العودة   منتديات الدولى > المنتديات الأدبية > منتدى القصص والروايات

منتدى القصص والروايات قسم خاص بعرض أشهر القصص القديمة والحديثة، قصص خيالية وواقعية مكتوبة، أجدد قصص وحكايات 2017


1 
مجدى سالم


الحقيبة واتخاذ القرار


الحقيبة
بقلم : عصام ابو فرحه

كم كرهت هذا الوطن , كم سئمت عجزه وأنا أراه يغتصب دون أن يحرك ساكناً , كم أحزنتني انقساماته وتناحرات أهله , كم أفزعني فقره , وكم راعني فقدان الأمن والأمان فيه ,
بتلك العبارات كنت أحث نفسي على اغتنام الفرصة , كنت أحاول فك الارتباط الوثيق بيني وبين هذه الأرض , لأكون قادراً على اتخاذ القرار , لكن نفسي تعرفني أكثر من أي شيء آخر , فهي التي تعرف مدى حبي لهذا الوطن , كنت أردد على مسامعها تلك العبارات فتظهر لي مبتسمة بدهاء لتقول : ضع عينك في عيني أيها العاشق , أيها الثمل في حب هذه الأرض , هل تظن أن تلك العبارات التي ترددها عن كراهيتك للوطن سوف تساعدك ؟ هل ستكون قادراً على الرحيل ؟
قاطعتها وقلت : كفي عن هذا , لن يجدي ذلك معي نفعاً , إنها فرصتي التي انتظرتها وطالما حلمت بها , في ذلك البلد البعيد سأكمل حياتي , سأتلذذ بالخيرات , سأعيش بأمن وسلام , سأتذوق طعم الحرية والانطلاق ,
كتمت أنفاس نفسي وأخرست صوتها , وما عدت أسمع إلا ذلك النداء الذي حملته إلي ورقة الاستقدام , فلقد صدق صاحبي بوعوده , وهاهي الورقة جاهزة بين يدي بما تحوي من تواقيع وتأشيرات , غداً سيكون الرحيل إلى هناك , لا ينقصني إلا الحقيبة , يكفي حقيبة متوسطة الحجم , لن آخذ معي إلا بعض الملابس , فهناك يتوفر كل شيء , إنها بلاد الخيرات ,
إلى محل بيع الحقائب وصلت , حقائب من كل الألوان ومن كل الأحجام اكتظت بها الرفوف , درت ببصري في أرجاء المحل , أعدت النظر مرات ومرات ريثما ينتهي البائع من حديثه مع أحد الزبائن , كان المشتري عجوزاً جاوز السبعين من عمره , ينظر إلى الحقائب بتمعن وتفحص , يتابعه البائع باشمئزاز واضح , ويجيبه عن استفساراته بشكل مختصر وبكلمات قليلة مع بعض عبارات التهليل التي تحدث عن نفاذ صبره , بعد أن سأل العجوز عن الأسعار وعن الأحجام وعن الجودة قال بصوت ضعيف : سأعود بعد بضعة أيام لأشتري واحدة , وأظنني سآخذ تلك الموجودة في الرف العلوي , قال تلك الكلمات ثم استدار ودق عصاه في الأرض وخرج بتثاقل ,
استدار البائع نحوي وقد تنفس الصعداء , وبدا وكأن حملاً ثقيلاً أزيح عن ظهره ,
- تفضل يا سيدي , قالها البائع وقد استطاع إعادة رسم الإبتسامة على شفتيه ,
- أعطني تلك الحقيبة من فضلك ,
أعطاني الحقيبة , ودفعت له ثمنها دون أن أجادله في سعرها , فقد خفت أن أفعل ذلك لما لاحظته من علامات توتر وغضب في وجهه جراء مناكفاته مع ذلك العجوز الذي سبقني , هممت بالخروج لكن الفضول أعادني , نظرت في وجه البائع فقابلني بابتسامة أعانتني على الحديث فقلت : ما خطب ذلك العجوز ؟ لاحظت أنك تتحدث إليه بغضب ونفاذ صبر ؟؟
قال : عرفت هذا العجوز منذ كنت طفلاً أعمل مع والدي في هذا المحل , لم يتوقف عن زيارتنا , ولا يغيب أكثر من شهر واحد , وأحياناً يأتي قبل أن ينقضي الشهر , وفي كل مرة يسأل عن كل الحقائب , عن أسعارها , وعن متانتها , وعن سعتها , وبعد كل هذا يغادر دون أن يشتري ويقول سأعود قريباً , ثم يعود بعد حين , وهكذا هو منذ سنين .
حملت حقيبتي وخرجت يطاردني الفضول لمعرفة قصة ذلك العجوز , ويا لحسن حظي , سأرضي فضولي , هاهو العجوز يحاول عبور الشارع دون جدوى , أمسكت بيده وعبرنا الشارع , لم يطل تفكيري في البحث عن بداية تسوقني لمعرفة قصته مع الحقائب , فقد أنقذني وبادر بالسؤال : أراك اشتريت حقيبة ؟ إنها من نوع جيد , كما أن لونها مريح للنظر , ولكن ما حاجتك بها يا بني ؟؟
قلت : غداً سأهاجر ,
قال : إلى أين ؟
قلت : إلى بلد بعيد ,
قال : إلى بلدك ؟
قلت : لا , هذه بلدي , وسأغادرها ,
قال : ومتى ستعود ؟
قلت : لا أظنني سأعود ,
نظر إلي العجوز نظرات عجزت عن تفسيرها , وسرعان ما سحب يده من يدي بغضب ومضى , تبعته أنادي عليه دون أن يجيب أو يلتفت صوبي , أسرعت حتى مشيت إلى جانبه من جديد ,
قلت : ما بك ؟ أرجوك قل لي ما بك ؟ هل قلت ما أغضبك ؟ أنت الآخر منذ عشرات السنين تحاول شراء حقيبة , أنت مثلي تحلم بالهجرة طوال حياتك , ربما أغضبك أنك لم تستطع إليها سبيلاُ ؟
وقف العجوز فجأة ونظر إلي بتجهم وقال : أهاجر من جديد ؟ يا ولدي هاجرت منذ عشرات السنين , ألا يكفي ؟ هاجرت رغم أنفي , تركت بلدي في عام 1948 , هل تعرف يافا ؟ هي بلدي التي هجرتها مكرهاً منذ سنين , منذ ذلك الحين وأنا نصف حي ونص ميت , وأحياناًُ لا أدري هل أنا حي أم أنا ميت , لتكون على قيد الحياة يا بني يجب أن تسكن روحك في جسدك ويجب أن يبقى جسدك في وطنك , عندها فقط ستحس بوجودك , الروح , الجسد , الوطن , هي مقومات الحياة , منذ سنين يا ولدي وأنا أبحث عن وطني , أبحث عنه بروحي وبجسدي , أراه قريباً رغم بعده , وأرى عودتي أقرب إلي مني , في كل صباح أكون في كامل جاهزيتي للعودة , أرتب أغراضي , بعض ملابس , و( كواشين الأرض ) , ومفتاح بيتنا في يافا , وصورة أبي , وبعض أغراض شخصية , لا ينقصني إلا الحقيبة , أخاف أن اشتريها فتتأخر عودتي بعض الشيء فيصيبها التلف , ومع ذلك آتي بين الحين والآخر وأختار حقيبة مناسبة وأسأل عن ثمنها , لأكون مستعداً لإحضارها دون تأخير عندما يحين الأوان ,
لا تترك بلدك يا ولدي , فلربما يناديك الحنين في يوم تكون فيه عاجزاً عن تلبية النداء , حينها لن ترضاك روحك ولن يغفر لك جسدك , أنا مستعد لشراء وطني بدمي بأولادي بالباقي من سنواتي , فهل سألت نفسك بأي ثمن سوف تبيع ؟
كانت كلمات العجوز تنهال فوف رأسي كأنها المطارق , ارتجفت , تلعثمت , عجزت عن الحركة , حاولت أن أستعيد توازني , وحين استجمعت نفسي قلت له : انتظرني هنا , سأعيد الحقيبة إلى صاحبها ثم أعود لأرافقك إلى حيث تشاء ,
أعدت الحقيبة واسترجعت ثمنها , ثم عدت إلى العجوز , كان ينظر إلي بابتسامة حين قال :
لن تهاجر , أليس كذلك ؟
قلت : لا أدري , لن أهاجر بالوقت الحاضر , ربما سأفعل ذلك في وقت آخر , لا أعرف متى ذلك الوقت يأتي ,
بعد ذلك اليوم جمعتني بالعجوز صداقة متينة , فلقد التقيته بعدها مرات ومرات في محل بيع الحقائب , حيث كنت أذهب إلى هناك حين أحس بالضيق وأعتزم الرحيل , كنا نتفحص الحقائب , ونسأل عن أثمانها , ونتناقش في ألوانها ومتانتها وسعتها , ثم نخرج أنا وإياه دون أن نشتري , ونقول للبائع بصوت واحد , سنعود للشراء بعد حين , فيودعنا البائع بكلمات لا نفهمها , ولكن طريقته في قولها توحي أنها شتائم من العيار الثقيل , وفي كل مرة , كان العجوز يتأبط ذراعي لأعينه على عبور الشارع , يسرع في مشيته ويضربني بعصاه ويقول : أسرع يا بني قبل أن يلحق بنا ذلك البائع الغاضب , فنعبر الشارع ضاحكين غير مكترثين بحركة السيارات المسرعة , فتختلط أصوات الكوابح بأصوات ضحكاتنا التي تدوي في سماء الوطن الحزين .



الحقيبة واتخاذ القرار



2 
بسومه

يجب أن يبقى جسدك في وطنك , عندها فقط ستحس بوجودك , الروح , الجسد , الوطن , هي مقومات الحياة..


لن اترك وطني وسابقى اجاهد واناضل حتى انال الحرية
قصة جميلة بحب الوطن والتمسك به
شكررا لك اخي مجدي


3 
مجدى سالم

أشعر بالحبور يملأ جنبات نفسي
عندما أحس أنني أستطعت ان أنتقي من القصص

أنفعها وأجداها وأشعر بسرور أكبر
عندما ألقى لديكم القبول والرضا
فأنا أعتبر كلماتكم بمثابة الدفع
والحافز لبذل جهودا اكبر في قطف
رياحين أخرى
فجزاكم الله كل الخير




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.