العودة   منتديات الدولى > المنتديات الأدبية > منتدى القصص والروايات

منتدى القصص والروايات قسم خاص بعرض أشهر القصص القديمة والحديثة، قصص خيالية وواقعية مكتوبة، أجدد قصص وحكايات 2017


Like Tree1Likes

1 
مجدى سالم


يوميـات بائـع متجـول

---------------
يوميات بائع متجول
"سيرة ذاتية"



(1)
بنهـا / القاهـرة

انتقلت مع أسرتي في أواخر السبعينيات للإقامة بالعاصمة القاهرة بعد أن اتسعت أعمال والدي التجارية بمدينة بنها ، حيث كان أبي يرى أن مدينة بنها لن تكون صالحةً له لتوسيع نطاق أعماله ، فاشترى منزلاً ومحلاً كبيراً بأحد مناطق القاهرة القديمة ، وانتقلنا للإقامة هناك حين كنت أبلغ من العمر في ذلك الوقت ثمان سنوات.

كان "سامي" مسرورا وهو يحكى عن بداية قدومه إلى القاهرة ، فمن الواضح أنه لم يكن يحتفظ بذكريات كثيرة جميلة عن فترة طفولته بمدينة بنها التى تبعد حوالى 46 كم شمال القاهرة ، بالإضافة إلى أن تلك المدن تكون فقيرة في العديد من الخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية.

استمتعت كثيرا بصحبة والدي في الأيام الأولى لانتقالنا إلى القاهرة ، خلال تلك الفترة تعرفت على أهرامات الجيزة والقلعة والقناطر الخيرية والمترو.

لم أكن لأعشق شيئا أكثر من عشقي للمترو الذي كان يمر من أمام منزلنا بشارع الجيش ، لدرجة أنني كنت أجلس بالساعات بشباك الغرفة التى كنت أقتسمها مع أخواي "عليم" و "مسعد" ، لأراقب حركة المترو ذهاباً وإياباً بين "السيدة زينب" و "العباسية" ، أستمر محدقاً في كل تفصيلة بالمترو ومتابعاً لحركة الركاب صعوداً وهبوطاً وجلوساً ، وكثيراً ما كنت أصرف كل ما في جيبي من مصروفي القليل على تذاكر المترو حيث كنت أركبه ذهاباً وإياباً لمرات عديدة دون قصد مكانٍ معين.

ولكن صحبة والده تحولت بعد فترة وجيزة من مجرد النزهة لرؤية معالم القاهرة إلى صحبته في جميع مشاوير أعماله ثم صحبته في محله الكبير ، فدخل سامي سوق العمل مبكراً ، منذ أن عمل لدى والده بدون أجر فى محل الخمور المحلية الذي يمتلكه بأحد أحياء القاهرة الشعبية القريبة من منطقة وسط البلد.

وقبل أن يتم "سامي" عامه السابع عشر كان قد ترك منزل الأسرة بعد أن تفاقمت المشاكل بينه وبين والده الذي كان قد تزوج بأخرى غير والدته وأقامت معهم في نفس البيت ، فكان أول دخول له إلى السوق كصاحب عمل ، حينما اشترى بعض العبوات الفارغة من تجار الزجاجات المستعملة بشارع الجامع الأحمر الذي يربط بين شارعى "كلوت بيه" و"باب البحر" ، وذهب بتلك الزجاجات إلى "الحاج عبد الهادى" أحد تجار العطور الذي كان قد تعرف عليه أثناء عمله مع والده وطلب منه كمية من العطور على أن يدفع له حسابهم بعد بيعها.

كان "سامي" قد تعرف على منطقة الجامع الأحمر التي اشتهرت خلال السبعينيات والثمانينيات بتجارة البلاستيك والكرتون والزجاجات المستعملة التي يجلبها التجار من "الزرايب" المنتشرة في مناطق "المقطم" بالقاهرة و "المعتمدية" بالجيزة والمرتبطين بمهنة جمع القمامة من المنازل والمحال التجارية فى القاهرة والجيزة.

ملأ "سامي" زجاجاته بعد أن قام بغسلها ثم تجفيفها جيداً ، وذهب بتلك الزجاجات العشر إلى ميدان رمسيس لبيعهم هناك ... لم تكن ذكرى نزوله للميدان أول مرة بذكرى جميلة ، ففي أول يوم له بالميدان واجه العديد من المتاعب حينما أصر "زيدان" أحد البياعين في الميدان على وجود "سامي" في نهاية سور مسجد الفتح من ناحية شارع الجمهورية ، حيث حركة المارة ضعيفة ، ولم يكن لسامي خيار آخر ، فاضطر للوقوف في المكان الذي تم تخصيصه له. وعلى الرغم من قلة عدد المارة في ذلك المكان مقارنة بأماكن أخرى في الميدان ، إلا أنه قد تمكن من بيع زجاجاته العشر في أقل من ساعتين ، وحقق فيهم مكسبا صافيا عشرون جنيها بعد أن دفع ثمن البضاعة الآجلة للحاج "عبد الهادي".


وفى اليوم التالي ، ملأ عشرين زجاجة عطر بنفس الطريقة وذهب إلى الميدان ، وحينما لم يجد "زيدان" هناك ، فكر في التحرك قليلاً لأخذ مكان أفضل ،وبالفعل قام بفرش بضاعته عند ناصية ميدان رمسيس في التقائه بشارع الجلاء ، حيث حركة المارة دائبة مكتظة ، آملاً أن يتم بيع كل البضاعة قبل حضور "زيدان" ، لكنه وبعد أقل من ساعة وصل "زيدان" ونشبت بينهما مشادة كلامية تطورت إلى تشابك بالأيدي انتهت بوقوع "سامي" مغشيا عليه من شدة اللكمات التي كالها له زيدان ، وبعد أن أفاق ، نصحه الكثيرون بترك الميدان ، حيث أن سطوة "زيدان" لا تنبع فقط من قوته البدنية ولكن أيضاً لأنه أحد المرشدين للبوليس.

مرسي القشاش : إسعى في مكان تاني أحسن لك يابني ... زيدان أيديه طايلة
سامي : سيبك منه ياعم مرسى ... ماحدش بيقبض الروح ألا اللي خالقها

مرسى : يا بني ... زيدان مرشد للبوليس ... يعني لما يكونوا محتاجين أي قضية يبعتوا لزيدان يقولوا له يتصرف ، وفى أقل من ساعة يكون اتصرف ... يعنى ممكن بكل بساطة تلاقيه حط لك حتة مخدرات فى الفرشة بتاعتك من غير ما تاخد بالك ، في ثواني يكونوا الأُمَن أمامك يفتشوا الفرشة بتاعتك ويطلعوا المخدرات ويلبسوك قضية.


اشتهر عم مرسي بـ "القشاش" نظرا لبراعته في النشل ، فهو مسجل خطر نشل ، ويحكى عنه أنه كان مليونيراً ، ولكنه أضاع كل فلوسه على الخمرة والنسوان ... هو سكران بشكل دائم ... يرتدي نظارة شمس ماركة "ريبان" ... يرتدي ثلاث ساعات بمعصم يده اليمنى ، وساعتان باليسرى ... يرتدى جاكت بدلة من نوع غالى ولكنها قديمة جدا وبالية ... يعشق الأفلام المصرية لدرجة أنه يحفظ أجزاء كاملة منها عن ظهر قلب ، وفى ساعات تجليه في ليل الشتاء البارد تجده يقف فجأة ليردد مقاطع كاملة من بعض الأفلام المصرية المعروفة ، ولكن الحوار غالبا ما يتم تحويره ليضفي عليه بعض الإسقاطات الجنسية المباشرة ، وتجده يزيد من هذه الإسقاطات حينما يرى "سميرة" ابنة بياعة الشاي ... تنهره في كل مرة بألفاظ نابية حتى يكف عن معاكستها أمام الناس ، لكنه يزيد من تلميحاته الجنسية موجها كلامه ناحيتها

:حينما يتحدث عنها فى جلسة منفردة معي تشعر أنه كما المراهق الذي يزداد شوقاً وولعاً بمحبوبته كلما زادت من صدها له.

يصمت سامي برهة ثم يضيف:

:بالإضافة إلى مهارته الفائقة في النشل بالأماكن المزدحمة مثل الأسواق ووسائل النقل العامة ، فقد كان أيضا ماهراً في العدو بسرعة فائقة والقفز من الأماكن العالية ... يحكون عنه أنه ذات مرة جرى وراءه ثلاثة من أمناء الشرطة للقبض عليه ، فاستدرجهم إلى كوبري 6 أكتوبر ، فاستمروا في الركض ورائه ، وحينما أحس أنه وصل لمكان مرتفع قفز بسرعة من فوق الكوبري ، ليفقد بذلك أثره الأمناء حيث لم يستطع أحد منهم ،طبعا ، القفز ورائه.


هو زبون شبه مستديم في القسم ، لا يمر أسبوع دون أن يضطر للمبيت ليلة أو اثنتين في الكراكون ، حيث أنه غالبا ما يأتي إلى الميدان في آخر الليل بعد الانتهاء من عمله كخطاط لافتات متنقل ، بعد أن يكون قد تعاطى كمية كبيرة من الخمور والبرشام ، فتجده في الميدان بعد الساعة الحادية عشرة مساءًا في حالة من النشاط الزائد التي قد تثير عليه شهية أمناء الشرطة في القبض عليه والإلقاء به لليلة أو اثنتين في القسم بدعوى التحري عنه.


واستسلم سامي فى نهاية الأمر لنصيحة عم مرسي
:لم أجد مفراً من تنفيذ نصيحة "عم مرسي" وبياعون آخرون في تجريب حظي بشارع 26 يوليو (فؤاد سابقا) الذي يربط بين ميدان الأوبرا وشارع رمسيس ، أو شارع طلعت حرب (سليمان سابقا) الذي يربط بين ميدان طلعت حرب وميدان التحرير وشارع 26 يوليو ، حيث أنهما من الشوارع المتميزة ، التي تعج بحركة المارة صباحاً ومساءًا إلى ما بعد منتصف الليل ، ونصحني أحد البياعين بالذهاب مباشرة الى "أحمد الدالي" الشهير بـ "أوكسا" لمقابلته وطلب مساعدته في الوقوف هناك ، فقمت بجمع ما تبقى سليماً من زجاجات العطور التي كانت قد تحطم معظمها بفعل "زيدان" ومساعديه الأساسيين في الميدان "حسين بلية" و "ماجد الفل".

هوامش

1- كانت فترة السبعينيات خاصة أواخر السبعينيات بداية النزوح بأعداد كبيرة من الأرياف إلى المدن ، ومن الأقاليم إلى القاهرة ، تحت تأثير موجات الهجرة الجماعية للعديد من الحرفيين والمهنيين إلى دول الخليج ، مما أدى إلى أن أصبحت القاهرة مكانا جاذبا للسكان لتعويض النقص الواضح فى الأيدى العاملة ، وكذلك كنتيجة لتوسع العديد من المشروعات الخدمية التى نمت خلال نفس الفترة باستثمارات أموال العاملين بدول الخليج.
2- انتشر الزبالين الذين يجمعون القمامة فى تلك المناطق نتيجة موجات هجرة من الأرياف خاصة أرياف الصعيد وكان يطلق على تلك المناطق "الزرايب" نظرا لأن أغلبهم كان يخصص جزء من منزله لتربية الخنازير وبعض الأغنام على مخلفات الطعام المستخلصة من القمامة التي يجمعونها.
3- أمناء الشرطة.
4- الكراكون : مكان حجز الموقوفين والمقبوض عليهم داخل أقسام الشرطة.


----------------------

يوميات بائع متجول
(2) أحمد أوكسا .. و .. عم عزت

ترك سامي حطام زجاجاته وذاب وسط زحام ميدان رمسيس ، أخفض رأسه قليلا ليخفي آثار الكدمات التي ملأت وجهه ، وسار يتسكع لساعات من شارع إلى آخر حتى وصل إلى ميدان التحرير حيث كانت حشود من البشر يهتفون ضد أمريكا وإسرائيل وحسني وجمال والحكومة ... كان "سامي" قد شاهد العديد من المظاهرات سابقا ، لكنه أبدا لم ير مظاهرة بهذا الحجم ... عرف لا حقا أنها مظاهرة ممتدة منذ ساعات بسبب بدء قيام أمريكا بتوجيه الضربة العسكرية المنتظرة للعراق ... سار بين جموع المتظاهرين صاغر العينين يراقبهم حينا ويشاركهم هتافاتهم حينا آخر ، لكنه لم يستغرق وقتا طويلا حتى ألم به التعب من جراء يوم طويل ترك على وجهه علاماته ، وفي وجدانه تجربة لن ينساها أبدا .. أكمل سيره إلى أن تمكن من استقلال أحد الباصات الهاربة من زحام المتظاهرين بالميدان إلى الشوارع الجانبية الساكنة قليلا.


عاد إلى غرفته التي يقطنها في عين شمس ، مع أحد أقاربه النازحين من مسقط رأسه (بنها) ، ومكث حوالي أسبوعا حتى زالت آثار العلقة الساخنة التي نالها من "زيدان" ، ثم هم بالخروج لمقابلة "أوكسا" بحثا عن رزقه .. وقبل الذهاب إليه ، زار والدته التي انتقلت للإقامة مع أختها بعزبة النخل منذ خروجها من البيت بعد أن طلقها زوجها لرفضها العيش مع زوجة أخرى في نفس البيت.

وعلى الرغم من أنه كان قد صرف تقريبا كل النقود التي خرج بها من المنزل ، إلا أنه رفض أن يأخذ من والدته أية نقود ورفض أيضا الامتثال لنصيحتها بالعودة للإقامة مع والده في المنزل ، والعودة إلى العمل معه في المحل ، معللاً إصراره على عدم العودة بأنه سعيد لأنه لن يأكل ويشرب ثانية من مال حرام أساسه التجارة في الخمور.

.... : الفلوس مش كل حاجة يا ماما ، وبعدين انتي نسيتي احنا كنا بناكل من أيه ، مال حرام ، دا يمكن يكون ربنا بيحبنا اننا تركنا المنزل حتى لا نأكل معه من أموال المتاجرة في الخمور.

خرج من منزل خالته ، بعد أن اطمأن أن والدته في أمان ، فزوج خالته رجل صالح وهادئ الطباع ، ويحب عمل الخير ، وتوجه مباشرة إلى "أوكسا" بشارع 26 يوليو ، يبحث عن رزق جديد ، ينتظره على رصيف آخر.


.... : تفهم "أوكسا" ظروفي وتعاطف معي ، خاصة بعد أن حكيت له قصتي كاملة ، وقصة طردي من البيت أنا ووالدتي ، وما واجهته من متاعب بميدان رمسيس ، فأعطاني الضوء الأخضر للوقوف أمام محل "الأميريكين" بأول شارع طلعت حرب من ناحية شارع 26 يوليو ، وهى منطقة متميزة قليلاً ... حاولت إقناعه بالوقوف في أي مكان بشارع 26 يوليو الذي يعج بحركة المارة ، إلا أنه رفض ، ووعدني بإمكانية تحقيق ذلك في وقت لاحق.

.... : وهناك على الرصيف المواجه لمحل الأمريكين تعرفت على الكثير من قواعد اللعبة ، التي تبدأ بضرورة الدخول إلى سوق الرصيف عن طريق أحد البياعين القدامى في المنطقة ذوى السطوة على البياعين والعلاقة المتميزة بأمناء الشرطة في المنطقة وأيضا أصحاب المحلات الكائنة في نفس المكان.

.... : كان حظي في الموقع الذي حدده لي "أوكسا" جيدا من ناحية أخرى ، جيراني كلهم طيبين ومسالمين ، بجواري من ناحية اليمين يجلس "سيد الكاتاشيني" بياع التي شرتات ... سموه "الكاتاشيني" لأنه يقضي الجزء الأكبر من ليله على المقاهي القديمة التي لا زالت تحتفظ بعادة لعب الكوتشينة ، وطبعا كل فلوسه ضايعة على القهوة والكوتشينة ، ومن ناحية اليسار "قدري" بياع الأحذية ، يعمل لساعات قليلة في المساء لأنه في الصباح موظف حكومة ، ومثلهما في الطيبة والشهامة كانت "أم أحمد الحزينة" بياعة المناديل والسجاير ، التي كانت تجلس خلفي قليلا ... وطبعا هي ليست "أم أحمد" وليست "حزينة" ... فأغلب النساء اللاتي يعملن على الرصيف لا يذكرن أسماءهن الحقيقية ، وليست "حزينة" لأن ذلك الاسم أطلقوه عليها بقية البياعين حولها ، لأنها دائما مكشرة ولا تتحدث كثيراً مع أحد من البياعين ، ولكن الحقيقة أنها مرحة جدا ، ولم أعرف ذلك إلا حين زرتها في بيتها بالسكاكيني ، معظم الوقت ضحك وفرفشة ، لكن في حدود الأدب ، أخبرتني أنني الوحيد من بقية البياعين الذي سمحت له بزيارتها في البيت ، لأنها وثقت في ، وطبعا هذا لم يحدث إلا بعد فترة طويلة من وجودي بجوارها ، وبعد أن نشأت بيننا صداقة كبيرة.

أم أحمد الحزينة : أنا زمان كنت صغيرة وحلوة وفى قعدتي دي كنت تلاقي رجالة كتير يتقدموا للزواج مني ، لكن أنا رفضتهم كلهم عشان أي واحد هاييجي يتجوزني هايقولي : أنا أو الولاد ... وطبعاً ، مهما يكون ، مرات أبوهم مش هتبقى زي أمهم ... يعني أولادي مرة طلبوا يروحوا لأبوهم يعيشوا معاه ، وراحوا فعلاً عاشوا معاه أسبوعين ورجعوا يشتكوا مُرّ الشكوى من مرات أبوهم ، كانت تستخسر فيهم علبة التونة ... أنا عندي أولادي فيه أكل ما بيأكلهوش وطلبوا منها تونة ، قالت لهم دي لابني ، مع أني لما ولادها بييجوا هنا أنا باعمل معاهم الواجب.

سامي : طبعا نص كلام "أم نجلاء" ، قصدي "أم أحمد الحزينة" ، كدب في كدب ، لكنها في الآخر ست جدعة تربي بناتها بمفردها دون مساعدة أحد ، وموضوع الكدب دا ، غصب عنها ، يعني هاتيجى تقعد معانا في وسط الشارع كدة ، وهاتقول كل الحقايق ، لازم طبعاً ، تغطي نفسها بشوية حكايات تكسب بيهم عطف الناس اللي حولها.

أم أحمد الحزينة : في مرة لما كنت قاعدة في شارع الفجالة ، جاني أمين شرطة وخدني القسم ، فوجئت بالضابط يقول لي إنتي ماعندكيش ترخيص وواقفة غلط وكنا هانعملك أربع محاضر ، بس حظك حلو ، لأن فيه أمين شرطة من عندنا يعرفك ، واتحايل علي وقالي إنك مش وش محاضر وعشان خاطره هانعملهولك محضر واحد ..... عملوا لي محضر واحد وحطوني في الحبس من الساعة ستة بالليل لحد ثمانية الصبح .. طبعا عرفت بعدها إن صاحب المطعم اللي كنت قاعدة بابيع أمامه سندوتشات قدم في 30 شكوى ، والصبح عرضوني على النيابة ... كان وكيل النيابة اسمه " محمد فهمي" ، لما قعد معايا وعرف أني أربي يتامى وأخواتي الرجالة في الجيش وحكيت حكايتي ، قعد يسمع لي ييجى ساعة ، وانبسط مني لما لقاني ست جدعة ، وفعلاً باجري على يتامى ، فقال لي : أنا اسمي "محمد فهمى" ، لو عاوزة أى حاجة تعالي في أي وقت .. وطلب من العسكري أنه يوصلني لغاية البيت ... هو كان عارف إن العساكر وأمناء الشرطة بياخدوا فلوس من الستات البياعين ، فقال للعسكري أوعى أسمع انك أخدت منها حاجة ، وطلع فلوس وحب يديني ، لكن أنا قلت له : الحمد لله يا بيه ... أنا باشتغل لكن ماباخدش فلوس من حد ، من ساعتها مادخلتش الحبس تاني ، الحمد لله ربنا ساترها معانا.

وتسترسل أم احمد فى سرد حكايات عديدة عن مواقف كثيرة واجهتها طيلة فترة عملها على الأرصفة ما بين رمسيس والعتبة والتحرير والسيدة زينب.

.. .... ....... : فى يوم كنت طالعة من الجامع بعد صلاة الفجر ولقيت بنت صغيرة بس حلوة قوى ، كانوا البياعين ملمومين عليها وهى في وسطهم حتى بتوع المترو خارجين من تحت عشان يشوفوها ، أول ما طلعت من جامع الفتح وبصيت رحت مزعقة فيهم فكل الواقفين خافوا منى ، وقعدت كلمتها عرفت إنها من عند سيدي إبراهيم الدسوقي ، واحد من شرطة المترو قال دي بلدياتي ، أنا قلت له أنا ها وصلها ، فقال لي : هاتعرفي توصليها ؟ ، قلت له : أيوه ، قال لى : أعرف منين إنك هاترجعيها لأهلها ، قلت له : أنا فعلاً هارجعها وعشان تتأكد خد بطاقتي خليها عندك ، ولما أرجع هاجيب لك صورة بطاقة أبوها عشان تصدق ... وفعلاً سافرت وأخذت معايا ابني .. يقولوا على إيه ، أنا واحدة ست عازبة وواخدة واحدة معايا ، وعشان كدة أخذت ابني معايا ... وسافرنا بلدهم ورحت البيت لقيت أبوها هايموت من القلق على بنته .. بنت برضه و طفشانة من بيتها ... ولما شافها كأن روحه رجعت له ، قلت له يا عم بنتك لقيناها فى رمسيس وكانت رايحة لعمتها ، بس ما كانتش عارفة عنوانها فتاهت ، وإحنا لقيناها فأحضرناها .. الراجل كان فرحان عايز يعمل أي حاجة معانا قلت له أنا مش عايزة أي حاجة ، بس عايزين صورة بطاقتك عشان أخد بطاقتي من شرطة المترو ، وفعلاً أخذت صورة بطاقته ورجعت .. صرفت 50 جنيه وابني صرف 50 جنيه بس مش ندمانة.. وربنا يعوض عليّ .. طبعا دي أعراض ناس فى الآخر.

سامي : طبعا أم نجلاء تلاقيها هبشت (أخذت) لها تلتميت ربعميت (300-400) جنيه على الأقل في المشوار دا ، وطبعا الموضوع لا فيه أحمد ابنها ولا ابن الجيران.

اندمج سامي تماماً مع جيرانه الجدد ، وعرف أغلب البياعين بالموقع وعرفوه ، والتزم بكل تعليمات أوكسا ، خاصة فيما يتعلق بالتعليمات الخاصة بالرشاوي ، وكانت "أم أحمد الحزينة" قد قدمت له خدمة كبيرة بأن عرفته على "عم عزت" بواب أحد العمارات العتيقة الكائنة بشارع 26 يوليو ، الذي ساعد "سامي" كثيرا بأن وفر له مكان لتخزين بضاعته بدلا من حملها والذهاب بها يوميا إلى سكنه ، لأن ذلك كان يكلفه الكثير لاضطراره الذهاب والعودة بتاكسي.

اعتاد العديد من البياعين والبياعات قضاء حاجتهم عند "عم عزت" ، في شقته الصغيرة بالدور الأرضي للعمارة التي يحرسها ... يقيم بمفرده منذ أن توفي ابنه الوحيد داخل المعتقل ، بعد أن كان قد انخرط في تنظيمات الجماعات الإسلامية ، وعودة زوجته العجوز للإقامة بقريتهم الكائنة بمحافظة قنا في جنوب مصر .... كان "عم عزت" يجد سلوته الوحيدة مع هؤلاء الباعة ..... رجال أو نساء ، شباب أو أطفال أو شيوخ ، أميين أو متعلمين ، مؤهلات عليا أو مؤهلات متوسطة .... كل تصنيفات الباعة القريبين من موقع العمارة التي يقطنها "عم عزت".

....: طبعا موضوع تخزين بضاعتي عند "عم عزت" وفر لي الكثير ماديا ومعنويا ، وليس فقط حل مشكلة تخزين البضاعة ، ولكن أيضا علاقتي نفسها مع "عم عزت" كانت بمثابة البلسم لي لتعويضي عن حنان أبي الذي تركني ولم يفكر ، ولا مرة ، أن يسأل عني منذ أن خرجت من البيت أنا ووالدتي.

ومع الدخول في حالة الاستقرار في موضوع التخزين ، والاستقرار النفسي ، نوعا ما ، بعدما تدعمت علاقته بعم عزت وبقية البياعين بالمنطقة ، وبعد أن تراكمت لديه بعض المدخرات من تجارته لشهور ، استطاع سامي أن يوسع تجارته في العطور وأصبح يتاجر في زجاجات عطور تجاوز ثمنها الألفي جنيه ، ولم يكن يضج مضجعه في تلك الفترة إلا المبالغ المالية التي يجمعها "أوكسا" منه ومن بقية البياعين ، والتي لاحظ سامي أنها تتزايد عليه أو على أي شخص آخر يتوسع قليلا في تجارته.

.... : بالإضافة إلى الجنيه الذي كنت أدفعه يوميا لـ "أوكسا" ، كنت أدفع أيضاً مبالغ تتراوح بين ثلاث إلى خمس جنيهات لأمناء الشرطة ...... لم يكن أحد من البياعين يتعامل مباشرةً مع الأمناء ... كان "أوكسا" هو الذي يمر على البياعين لجمع جنيه أو اثنين من كل بياع عند تغيير كل وردية لأمناء الشرطة بالشارع ، أو حين وصول إحدى سيارات البلدية ، التي يسبقها غالباً أحد أفراد الحملة المكلفة من البلدية بمنع الباعة الجائلين من الوقوف في الشوارع ، حيث يأتي لنا ذلك الفرد قبل وصول سيارة البلدية لتنبيهنا بقرب قدومها ، ويحدد لنا الشارع الذي سوف تاتي منه السيارة ، وذلك نظير مبلغ ثلاثون جنيها يعطيهم له "أوكسا" عن الباعة الواقفين في شارع طلعت حرب ، وفي حالة عدم وجود "أوكسا" يقوم "على مارادونا" بياع الشرابات بهذه المهمة.

.... : في أحيان كثيرة كنت أشك أن "أوكسا" قد يكون يقتطع جزء من المبالغ التي يجمعها لنفسه ، ولكنني في نهاية الأمر كنت مقتنعا بأن الرضوخ لأوكسا يعنى حمايتي من بقية البياعين وأمناء الشرطة وأصحاب المحلات الموجودة بالشارع إن لزم الأمر.

.... : وعلى الرغم من نظام الإنذار المبكر الذي كان قد تم الاتفاق عليه بين البياعين وأمناء الشرطة وعمال البلدية ، بتنسيق من "أوكسا" ، إلا أن ذلك لم يمنع من وقوع أحد البياعين بين فترة وأخرى في براثن سيارة البلدية ، فذات مرة احتجت الدخول إلى دورة المياه ، فطلبت من أحد البياعين المجاورين لي مراقبة بضاعتي المفروشة على النصبة (منضدة خشبية خفيفة) التي اشتريتها لعرض البضاعة عليها ، لحين العودة ، وعلى الرغم من أنني لم أستغرق أكثر من عشرة دقائق في الذهاب إلى شقة "عم عزت" لقضاء حاجتي ثم العودة إلى موقعي ، إلا أنني فوجئت بأن الشارع خالياً تماماً من أي أثر للبياعين وبضاعتهم ، وظللت أبحث عنهم حتى عرفت أن سيارة البلدية باغتت الباعة بالقدوم من الاتجاه العكسي للشارع دون إنذار مسبق وأخذت العديد من البضائع بما فيها بضاعتي.

.... : ندبت حظي وسألت "عم عزت" إن كان من الممكن استرداد تلك البضاعة أم لا ؟ فأخبرني أن "أوكسا" هو الوحيد الذي يستطيع مساعدتي لأن له العديد من العلاقات بأمناء الشرطة في القسم ، ولما ذهبت له ، استجاب لطلبي وأرسلني إلى الأمين "عدوى" بقسم الشرطة لاسترداد بضاعتي ، وأخبرني بضرورة أن ادفع له على الأقل عشرون جنيها حتى أستطيع استعادة بضاعتي.

.... : ذهبت إلى القسم وسألت عن الأمين "عدوي" ، وبمجرد رؤيته دخلت فى الموضوع دوغري (مباشرة) فبادرت بتعكيمه (إعطائه) عشرون جنيها ، وأخبرته بنوعية بضاعتي ، فطلب منى أن أمهله ساعتين ثم أعود لاستلام البضاعة بعد منتصف الليل ... لم أذهب بعيداً خلال تلك الساعات ، ولكني ذهبت إلى ميدان رمسيس للسؤال عن "مرسي القشاش" ، فعرفت أنه لم يحضر للميدان منذ حوالي يومين أو تلاتة ، ويقول بعض البياعين أنه محجوز في القسم ، بسبب القبض عليه في وضع مخل مع ولد حِتَّة (شاذ جنسيا) أسفل كوبري اللمون .. تركتهم وأنا حزين عما آل إليه حال عم "مرسي" ، وذهبت لتناول طبق أرز باللبن من عند "أم أحمد" ، قبل العودة إلى الأمين "عدوي".









2 
مجدى سالم


بُمـــــبْ لأ

يوميـات بائـع متجـول
(3) مقهـى الآلاتيـة


بمب لأ ، بمب لأ ، بمب لأ .. بمب لأ ، بمب لأ ، بمب لأ

.... : في الليلة دي كنت أول مرة أسمع "بمب لأ" .... فجأة سمعت صوت قال "بمب لأ" ووراه في صوت واحد كل البياعين بيرقصوا ويقولوا كلام كتير مافهمتش منه غير "بمب لأ" .. وقتها قلت البياعين اتجننوا ، لكني بعد كدة فهمت معناه.

.... : تركت البياعين في الساحة الكبيرة أمام مسجد الفتح .. كلهم يرقصوا ويغنوا .. بمب اللأ.. ومن كتر تركيزي معاهم كاد الباص يدهسني وأنا أعبر الشارع إلى الساحة المواجهة لفندق إفرست وعمارة رمسيس ، في طريقي إلى "أم أحمد" عشان أكلة الرز باللبن.

.... : اعتادت "أم أحمد" الوقوف في المنطقة المواجهة لمدخل محطة السكة الحديد من ناحية كوبري الليمون ..... كنت أعشق تلك الأكلة وأعرفها جيداً .. جربتها كثيرا حين كنت في المدرسة الإعدادية حيث كنت أمر عليها يومين في الأسبوع لأنها في طريقي إلى منزل الأستاذ "فهمي" مدرسي الخصوصي في مادة الرياضيات ... كان وقتها مر أكتر من تلات سنين على آخر مرة شفت فيها أم أحمد.

.... : كانت الفترة دي من أجمل أيام حياتي .. كل حاجة كانت ماشية صح ، مع أبويا ، مع أمي ، مع اخواتي .. في المدرسة .. مع المدرسين .. مع زمايلي وزميلاتي .. مع جيراني ، وخاصة "زهرة" جارتي التي كانت تذهب معي إلى الدرس عند الأستاذ فهمي.

.... : في تلك الفترة اتعرفت على الكثير من الأماكن والشخصيات بمفردي بعيدا عن أبي وأعماله ومشاويره الخاصة .. ولم أكن أجد أمتع من وقتي مع زهرة .. نركب معا الميكروباص من شاعر الجيش حتى ميدان رمسيس من ناحية الفجالة ، ثم ناخدها موتورجل (سيرا على الأقدام) إلى منزل الأستاذ فهمي بالقللي وكذلك مشوار العودة .. وعلى الرغم من أن مصروفي لم يكن كبيرا وكذلك مصروف زهرة ، إلا أن تلك القروش القليلة كانت توفر لنا الكثير .. لم نمر على أكلة في الميدان دون أن نجربها .. رز باللبن .. مهلبية .. حمص الشام .. بسبوسة .... برارس ع الطحينة .. وطبعا الفول والطعمية ، وكمان عصافير. لا يمكن أنسى تلك العصافير .. فقط بنص جنيه كنا نشتري أنا وزهرة أربعة عصافير مقليين من عم "علوان الرُكن" ، كنت تلاقيه واقف على ناصية شارع الجمهورية .. ومعاه البيض والسميط والعصافير .. طعمها كان يجنن .. ولكنه اختفي ولم أعد أراه في نفس المكان من فترة طويلة.

.... : دار حوار بيني وبين "أم أحمد" التي اكتشفت لاحقا أن اسمها الحقيقي "أم ليلى" .. حكيت لها عن تجربتي في الميدان وبعده شارع طلعت حرب ، وعرفت حكايتها في الميدان ، التي بدأت منذ أن توفي زوجها سنة 1980 ، انتقلت بعدها للإقامة مع والدتها وإخوتها بالسبتية وفي نفس السنة توفيت أمها وأصبحت مسئولة بمفردها عن طفلتيها (ليلى ، نهى) وأخويها (سامح ، كرم).

أم أحمد : فكرت أني أعمل حاجة وشفت الناس تبيع في موقف أحمد حلمي ورمسيس فكرت أني أعمل زيهم (مثلهم) .... قعدت الأول فوق كوبري أحمد حلمي بتاع المشاة كنت أبيع سجاير ومناديل وكنت أكسب كويس وكنت أربي بناتي وأصرف على اخواتي ... ومع الوقت ولما البنات كبروا فكرت إني أعمل حاجة أزود بيها الدخل وأشرك فيها البنات .. فكرت ودورت ولفيت كام لفة في الميدان عشان أشوف الناس بتشتغل في أيه ، وأيه الحاجة اللي ممكن تكون ناقصة .. أحسن حاجة لقيتها هي الرز باللبن مكانش فيه غير عربية واحدة بتبيع رز بلبن وكان صاحبها اسمه عم لطفي ، كان يقف دايما عند مدخل شارع محمد علي ، ومكانش ييجي غير بعد صلاة العصر لغاية العشا كدة .. كان أغلب شغله على الآلاتية اللي يكونوا داخلين الشارع في الوقت دا قبل الأفراح اللي كانوا يروحوها ولا الحتت (الأماكن) الهباب دي اللي بيروحوا يرقصوا ويغنوا فيها ، تلاقيهم جايين الشارع يشتروا ولا يأجروا بدلة رقص ولا عود ولا حاجة من الحاجات بتاعتهم دي.

.. .... : فكرت في حكاية الرز باللبن والمهلبية .. قلت كمان ممكن البنات يعملوها في البيت ويساعدونى في شيل الحاجات لغاية الميدان وبعدين يرجعوا على البيت تاني ويسيبوني أنا أقف لوحدي أبيعهم عشان أعفي البنات من الوقفة وسط الواغش (الشباب الجانح) بتوع الميدان.

.... : سرحت شوية لما "أم أحمد" جابت سيرة شارع محمد علي .. عمري ما أنساه ، كان هو السبب الرئيسي لتأخرنا في العودة أنا و "زهرة" .. كنا نقف بالساعات نتفرج على الرقاصات اللي ييجوا يشتروا بدل الرقص .. وكمان أمام قهوة الآلاتية .. كتير كنا نتسمر مكاننا واحنا بنتفرج على الآلاتية أثناء تضبيط الآلات بتاعتهم .. كمنجات ، عيدان ، نايات .. شفنا كل الآلات وسمعناها.

.... : عمري ما أنسى اليوم اللي أخدت فيه علقة سخنة بسبب الشارع دا ، ومن بعدها بطلت زهرة تيجي الدرس معايا .. كنا اتأخرنا ولا حسينا بالوقت واحنا واقفين أمام قهوة الآلاتية .. زهرة هي السبب .. كانت بتحب المزيكة جدا وتحب تسمع الآلاتية وهما يجربوا الآلات بتاعتهم .. وفي الليلة دي كان فيه واحد معاه عود يجربوا .. وبعد كدة الناس كلها اتلمت حواليه وفضل يضرب على العود ويغني أغاني أم كلثوم وفريد لغاية يمكن الساعة 12 .. رجعنا البيت كانت الساعة داخلة على واحدة بعد نص الليل .. واحنا كان الدرس بتاعنا بيخلص 9 .. طبعا أبويا ضربني علقة تمام ، وكمان من ساعتها مابقتش أشوف "زهرة".. أبوها منعها من الدرس .. وشفتها بعد كدة اتحجبت وبطلت حتى تسلم عليا لما تشوفني.

.... : وفجأة وأنا سرحان في ذكرياتي مع "زهرة" ، سمعت صوت هرج ومرج وعرفت أن سيارة البلدية قادمة ، طلبت مني "أم أحمد" أساعدها في حمل الصواني والأطباق فوق العربة الخشبية وسحبناها إلى أحد الشوارع الجانبية حتى مرت سيارة البلدية ، عرفت منها إن عندها ترخيص للعربة من إدارة الحي إلا أنها تتعامل مع الأمور في الميدان مثل أي بائع لا يحوز تصريحا للعمل كبائع متجول.

أم أحمد : تجديد الترخيص كل سنة بياخد دوشة (إجراءات) كتير ، لازم أروح الحي تلات أربع مرات وادفع رسوم ورشاوي ودياولو (وخلافه)، وفى الآخر لو مرت سيارة البلدية ياخدوا برضه العربة بتاعتي ويقولوا لي أنى مش واقفة في المكان المخصص لي ، عشان كدة بطلت أجدد الترخيص أديلي (منذ) سنتين واكتر.

.... : انتبهت للوقت حيث كان قد مر أكثر من ساعتين فقمت بعد أن دفعت لأم أحمد جنيه ونص حساب اتنين رز بلبن ، وذهبت مرة أخرى إلى القسم لمقابلة "عدوي" ، وبمجرد ما شافني قال لي :
.... : ادخل ياد خد البضاعة بتاعتك من جوا وطير ، هوا ماشوفش وشك هنا تاني.

.... : دخلت لأخذ البضاعة وجدتها ملقاة على الأرض في غرفة ضيقة وضوئها خافت جدا ومليئة بشتى أنواع البضائع الخاصة بالبياعين .... شرابات ، مناديل ، ولاعات ، أقلام ، حجارة بطارية ، ملابس ، أحذية ، أدوات كهربائية ، كشافات ، لعب أطفال .... وكل شئ تشوفه في الشارع على الرصيف تلاقي منه داخل القسم .. في القسم بيسموها غرفة ربنا ..

.... : بالكاد تمكنت من جمع بضاعتي والنصبة (منضدة صغيرة) الخشبية الخاصة بي ، وقلت يا فكيك (تحركت بسرعة جدا) إلى غرفة "عم عزت" لفرز البضاعة ، وقبل أن أصل إلى الغرفة افتكرت اني كان مفروض سألت على عم "مرسي القشاش" في القسم .. زعلت من نفسي جدا أني نسيت أسأل عليه .. ولكني نويت أني أذهب له تاني يوم أسأل عليه .. طبعا الراجل وقف معايا موقف رجولة لما حصلت المشكلة مع "زيدان" .. وأقل ما فيها إني أسأل عليه وهو في ظرف زي دا.

.... : وصلت عند عم عزت .. فرشت البضاعة في الأرض وفرزتها ، وكانت صدمة كبيرة لي لما اكتشف أن أكثر من نصف البضاعة غير موجود ، وفكرت في العودة ثانية إلى القسم ، لكن عم عزت نصحني بعدم العودة للقسم وقال لي :

.. ... : يابني غالبية البياعين بيروح منهم كتير لو حاجتهم راحت القسم .. تلاقي العساكر والأمنا بيلهفوا نصها ، ومش بعيد كمان يكون بعلم الضباط وبالقسمة معاهم .. الجنود وكل أفراد القسم بيغرفوا (يأخذوا بدون حساب) منها زي ما يكون نزلت عليهم من السما وملهاش صاحب ....

.... : وهنا فقط فهمت سر تسميتها "غرفة ربنا" .. واسترسل "عم عزت" في حديثه قائلا :

.. ... : وطبعا البياع لا حول ليه ولا قوة .. هاتروح تشتكي مين وازاي .. انت أصلا لو هوبت (ذهبت) ناحية القسم هاتلاقيهم شالوك هيلا بيلا ورموك في الكراكون لحد ما يبان لك صاحب .. وحتى لو راح حد يضمنك هايتهزأ هو كمان .. ما هو أصل اقسام البوليس دي أماكن فوق القانون لا تحقيق ولا دفاع ولا إنسانية ولا شهامة .. مش هاتلاقي فيها غير الظلم ، وان كان ليك حق ودخلت القسم هاتخرج منه محقوق.

.. ... : هاحكيلك على حاجة حصلت أمام عيني من حوالي خمس سنين .. شاب كدة زي حالاتك اتاخدت بضاعته وراح ياخدها .. وهو داخل القسم شاف عسكري من العساكر طالع لابس جزمة من الجزم اللي كانت في بضاعته .. أصله كان شغال في الأحذية يجيبها من بورسعيد تهريب ويبيعها هنا على الرصيف .. بوم ما أنساهوش أبدا لأنه كان اليوم الي عرفت فيه بموت "فؤاد" ابني.

.. ... : في اليوم دا كان جاء لي مخبر من القسم وقال لي عايزينك في القسم .. رحت ومكنتش أعرف أيه السبب .. أخبروني ساعتها ان ابني كان تعبان ونقلوه من سجن طرة إلى مستشفى حلوان العام وقالوا لي لازم تروح تزوره .. عرفت بعد كدة انهم كانوا جايبينه من السجن ميت ورحت استلمته من المشرحة ..

.. ... : معلهش يا "سامي" سرحت في قصة ابني ونسيت أكمل لك الحكاية .. وأنا خارج من القسم في اليوم دا بعد ما بلغوني أن ابني تعبان .. وأنا خارج شفت المنظر .. صاحب الأحذية بمجرد ما شاف العسكري لابس الجزمة أعصابه فلتت ومسك العسكري وفين يوجعك لغاية ما اتلموا بقية العساكر خلصوا العسكري زميلهم من أيده .. وادولو الطريحة التمام وفضل مرمي في القسم أكتر من أسبوع كل يوم يدولوا علقة تمام .. وخرج من بعدها محدش شافوا تاني .. بيقولو إنهم قالوا له في القسم يسرح في حتة تاني وهددوه انهم لو شافوه تاني هايلبسوه قضية مخدرات.

.... : بعد ما سمعت كلام عم عزت استعوضت ربنا في البضاعة المفقودة واسترخيت قليلا على الكنبة الوحيدة التي يمتلكها عم عزت بغرفته... واستيقظت بعد فترة على صوته يخبرني بأنه خارج لأداء صلاة الفجر .. قمت اتمشيت لغاية معروف اشتريت فطار وفول ومخلل ورجعت لعم عزت كان يدوبك راجع من الصلاة .. فطرنا مع بعض وطلع هو غسل أرضيات مدخل العمارة واشترى طلبات للسكان.

استعاض سامي ربه في البضاعة التي فقدها وبدأ في العمل مرة ثانية في نفس المكان لتعويض خسارته ، وبمرور الوقت أصبح "سامي" أكثر وعيا بما يدور حوله واستطاع تثبيت أقدامه في العمل وتوسع في تجارته بإضافة أصناف أخرى بسيطة بموافقة "أوكسا" ، وكانت أكبر مشكلاته في ذلك الوقت هي كيفية نقل البضاعة من منطقة وسط البلد إلى حيث يقطن بعين شمس والعودة ثانية ، وكانت تكلفة ذلك عالية حوالي ثلاثون جنيها للذهب بالتاكسي ومثلها للعودة ، وأضحت أيضا فكرة تخزين البضاعة عند عم عزت غير ممكنة بعد أن زاد حجم بضاعته ، حتى اقترحت عليه "أم أحمد" الإقامة بأحد اللوكاندات الشعبية القريبة ، وبالفعل قام "سامي" باستئجار غرفة بإيجار شهري زهيد بلوكاندة القمر بشارع كلوت بيه.



-------------------

يوميات بائع متجول
(4) إمام الشاعر وأخوه عرابي
لم يكن هناك مفرا من أن يتخذ سامي قرارا سريعا بالانتقال إلى اللوكاندة حتى يستطيع أن يتكيف مع الظروف الجديدة المصاحبة لاتساع نطاق أعماله، وزيادة حجم البضاعة التي يتعامل فيها ... وأيضا، لأن "الحرامي" على الأبواب ... و الحرامي هذا، هو فصل الشتاء، كما يحب سامي، وبقية البياعين أن يطلقوا عليه.
....: إحنا بنسميه الحرامي لأن وقته قصير، وكمان الحركة فيه فترة الليل، اللي هي الفترة الأساسية لينا وإحنا واقفين على الرصيف بتكون صغيرة، لأن الناس بتكون لابدة في بيوتها من البرد، والحركة في الشارع بتبقى ضعيفة .. عشان كدة بنسميه الحرامي، ولازم نسرقه قبل ما يسرقنا، ورغم إني باشتغل في العطور اللي بيقل الطلب عليها فترة الشتا، إلا إني كنت اتوسعت في تجارتي بإضافة بضاعة أخرى، بعد موافقة أوكسا طبعا، وهي الجيلل والكريمات ... كنت باشتريهم من محل في شارع الموسكى وأبيعهم جنب العطور اللي كنت باركبها بنفسي. وجنب كل دا كان ممكن أزود لي شوية طواقى شبابي روشة ، ولاعات ، يعني أي مصلحة صغيرة كدة يكون مفيش حد من جيراني البياعين بيشتغل فيها.
.... : أحسن حاجة في شغلتنا دي أنك تقدر هوا (سريعا) تصفي كل شغلك وتتنقل بين بضاعة وبضاعة .. إحنا في الآخر بنشتغل في بضاعة الغلابة يعني تمنها محدود .. إحنا كأننا شايلين محلاتنا على أيدينا وبنتحرك بيها .. صحيح إن كل حاجة لازم تكون بموافقة أوكسا .. لكن في النهاية تقدر تفوتله (تعطيه) كام جندي (جنيه) وتقنعه باللي عايزه ..
كان سامي يتحدث عن ظروف العمل كما لو كان خبيرا في إدارة المشروعات أو كأنه يلقي محاضرة عن التخطيط ودراسة الأسواق ، وكان مشغولا دائما بسؤال مهم: ماذا لو .... ؟
.... : تصور لو إن محلين جنب بعض، وغاب صاحب محل مكانه مميز، مش ممكن طبعا حد يتنقل للمحل المجاور عشان يستفيد بالمزايا المتوفرة فيه ، أما بالنسبة لينا إحنا كان الأمر سهل .. بنستخدم المكان أحسن استخدام في كل الأوقات من غير ما حد يتعدى على حق حد ... لكل بياع مكان محدد يعرفه بقية البياعين. وتحركه من مكان لآخر مرتبط بموافقة البياعين .. و"أوكسا" طبعا قبل الكل.
شهدت تلك الفترة استقرارا كبيرا لسامي وتوسعا في أعماله ، وحرية في التنقل من مكان لآخر في نفس الشارع حسب حركة السوق. وكانت فكرة انتقاله للإقامة بلوكاندة "القمر" صائبة تماما، لأنها وفرت عليه الكثير من الوقت والجهد، وأيضا الأموال المستنزفة في أجرة التاكسي ذهابا وإيابا كل يوم وهو يحمل بضاعته... إلا أن الرياح لا تأتي دائما بما تشتهي السفن... فقد واجه مشكلات من ونوع آخر أعاقت استقرار تجارته الأساسية (تجارة العطور) التي يحقق من خلالها الجزء الأكبر من أرباحه.
.... : رغم إن كل المشاكل اتحلت وأصبح عندي حرية في التنقل من مكان لآخر بالتنسيق مع "أوكسا" ، وكنت استقريت في اللوكاندة وباكسب كويس ، لكن حصلت مشكلة في الفترة دي ارتفاع أسعار أزايز (زجاجات) العطور الفارغة اللي كنت متعود أجيبها من تجار الزجاجات المستعملة بمنطقة الجامع الأحمر ... كل يوم عن اللي قبله كان سعرها بيزيد لغاية ما فجأة اختفت خالص، وماحدش لاقي إزازة (زجاجة) في أي حتة (مكان).
....: لفيت ساعتها كل حتة ، وفي الآخر خدت الواد مصطفى البدوي اللي بيقف بالموتوسيكل على ناصية شارع الجمهورية.. مواصلة حلوة ، هي الوحيدة اللي كانت هاتنفعني – عشان كل الأماكن اللي كنت عايزها كانت زحمة .. هو بيأجر الساعة بعشرة جنيه، ويلف بيك مكان ما انت عايز في حدود شوارع وسط البلد لغاية السيدة زينب والضاهر ..
- اشمعنى السيدة والضاهر ياد يا مصطفى .. ما انت ممكن مثلا تروح السبتية والقصر العيني ، والترجمان... ماهي دي برضو قريبة زي السبتية والضاهر ويمكن أقرب كمان.
- ايه يا عم سامي إنت ليك أكل ولا بحلقة .. خليك في حالك ومالكش دعوة.
- ياد باحاول أضيع الوقت معاك لغاية ما نوصل .. وكمان أنا واد ابن بلد وجدع وممكن نبقى اصحاب.
- ماشي يا عم سامي ... يعني انت مش عارف.
- لا والله ما أعرف.
- لا أنا معايا رخصة ولا الموتوسيكل ليه رخصة.
- يا نهارك اسود انت كدة هتودينا في داهية.
- شفت بقة أديك لا طلعت ابن بلد ولا جدع زي ما بتقول.
- لا يا درش بس أنا خايف عليك.
- لأ يا خفيف ما تخافش .. السيدة والضاهر دول منطقتي حافظ كل خُن (مكان) فيهم، هاتشوف دلوقتي هاوديك ازاي الجامع الأحمر من شوارع وحواري عمر أهلك ما شافوها ولا سمعوا عنها.
- يعني كدة تضمن انك ماتقابلش لجنة مرور ولا حاجة.
- قصر بقة يا عم سامي وبلاش تجيبلنا سيرتهم .. دول زي العفاريت .. والعفريت مابيطلعلكش غير لما تجيب سيرته.
....: خدته ولفيت بيه لغاية ما وصلت لشيخ الزبالين .. الناس هنا لسة بيسموه شيخ الزبالين .. بس الحقيقة إن موضوع "شيخ" دي بطلت خلاص هو رئيس جمعية الزبالين. عرفت القهوة اللي بيقعد عليها في منطقة الجامع الأحمر ورحت قابلته هناك .. عرفت منه إن سبب الأزمة ، وقلة المعروض عند الزبالين إن تجار من سوريا كانوا بينزلوا مصر يشتروا كل الزجاجات المستعملة ويودوها سوريا.
كانت تلك الفترة قد شهدت إسناد عمليات جمع القمامة بالقاهرة الكبرى إلى بعض الشركات الأجنبية، وإقصاء الزبالين التقليديين عن جمع القمامة من المنازل، كما كانوا منذ أكثر من نصف قرن، مما أثر بشكل كبير على تجارة كل المواد المستعملة التي كان منبعها الأساسي هو الزبالين التقليديين... وتبعا لذلك ارتفعت أسعار كل المواد المستعملة، ومنها الزجاجات الفارغة التي كان يستخدمها سامي في تعبئة العطور.
.... : منطقة الجامع الأحمر دي بقة عالم تاني .. كل أنواع الزجاجات اللي ممكن تخطر على بالك تلف تلف وترجع على هنا .. أزايز بيرة وخمرة من جميع الماركات المحلية و المستوردة، أزايز أدوية و عطور كل الماركات، أو أي أزايز تخطر علي بال بشر بكل الأشكال والأحجام والألوان.
.... : تدخل المنطقة دي تلاقيها مليانة أجولة كبيرة مليانة أزايز وكل تاجر تلاقيه متخصص في نوعيات إزاز. اللي متخصص في أزايز البارفان، واللي متخصص في أزايز الخمرة، واللي متخصص في أزايز الأدوية المستوردة بس.. يعني كمان بيفرقوا بين أزايز الدوا المحلية والمستوردة، كل واحدة فيهم ليها تجارها. وكل دا أساسه الزبالين بتوع منشية ناصر والمعتمدية. التجار بيشتروها من بتوع الزبالة بتراب الفلوس يجيبها هنا في ورش للغسيل .. تتغسل الأزايز وترجع تتعبى في أجولة كل نوع لوحده وتتباع بالكيلو. وكمان بتتصنف باللون, كل أزايز لها لنفس اللون تتباع مع بعضها... يعني تدخل مثلا على تاجر، تلاقيه يسألك أخضر ولا بني ولا شفاف... دول أكتر تلات ألوان بيتباعوا في الأزايز ، ويسألك كمان كبير ولا وسط ولا صغير.
.... : حتى كسر الأزايز ليه سوقه وزباينه .. الكيلو منه يتباع بـ 20 قرش... تشتريه ورشة من الورش اللي مالية منطقة الجمالية. يسيحوه (يصهروه) ويعيدوا تصنيعه تاني .. بيعملوا منه فازات إزازا ومناظر في منتهى الجمال بكل الألوان، ويوزعوا بضاعتهم في أكبر المحلات في روكسي والهرم ووسط البلد .. كمان الخواجات بيحبوا الشغل دا أوي .. تلاقي منه كتير برضو في نزلة السمان وخان الخليلي... أنا في مرة اتعرض عليا شغل زي دا .. أخُد من الورش وأوزع على المحلات .. بس أنا ماليش في بهدلة اللف والدوران دي .. أنا واقف في مكاني أبيع للي ييجي لغاية عندي.
.... : طبعا أنا في الأول كنت مفكر إني أشطر واحد في الدنيا عشان عرفت سكة الأزايز دي ، بس لما رجلي خدت ع المنطقة واتصاحبت على الناس هناك عرفت انه عالم تاني .. مش هاتصدق لو قلت لك انك ممكن تلاقى هنا تجار من تونس والخليج والعراق وسوريا. بس أنا كنت مضبط نفسي هناك وكلهم عارفيني.
....: كمان كانت لي عيوني جوا المنطقة .. "شكري القصير" ، هو اسمه "شكري قلدس" بس أنا كنت مسميه كدة عشان هو قصير قوي ، وتلاقيه علطول أنيق في لبسه ، رغم إن القميص والبنطلون اللي على جتته واسعين عليه دايما وتحس إنهم مش بتوعه .. كمان لسانه تقيل شوية، ورغم كدة تلاقيه عارف طوب الأرض (كناية عن اتساع حجم علاقاته ومعارفه). كنت باعطف عليه .. يعني لما أشوفه أزبطه (أعطيه) اللى فيه النصيب. يعنى ممكن علبة سجاير، ممكن اثنين تلاتة جندى، ممكن أكلة فراخ حلوة متحبشة... وقدام دا كله ممكن تلاقيه في مرة يقلب عليا الدنيا لغاية ما يلاقينى، ويبلغنى إن فيه بيعة أزايز حلوة على سعر كويس... بس هو بقة كان بيجيبهالي من المنبع ، من الزرايب نفسها (موقع إقامة الزبالين) ... كنت أروح بسرعة أخلص البيعة لنفسي قبل حد تانى ما يا خدها، وحتى لو ماكنتش هاستخدمها أنا لشغلي، كنت برضو باعرف أبيعها وأطلع منها لقمة عيش حلوة.
....: الزرايب دي بقة قصة تاني .. مكان مش سهل دخوله لأي حد ، وحتى لو دخل واحد لوحده مش هايعرف يطلع بمعلومة صح، لأن الناس هاتحلقله (ترفض الحديث معه)، لأنهم ما يتكلموش مع حد غير لو كانوا يعرفوه كويس، أو يكون جاى مع حد معروف عندهم... و"شكري القصير" تقريبا كدة ساكن هناك ، عشان كدة كل الناس هناك عارفينه.
....: في مرة واحد طلب منى أجيب له 50 ألف علبة بلاستيك مستعملة عشان يسفرهم المغرب، رحت على الزرايب، وفى سكتي عديت بالتاكسي على "شكري" عشان أخده معايا مارضيش ييجي، بس بعتني لواحد هناك متعهد بلاستيك ... رحنا له هناك، وأول ما شافنا من بعيد وقبل ما ننطق بكلمة لقيناه طلع يجرى واختفى، ولم يظهر إلا بعد حوالي عشر دقايق و معاه اثنين تانى ... وأول ما دخلوا علينا راحوا مطلعين لنا بطايقهم، وقالوا لنا معلهش يا بهوات عايزين نتعرف، دي بطايقنا أهي، وعايزين احنا كمان نشوف بطايقكم .... بعد ما شافوا البطايق دخلنا دوغرى في الموضوع وخلصنا البيعة في أقل من عشر دقايق، و أخدت عمولة في الموال ده 500 جنيه من الطرفين، والمشوار كله ما كلفتنيش غير تلات ساعات. وبرضو رجعت يوميها زبطت "شكري" بعشرين جندي.
....: المهم نرجع لموضوع الأزايز .. فضلت على الحال دا أكتر من شهرين مش عارف ألاقي أزايز أعبي فيها (أملأها) بالعطر ، وكان شهر رمضان على الأبواب. ساعتها افتكرت اني من أكتر من سبعة أشهر ماشفتش أمي. قلت لازم أروح أزورها عند خالتي ، بس كان نفسي ساعتها بعد الغيبة دي كلها أروح لها وأنا واخد لها حاجة حلوة معايا... بس برضو عرفت أتصرف ساعتها .. عم عزت سلفني 50 جنيه رحت اشتريت بيهم حاجة رمضان، مشمش وزبيب والذي منه، ورحت لها.
....: كانت المفاجأة اني قابلت هناك أخويا "عليم" ... من ساعة ما سبت بيت أبويا ماكنتش شفته، ورغم اني زعلان منه، إلا إني أول ما شفته خدته بالحضن ، دا برضو أخويا الصغير، وكان نفسي كمان أشوف "مسعد" ......
- يا ندل .. سنة كاملة ماتفكرش تسأل على أخوك.
- والله يا "سامي" أول ما عرفت سكتك من أمي رحت سألت عليك عرفت انك سبت الشقة اللي كنت قاعد فيها في عين شمس وماحدش عارف انت فين .. حتى أمي ماكانتش تعرف مكانك .. كل اللي قالته لي إنك كلمتها في مرة في التليفون وقلتلها انك قاعد عند واحد صاحبك في الهرم وبتشتغل معاه في محل بويات.
- هرم أيه وبويات أيه .. لما نقعد مع بعض هابقى أرسيك ع الليلة (أحكي لك أصل الموضوع) .. أنا عندي شغل خاص .. وكمان ممكن أحتاج لك تشتغل معايا .. عشان اتوسعت في شغلي جامد.
- شغل أيه وفين.
- تجارة.
- تجارة أيه.
- عطور.
- بجد دي شغلانة حلوة أوي .. طب ما تقولي أجيلك امتى وفين .. خدت محل فين بقة.
- لما أقعد معاك لوحدك هارسيك ع الموضوع وأقولك نتقابل فين .. وقفل بقة ع الموضوع دا دلوقتي عشان أمك جاية ومش عايزها تعرف الموضوع دا
- ليه؟؟ .. دي هاتتبسط أوي لو عرفت !!
- انت مش عارف أمك يا عليم هاتقلق لو عرفت اني باتاجر، وهاتقولي شفلك وظيفة أحسن .. أنا
عشان كدة قلتلها اني باشتغل في محل واحد صاحبي وقاعد معاه.
فرحت أمهم كثيرا حينما دخلت عليهم غرفة الجلوس ووجدتهم في حالة ألفة وسرور ، وزادت بهجتها حينما أخبرها "عليم" أن "مسعد" أخوهم الثالث قد استقر في محل الجزارة الذي ذهب للعمل به في السعودية ، وأنه طلب منه معرفة عنوان زوج خالتهم لكي يرسل على عنوانه فلوس لوالدته .. وكانت تلك الشحنة المعنوية التي أخذها سامي من هذه اللمة الأسرية الجميلة حافزا له لعدم الاستسلام لظروف العمل.
....: نزلت من عند خالتي دوغري على السيدة زينب، اتعرفت على تاجر فوانيس هناك، وأخدت منه بضاعة بالآجل، بعد ما ضمني عنده شكري القصير.
....: مروا أول عشرة أيام من شهر رمضان على خير، وعملت قرشين حلوين .. طبعا مش زي شغل العطور .. لكن أحسن من مفيش .. وسددت التاجر اللي خدت منه الفوانيس ، واشتريت شوية حاجات تاني، ضبطت بيها نفسي لغاية قبل العيد بيومين، لقيت اتنين داخلين عليَ .. واحد فيهم تخين وقصير شوية، والتاني طويل ورفيع ولابس جاكت بدلة على بنطلون جينز تعبان، شكله كان يدي على ضابط مباحث .. وقال لي:
- انت بياع عطور
- أيوة، بس عرفت منين
- أوكسا اللي قال لي
- انت تعرف أوكسا
- لا ما اعرفوش كويس بس كنت باسأل على بياعين عطور ودلني عليك
- خير
- أنا تاجر عطور باوزع على البياعين
....: شميت نفسي أول ما قال لي كدة .. طلعوا بياعين عطور موتورجل (سيرا على الأقدام) ، يلفوا الميادين والشوارع اللي بيقعد فيه البياعين ويبيعولهم بالجملة أزايز العطر اللي هما بيعملوا بنفسهم.. يعني ممكن تسميهم تجار جملة ... كانوا بييجوا من بلد اسمها ههيا في الشرقية، يبيعوا بضاعتهم هنا في القاهرة.
.... : أحسن حاجة فيهم إن بضاعتهم كانت نضيفة، ولكن طبعا سعرهم فرق معايا.. بعد ما كنت أنا باشتري بنفسي الزجاجات الفارغة وأعبيها عطر مركبه أنا بنفسي، بقيت أشتري جاهز، وتكلفتي زادت جدا وفي نفس الوقت حاولت أرفع سعر الزجاجة للمشتري بس حركة البيع قلت.
.... : أحسن حاجة في "إمام" دا أنه كان ممكن يعملك خصم، أو حتى يديلك بضاعة بالآجل مقابل حاجة واحدة بس، إنك توافق تروح تقعد معاه على أي قهوة ويعزمك هو على المشاريب كمان، ويقعد يقولك قصيدة من قصايده.
اللي عايز يجري على يميني يجري
واللي عايز يجري على شمالي يجري
بس أنا هامشي على مهلي
....: الله يا عم إمام .. إشعر (قول شعر) يا عم إمام إشعر.

مما راق لى




3 
قصيدتي

وراق لي أيضاً يوميات مثيرة وأحداثها شيقة
سلمت اناملك عزيزي ودمت بخير
فيض ودي لك مع التقدير


4 
مجدى سالم


لــــك مــــن الـــــورد اطيبــــــه
سلمــــت انــــاملـــك الذهبيـــــة
لــــردك الجمـــــيل ومــــــرورك العطــــر
تحيــــاتـــي مــــع اجمــــل الـــورد




5 
الفارس الابيض

اخي بارك الله فيك علي القصة
يعطيك العافيية عزيز
شكر جزيلا للطرح القيم
ننتظر المزيد من الابداع من اقلامكم الرائعه
تحيتي وتقديري لكم
وددي قبل ردي .....!!



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.