العودة   منتديات الدولى > المنتديات الأدبية > منتدى القصص والروايات

منتدى القصص والروايات قسم خاص بعرض أشهر القصص القديمة والحديثة، قصص خيالية وواقعية مكتوبة، أجدد قصص وحكايات 2017


Like Tree2Likes

1 
مجدى سالم


عندما تموت الملائكة

عندما تموت الملائكة


الطلقة الأولى




- ادفعي لأسفل .. تنفسي بعمق ..
- تعبت .. لي أكثر من ثلاث ساعات أدفع ، أتنفس ، حتى شعرت أن جدران و سقف الحجرة ؛ تضغط عليَّ ، تُساعدني ..
- ساعديني ، إنني أرى الرأس ، اضغطي أكثر ..
انقطع جهدي ، لم أستطع التحمل ، تكاد بطني تنفجر ، عيناي تخرجان من محجريهما ، ليتهم يعلمون أن طفلي ، لايريد الهبوط للدنيا ، لعله يرهبها ، أو أنه لايرغب في رؤيتي .
تدخل أمي يكاد ينفطر قلبها خوفاً ، تناشدني أن أساعد الطبيب في دفع سيارة طفلي حتى يترجل منها على فراش عمري ..
أبكي من الألم المبرح ، كل طلقة ، تكاد تنخلع معها أعمدة ضلوعي ، لتهوي روحي ، فأموت ..
- والله يا أمي .. أساعده ، تعبت ، شارفتُ على الموت ..
- رأس المولود بيدي ، شعره أسود متفحم ، إنها مُتعبة ..
صرختُ صراخاً ميتاً ، لم أعد أحتمل ، لن ألد ، لا أريد الصراخ ..
- أتركـــوني .. أتركـــوني ، سأبقى هكذا حتى الموت ، أخرج .. أنتَ لا تفهم شيئاً ، أنتَ لستَ طبيباً ..!! من أي الحظائر أتوا بك ..؟
ينهض من أمامي ، يجمع بعضه – كله – يرحل ..
لأبقى بين أيديهم جرح ينزف ، يؤلمهم جميعاً ، بدفقات خوف عليَّ وعلى وليدي ، الرافض للحياة ..
كل طلقة تأتي ، كأنها قطار يمر بلا هوادة فوق فلنكات جسدي ليدهسه ، أبكي ويبكي الجميع من حولي ، يحملونني بسيارة لأحد المستشفيات ..
لم يعد لديَّ قوة ، فقد وَلدتُ قوتي ولم ألد طفلي ..!! يحملونني حملاً ، عندما تأتي طلقة جديدة ؛ أقفز- أرتعد – أتلوى من شدة ألمها ، أصرخ صراخاً أبكم ..
أمام المستشفى .. يحضرون سريراً متحركاً ، يأخذوني ، تأخذ أمي غطاء رأسي وحذائي ، يجري بي الممرض ، حالة مستعجلة ، الجميع يستعجل ، طفلي – الوحيد الرافض الحياة ، لا يشفق عليَّ من شدة الألم ، شعرتُ أني أتعرض لعملية أغتيال - طفلي - هو من يقودها..
تُفتح لي الأبواب ، يدفعوني بالسرير ،كما يدفع بالخبز داخل فرن مشتعل ..
أدخل باباً مظلماً ، بمفردي ، أنظر لأمي ، أستنجد بها ، تضغط على يدي بنظرة من عينيها ..
رحلة قاتمة ، يدفعني الرجل بعنف ، من جهة قدمي ، حتى شعرت أن ابني سيخرج من فمي ..!!
لا زال الألم العابث – الطائش ، يتتابع سعيداً ينهش أعضاء - أعضائي ..
أنظر بالباقي من فتات بصري ، أرى نساءاً جالسات ، منهن من تبتسم ، من تصرخ - تتأوه ..
أدخل غرفة إعدامي .. هناك امرأة تصرخ ، لي – لها، يلتفون حولها ، يعنفونها ، تلد- طفلها - هي- يصرخان ، ضاع ألمي ، غرق في بحر صراخهما ..
أنام .. سبعة أطباء يلتفون حولي – الذبيحة – يبتسمون ، لايعلمون بكم الألم ، كأنهم يستعذبون آلامي ، يصرخ أحدهم ..
- أضغطي .. لأسفل ، كلا ، لن أضغط ..
تناشدني .. طبيبة صغيرة شفقة عليَّ ، أن أنفذ مايقولونه ..
لي أكثر من خمس ساعات أضغط – أدفع ، هلا رحمتوني ، نفذي يا امرأة ، وإلا أحضرنا ( الجفت ) وأجرينا لك جراحة ، إفعلوا ما شئتم ، لن ألد بهذه الطريقة ، فلو كانت صالحة لكنت ..
يضربني أحدهم على فخذي ، أصرخ - مرة - مرتين ، كنافورة ألم في وجوههم جميعاً ، أنهض من فوق الفراش المتسخ بدم وبقايا مياهٍ أسودٌ لونها ..
- لن ألد .. أتركوني ، سأرحل ، لن ألـد ..!! تقترب الطبيبة مني ، صدقيني ، وليدُكِ نراه جميعاً ، ستقتلينه بعِنادك ، تعالي .. كلا .. لا دخل لكم بي – به سأرحل ، حتى وإن مت – متنا ..
أسير بدهليز مظلم ، مبعثرة الشَعَرِ – الشعور ، حافية القدمين ، عارية من كرامتي التي تركتها هناك ، جثة هامدة فوق السرير الملوث ببقايا نساءٍ ، خلقن ليتعذبن برسالتهن ..
الجميع ينظر إليَّ ، كأني جننتُ ، يضربون أستفساراً فوق أستفسار ، عيون الخوف والإندهاش تتبعاني ..!!
الممر لا ينتهي ، الظلام الدامس يحوطني ، لو كانت هناك كاميرا تصور هذا المشهد لفزتُ بجائزة أوسكار كبطلة لأكبر أفلام الرعب ..
تقفز إحدى الطلقات المؤلمة من فوق قارب جسدي ، لأهدأ بعض الوقت ، أستريح ..
أعود بذكرياتي للوراء ..
- ادفعي ..
- هيا .. ساعدينا ، سيخرج وليدك الآن ..
صرخة أخيرة تمسك بيديها الطفل لتنزل به ، فيهدأ الجميع ..
يعطيني الطبيب – المولود – يسترشد بي ، ليرى العالم الجديد ، فأُ غسِلهُ ، ألبسه ثيابه التي سيواجه بها العالم ..
تخرج الأم ، تحتضن طفلها ، أذهب إليها من آن لآخر ؛ لأداعب ضيف الحياة ، أشم عبق الطفولة في راحتيه ..
انتهت نوبتي ، لليوم الأول لي بهذه المستشفى ، التي ألحقني للعمل بها أحد أصدقاء أبي ، بعدما انتهيت من دراستي ..
ما أروع أن تولد على يديك حياة جديدة ..!! تكون أنتَ أول من يستقبل سائح جديد، لا يحتاج جواز مرور لدخول الدنيا ، لديه الإقامة الجبرية ، برغم أنف الجميع


الطلقة الثانية


أعود للبيت ..
تقابلني أمي .. تفتح لي جعبة أذنيها ؛ لأملأها بما سمعت - رأيت بيومي الأول .
تبتسم وهي تسمع ما شاهدتُ - أنام ، أهيم بعبق الطفولة الذي شممته هناك مع الزائر الجديد ، الذى قابلته في أول هبوط له بممر الدنيا ..
في الصباح ..
أدخل لأرتدي المعطف الأبيض ، الذي عشت عمري كله أحلم بإرتدائه ، كم كنتُ أجمع نسيجه خيطاً - خيطاً ، كل سنة دراسية تمنحني جزءً منه ، حتى وصلت للثانوية العامة ، تلك الطامة الكبرى ، ليست عنق الزجاجة ، بل عنق ثعبان ، ابتلع كل طموحاتي ..
ألقى في أحد المعاهد ، كما قالت أمى ( شهادة والسلام ) ستتزوجين ولن تحتاجيها ، كأن العمر - قطار مجنون - والأيام – محطات يتيمة - لا يقف فيها قطاري بالكاد ؛ أعرف ملامحها وأذكرها ..
أستلم ورقة ، أعلقها على جدران بطالتي ، أنتظر أن تتغير فصولي ، أتنقل من عمل إلى عمل ، راتب بالكاد يفي بعض مطالبي ، أعطي أمي بعضه تنفقه على دنيانا البخيلة ..
كنتُ أعمل بمحل لتأجير أفلام الفيديو ، أجلس طوال اليوم ، يدخل زبون يأخذ ما يريد ، يعقبه زبون آخر ، وهكذا ..
بين الوقت والآخر ، أقرأ عناوين الأفلام ، أحلم وأنا أرى الممثلات الجميلات ، أحلق عالياً لأسقط على صوت أحدهم يناديني ..
- مرحبا ..
- أريد أحدث فيلماً رومانسياً ، أو فيلم رعب ، أو فيلم ..
- فيلم عن ماذا ..؟
- أفلام ، ألا تفهمين ..؟ فيلم من نوع آخر ، تعملين هنا منذ مدة ..؟
- كم راتبكِ ..؟
اندهشتُ من سؤاله ، خجلتُ أن أخبره ، فصَمتْ ، ضحك ، يذبح صمتي بقهقهاته القاسية ، أخبرني أنه يمتلك شركة استيراد وتصدير ، يرغب في أن أعمل لديه ، سيجزل لي العطاء ..
انتهى اليوم .. أحمل فرحتي وهي سعيدة ، أهرع إلى البيت لألقيها في حِجْر أمي ، تتلقفها تنفض من حِجرها حزنها ، وهمها من عبء الحياة ..
- صباح الخير دكتور حسين ..
- صباح الخير ..أنت سميه ..؟ لم أقابلكِ أمس ، كان أول يوم لكِ بالمستشفى ، هل أخبروكِ عن نوع العمل هنا ..؟
- ممرضة ..
يضحك وهو يفتح فاهه ، أرعبني موت بعض أعضائه ، أتشاح الباقي منهم بالسواد ، قال : لا .. التي تعمل عندي بالمستشفى ، تعمل كل شيء ، علامات الإندهاش تكسو وجهي كجلده ..!! كل شيء ، ممرضة ، إدارية ، عاملة ، غسالة ، طباخة ، تنظف آبار ، تُصلح صنابير ، كل شيء - كل شيء ، إذهبي الآن للدور الرابع ، هناك يعملن البنات ساعديهن ..
قلت في نفسي لعله يمزح ..
صعدتُ للدور الرابع ، هذه أول مرة أبرح الدور الأرضي ، مررت بالأدوار .. لا صوت – لا ضجيج - سوى موسيقى ناعمة هادئة تنساب عبر سماعات بالأركان ..
سرت كفراشة أحلق على صوت الموسيقى ..
يسقطني من تحليقي رائحة غريبة بالدور الثالث ، سددت أنفي لكن يد الرائحة كانت تجذب يدي لأشمها عنوة ..!!
أسرعتُ في الصعود ، حتى لا تلحق بي تلك الرائحة ، تستعمر حواسي ..
الدور الرابع .. تقيأ محتويات غرفه ، ضوضاء ، أسرة ، دواليب ، وسائد ، مراتب ، بقايا أدوات طبية هنا وهناك ، أسمع ضحكات تناديني لأدخل صوب الصوت..
- صباح الخير ..
- أنتِ الممرضة الجديدة ..؟
- نعم ..
ضحكن ، يغمزن لبعضهن ، لم أعرهن اهتماماً ، حتى يدركن أن ما يفعلنه لا يؤثر فيَّ ..
يخلعن الثياب البيضاء ، يرتدين ثياباً ملوثة ملونة ،كأنهن عمال طلاء ..
- ماذا تفعلن ..؟
- رددن ألم يخبركِ دكتور حسين عن طبيعة العمل هنا ..؟
- وما الذي يجبركن على تحمل هذا ..؟
- نفس الذي أتى بكِ إلينا ..؟ دعكِ مما تقولين ، تعالي لتساعدينا ..
خَلعتْ الحاجة الغلاف الأبيض ، الذي عشتُ أحلم به ، قذفته بعيداً ، بدأت أساعدهن في لصق ورق الحائط ، تذكرت صورة شهادتي ألصقت فوقها الورق ، زدت صمغ حزني وكآبتي ..
ضاعت دهشتي ؛ هن يلصقن ورق ابتاسماتهن فوق حوائط وجهى ..!!
عدتُ لمنزلي ، أخفي عن أمي صديقاتى اللاتي أتين معي للبيت ، رغماً عني ..
استطعتُ ببعض المهارة ، ألا أجعل أمي ترَهُنَّ ، نهضتُ في الصباح ، زال عني همهما أستعدت بعض قوتي..
ذهبتُ حيث الشقاء ، لم نكمل عملنا أمس ، استبدل ثيابي ، قلت :..
الحمد لله .. فما رأيت هنا أفضل مما رأيته في نصف ساعة ، كانت ستستنفد قوة عمري كله ..
- ها هو العنوان لا تنسي ، شركة رشيد للإستيراد و التصدير ، سأنتظرك يوم الخميس مساءاً ، لا تتأخري ..
أحمل العنوان ..كأنه قارب نجاةٍ نراه أنا وعائلتي من بعيد ، ونحن يضربنا موج الحاجة - العوز ، ننادي على رُبانه أن ينتشلنا من الغرق ، أخيراً سمعنا ، أتى لينقذنا..
أحتضن العنوان ، أرجو الأسبوع أن يُسرع بإرسال أحد أبنائه الذي أنتظره بشوق ..
يأتي هادئاً كليلة صيف ، برغم شتاء انتظاري القارس ..
أرتدي أجمل ما عندي ، أذهب للموعد المنتظر ..
- مرحباً .. سميه ..
- أراكِ تأخرتِ ..
- كلا جئت منذ برهة ، كنتُ أبدل ثيابي ، لا ترتدي البالطو فالدور الرابع ينتظرنا ، كم أكره العمل بهذه المستشفى لكن ( المحتاجة غناقة )..
نصعد لنكمل ورق الحائط ، وبعدما انتهينا منه ، هممت بالإنصراف قالت إحداهن : ..
- إلى أين ..؟
- ألم ننتهي ..؟
ضَحكتْ بصراخ ، نعم ، لكننا لم ننتهي من تنظيف الغرفة ، سنمسح الأرضيات ، غداً ندهن النوافذ بالطلاء ، تصرخ أعضائى من التعب ، تنهار أمامي على أحد الكراسي ، لم أستطع إيقاظها ، الجميع يضحك ..
أجمع أعضائي المتفرقة داخل كيس جسدي ، أعود للبيت منهكة الكرامة ، مبعثرة الكبرياء ، تخيلت أن عملي كممرضة سيفي ببعض أحلامي القتيلة ..
تراني أمي ، تسرع إليَّ لتحمل جسدي الذي سيتفكك ، إلي قطع متناثرة ، تضعني على فراشي ، وهى تصرخ ..
- ما بكِ ..؟
- لاشيء .. العمل ..
- أيُ عمل ..؟ ما الذي تفعلينه هناك ليفعل بكِ هذا ..؟
تُصِرُ على أني ، لن أذهب إلى العمل مرة أخرى ، أناشدها ، إنى سعيدة ..
لكنها ترى حالتي ترفض ، أصر على العمل ، توافق أن أعود للمستشفى ..
يموت قلبي الأخضر ، وهو يُغلف بورق حائط غامض – متوحش ، يمنعه من أن يتنفس ، تتغير ملامح الدنيا بعيني ، لتكون مرعبة جبارة ، لا كما رأيتها بعين شبابي ، كأننا خُلقنا لنشقى ، وخُلق غيرنا ليستعذب شقائنا .....



الطلقة الثالثة



ترتديني ملابسي ، رغماً عني – عنها ، ترفض الذهاب إلى هناك ، أُدخِل رقبتي في عنقها الرافض أن يشنقني ..
أمد يدي داخل أكمامها ،كأني أهتِكُ رفضها عنوة ، تلقي جسدها فوقي لتجعل حركتي أثقل ..!!
أخرج للشارع ..
الشمس تتوارى ، وراء غيمة صنعتها ، كأنها باب تختفي خلفه ، حتى لا تستمع إلى دقات قلبي الحزينة ..
أصل .. أنظر للبالطو الأبيض ، المغروز في عنقه مسمار ، أكاد أرى دماء الحسرة تسيل على ياقته ..!!
أوقع في دفتر حضور العمال ، أصعد للدور الرابع طواعياً ، الأرضيات زلزال أغرقها بالأتربة ، أمسك المكنسة ، أدفع كل ما أجده أمامي ، أرى قطع تتساقط مني ، أدفعها مع القمامة ، أجمعها في صندوق فارغ ، ألقيها ، أشعر بعدها بأرتياح عجيب ..
أنتهي من العمل .. لا زال لليوم ساعات لم تنقضِ ، الملل رسم ملامحه ..
- د . حسين .. يطلبكِ ..
- ماذا يريد ..؟
أذهب إلى غرفته – غرفة مدير المستشفى – لم أجده فوق كنبته التي رأيته مستلقٍ عليها أول مرة - جلست أنتظره ، مكتب مزدحم ،كأنه شارع لا ضوابط له ، لا إشارات مرور تحكمه ، فصار كالمجنون ، أوراق ، دوسيهات ، ظروف ، رسائل ، أكواب شايٍ فارغة ، فناجين قهوة ، منها من يقف محترماً ، من ينام على جنبه ، كأنه مرهق من السهر ، خلف المكتب ، مكتبة كبيرة تقف شامخة كأنها عشيقته ، ، مملوءة عن آخرها بالكتب ، بكل الأحجام ، مرتبة ، نظيفة ، لم تلمسها يد ، لم تربت عليها عين منذ قرون ، ملفات منتشرة هنا وهناك ملقاة في كل الأركان ، أمام كنبتهِ ، منضدة تقف حزينة ، أكاد أسمع صراخها مما فوقها ، مطفئة بها بقايا أجساد لسجائر منتحرة حرقاً ، أوراق فارغة ، أخرى غارقة بمياة الحبر ، غيرها ممزقة ، ملقاة بعيداً ، أسمع أرتجاف أخواتها ، من الخوف على مصيرهم ، كأس صغير ، تحاول العيش داخله بعض قطرات من سائل أحمر ، زجاجة نائمة على جنبها في حالة سُكر ، فارغة من عناء السهر ، فوق الكنبة ، ( تابلوه ) به بعض المقالات بالجرائد ، عن الدكتور ومهارته ، المستشفى ، رقيها وعظمتها ، قبل أن أنسى الجدران ، تكتسي بآلاف من شهادات التقدير للدكتور ..
يمر الوقت بطيئاً ، أنظر للجدران ، تريد أن تتأبط بعضها وتخنقني ، تخرج زفراتي حارة مخلوطة بالملل والضِيق ..
يُفتح باب آخر ، غير الباب الذى دخلت منه ، أرتجف ، أحاول أن أعطي أوامر لجسدي بالثبات الذي يسخر مني ، لأنه يعلم حالي ، أسمع صوته يأتي قبله ، يفسح له الطريق ، أنظر ناحية الباب ، أغلق عيني ، حتى لا يرى داخلي ما رأته عينيَّ ، الدكتور يخرج بملابسه الداخلية ، أُعطيه ظهري ، أسمع قهقاته العارية ..
- هل تخجلين ..؟
لم أستطع الرد فالصمت أكل لساني وهضم حروفي ..!
- إقتربي ..
- قالوا : .. أن حضرتكَ تطلبني ..
- قلتُ لكِ اقتربي ، لا تخافي ، نجحتِ في الاختبار ، عرفتُ أنكِ ممتازة ، تطيعين الأوامر ..
تعالي ، نظفي المكتب ..
أبتلع لعابي ، الذى قرر أن يتكلس في حلقي ليخنقني ، أبدأ في تنظيف كل شىء - نائم على كنبته - يسحب روح سيجارته من قلبها عنوة حتى يمتص عمرها كله ، عينيه تصاحبني أينما ذهبت ، أخشى أن أنحني أمامه ، حتى لا تخرج قطعة مستورة من جسدي أمامه ..
كلما لملمت نفسي ، يضحك ساخراً ، ضحكاته تكاد تقتل فيَّ صبري ، فأنقض عليه ..
- هل تدخنين ..؟
كأنها صاعقة .
- لا طبعاً .. نطق بها لساني وصرخت بها ملامحي ..
تتعالى ضحكاته ، شعرت أنها ضربات زلزال ستسقط سقف غضبي عليه ..
انتهيت بأعجوبة ، سألته إن كان يريد شيئا آخر ..؟ قال : لا ..
خرجت إلى البيت ، تلفني الحيرة من هذا الرجل .. !! أحدث نفسي ..
هل كل الرجال متشابهون ..؟ ألا يكتفي الرجل بامرأة واحدة ..؟ أهي شراهة منهم أم خِلقتَهم وخُلقُهم ..؟ يذكرني دكتور حسين .....
- أدخلي ..
- ألا يوجد أحدٌ بالشركة ..؟ ألم تخبرني بأن الشركة تعمل فترتين ..؟
- نعم .. لكن اليوم الخميس ، العمل نصف يوم فقط ..
- تعالي المكتب ..
أدخل .. تتلفت عيني هنا – هناك – هنالك ، تطبع بكاميرتها كل ما تراه ، ترسله إلى عقلي ليفكرفيه ..
أجلس أمامه ، مكتب كبير فخم ، رائحة العطر تفوح منه ، متأنق ببدلة رائعة ، وجهه أسمر ، جبهته تحتلها بقعة سوادء مستديرة ، شعره يلمع ، المسبحة تتراقص بيديه ..

- لم تخبريني .. كم الراتب الذي تقاضينه في نادي الفيديو ..؟
- مائة جنيهاً ..
- تعملين طوال اليوم بمائة جنيه ..؟
- نعم .. لم أجد عملاً غيره ..
- أنتِ تستحقين أن تكوني مديرة ، و راتبكِ كبيرٌ جداً ..
بدأت نبرات صوته تتغير ، لم تعد حروفه متزنة على أحباله الصوتيه ، في عرض يدعو إلى الضحك أحياناً - الخوف كثيراً ..
- مارأيكِ لو تكوني مديرتي أنا شخصياً ..؟
لم أستطع الإجابة .. سوى بابتسامة مريضة تنام على أوسدة شفتي ، تتغير ملامحه ، تتقافز قطرات عرق نافرة على سطور جبينه ، بياض عينيه تصيبه حمرة قاتلة ، يمد يديه إليَّ بمظروف مبلل من صنابير يديه المرتعشة ، يبتسم ، تظهر أسنانه ، وقد طالت القواطع وعلى طرفها بريق خديعة ويكاد يستلقي على لثته وحش يتثائب ..
- أفتحي المظروف ..
لا زالت جثة الابتسامة موضوعة كتمثال على أرفف شفتيه ، يزداد بريق قواطعه ، يطولان ..
أفتح المظروف .. به نقود ، عرفت أنها أكفانٌ أجمع فيها جثمان عذريتي ..
بدأ يتحرك جبل الشهوة متصدعاً ، رعشة أمسكت بقدمي ، بدأت تتسلل في أنحاء جسدي ، كأن مياة الخوف المثلجة تغمركياني ..
- لماذا هذه النقود ..؟ لم أفعل شيء بعد ..؟
- إنها لكِ .. أشتري بها ما ينقصك ..
بدأ يتحرك ، يستند بطرف المكتب خشية وقوعه ، أسرعت ..
- هل لي بكوب ماء ، من فضلك ..
- يال غبائي .. لم أقم بواجب الضيافة ..
ما إن يخرج من باب الغرفة ؛ ألقي مظروف المهانة - نقود العُهر - على مكتبه النجس ، أطلق لخوفي العنان يمسكني من يدي لنهرب - أركب المصعد - ينادي عليَّ ، إرجعي ، لا تخافي ، تعالي ..
بصندوق هربي ، أحتضن نفسي ، التي كدت أفقدها ، أبتلع ثباتي ، شعرتُ أن الدور الأرضي بيني وبينه كما بين السماء والأرض ، أجمع حبات عرقي في منديل ، ألقيه بعيداً لأنها تحمل رائحة الخوف النتنة من هذا اللقاء البغيض ....

عندما تموت الملائكة



3 
مجدى سالم

أنت الاجمل يا صاحبة القلم العطر

شرف مرورك الأول لا يضاهيه إلا مرورك الثانى
لن أجد ما أقوله لك سيدتى
لنا عظيم الشرف أن نكون عند ظنكم
دمت رائعة



4 
قصيدتي

طلقات ،، مريرة تصور مشاهد الحياة القاسية مرها حلو وحلاوتها مرة
حقيقة قرأتها اول مرة فشعرت بتلك الطلقات تمزق جسدي
فهربت
وها انا أعود مرة اخرى اقرأها واتألم
حقا اخ مجدي سرد جميل ومن قلب الواقع وان كانت أحداثها مؤلمة لكنها حقيقية غير مغلفة او مقنعه
طلقات تستحق ان نتفكر بها تستحق وقفة تقدير

بوركت ذائقتك اخ مجدي
ما أسعدني بك عزيزي
دمت بهذا ألكم الوارف من التألق
احترامي


5 
مجدى سالم


يسعدني أن حروفي تحظى بتشريفك

وحسن قراءتك لها

ربما إنني في حيرة مما أقول

فقد تاه حرفي وأعجزني في مواكبة الرد

ولكني أبتهج بك وبتواجدك دائما وأبدا

غاية ما أرجوه ألا تحرميني من تواجدك

جل احترامي وتقديري







Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.