايَ وإن شئتَ خَرجنا معكَ الآنَ .
غادرَ ذو نفرٍ مضاربَ القبيلةِ ، لم يَأكلُ فيها شيئاً فقدْ أقسمَ ألاّ يهنأَ بطعامٍ حتى يَقتلَ أبرهةَالأشرمَ . غابَ في الأفقِ معَ فرسانه الملَثمينَ ، بينما اكنَ رجالُ القَبيلةِ يتفقدونَ سُيوفهمْ ورِماحهمْ ، ويُودِّعونَ أطفالهمْ ، كيْ يَلحقوا بالملكِ ذِينَفْرٍ ، وليُحاربوا مَعهُ أبرهةَ الحَبشي الأشرمَ .
ذو نفرٍ هل ينتصرْ؟؟
لمْ يكنْ أبرهةُ الأشرمُ يظنُّ أنّهُ سَيُقاتلُ جَيشاً لهُ شراسةُ جيشِ ذي نَفرٍ وحيلتهِ ، اصطدمَ معهُ فُجأةً ، وكان كلُّ مُقاتلٍ معهُ يَهجُمُ على المائةِ منْ جُنودِ أبرهةَ دُونَ أن يَهابَ .
كانت صَرَخاتُ ذونفْرٍِ تَهُزُّ وِجدَانَ كُلِّ رَجلٍ من رِجالهِ :
كانَ يصرُخُ مَعَ قرعِ الطبُولِ :
ـ منْ كانَ يريدُهَدمَ الكعبةِ فليَهربْ !! من كانَ يرضى أن يُداسَ بيتُ اللهِ فليهربْ !!
ما قُتلَ جنديٌّ منجنودِ ذي نَفْرٍ إلاّ وقتلَ عدداً من جُنودِ أبرهةَ . لكنْ هَيهاتَ للعَددِ القليلِ أنْ يثبُتَ أمامَ جيشٍ يَفوقُهُ عَشراتِ المرّاتِ . لكنَّ رَجُلاً واحداً من جيشِ ذي نفرٍ لمْ يهربْ .. ماتوا جميعاً أو أُسِروا ، أمّا هوَ فقد توغَّلَ في جَيشِ العدوِّ يقتلُ جُندهُ حتى تكسّرَ سيفُهُ ورُمحُهُ وخِنجرهُ فأسَرَهُ الجُنودُ وأخذوه فَوراً إلى أَبرهةَ .
نظرَ إليهِ أبرهةُساعةً منْ زمانٍ ، ثمّ قالَ لهُ :
ـ أراكَ قد جُننتَ يَاذا نفرٍ ؟!.. أَمِثلَ جَيشنا يُحارَبُ ؟!!.. ألا تعرفُ أَننا لا نُغلبُ ، وَلنْ نُغلبَ ؟
همسَ ذو نفرٍ :
ـ لو كانَ عِندي رُبعُ جَيشِكَ لما انتصرتَ عليَّ أبداً .
صرخَ به أبرهةُ :
ـ إننا جُنودُ الرّبِّ يا ذا نفرٍ ، ولنْ يَهزمنا أحدٌ .
همسَ ذو نفرٍ :
ـ جنودِ الرّبِّ لايَهدمونَ بيتَ اللهِ الذّي بناهُ نَبيّه إبراهيمُ . الربُّ بريئ منكم .
صرخَ أبرهةُ :
ـ لكنْ بَعدَ أن أهدمَ الكعبةَ ، بيديّ هاتينِ .. وَيرى ذو نفرٍ حِجارتها كومةً أمامَ عَينيهِ .








3 
مجدى سالم






وآمنهم من خوف
ما كانت (أمُّ مُرّة) تستطيع النوم، كان طفلها الوحيد (مُرّة) يتقلّب في فراشه، وجهه حار مثل الجمر، وجسمه يرتجف. كان مرضه خطيراً، وكانت أمه تبكي عليه، لقد ذهب أبوه إلى الغزو ولم يرجع.
كان الليل في منتصفه، والشهر في أوله، وظلام الليل شديد.. شديد.
ملأت (أمُّ مُرّة) كيلاً بالماء، وراحت تصبه في فم طفلها المريض. قالت لنفسها:
"سيذبحني زوجي أبو مُرّة إن مات ابننا مُرّة، لم أجد ربيع السعادة مدة عشر سنين حتى ولدت له طفلنا مُرّة، لقد ولدتُ له سبعاً من البنات قبل مُرّة فأصبح رأس أبي مُرّة بين قومه في التراب خجلاً، إنه شهم كريم، لكنه ما كان ليصبر على أكثر من ذلك لولا أن ولدتُ له ابننا مرّة، فهل يموت مُرّة؟!.. إن مات فلن أبقى في بيت زوجي يوماً واحداً".
سمعتْ حركة خارج الخيام، ثم نبحت الكلاب بعنف، فزغردت (أمُّ مُرّة) وقالت لنفسها:
"عاد الرجال من غزوهم، لابد أنهم قد غنموا مالاً كثيراً".
أسرعت خارجة من خيمتها، لكنها لم تر أحداً قادماً، عجبت لذلك، فصاحت:
- أين أنت يا أبا مُرّة؟ مرحباً بك.. يا مرحباً.. يا مرحباً.
حملتْ طفلها المريض وأسرعتْ به لتستقبل زوجها المحمَّل بالغنائم، وقفت بعيداً تنتظر قدومه لكنها رأت ما أفزعها، رأت الخيام تشتعل بالنيران، وسمعت الصرخات تملأ خيام القبيلة، عرفت أن القادمين هم من الأعداء، أتوا لغزو قبيلتها.
أسرعت إلى الخيام لتنقذ بناتها السبع، رأتهن يبكين وحولهن ثلاثة فرسان. صرخت:
- خذوا المال كله واتركوا لي بناتي.
كانت النيران تلتهم الخيام، والكلاب كلها مذبوحة، والعبيد والبنات والأطفال والأغنام والجمال في ساحة واحدة.
هجمتْ (أمُّ مُرّة) على بناتها تريد تخليصهن، فصرخ رئيس الغزاة: اتركوها..
ساقت بناتها السبع وحاولت الفرار، قهقه الرجال كلهم، اقترب رئيس الغزاة منها فرأت وجهه يلمع بالشر في ضوء النيران المشتعلة في الخيام، كان وجهه مشطوباً بضربة سيف قديمة، صرخ برجاله:
- أمسكوها.
فأمسكوها، مدَّ يده إلى أول طفلة من بناتها، فأمسكها من شعرها ثم رفعها بيده، صرخت من الألم فقطع عنقها وألقى برأسها أمام أمها وهو يتمتم:
- وماذا تستفيدين من البنات يا فاجرة؟
صرختْ أمُّ مُرّة وولولتْ، لكن بناتها السبع ذبحن في لحظات، فسقطت لا حركة فيها من الخوف والحزن.
أفاقت على صيحات عالية:
- أيها الجبناء، لا تفروا، أتاكم أبو مُرّة.
زغردت، فقد عاد زوجها مع فرسان القبيلة من غزوتهم، ذبحوا نساء وأطفال وشيوخ القبيلة المجاورة لأن رجالها كانوا غائبين عن الخيام، يغزون قبيلة أبي مُرّة، فلما عاد الغزاة وجدوا جيرانهم يغزونهم، واشتبك الفرسان، سمعتْ (أمُّ مُرّة) بعد فترة صيحة ألم عالية، إنها صوت زوجها، ثم سمعتْ خبطة على الأرض، ثم هدأ كل شيء. رأت الفرسان يسرعون مبتعدين، فقامت كالمجنونة تبحث عن زوجها، وأخيراً عثرت عليه ..
رأته قد اخترق أحد الرماح صدره، وخرج من ظهره. صرخت:
- يا ويلي، فداك نفسي يا أبا مُرّة.






التفت إليها وسألها: أين مُرّة؟..
قالت له: هو بخير.. بخير.. ومات البنات كلهن.
همس: الثأر يا أم مرة، قتلني الفارس المشطوب، اذهبوا إلى مكة فستجدون عندها الأمن من الخوف، إنها حرم الله الذي لا يغزوه أحد..
ثم همس: أعطني ماء..
ذهبت لتأتيه بالماء، فلما عادت وجدته قد مات..
أسرعت إلى ابنها (مُرّة) فحملته وأتت به إلى مكان جثة أبيه، فلما طلع النهار قالت لابنها:
- ولدي مُرّة، هذا أبوك قد قتله الفارس المشطوب.
صرخ الطفل مُرّة:
- لن أهدأ حتى أثأر لأبي وأخواتي وقبيلتي من الفارس المشطوب..
التفت إلى أمه وسألها: لكنني لا أعرفه يا أماه.
همست له:
- ستعرفه.. ستعرفه.. إننا لاشك سنراه، وسنأخذ رمحه هذا الذي قتل به أباك لتقتله به.
إلى مكة الآمنة
حملتْ (أمُّ مُرّة) طفلها على ظهرها، وراحت تبحث في المضارب عن شيء من مال تأخذه معها، فلم تجد شيئاً، رأت خنجراً وسيفاً فحملتهما، ولبست ثياب رجل، وراحت تسرع إلى مكة ماشية فوصلتها بعد شهر من السير الطويل.. كانت تنام في النهار تحت الرمال أو خلف الأحجار أو فوق الأشجار، وتسير في الليل حتى لا يقتلها اللصوص وقطاع الطرق..
كانت رحلتها رحلة عذاب وخوف، وأخيراً رأت من بعيد جبال مكة، فوصلتها عند منتصف الليل.
دخلت إليها فوجدت كل شيء آمناً، الناس آمنون والكلاب مطمئنة، والإبل والخيول مربوطة على أبواب الدور.




توجهت إلى الكعبة فجلست قربها، ونامت مع طفلها حتى طلع الفجر، فلما أفاقت رأت الرعاء يقودون قطعانهم خارجين وليس معهم سيف ولا رمح، إنهم لا يحملون إلا عصيّهم، همست لنفسها:
"ما أسعد القرشيين، إنهم يعيشون آمنين مطمئنين".
أفاق مُرّة، فهمس لأمه: متى سأرى الفارس المشطوب يا أماه؟
أجابته: لابد أن تراه، لابد أن تراه..
نبح كلب في مكة فامتلأ قلب (أمِّ مُرّة) بالمخاوف خشية أن يهاجم اللصوص بيتها.. لكنها عادت إلى طمأنينتها حين ذكرت أنها في مكة وأنها ليس لها بيت ولا دار. لم تستطع التخلص من مخاوفها إلا بعد عدة أعوام.
شعرتْ أمُّ مُرّة أن حياة القبائل خارج مكة جحيم لا يطاق، حياتهم كلها خوف ورعب وغزو وقتل وشعرت أن مكة آمنة مطمئنة لا خوف فيها ولا رعب ولا قتل، عرفت أن قريشاً هي أسعد قبيلة في جزيرة العرب يسودها الأمن والاطمئنان، فالعرب كلهم يقدسون الكعبة التي بناها إبراهيم في مكة، وقد حرّم عليهم دين إبراهيم الحرب في مكة، كما حرّم عليهم غزوها.
هل هو الفارس المشطوب؟
ألقى الشاب (مُرّّة) في حضن أمه أسورة ذهبية ثمينة وقال لها:
- هذه هديتي لك في هذا الموسم من الحج.

أمسكتها أمُّ مُرّة، ثم ولولت.
عجب لها، قفزت إلى ثيابها فلبستها، وصرخت بابنها:
- من أين لك هذا السوار؟..
أجابها: اشتريته من سوق عكاظ.
صرخت: إنه سوار أختك الكبرى يا مُرّة.. هيا لنبحث عن خصمنا في السوق.
همس مُرّة بلهفة: قد نرى الفارس المشطوب؟!!.
صرختْ به: اليوم يوم الثأر يا مُرّة.
اختطف سيفه، وسار مع أمه التي كانت تسرع كالمجنونة إلى سوق عكاظ، وأخيراً وقفت أمه تنظر من خلف نقابها نحو رجل طويل، إنه هو الذي قتل زوجها، وذبح بناتها، وأحرق رجاله خيام قبيلتهم كلها.
اقترب منه (مُرّة) وسلَّمَ عليه، نظر الفارس المشطوب إليه وهمس: مرحباً بك.
قال له مُرّة: وهل عندك من هذه الجواهر الكثير؟ إنني صائغ أتاجر بالمجوهرات.
أجابه الفارس: نعم.. عندي مثل هذا السوار ستة، وعندي مجوهرات وخلاخيل.
ابتسم (مُرّة) بمكر بينما كانت أمه تغلي من الحقد.
صاح: سأشتري منك كل ما عندك، فهيّا إلى بيتنا فأنت ضيفنا الكريم.
صاح الفارس:
- هيا.. هيا..
دخلوا بيتهم وأنزلوا فيه الأحمال، فلما استقروا أتاه (مُرّة) بالحليب البارد، فشرب المشطوب حتى ارتوى، وجلسا يتحادثان.
أحضرت (أمُّ مُرّة) الطعام فأكلا، تناولت أم مرة الرمح الذي سحبته من جثة زوجها وقالت لمُرّة:
- أعط هذا الرمح لضيفك.




لما رأى الفارس المشطوب رمحه اصفر وجهه، وهمس:
- رمح عجيب!
تناوله وراح يقلّبه، بينما كان (مُرّة) ينظر في وجهه.
سأله: من أين لكم هذا الرمح يا مُرّة؟
دخلتْ أمُّ مُرّة فجأة وصرخت:
- إنه الرمح الذي قتلت به زوجي أبا مُرّة، وهذا ابني سيثأر منك.
قفز الاثنان دفعة واحدة، مُرّة يحمل سيفه، والمشطوب بيده رمحه.
صرختْ أمُّ مُرّة:
- اليوم يوم الثأر يا مُرّة.
ثم التفتت إلى المشطوب وصرخت في وجهه:
- أتذكر يوم ذبحت بناتي السبع وهذه أساورهن.
صرخ المشطوب:
- أعرف.. أعرف.. لكنني الآن في بيت الله في مكة، لا أقاتل إلا إذا أجبرتموني، إننا الآن في الأشهر الحرم، فهل نسيتم؟.. وأنا ضيفكم فهل تغدرون؟!!.
همستْ أمُّ مُرّة، بعد أن وقعت على الأرض:
- هذا صحيح والله.
وسقط السيف من يد مُرّة، وجلس المشطوب بعد أن رمى رمحه، وبعد ساعة هدأت النفوس. همس المشطوب:
- ذهبتُ إلى خيام قبيلتي فوجدتُ أبا مُرَّة قد أحرق الخيام، وقتل الأرملة والأطفال والنساء، وسرق الخيول والأغنام.
همستْ أم مُرّة: كما فعلتَ أنت بقبيلتنا.
فهمس: واحدة بواحدة، وهذه أموالكم كلها.
ألقى بين يدي أمِّ مُرّة بالجواهر والأموال، فرحتْ أمُّ مُرّة.
همس: لقد سئمت حياة الغزو والقتل فجئت إلى مكة كي أستريح وأطمئن، لم أجد امرأة تقبلني زوجاً لأنني مشطوب الوجه.
احمرَّ وجه أمِّ مُرّة وتابع المشطوب:
- بناتك قد ذهبن ولا خير في البنات، ومُرّة قد كبر فنعم الرجل، وأنتِ يا أمَّ مُرّة قد مات زوجك وأنا لا زوجة لي، فما رأيك أن نعطي أموالنا كلها لمُرّة كي يتاجر بها، ونستريح أنا وأنت في بيت واحد، في مكة الآمنة؟..
ابتسم مُرّة وهمستْ أمه:
- ما ألطفك!!..
وزغردت النساء خارج البيت فرحاً بعرس أم مُرّة وعريسها المشطوب.
أطعمهم من جوع
كان زواج المشطوب كأنه كارثة نزلت بمكة فهي لم تعرف أعوام مَحْلٍ كالسنوات الست التي تلت زواج المشطوب بأم مُرّة.. هلكت المواشي، واحترقت الأشجار والحقول في جبال مكة.
كان عَتيكٌ اليهوديُّ هو الرابح الوحيد في مكة، فقوافله التجارية تأتي بالحبوب والأطعمة من الطائف يحرسها له قُطّاع الطرق أنفسهم الذين كان يمنحهم عتيك الأموال الوافرة ليحرسوا له قوافله، كان رجاله يقفون على أبواب مكة ليشتروا كل ما يأتي به القادمون إليها، ثم يبيع عتيك ما اشتراه بأضعاف ثمنه.
جاع أهل مكة كلهم، وحار ساداتهم ماذا يفعلون؟!!.
كاد المال كله يضيع من بين يدي مُرّة، علم أن القافلة محملة بالبضائع في طريقها إلى مكة من الطائف، فأسرع إليها فلما سأل رجالها:
- هل تبيعونها؟
أجابوه: إنها لعتيك.
فصرخ: أليس في مكة إلا عتيك؟
وعاد إلى بيته خائباً. رآه المشطوب فلما عرف ما به صاح:
- هيا.. قم معي إلى سادة قريش.


وفي الدار وقف المشطوب يقول:
- يا سادة قريش، أبناؤكم يكادون يموتون من الجوع بعد أن هلك الزرع والإبل والأغنام والأبقار، ولن تنقذكم إلا التجارة، وتجارتكم بيد هذا اليهودي!!
أجابوه: وماذا نفعل؟..
أجابهم: إنكم سادة البيت الآمن، والموسم موسم حج، وقبائل العرب كلها عندكم، قولوا لهم: نحن قريش، وبيت الله في بلدنا، وكلكم تحجون إليه، ونحن نكاد نموت من الفقر والجدب، ولن ندخلكم مكة إلا إذا تعهدتم بحماية قوافلنا التجارية حين تعبر في أراضيكم.

صعق سادة قريش، وهتفوا: هذا عظيم..
ولما فعل سادة قريش ذلك أجابهم سادة القبائل:
- أنتم سادتنا أهل البيت، سيروا آمنين، ونحن نحميكم كما نحمي بيت الله الموجود في بلدكم مكة.
وبعد أيام كان مُرّة في الطائف يشتري قمحاً ولبناً وأغناماً، ويعود إلى مكة ليبيع ما اشتراه لأهل مكة الجائعين.
عجب قادة قريش لفعله، وسرّهم ربحه وقالوا له:
- أموالنا كلها سنرسلها معك يا مُرّة لتشتري لنا بها ما تريد..
صاح به المشطوب لما حدثه بذلك:
- لماذا لا تسافر إلى بلاد الشام يا مُرّة؟ إن فيها الخيرات الهائلة، وأنا أعرف الطريق.
فلما أخبر قادة قريش بذلك قالوا له:
- لكن حرَّ الصيف قد يقتلكم. همس المشطوب: إن بلاد الشام جنة الله في الأرض، فلا حر فيها ولا برد، ونحن الآن في آخر الصيف، فلا تخافوا.
كم كان سرور المشطوب عظيماً عندما عاد مع مُرّة من (بُصْرَى)، وجماله محملة بخير الشام، فلما دخلوا مكة كان قادة قريش كلهم في استقبالهم وانتشر في مكة خبر المشطوب حين قال:

- إن رحلة الصيف إلى الشام قد ربحت ضعفين، أتيناكم بالطعام والربح معاً، فلا تخافوا من الجوع بعد اليوم، اشكروا الله الذي جعل بيته في قريتكم.
جمع عتيك اليهودي أمواله وغادر مكة إلى يثرب.
حينما رأى القرشيين يجهزون قافلة كبيرة سألهم:
- لم يأت الصيف -بعد- فماذا تفعلون؟!!
قهقه المشطوب عالياً وصاح به:
- إن شتاء اليمن رائع لطيف، وخيرها أعظم من خير الشام، ففي الصيف نذهب إلى الشام، وفي الشتاء نذهب إلى اليمن.
كان شباب قريش يتسابقون للذهاب مع القافلتين كل عام ليأتوا بالربح العظيم، لقد ألفوا السفر وأحبوه، كانت قبائل العرب كلها تستقبلهم وترحب بهم لأنهم أهل الكعبة، وهكذا أصبح القرشيون -بسبب بيت الله- قادة العرب وساداتهم.
غادر الجوع مكة إلى الأبد، وأصبح أهلها أغنى تجار العرب.
البيت.. البيت..
ذُعِرَ القرشيون كلهم حين سمعوا من يصرخ بهم:
- البيت.. البيت.. هدمَ السيلُ بيتَ الله.. هدمَ السيلُ الكعبةَ.
.




أسرع الرجال إلى الكعبة يحمون جدرانها بأجسامهم، إنها بيت الله الذي بسببه امتلأت حياتهم بالأمن والغنى، وغادرهم الخوف والجوع، كانت صدورهم تتمزق حين يفكرون أن الكعبة قد تذهب من مكة، فيذهب معها أمنهم وغناهم، ويعيشون بعدَ تَهَدُّمها في خوف دائم، ورعب قاتل وجوع شديد.. لكن السيل هدمها، فماذا يفعلون؟!!
وقفوا جميعاً أمام جدران الكعبة المتهدمة يتشاورون.
قال قادتهم: هيا إلى العمل لنعيد بناء بيت الله الذي يحقق لنا الغنى والأمن، وإلا شقينا..
وفي أيام قليلة كانت الكعبة مرفوعة يطوف حولها القرشيون مقدسين ومهللين، ومصفقين.
عادت الطمأنينة لقريش حين عادت الكعبة أقوى مما كانت، واطمأنَّ القادة إلى أن أمنهم لن يذهب، وأن أبناءهم لن يجوعوا، وأن أموالهم لن تزول، فبيت الله لا زال قائماً، وبركته لن تزول من بينهم.
لكن هل سيذكر القرشيون فضل الله عليهم حين أرسل الله إليهم نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم؟..
اعبدوا رب هذا البيت
كان قادة قريش يعذبون المسلمين في كل مكان، بينما كان القصاصون ينشدون أشعارهم حول الكعبة، ويحكون للناس قصة أبرهة المشروم، وفيله الضخم، وجنده الذين أتوا لهدم الكعبة فأرسل الله عليهم الطيور ترميهم بالحجارة القاتلة.
تمنى السامعون جميعاً أن يروا عبد المطلب الذي قال لأبرهة:
- إن لهذا البيت ربّاً يحميه!!.
لكن الناس نسوا قصة الفيل وأبرهة حين رأوا رجلاً يقترب منهم، صمتوا جميعاً. وقف أمام جموعهم وهتف:

- يا معشر قريش، مَنْ رَبُّ هذا البيت؟..
قالوا: هو الله.
سألهم: هل لربّ هذا البيت عليكم من فضل؟
أجابوا: نعم، لقد حمانا الله بالبيت من الخوف، وأنقذنا به من الجوع.
سألهم: وهل تكرهون الخروج في رحلتي الشتاء والصيف؟.
أجابوا: لا.. لا.. إننا نحبهما، لقد ألفنا السفر وأحببنا الربح.. ألفنا السفر في الرحلتين، ألفناه وأحببناه.
سألهم: ولماذا ألفتم السفر؟!.
أجابوه: طريقنا آمن، فكل القبائل تحمينا وتكرمنا، لأننا أهل هذا البيت. ولولا البيت لقاتلونا، ولما استطعنا السفر في رحلتي الشتاء والصيف.
صرخ الرجل:
- لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف.
همسوا جميعاً: ماذا يريدنا الله أن نفعل بعد أن جعلنا نألف رحلتي الشتاء والصيف؟!!
أكمل الصارخ:
- فليعبدوا رَبَّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف.
زادت صرخاته حدة وارتفاعاً قال:
- لماذا لا تعبدون الله فيما يأمركم به؟!! لماذا تعذِّبون أتباع دينه؟ لماذا تقفون في طريق ربِّ هذا البيت الذي أكرمكم به، وأعطاكم الأمن والغنى؟ اعبدوا الله وحده، أطيعوا قرآنه، آمنوا بمحمد، وإلا فإن الله سيهلككم كما أهلك أبرهة وجيشه وفيله.




تفرّق الناس كلهم، ولم يبق إلا ذلك الرجل المسلم مع سادة قريش يركلونه بأقدامهم ويرجمونه ويضربونه ويجلدونه، لكن هيهات أن يترك الله دينه وأتباع دينه، لقد نصر الله دينه، وأعزه وملأ الأرض به، فهل من معتبر؟؟!!
++++++++++++++
تفسير الكلمات:
لإيلاف: ليذكر القرشيون ما جعلهم الله يألفونه، وليطيعوا لله شكراً على ما أنعم الله عليهم.
رحلة الشتاء: إلى اليمن
رحلة الصيف: إلى الشام.
فليعبدوا: ليطيعوا ويأتمروا.
ربَّ هذا البيت: صاحبه، وهو الله، والبيت هو الكعبة.
أطعمهم من جوعٍ: حين جعل العرب كلهم يكرمون قوافل قريشٍ فأصبح القرشيون أغنى العرب.
وآمنهم من خوفٍ: حرم الله الحرب في مكة مدينة الكعبة، فعم فيها الأمن بذل الخوف.
مجمل تفسير السورة:
يذكّر الله القرشيين ويدعوهم إلى عبادته وطاعة دينه ورسوله، لما أنعم الله عليهم من ألفة السفر في الصيف إلى الشام، وفي الشتاء إلى اليمن، ليأتوا من هناك بالأرزاق، والبضائع والحاجات، كل ذلك بسبب بيت الله، الذي جعل عرب الجزيرة يحمون قوافل قريشٍ، التي يقع بيت الله –الكعبة- في بلدها مكة، إكراماً لهم لأنهم أهل البيت.
ولمّا أورثهم الله من أمنٍ وطمأنينة في مكة، حين حرّم الحرب فيها وخلال الأشهر الحرم، فليطيعوا رسوله، وليؤمنوا بقرآنه، فهو خيرٌ لهم إن كانوا يريدون استمرار نعمه عليهم.




يتبع





4 
مجدى سالم

قصة قوس قزح






قصة قوس قزح
يحكى انه في قديم الزمان تزحلقت سبع نجوم حاولت النجوم ان ترجع الى الاعلى فلم تستطع بتاتاً !
احسّت النجوم غريبة على الارض ، فراحت تبكي وسالت الدموع من عيونها الزرقاء ، فلونت البحر والانهار باللون الازرق ، والعشب والغابات باللون الاخضر ، اما بقيت الورود فأعطتها الالوان المتعددة كالاحمر والاصفر والبنفسجي والبرتقالي …الخ
وهكذا اصبحت الحياة حلوة فوق الارض واحبها الاطفال ولكن النجوم بقيت تبكي وتبكي لانها تركت وطنها … حاولت الطيور مساعدة النجوم للرجوع الى السماء فلم تقدر ، ومع ذلك فقد شكرت النجوم جميع الطيور على المحاولة وكان يقيم في الارض فيلسوف حكيم يعيش في كوخه ، وعرف ما حصل للنجمات فنصحهن بان يعملن من الدمع خيوطاً ومن الخيوط بساطاً وبه يستطعن الرجوع الى السماء الى موطنهن . وقال :
بالعمل تستطعن العودة وليس بالبكاء !
عملت النجوم بنصيحة الفيلسوف، وبدأت بالعمل وصنعت بساط جميل ، وطارت به الى السماء وعادت الى موطنها !!
فرح الناس لعودة النجمات الى موطنها لكن سرعان ما حزنوا ، لان الارض تغيرت وخسرت الوانها ، ولم تعد الدموع تزينها بالالوان المختلفة ….
فطنت النجمات لما حصل على الارض وعرفت ان الارض بحاجة الى الماء واخذت الدموع تنهمر من عيونها ، دموع الفرح الدائم المستمر وامطرت السماء وغسلت الارض ونظفتها وبان للناس لاول مرة قوساً جميلاً يصل ما بين الارض وسماء بالوان الجميلة المتعددة ….
وتكرر ظهورها واصبح قوس قزح رمز للخير والعطاء والاتصال ما بين السماء والارض وذكرى لحادثه انزلاق النجمات الى الأرض وعودتها الى السماء !




قصة دينا المدللة - قصص اطفال مصوره


دينــــا المدلّلة


كلما سارت دينا في الشارع المؤدي لمنزلها، سمعت كلمات يقولها بعض الجيران عنها: “ها هي الفتاة المزعجة ذاهبة.” دينا عمرها 6 سنوات، هي الوحيدة لوالديها ولهذا فهم يدللاها كثيراً وينفذان كل ما تطلبه حتى اعتادت على هذا. منذ مولدها لم يرفض لها أحد طلبها مهما كان. وكانت تدرك هذا، فكانت دائماً تطلب وهي متأكدة من أن طلباتها ستكون مجابة.

في يوم من الأيام تنبهت أمها إلى أن ابنتها أنانية لا تشرك أحداً في شيء، سواء كانت لعبة، أم كان كتاباً أو طعاماً. واكتشفت أيضاً أن أكثر الأطفال لا يحبون اللعب مع ابنتها لأنها - حسب قولهم – تأمرهم وتطلب أن تطاع، وأحياناً تبكيهم.


فهمت الأم أن تصرف ابنتها مسؤوليتها وخطأ منها ومن والدها، فلولا دلالهما المفرط ومنحها كل ما تطلب، لكانت أفضل ولكان لديها صديقات تشاركهن اللعب. حالياً بدأت المدرسة ودخلت دينا عامها الدراسي الأول في فصل به مدرسة جادة، والمدرسة كانت قوية تعلم الأطفال كيفية التصرف والتعامل بأخلاق حميدة.



كل من في الفصل لاحظ أن دينا ذكية جداً، ولكن لم تتمكن من الحصول على صديقات حتى دخلت ريتا الفصل. ريتا كانت جديدة في المدينة وخجولة جداً ولم تكن تجرؤ على الكلام مع أحد، ولهذا فقد تمكنت دينا من التقرب منها، فريتا ضعيفة ووجدت دينا أنها قادرة على جعلها تؤدي لها بعض المهمات وتأمرها كما تشاء، وطبعاً وجدت من تلعب معها
.



في يوم ما، أنبت المعلمة ريتا لأنها لم تفكر قبل أن تحل مسائل الجمع، فأجابتها كلها خطأ.



بكت ريتا بمرارة عندما ضحك عليها الأطفال. فالمعلمة قد قامت بالشرح بشكل وافي، ولكن لم تفهم ريتا ولم تسأل المعلمة.


أخبرت دينا أمها عن صديقتها ريتا وبكائها في الفصل. اقترحت أمها: “لمَ لا تحاولين مساعدتها وشرح الدرس لها ببساطة؟ فهي تحبك وأعتقد أنها ستفهم شرحك أكثر لأنه أبسط.”
فقالت دينا: “يا أمي، ليس لدي وقت أضيعه، ماذا أفعل لها إن كان عقلها لا يستوعب؟”
قالت أمها: “ولكن ريتا صديقتك، وإن لم تساعديها، فمن سيفعل؟”
ثم قررت أمها أن تخبرها بقصة النملة والحمامة: “حدث في يوم أن سقطت نملة في نبع ماء وبدأت بيأس تحاول إنقاذ نفسها. رأتها حمامة فقطعت ورقة شجرة ورمتها بقربها فصعدت النملة عليها وتمكنت من الوصول إلى الدفة. بعد مدة، جاء صياد يصطاد الطيور ووقفت تحت الشجرة ليصطاد الحمامة النائمة. النملة رأتها وتنبهت لما ينوي فعله، فقرصته بساقه. صرخ الصياد متألماً فاستيقظت الحمامة على صوته وعرفت ما يجري، فطارت هاربة.”
أكملت الأم: “هل فهمت المغزى من القصة يا دينا؟ القصة تعني أنك إن قمتِ بعمل خير سيعود الخير عليكِ.”
قالت دينا: “هذه مجرد قصة وهي للأطفال الصغار وأنا كبيرة.”
وهنا وجدت الأم نفسها مضطرة لأن تكون أكثر جدية مع ابنتها، فقالت: “إن لم تساعديها، سأحرمك من مشاهدة برامج الأطفال لمدة أسبوع.”
هنا وجدت دينا نفسها مرغمة على عمل ما قالته أمها على مضض. قامت دينا بمساعدة ريتا، وبكل بساطة فهمت ريتا الدرس.



وعندما سألتها المعلمة، أجابت ريتا بالإجابة الصحيحة. مدحتها المعلمة أمام الفصل فشعرت ريتا بالفخر والسعادة وأخبرت الجميع أن معلمتها كانت دينا، وكيف أن دينا صديقة مخلصة. ولكن دينا كانت ترغب بنسيان هذا الموقف لأنها أجبرت عليه وهي لم تعتد على أن يجبرها أحد على شيء.



في هذه الفترة كانت ريتا تحاول إيجاد أي سبيل لرد المعروف لدينا، وحانت الفرصة بسرعة.
في أحد الأيام، غضبت دينا فقامت بشتم طالبة في المدرسة أصغر منها، وهذه الألفاظ ممنوعة تماماً في المدرسة. كما أنها قامت بدفع فتاة أخرى، سقطت الفتاة وجرحت ركبتها.
عرفت مديرة المدرسة بالأمر فأنبت دينا أمام الطلاب خلال اللقاء الصباحي. كما أنها عاقبتها بأن تبقيها بعد انتهاء دوام المدرسة حتى تنظف كل الفصول من الأوراق. تحطم قلب دينا، كانت متكبرة جداً ولم يهنها أحد هكذا من قبل. كانت تتمنى في هذه اللحظة أن تبتلعها الأرض حتى لا تضطر للنظر في وجه أي أحد.
بعد الانتهاء من المدرسة في هذا اليوم، تركت دينا وحدها في المدرسة لتنظيف الفصول، فقامت بعمل ما شعرت به طوال النهار، بكت ثم بكت وبكت حتى جفت دموعها.
وعندها حضرت صديقتها ريتا لتجدها تبكي بمرارة وندم. فبقيت معها وساعدتها حتى أنهت العمل الموكل إليها. وعندها تذكرت دينا القصة التي قصتها عليها أمها. ومن هذا اليوم تغيرت دينا وأصبحت فتاة طيبة، كما أصبحت هي وريتا أفضل صديقتين.







Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.