العودة   منتديات الدولى > المنتديات الأدبية > منتدى القصص والروايات

منتدى القصص والروايات قسم خاص بعرض أشهر القصص القديمة والحديثة، قصص خيالية وواقعية مكتوبة، أجدد قصص وحكايات 2017


Like Tree1Likes

1 
مجدى سالم


قصة حتى الرمق الأخير

حتى الرمق الأخير






عاودت النظر في المرآة لترى وجهها الشاحب وشعرها الطويل المتناثر دون نظام لقد مر على حالها ذلك خمسة أشهر وهي لا زالت في فوضى أفكارها حائرة غسلت وجهها لتستعيد نشاطها حتى ولو لبرهة من الوقت خرجت من الحمام بخطوات متسارعة كأنها تحاول الفكاك من همومها وأحلامها المبعثرة، ارتدت ملابسها الفضفاضة على عجل ومشطت شعرها دون إتقان وربطته وأخذت حقيبتها السوداء وسارعت للخروج من المنزل وصلت إلى مدرستها متأخرة كعادتها في الآونة الأخيرة، منذ أن تغير حالها، ألقت تحية الصباح على زملائها واتجهت إلى فصلها مباشرة؛ رن هاتفها المحمول قبل أن تبدأ في شرح الدرس أخرجته بلهفة ونظرت إلى المتصل فابتسمت عيناها وسارعت بالرد فتردد صوته الهادئ إلى مسامعها
- السلام عليكم ماري
- صباح الخير حسام كنت بانتظار مكالمتك على أحر من الجمر
- يا بنت خالتي ردي السلام الأول
- وعليكم السلام المهم هل وجدت الكتاب
- نعم نعم يا ماري وجدته لا تقلقي سأرسله لكِ في البريد السريع
- شكرا يا حسام
ما كادت تكمل الجملة حتى أغلقت الهاتف وعيناها تشع بالفرح المشوب بالخوف، راحت تشرح الدرس على عجل، وتجاهلت أسئلة الطلاب، أنهت حصتها وذهبت لغرفة استراحة المدرسين وكالعادة دخلت في نقاش مع زميلاتها عن الحجاب وهي بطبعها ميالة للاحتشام وتحب منظر المنتقبات، لما تحسه في نفسها تجاه من تلبسه بالوقار والعزة والتميز عن باقي النساء المبتذلات في ما يلبسن، انتهى النقاش على أن يكملوه في الغد؛ رجعت إلى منزلها وبدلت ثيابها، ارتمت بجسدها المتهالك الذي يتوق للراحة، وضعت يدها خلف رأسها وسبحت في بحر أفكارها، ولا زال صوت زميلاتها ونقاشهن يتردد في أذنها، كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر زوجها جورج في طريق العودة من الكنيسة إلى البيت كما هي العادة يوم الأحد كان يمني نفسه بغداء شهي وبقضاء بعض الوقت اللطيف مع زوجته دق جرس الباب وانتظر أن تفتح له لكن خاب ظنه فاضطر أن يفتح الباب بمفتاحه الخاص وهو متعجب لاعتياده على وجود ماري في انتظاره في مثل ذلك اليوم من كل أسبوع فهي تأتي باكرا من عملها حدث نفسه ربما كانت نائمة أسرع إلى غرفة النوم فلم يجدها قضب جبينه بتعجب وراح يبحث عنها في أرجاء المنزل لم يجدها، أتصل على هاتفها ولكنه غير متاح جلس على الكرسي بتوتر وقال ربما لم تأتي بعد من العمل سأذهب للمدرسة علي أجدها وهم بالخروج فاصطدم بها نظر إليها بلهفة وبادرها بالسؤال:
- أين كنتِ لقد قلقت عليكِ
إرتبكت وتلعثمت ثم أجابت: وهي تحتضن الكتاب
- تأخرت لبعض الوقت في تصحيح أوراق التلاميذ
دخلا إلى المنزل إقترب منها وهم بتقبيلها فتفلتت منه قائلة:
- سأذهب لأحضر الغداء
دخلت المطبخ وأسرعت بدس الكتاب في أحد أدراج خزانة المطبخ دخل جورج وراءها وهو يبتسم
- أشعر أنكِ تخفين شيء عني حبيبتي
أجابته: وهي تدير ظهرها كي تخفي توترها
- ليس هناك شيء عزيزي فأنا مرهقة من العمل كعادتي
وضع يده على كتفيها وقال:
- ألا تعلمين أني أحبك ولا اعلم لما تتجنبينني في تلك الأيام هل ما عدتي تحبينني يا ماري
قالت: بنبرة جادة دون أن تلتفت
- لا يا عزيزي أنا احبك كما تحبني
إثناء كلامها كانت تقطع شرائح البطاطس فلامست السكين أطراف أصابعها فجرحتها تأوهت ووضعت أصبعها في فمها أمسك جورج يدها
وقال:
- دعي عنكِ تحضير الطعام سأطلب طعاما جاهزا من المطعم القريب
قالت: وهي تسحب يدها وتتناول الشاش لتلفه على يدها
-الجرح بسيط يا جورج
أصر على رأيه وأتصل لطلب وجبة الخضار المشكل، والدجاج المشوي على الفحم الذي تفضله ماري؛ جلست ماري شاردة الذهن ولم تنتبه لكلامه إلا وهو يسألها:
- ما بك، بما تفكرين، تكلمي عَليّ أساعدكِ إن كانت لديكِ مشكلة تهربت من سؤاله بقولها:
- لا شيء لا شيء ضغط العمل لا أكثر لا تشغل بالك
وأنقذ الموقف وصول وجبتهم المطلوبة
تناولت الغذاء بصمت وذهنها شارد إنتبه جورج لحالتها وقضب جبينه عزيزتي:
- هل أنتي بخير أرجوكِ لا تقولي لا شيء أنت لستي على طبيعتك نظرت له ولم تجد مبرر غير
- أشعر ببعض الصداع عزيزي وكل الحكاية إنني متعبة اقسم لك أنني متعبة بسبب إرهاق العمل
سكت على مضض، لم تكمل هي طعامها واستأذنته لتذهب لغرفتها، نظر إليها بتعجب
- كما تريدين
ذهبت وتمددت على سريرها وتصنعت تعبا على تعبها وأخذت تتململ يمنة ويسرة، شعر جورج بتألمها وقام إليها وطلب منها أن تقوم ليذهب بها للطبيب، رفضت وقالت:
- لا يا جورج أريد منك فقط أن تذهب للصيدلية القريبة وتأتي لي بحبوب للصداع وسأتحسن بإذن الرب.
قبلها على جبينها وقال:
- حاضر يا ماري .
تركها، وانتظرت حتى سمعت صوت إقفال الباب نهضت من سريرها مسرعة إلى المطبخ أخرجت الكتاب ونظرت إليه بلهفة وتطلعت إلى عنوانه البارز المخطوط بلون أسود وعاودت قراءة العنوان ( مُحَمَد كأنك تراه، للكاتب عائض القرني ) قلبت صفحات الكتاب وهي تتمنى لو تستطيع قرأته في تلك اللحظة ألقت بنظرة سريعة علي فهرس الكتاب لتشبع الفضول لديها أغلقته وخرجت وهي تمشي كالمتلصصة دخلت الغرفة واتجهت إلى خزانة الملابس وخبأته بين ملابسها في تلك اللحظة لم تنتبه لدخول زوجها الذي بادر بالسؤال؟ وقال: لها متعجبا
- لماذا نهضتي من السرير.
إلتفتت إليه وهي مرتبكة وقالت:
- أبحث عن شيء أعصب به رأسي
- ارتاحي حبيبتي وسأجلب لكِ ما تريدين
قالت له وهي تتلعثم وتمد يدها لملابسها بسرعة
- لقد وجدت ما أريد
سحبت أول وشاح أبيض وقعت يدها عليه، وقامت بعصب رأسها واستطاعت أن تخفي فزعها، عادت لسريرها، وناولها جورج كوب الماء مع حبة الدواء فتناولتها ونامت، ربت جورج عليها وغطاها، تمنت في نفسها لو يخرج من البيت لتشبع فضولها وتقرأ الكتاب، أغمضت أجفانها محاولةً النوم إلا أن عقلها أبا ذلك، دخل جورج واخبرها: انه سيخرج مع أصدقائه لبعض الوقت وأنه سيعود سريعا ولن يتأخر، ابتسمت له وقالت:
- كما تشاء لا تقلق علي سأكون بخير
تركها وخرج وما كادت تتأكد من خروجه حتى نفضت الغطاء واتجهت صوب خزانتها وأخرجت الكتاب، عادت إلى سريرها وتربعت، ونهم القراءة في عينيها يكاد أن يأكله، بدأت بالقراءة وغاصت بروحها في أعماق الكتاب بين ثنايا سيرة النبي (محمد صلى الله عليه وسلم) والتي تعرفت فيه لأول مرة على أسمه بالكامل وأخذ كلام الكاتب في وصفه له يشدها حتى نسيت العالم حولها...


ارتفع صوت أذان المغرب ولازالت ماري منهمكة في قراءة الكتاب ، للحظات سمعت صوت فتح الباب الخارجي انتبهت للصوت ودست الكتاب سريعا تحت الوسادة، نامت وأغمضت عيناها وتظاهرت بالنوم، أحست بدخوله، لم يشأ أن يزعجها وحدث نفسه
- كم هي مُتعَبة، سأقضي تلك الليلة وحدي على غير العادة.
قطع تفكيره رنات هاتف ماري أسرع ليسكته كي لا يزعجها امسكه فوقعت عيناه على الاسم قضب جبينه وردده بدهشة
- حسام
هم بالرد إلا أن يد ماري كانت أسرع منه سحبته من يده بسرعة نظر إليها باندهاش واحتد قائلاً :
- هل ما زلتي تتواصلين مع خالتك وأبنائها ألم أطلب منك عدم التواصل مع حسام وعائلته ألا تعلمين أن هؤلاء أعداء الرب ألم أنبهك على ذلك من قبل
أومأت برأسها وأردفت قائلة:
- ولكنه ابن خالتي، ولا يمكنني أن أنقطع عن خالتي وأبنائها فهو وأخته جولي أصدقاء طفولتي.
زمجر واستشاط غضبا وشد على قبضة يده وقال لها بعد سماعه جملتها الأخيرة التي استفزته
- ألا تلاحظين أنك زوجة كاهن ولا بد لك أن تنتبهي على تصرفاتك
سكتت وكتمت غيظها وفضلت عدم الرد عليه، تركته وذهبت للغرفة المجاورة والحزن يلف ملامحها، جلس جورج وأنفاسه تعلوا وتهبط كمن كان في معركة، خلع الصليب من على صدره بانفعال، وهم بخلع (تونته) ولكنه سرعان ما تراجع وأعاد الصليب إلى صدره، ذهب إلى ماري وقال لها أمراً
- قومي معي لنذهب للكنيسة كي نصلي قالت: له بتحدي
-لا أريد فلست على ما يرام حتى أذهب معك والفضل يعود لك.
اقترب منها وتصنع الهدوء
وقال:لها
- يا مري تغيرت أحوالك منذ أن امتنعتِ عن الذهاب للكنيسة إلا نادرا، أخبريني ماذا يحدث معك هل اثر عليك حسام بكلامه وشوش عقلك بأفكاره المختلة ، نظرت له بقلق
- وما دخل حسام بذلك
قال لها باستغراب له كل الدخل
- وماذا كان يريد إذاً عندما كان يتصل بكِ
تلكأت قليلا في الإجابة ثم قالت:
- كانت قد طلبت مني صديقتي تالين أن أسأل لها عن طبيبة متميزة في القاهرة فهي ستذهب لأمها هناك كي تضع مولودها الأول ولم أجد أفضل من أبن خالتي لأسأله عن ذلك فهو طبيب كما تعلم ويبدوا أنه اتصل من أجل إعطائي عنوان إحداهم؛ ولكن الفضل يعود لك لم تعطني الفرصة لأرد عليه أو أشرح لك الموضوع.
صدق قصتها وأردف قائلا:
- حظ القس سمعان زوجته ستأتي له بمولود
نظر لها بنصف عين وهو يبتسم وأكمل كلامه
- عقبال ما تفرحينا بطفل يملأ علينا حياتنا.
ابتلعت ريقها وتنفست الصعداء بعد أن أقنعت زوجها بقصتها
طلب جورج من ماري وهو يلاطفها أن تقوم وتجهز نفسها للخروج قامت وهي في نفسها غير راغبة في الذهاب
لبست (بنطالا) أبيض واسع، وقميصاً رماديا فضفاضا، ووضعت وشاحا أبيض حول رقبتها وقالت بكل ثقة لقد انتهيت هيا يا جورج لنذهب، كان جورج واقفا يحملق فيها باندهاش انتبهت لنظراته وقالت باستغراب:
- ماذا هناك إلا ما تنظر
قال لها باستهجان: هل ستخرجين معي بذلك المنظر
أجابته وهي تنظر لنفسها
- نعم ما المانع
قال لها مؤكدا
- هل تنوين فعلا الذهاب معي هكذا
أكدت له للمرة الثانية نعم
قال لها بتذمر
- هل جننتِ ألم تشاهدي في حياتك كيف يلبسن النساء الأخريات أنتي ما زلتي في العشرين من عمرك لما لا تتعلمين منهن
قالت بكل ثقة لست ممن تقلد غيرها، وإن كنت لا تريد أن تخرج معي بذلك المنظر فأنا لا أجبرك على الخروج فأنت صاحب الفكرة، أمام عنادها أستسلم وقال أمري للرب هيا لنذهب.
أستقل سيارته وذهبا لكنيسة مار جرجس
وما أن وطأت قدماها الكنيسة حتى أحست بعدم الارتياح فهي منذ مدة ليست بالطويلة لم تدخلها، جلست ورفعت الوشاح على رأسها كما تعودت دائما أن تفعل، أخبرها جورج انه سيتركها لبعض الوقت ريثما تؤدي الصلاة، ذهب واتجه حيث صندوق التبرعات.
راحت ماري تدعوا
- يا رب ألهمني الصواب يا رب محمد أرشدني إلى الطريق الصحيح، فأنت موجود تسمعني وتراني وتعلم مدى حيرتي.
بللت الدموع خديها التي أرهقهم البكاء ختمت صلاتها بتكرار تلك الدعوات
رأها جورج وهي تمسح دمعاتها المتساقطة من عينيها العسليتين بأطراف كمها مد يده لها بالمنديل وقال:
أظن أنك شعرتي بارتياح الآن بعد تلاوتك الترانيم
أومأت برأسها نعم، خرجا سويا من الكنيسة واستقلا السيارة
حدثها وهو يزيح الوشاح من على شعرها وينزله حيث كان، تبدين هكذا أجمل عزيزتي فشعرك الأسود اللامع يضفي عليك جمالا خاصا، ابتسمت له ابتسامة باهته وأكمل كلامه سنتعشى الليلة في أرقى مطعم بالمنيا ولكن قبل ذلك سنذهب للبنك
كانت شاردة حين كان يتكلم ولكنها انتبهت على جملته الأخيرة فتساءلت
- البنك لماذا يا جورج
ابتسم ابتسامة خبيثة وأجابها
- لأجل وضع المبلغ الذي جمعته من المتبرعين للكنيسة، في حسابك
امتقع لون وجهها وهي تقول
- يكفي كذبا في كل مرة تجمع التبرعات تخبرني أنك تحتفظ بها في البنك لحين توريدها (للبطريركة) ولكن يبدوا أنك تكنزها لنفسك
رد عليها بانفعال وتأفف لقد أصبحت لا تطاقي ونصائحك أصبحت مملة وتصرفاتك غريبة.


بعد جدالٍ طويل ساد الصمت بينهما، ولازالت تجاعيد وجهيهما شاهدة على العاصفة الكلامية التي مرت بينهما، اخترق صمتهما رنات هاتفها نظرت إليه، إنها تالين؛ ردت وصوتها يكاد يختنق، وجاءها صوت تالين المرح وهي تتحدث قائلة:
- عندي لك مفاجأة.
قاطعتها ماري
- أنا في الخارج يا تالين مع جورج.
فَهِمَت تالين ما ترمي إليه ماري وطلبت منها ان تتصل بها لاحقا عندما تعود للمنزل، أنهت ماري مكالمتها وعادت لصمتها وتجهمها، لم يلبثا طويلا حتى وصلا للمنزل، بدل كل منهما ملابسه وهرع للنوم، سرعان ما غط جورج في نومٍ عميق، بينما بقيت ماري مستيقظة حتى منتصف الليل.
أقامت ماري رأسها للتأكد من نوم جورج، وعندما تأكدت أزاحت الغطاء، ومشت على أطراف أصابعها وأخذت هاتفها وأضاءته لترى طريقها حيث الغرفة المجاورة دخلت الغرفة وأقفلت الباب بهدوء وحذر، اتصلت على تالين واعتذرت لها قائلة لقد كنت في حالة لا تسمح لي بالتحدث معكِ وارجوأ أن لا تكوني قد غضبتي مني بسبب طريقة حديثي .
قالت لها
- لا عليكِ بسيطة.
أكملت ماري كلامها و سألتها باستعجال وبصوت خفيض ما الذي كنتِ تودين إخباري به عندما اتصلتِ
قالت لها:
- بصوت هامس الأفضل أن تقومي بزيارتي غدا كي أخبرك، فزوجي سمعان مزال مستيقظا ولا أريده أن يسمعني.
قالت لها:
- سأحاول أن أتي بعد المدرسة غدا.
- انتهت المكالمة، تذكرت حسام وهمت بالاتصال به لتعرف ماذا كان يريد هو الأخر ، رن هاتفها قبل أن تفعل نظرت للمتصل أنه حسام ردت بقولها
- خير يا حسام كنت سأتصل بك لقد كدت أن توقعني في مشكلة أخرى مع جورج فوق مشاكلي معه التي أصبحت متكررة في الآونة الخيرة.
تأسف لها وقال لقد أحببت أن أخبرك أني تركت لك أمانة مع الأستاذ مُحَمَد مُدَرِس الدين.
قالت له:
- وما هي تلك الأمانة
قال لها باستغراب
- وما عساه أن يكون غير كتاب جديد ولكن هذا الكتاب مهم للغاية
طلبت منه أن يخبرها عن اسمه لكنه رفض وقال:
- هذه مفاجأة
أنهت المكالمة وعادت هي لسريرها وما أن وضعت رأسها على الوسادة حتى غطست في نومٍ عميق، في الصباح استيقظت على صراخ زوجها وهو يقول لها
- ماذا يفعل ذلك الكتاب تحت وسادتي.
فركت عيناها وبدا الفزع على وجهها عندما رأت الكتاب بين يديه لم يمهلها لتتكلم، بدأ في تمزيق الكتاب، لم تتمالك هي أعصابها صرخت في وجهه
- ماذا تفعل هذا الكتاب لا يخصني انه لزميلة لي في المدرسة وقد نسيته معي وسأرجعه لها اليوم، سحبت الكتاب من بين يديه وهو شبه ممزق .. قال: لها والشرر يتطاير من عينيها
- حتى وإن كان ما تقولينه صحيح لما هو هنا تحت الوسادة؟!
يبدوا أنك كنتي تقرئينه
قالت له وهي ترفع كتفيها وتمط شفتيها تعبيرا على تعجبها
- هو حب استطلاع لا أكثر وما الضرر في نظرك من قراءة مثل تلك الكتب، أنت تعلم أني أحب القراءة، وهذا من باب الثقافة العامةً بالنسبة لي وقد أخبرتك أنه لم يكن كتابي في الأخير، وغضبك هذا غير مبرر.
أطلق زفرة استهجان وقال: أنا لا أريد مثل تلك الكتب أن تدخل بيتي فأن لا أطيق رأيتها.
بعد الإفطار اتجه كلن لعمله وتكرر الروتين اليومي بالنسبة لماري ألقت الدرس وفي استراحة الغداء تذكرت الكتاب الذي تركه حسام مع الأستاذ محمد؛ ذهبت إليه حيث تجده دائما في مكتبة المدرسة، سألته عن الكتاب وكما هي العادة تناقشا وكان لأسلوبه الراقي المقنع اثر كبير لإقناعها بكثير من الأمور ولفتح أبواب كثيرة لتساؤلات لديها دفعتها للبحث عن إجابات لأسئلتها التي لم تجد لمعظمها أجوبة غير في كتب المسلمين، بعد الانتهاء من الحديث أخذت الكتاب واتجهت لغرفة استراحة المعلمات ألقت عليهم السلام لأول مرة، ردوا جميعا في نفسٍ واحد وهم في قمة التعجب
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ابتسموا لها وطلبوا منها أن تجلس وتشاركهم تناول طعام الغداء شكرتهم وأخبرتهم أنها ذاهبة للزاوية التي يسمونها المصلى لتقرأ الكتاب الذي بين يديها قالوا لها بسعادة بالغة
- خذي راحتك يا سيدة ماري فأنتي مدللة المدرسة كما تعلمين
همست فاطمة لزميلتها بقولها
- يبدوا أن ماري لن يطول بها المقام حتى تنطق الشهادتين ابتسمت وقالت
- اشعر بذلك أيضا ولكن ما يقلقني هو زوجها فما تفعله ماري بمثابة صفعة له، وللكنيسة في عقر دارها، صوبت ماري نظرها تجاه فاطمة وزميلتها وقالت لقد سمعت ما تقولون أعلم أنكم تتحدثون عني ضحكوا وضحكت ماري تركتهم واتجهت للزاوية وقضت وقت الاستراحة في قراءة الكتاب.
بعد انتهاء الدوام اتصلت بجورج وأخبرته أنها لن تكون على الغداء
لأنها ستذهب لصديقتها تالين، أذن لها وهو غير مبالي
وقال:
- خذي راحتك أنا أيضا لن أكون في البيت حتى السادسة مساء.
استقلت سيارة أجرة وذهبت لبيت صديقتها وعندما وصلت لبيتها جلست ماري ورحبت تالين بها وتركتها لتحضر كوب العصير دخلت المطبخ وجاء صوت ماري متسائلا كدت أنسى
- أخبريني صحيح ما هي نتيجة تحاليل الدم التي أجريتُها قبل ثلاثة أيام
جاءت وبين يديها كوب العصير وهي تتحدث قائلة :
-لقد طلبت رأيتك لأجل ذلك.
بدا على ماري القلق وقالت بتوتر
- هل هناك ما يخيف في نتائج التحاليل
أجابتها
- لا تقلقي فكل شيء مطمأن؛ إلا أن هناك شيء مهم لا بد أن تعرفيه.
قالت لها بلهفة
- قولي يا تالين لا توتريني أكثر.
قالت لها وهي تحتضنها
- ألف مبروك أنتي حامل.
قطبت جبينها وتمتمت بقولها
- هل أنتي متأكدة
أجابتها
- أكيد لأني أنا من قام بتحليل عينة الدم بنفسي وأعلم أنك تثقي بي كدكتورة تحاليل قبل أن أكون صديقتك، فأنا متأكدة مما أقول وأظن أن هذا الموضوع سار لك ولزوجك.
أطرقت ماري رأسها وأردفت قائلة
- الموضوع ليس كما تظنين فأنا لا أريد الحمل في تلك الفترة بالذات وأنتي تعلمين السبب.
ربتت تالين عليها وقالت لها: مواسية
- إنها إرادة الرب لا تنزعجي وأرضي بإرادته.
خرجت تالين من عند صديقتها والأفكار تنازعها، فتارة تحدث نفسها بإجهاض الجنين وتارة تقول سأعيش كغيري من المسيحيات واترك فكرة الاسلام الآن إلى أن يكبر طفلي، فالله قد رزقني بالحمل بعد انتظار دام لسنتين فربما يعني هذا أن الله يريدني أن أظل كما أنا.
لعبت وساوس الشيطان بعقلها فباتت في حيرة من أمرها.
عادت للبيت، وأعدت العشاء وتركته على المنضدة، وذهبت للنوم دون أن تتناول شيء منه.
عاد جورج ووجد الطعام المعد، تجاهله ودخل غرفة النوم وجد ماري نائمة وتضع يدها بالقرب من بطنها ظن جورج حين رآها في تلك الحال أنها تعاني من نزلة برد اقترب منها وجلس على حافة السرير وراح يتأملها بصمت وضع يده على جبينها وأزاح خصلات شعرها التي تخفي جزء من وجهها الذي يبدو مصفرا نظر إليها مليا وكله إشفاق لحالها التي باتت لغز بالنسبة له.
في اليوم التالي قامت ماري بتحضير الإفطار بعد أن رفعت العشاء الذي لم تمد له يد، تناولت القليل من وجبة الإفطار على عجل وذهبت إلى عملها وتركت جورج نائماً. استيقظ فزعاً ونظر بجانبه فلم يجد ماري، ضرب بيده على ركبته بغضب ونظر للساعة المعلقة على الحائط أمامه، كانت تشير للتاسعة والنصف صباحاً علم أنها ذهبت لعملها ولم تكلف نفسها بإيقاظه، نفض الغطاء بانزعاج ثم تناول إفطاره الذي تركته له ماري، وذهب لعمله في الكنيسة .
في وقت الغداء جلست ماري شاردة الذهن بينما زميلاتها يلتقطن أطراف الحديث بينهن لاحظن صمتها غير المعتاد.
سألوها:
- هل هناك مشكلة لما لا تشاركيننا الطعام والحديث.
لم تكلف نفسها عناء الرد واكتفت بهز رأسها بالنفي. لم يشاؤوا أن يزعجوها بأسئلتهن، وعدن لحديثهن. اقتربت فاطمة منها بعد أن بدأ الجميع بتناول الطعام
قالت لها:

- أظن أنك بحاجة لمن يسمعكِ، قولي لي ماذا يشغلكِ، يبدو عليكِ الهم.
نظرت ماري لها وقالت:
- سأخبرك ولكن لا تخبري أحداً بما سأقوله لكِ.
قالت لها: بنبرة جادة
- أخبريني وتأكدي أن سرك معي في بئر كما عهدتيني دائماً.
اقتربت ماري برأسها من فاطمة وقالت: بصوت هامس وهي ترقب من حولها بطرف عيناها.
- أريد أن أقول الشهادة وأعلن أسلامي.
وضعت فاطمة يدها على فمها من الفرح وقالت:
- هل أنتي متأكدة.
أجابتها ماري
- نعم ولكن هناك مشكلة فأنا حامل ولا ارغب بهذا الحمل لأنه سيكون عائق بيني وبين إشهار إسلامي رسمياً، وأعلم أن إجهاض الجنين في الإسلام حرام، وأنا لا أريد ارتكاب ما حرم الله لذلك فأنا في حيرة من أمري.
سكتت فاطمة لبرهة وقالت مقترحة عليها حلاً تبادر إلى ذهنها. أصغت ماري لها وراحت فاطمة تخبرها بالحل وبعد أن أخبرتها نهضت ماري بحماس وقالت اسمعوني توجهت عيون وأذان زميلاتها إليها لسماع ما ستخبرهن به لم تتأخر عليهن بتلك المفاجأة التي طال انتظارهن لها ولم تخطر على بالهن الآن قالت بحماس
- "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله".
صرخن زميلاتها فرحا بها ورحن يهنئنها ويقبلنها فرحاً بإسلامها، وسط ذلك الفرح دخلت مارينا وأخذتها الدهشة مما ترى فكلهن متحلقاتٍ حولها سألتهن باستغراب
- ما الجديد لتفرحن كل ذلك الفرح.
كانت مارينا من النصارى المتشددين، وكانت دائما ما تقف عثرة في وجه ماري؛ لكثرة نصائحها لها بعدم الجلوس مع المسلمات والنقاش معهن؛ لألا يؤثرن عليها بكلامهن.
صمت الجميع عندما رأينها، وألجمهن الخوف مما سيحدث إن علمت بخبر إسلام ماري. تداركت فاطمة الموقف وقالت:
- ألم تسمعي بذلك الخبر. قالت متسائلة
- ما ذاك الخبر.
أجابتها
- إلا تعلمين أن ماري حامل.
ما أن سمعت مارينا تلك الجملة حتى أقبلت تبارك لماري، وسط ذهول من حولها بما قالته فاطمة.
صوبن جميعاً عيونهن عليها وكدن أن ينطقن إلا أنها أشارت لهن بالسكوت. ظلت نظراتهن ترمق فاطمة وتوجه لها الأتهام بالكذب الغير مبرر منها، فقد كن ينتظرن منها أن تخبر مارينا بإسلام ماري.


بعد أن ذهبت ماري مع مارينا وهم الكل للذهاب لفصله، طلبت منهن فاطمة الانتظار لتشرح لهن الموقف. أخبرتهن أن ماري حامل وأنها أعلنت أسلامها بينهن فقط، وستضطر لإخفاء ذلك إلى حين، ونبهتهن جميعا بأن ذلك سر، وأن ماري استأمنتهن على ذلك السر بعد أن أقنعتها هي بأن تعلن إسلامها وسط زميلاتها المسلمات فقط، وتعود لممارسة حياتها الطبيعية مع زوجها مع قطع العلاقة الخاصة بينهما، حتى إنجاب طفلهما وبعد ذلك يكون حديثٌ أخر .


عادت ماري للبيت قبل مجيء جورج اتجهت لغرفتها ووضعت كل ما معها من كتب دينية في خزانتها، وأقفلت عليها بإحكام، بدلت ملابسها وأعدت الغداء واستعدت لقدوم جورج كان بعض التوتر والخوف ينتابها إلا أنها سيطرت عليه. لم تنتظر طويلا حتى أتى جورج، وما أن ألتفت حتى وقعت عيناه على ماري وقف مشدوها وتمتم قائلا:
- ما هذا الجمال تبدين جميلة كأول يوم رأيتك فيه.
اقترب منها وضمها بلهفة وشوق، حاولت أن تجاريه بابتسامةٍ مصطنعة، تابع كلامه
- أخيرا عدتي كما كنتِ حبيبتي كم اشتقت إلى ماري السابقة. ابتسمت له باستحياء.
في محاولة منها لإيقافه اقتربت من أذنه وقالت هامسة
- أنا جائعة وأظن أنك كذلك.
نظر إليها بحثاً في عينيها عن الحب الذي بدا ذابلاً، غضت طرفها هربا من نظراته وقالت:
- لك عندي خبرٌ سعيد سأخبرك به بعد الغداء.
رفع حاجبيه باهتمام وهو يحيطها بيديه وقال لها:
- لم بعد الغداء أخبريني الآن فأنتي تعلمين أني لا أحب الانتظار. رفضت، وهربت من بين يديه، وجلست على الكرسي بالقرب من المائدة، طلبت منه أن يجلس ليتناول الطعام قبل أن يبرد استجاب لطلبها، ساد الصمت بينهما وانهمك كلاهما في تناول الطعم.
بعد انتهائهما من الغداء. سألها عن ذلك الخبر وهو مُطرِقٌ سمعه، فأخبرته بأنها حامل. لم يتمالك نفسه بعد سماعه الخبر وطار إليها وضمها وهو يقول:
- حمدا للرب حمدا للرب كم كنت أنتظر هذا الخبر منذ فترة.
قبلها على جبينها قبلاتٍ متتابعة تعكس مدى فرحته العارمة بذلك الخبر. بعد أن هدأت ثورة فرحه قال لها
- حبيبتي لنذهب الآن للطبيب لنطمأن على الجنين.
ردت عليه وهي تدخل المطبخ لتضع بقايا الطعام
- ليس اليوم يا جورج.
رفع حاجبيه باستغراب وسألها:
- لماذا ليس الآن ألا تعلمين أن متابعة الحمل منذ البداية أمرٌ مهمٌ جداً.
أخبرته أنها تعلم ذلك وقد قامت بالحجز عند الدكتورة شيماء التي تقع عيادتها بالقرب من المدرسة التي تعمل بها. زاد عجبه وسألها
- وماذا به الدكتور نبيل لقد كنتِ تفضلينه عن غيره، فلماذا ليس هو الآن قالت له شارحة:
- الدكتورة شيماء متميزة وهي دكتورة معروفة في المنيا كثيرا وذات سمعة طيبة.
لم يتجادل معها طويلا كي لا يضيع فرحته بتلك البشارة، وبدورها حمدت الله على تقبله لما قالته لأنها لن تضطر للكشف عند الطبيب فكما قرأت في كتاب (فقه المرأة) أن الكشف عند الأطباء الرجل لا يكون إلا للضرورة القصوى.
تابع جورج كلامه متسائلا
- ومتى ستذهبين إليها.
أجابته وهي تضع طبق الفاكهة أمامه
- غداً بعد العصر وإن شأت سأنتظرك لنذهب إليها سويا.
تابع قوله بكل تأكيد سأكون معكِ فهذا طفلنا الأول حبيبتي ولا بد أن نذهب سويا إلا إن كان لكِ رأيٌ أخر.
قالت له باستهجان:
- وما عسى يكون رأيي الأخر بكل تأكيد لا بد أن تكون معي فأنت زوجي وأبو طفلي .
كانت تقول تلك الكلمات وهي تعلم أنها بعد إسلامها لابد أن لا تكون زوجة له ولكنها مضطرة لفعل ذلك الآن.


في عصر يوم الأربعاء كنا في الموعد جلس جورج على كرسي الانتظار وبجانبه ماري كانت الصالة تعج بالنساء بعضهن مع أزواجهن والبعض الأخر مع قريباتٍ لهن كما يبدو. أخذ يجول بنظره في الجالسين وكان أكثر ما لفت نظره كثرة المنتقبات
بزيهن الأسود الذي لا يعجبه، نغز جورج ماري بذراعه نغزة خفيفة وسألها بصوت خفيض
- لماذا تلك المنتقبات يوجدن هنا بكثرة.
أجابته:
- لأن المنتقبات لا يفضلن الكشف عند الأطباء الرجال ومن الطبيعي أن تجد المنتقبات هن أكثر من يترددن علي الطبيبات النساء أكثر من غيرهن وأكملت في سرها وأظن أن على النساء جميعا أن يفعلن ذلك . تفرسها بنظره كأنما سمع جملتها الأخيرة بدت نظراته تحمل تساؤلا بين طياتها، فهمتها ماري دون أن ينطق بها؛ إلا أنها تجاهلت تلك النظرات، وقامت لتسأل الممرضة عن دورها ومتى ستدخل للطبيبة أخبرتها الممرضة بأن الطبيبة في غرفة العمليات وأنها حالما تنتهي ستكونين أول من يدخل.
بعد انتظار لم يطل، جاء صوت الممرضة الجهور منادياً إياها بالدخول، دخلت ماري للطبيبة وتحدثت معها طلبت منها الطبيبة أن تمدد على سرير الكشف وراحة الطبيبة تسألها بعض الأسئلة وهي تضع جهاز الكشف على بطنها، شرد ذهن ماري للحظات وراحت تجيب على أسئلة الطبيبة دون وعي، كانت تراودها الكثير من الأفكار والأسئلة.
كيف ستستطيع أن تكمل حياتها كمسلمة وهي في بيت مسيحي؟! وكيف ستتحمل تلك التسعة أشهر وهي تخفي أسلامها؟!
انتبهت الطبيبة لشرودها فقالت لها متسائلة
- يبدوا أنك غير راغبة في ذلك الحمل.
تنبهت ماري لكلامها وقالت بتوتر
-لا غير صحيح إنه طفلي الأول.
ابتسمت الطبيبة لها وقالت
-لا عليكِ فمن الطبيعي شعورك بالخوف في أول تجربة لك للحمل هزت رأسها في إشارة لاقتناعها بما تقول الطبيبة.
خرجت الطبيبة من خلف الستار، و تبعتها ماري وجلست مقابل جورج وراحت الطبيبة تكتب بعض ما يجب على ماري أخذه من دواء ، سألها جورج عن الطفل طمأنته وهي تبتسم وتقول
- بخير والأمور بأفضل حال .
سلمته الطبيبة ظرف به صورة للجنين أخذها جورج بلهفة وشكر الطبيبة، وخرجا كان قلب ماري يبتهل إلى الله أن يفرج همها ويجعل لها من أمرها يسراً، قطع استرسال ابتهلاتها صوت أذان المغرب انتفض قلبها لسماعه، وحار عقلها في كيفية أداء الصلاة في ظل وجود جورج، تمنت في تلك اللحظة أن تختبئ في أي مكان بعيدا عن عيونه لتتمكن من أداء الصلاة لكن أمنيتها لم تتحقق.
أما جورج فكان في عالمٍ أخر كان ينظر للورقة التي بين يديه والتي فيها صورة الجنين وهو يقول ممازحا
- أبني به شبه كبير مني.
ابتسمت ماري له وهي تختلس النظر للصورة لتبدي له تفاعلها وقالت
- صحيح هو كذلك يا جورج، ولكن من أدراك ربما كانت ابنتك وليس أبنك.
قال لها متداركاً
- إن كانت فتاة فبكل تأكيد ستشبهك.
أمسك جورج ماري من يدها والحماسة والفرحة تشع من وجهه وقال لها
- بمناسبة الحمل، وكوني أسعد أب في الدنيا سأدعوك للعشاء أطلبي ما شئتِ من الوجبات، وأنا سأحضر لك ما تطلبي، أخبرته بما تطلب للتخلص من إلحاحه.
بعد دخولهما المطعم وإشارتهما للنادل في الكتيب الموضوع أمامهما على ما يردان من طعام، راح جورج يحكي لماري عن أحلامه المستقبلية السعيد بعد أن يأتي طفلهما.
قال لها وهو مسترسل في أحلامه
- بعد أن يأتي ابني ستتكون أسرتي وتكتمل فرحتي، وسنعيش أجمل أيامنا. كانت ابتسامة ماري الهادئة لا تفارقها وهي تستمع لما يحكيه تمنت كأي أم أن تعيش تلك الأمنيات ولكنها قد اختارت سعادة الآخرة الأبدية واشترتها بسعادة الدنيا الزائلة، غالبت عبراتها وهي تستمع لكلام جورج ويدها تلوي أطراف شالها بانفعال وتعدل من قبعتها التي تستر جميع شعرها، فاض بمشاعرها الكيل من أحلامه فقاطعت حديثه بقولها
- لقد تأخر الطعام سأذهب لأستعجلهم.
طلب منها أن تجلس وسيقوم بهذا عنها لم يغب طويلا حتى عاد ومعه النادل يحمل بين يديه وجبتهما شكراه و جلس جورج وبدآ بتناول الطعام


*********
بعد عودة ماري وجورج للمنزل مرت الساعات ثقيلة عليها فجورج خيب ظنها وجلس لمشاهدة (التلفاز) ولم يخلد للنوم. قاربت الساعة على الحادية عشر والنصف وبدأ وقت الصلاة بالخروج فأمامها صلاة المغرب والعشاء، كانت ترمق عقارب الساعة المعلقة على الحائط المقابل (للتلفاز) وتتمنى أن تتوقف عن استفزازها بتكتكتها المزعجة والمتعجلة؛ لم تكن من عادة جورج المكوث بعد العاشرة ولكن يبدو انه ابتلاء جديد وعليها أن تصبر.
ظلت تلقي بنظراتها بين الساعة وبين جورج القابع أمامها أخذت ترمقه بنظرات كلها توسل أن ينهض للنوم. بعد أن طال بها الانتظار قررت في النهاية أن تجازف وتذهب للصلاة، ظنت أن جورج لن ينتبه لها وما أن انتصبت واقفة حتى سألها
- إلى أين تذهبين يا ماري، اذهبي واحضري لنا بعض التسالي للسهرة.
ضغطت بأسنانها على شفتها وقالت بامتعاض غير واضح له
- حاضر كما تريد يا جورج.
ذهبت وأحضرت طبقين في أحدهما فول محمص والثاني به حبات الترمس الصفراء التي يحبها.
وضعتهم بجانبه حيث يجلس على الأريكة الوثيرة ذات اللون البني لم يكن ببالها ما سيقدم على فعله جورج في تلك الليلة، والذي من أجله لم يغمض له جفن قبض جورج بيده على ذراعها، فزعت ماري لأنها لم تتوقع منه ذلك ولم يترك لها مجال للهرب ككل مرة طبع قبلة على شفتيها وانتهى بما كانت تخشاه.
أسرعت والدموع تنهمر من عينيها وهي تحاول إخفائها. لملمت بقايا روحها مع ملابسها واتجهت صوب الحمام هاربة بما تبقى لها من نفسها المحطمة، دخلت تحت الماء الدافئ ودموعها تشكوا إلى الله ضعفها، راح الماء يغسل جسدها ونفسها الكسيرة انتهت من حمامها وارتدت ملابسها وخرجت لغرفة النوم، تجنبت الكلام معه وأخفت وجهها عنه. لم يلبث طويلا حتى راح في نومٍ عميق وهو غير مهتم بها وبحالتها؛ التي لم ينتبه لها من الأساس.
جلست قبالة المرأة وتناولت المشط وراحت تمشط شعرها برتابة والحزن باديا في عينيها الحمراوات من البكاء. تناهى لسمعها وهي في وضعها الكئيب صوت شخيره، تفتحت أساريرها فجأة وقامت بهدوءٍ حذر وسحبت من الخزانة غطاء من أغطية السرير وذهبت مسرعة بلهفة لغرفة المكتب أقفلت الباب بإحكام غطت نفسها بغطاء السرير من شعرها حتى أخمص قدميها ووقفت بين يدي ربها الذي يعلم بحالها. أقبلت بروحها وانهمرت من عينيها الدموع وهي تقرأ الفاتحة وتكررها؛ فهي السورة الوحيدة التي تحفظها والتي أصرت على فاطمة أن تقوم بتحفيظها إياها، أدت صلاة المغرب والعشاء أطالت السجود والدعاء والبكاء. بعد انتهائها من الصلاة أحست براحة واطمئنان قامت من جلستها وتذكرت صندوقها الذي تخبأ فيه أسرارها، عادت ودخلت غرفة النوم بحذر كانت تسمع شخيره المزعج وكان ذلك الشخير علامة بنسبة لها لتطمئن، فتحت بهدوء خزانتها ودست يدها بين أشيائها وحاولت تلمس المصحف من بين الكتب المخبأة تحت ضوء الغرفة الخافت الذي لا يسمح لها برؤية ما تتلمسه يدها استشعرته وميزته بحروفه البارزة بروزا واضحا لأناملها، سحبته ودسته في حضنها وعادت لغرفة المكتب راحت تقرأ بصوت خفيض لا يكاد يسمع وكانت روحها تسموا مع كل كلمة تقرأها من كتاب الله. انسابت إلى روحها طمأنينة، وراحة لم تشعر بهما من قبل.
ظلت مستيقظة حتى ساعة متأخرة من الليل وهي بين قراءة ودعاء وصلاة. أنهت تعبدها وراحت لتنام بجانب جورج وهي مكرهة حتى لا يشعر بأي تغيير إلى حين خلاصها منه قريباً.
في الصباح وعند التاسعة استيقظت ماري والألم يكاد يفتك ببطنها أزاحت الغطاء عنها وجدت الفراش تحتها به بقعة دم فزعت وهرعت إلى الحمام سمع جورج صوتها وهي تتألم قام من نومه وهو يفرك عينيه رأى الدم على السرير، نهض فزعا وهو ينادي عليها
- ماري ماري.
جاءه صوتها المتألم من الحمام وقف والقلق ينتابه ماذا بك يا ماري ما هذا الدم الذي على السرير ماذا حدث لك لم تجبه واكتفت بالبكاء وضع يده على مقبض الباب وراح يطلب منها أن تفتح الباب وتخرج حتى يساعدها

فتحت الباب بعد تكراره الطلب. خرجت ويدها على بطنها
أصابه الخوف عندما رآها بذلك الوضع وقال لها بارتباك وخوف
- لنذهب للطبيب حالا.
قالت وهي تتألم وتعض على شفتها السفلى من الألم
- أحضر لي ملابسي أولاً.
أسرع جورج بإحضار ملابسها التي سقطت منه أكثر من مره بسبب ارتباكه. ساعدها على ارتداء ملابسها طلبت منه أن يحضر وشاحها وغطاء رأسها الصوفي اللذان كانت ترتديهما البارحة. نظر إليها باستغراب وأرجأ استفساره لوقت لاحق أحضرهما لها،
وارتدتهما وأخذها جورج للطبيبه شيماء بعد أن أصرت هي على الذهاب لها، ورفضت محاولاته المستميتة ليذهب بها للطبيب نبيل. بدعوى منه أن الطبيبات ليست لهن نفس مهارة الأطباء في مثل تلك المواقف الحرجه إلا أنه تحت إصرارها وافق.
كشفت الطبيبة عليها وأخبرتها أن الجنين في وضع غير مستقر ولابد لها أن ترتاح تماما وإلا فقدت جنينها لأن حالتها توشك على الإجهاض
سألتها الطبيبة باستغراب
- البارحة فقط ، كنتِ في أفضل حال ما الذي أصابك هل تعرضت للسقوط أم أنك قمتي برفع شيءٍ ثقيل.
صمتت ماري وهزت رأسها بالنفي.
احترمت الطبيبه صمتها الذي استشعرت فيه عدم رغبة ماري البوح بالشيء الذي أوصلها لتلك الحالة.
إلا أنها بحدس الطبيبه المتمرسه توقعت ما لمحته في نظرات ماري المنكسره والخجوله، وفضلت أن تكون نصائحها التي كانت ستوجهها لها أن تكون نصائح لزوجها.
كتبت الطبيبة بعض ما تحتاجه ماري من علاجات إضافية وأعطتها لجورج ونصحته أن يجنب زوجته في تلك الفترة أي إجهاد بدني من أي نوع سواء كان خاصا أم عاما ونبهته بأن أي خطأ في تلك المرحلة سينهي الحمل.
عادا للبيت وكان الصمت بينهما هو سيد الموقف.. تركها في صمتها واتجه إلى الشرفه المطله على شجيرات صغيرات في الشارع الجانبي الذي تطل عليه غرفة النوم.. اتصل جورج بوالدة ماري وأخبرها أن ابنتها متعبة وقد حدث لها نزيف بعد أن قامت بترتيب البيت ونقل بعض الأشياء الثقيلة. انزعجت والدة ماري لسمعها ذلك الكلام. أنهى جورج المكالمة. بعدما دخلت ماري وشرعت في نقل بعض الفراش من غرفة النوم ولم تنتبه أنه يكلم والدتها. تعجب جورج لفعلها وسألها:
- ماذا تفعلين يا ماري.
قالت له:
- كما ترى سأنام وحدي فأنا لا أأمن على نفسي وجنيني بعد الذي حدث.
لم يستطع منعها ولم يجد مبررا لمنعها وهي في ذلك الوضع
كانت الساعة الثامنة حين ُطرق الباب. ذهب جورج ليجيب الطارق وكان يعلم أنهما والدا ماري فهو يعلم مدى حب والديها لها وخوفهما عليها كانت ماري في تلك الأثناء قد أعدت لنفسها مكان للنوم حين دخلت والدتها عليها وهي في قمة القلق والفزع على ابنتها؛ التي كان باديا عليها التعب. تفاجأت ماري عندما رأت والدتها ولم تعطها والدتها فرصة للكلام واحتضنتها وهي تقول:
لماذا أجهدتِ نفسك يا أبنتي كان من الواجب عليك ترك عمل البيت لي ولقد طلبت منك حينما أخبرتني بحملك، أن تأتي إلي أو أتي أنا أليك لأعتني بكِ ولكنك عنيده. نظرت ماري لجورج بحنق وعلمت أنه هو من أخبارها وكذب عليها ليهرب من المسؤولية وكان ذلك باديا عليه من ابتسامته.
سألها والدها بدوره وصوته الحاني يبدي قلقه عليها:
- كيف حالك يا ابنتي لقد أقلقتنا عليك كان لابد أن تكوني أكثر انتبها على نفسك.
تأسفت ماري لوالديها والخجل يحني رأسها وطرف عينها ينظر لجورج بغيظ.

*****

جن الليل وأوت ماري إلى فراشها وبجانبها والدتها التي أصرت على عدم تركها في مثل تلك الظروف.. لف سكون الليل كيانها وراحت تلقي بنظراتها ناحية والدتها النائمة بجوارها حتى تأكدت من استغراقها في النوم وما أن استوثقت من نومها حتى أزاحت عن نفسها الغطاء، وقامت متسلله من جانبها ولم تبالي بما يعتريها من نزيف ليس بالغزير، ذهبت للحمام لتتوضأ وبحذر شديد أكملت وضوءها وانتهت منه وعادت وهي تترقب و تخشى إيقاظ تلك العيون التي تشعر أنها تحت مراقبتها.. جلست على فراشها ولفت نفسها بغطاء كامل رفعت نظرها للسماء وكلها أمل أن لا يستيقظ أي منهما بدأت صلاتها واقفة وأنهت الركعة الأولى وأكملت باقي الصلاة جالسة خشية أن يزداد النزيف كانت حركاتها الهادئة تشبه حركة أجنحة الفراش المستقر على الزهر؛ إلا أن أمها شعرت بها وبحركاتها وهي تصلي وفتحت عيناها لتشاهد ابنتها وهي في وضعها الغريب بالنسبة لها؛ وجدتها مطأطئة رأسها بانحناءة خفيفة من ظهرها وهي جالسة لم تفهم في بادئ الأمر ما تقوم به ابنتها أمسكتها من ذراعها بقلق وهي تقول:
- ماذا بك ماري هل تشعرين بألم أو مغص.
لم تحرك ماري ساكنا وتابعت إكمال صلاتها رغم محاولات والدتها استنطاقها ومع تكرار ماري لتلك الحركات انتابها الخوف على ابنتها فأمسكت بكوب الماء الذي كان موضوعا بالقرب منها وبللت يدها ومسحت به وجه ابنتها لكنها لم تستجب وفشلت محاولاتها إخراج ابنتها من الوضع الذي هي فيه، وقررت أن تستنجد بزوج ابنتها.. اتجهت مسرعة لتوقظه وقبل أن تخرج كانت ماري قد سارعت بإنهاء صلاتها ونادت على والدتها بقولها:
- أمي أمي أنا بخير.
عادت إليها والدتها بلهفة وضمتها وعبراتها تسبقها وهي تقول لقد أقلقتني عليك يا ابنتي.
اعتذرت ماري لوالدتها وأخبرتها أنها كانت تصلي.
نظرت لها بذهول وقالت مستفسرة:
- وما تلك الصلاة الغريبة التي كنت تؤديها
ربتت ماري على أمها بحنو بالغ وقالت:
- سأشرح لكِ في الغد يا أمي.
استطاعت بعد جهدٍ كبير إقناع والدتها بأنها بخير وأنها ستخبرها بأمر تلك الصلاة في الغد.


قصة حتى الرمق الأخير



2 
مجدى سالم

لم يغمض جفنا ماري حتى أذان الفجر، فقد أستحوذ تفكيرها على رغبتها في النوم، فكم كان صعبا عليها مع حبها الكبير لوالديها أن تفكر في التقدم في طريق إشهار إسلامها، وتلك كانت نقطة ضعفها الأشد عليها من أي شيء. ظلت ماري تغالب أفكارها حتى تعالى صوت الأذان. أدت الصلاة ثم عادت إلى مخدعها، واستسلمت للنوم الذي أخذها من لجة حيرتها وخوفها، وراحت أهدابها الناعسة التي كانت تأبى طوال الليل الرضوخ للنوم في سباتٍ عميق.
في اليوم التالي؛ طرق مسامع ماري صوت والدتها جوريه الهادئ وهي تقول :
- استيقظي يا ابنتي لقد عاد زوجك، وقد أعددت له الغداء فقومي لتتناوليه معنا.
تململت ماري في فراشها، كطفلٍ صغير وغطت وجهها بالوسادة وعادت للنوم، وعاد صوت والدتها يطرق مسامعها للمرة الثانية وهي تهزها بلطف:
- لقد نمتِ بما فيه الكافية إنها الثالثة عصراً لابد أن تنهضي.
للحظة قفزت ماري من مكانها كالملدوغة
- ماذا قلتِ يا أمي كم الساعة؟؟
قالت والدتها باستغراب:
- الساعة الثالثة حبيبتي ما المشكلة في ذلك.

قالت وهي تضع يدها على صدرها:
- لما لم توقظيني قبل ذلك الوقت؟!.
أجابتها:
- لقد رأيتك متعبه فلم أشاء أن أزعجكِ.
أكملت ماري حديثها في نفسها لقد ضاع وقت صلاة الظهر... ماذا أفعل الآن وجورج موجود؟.
تركت والدتها، وهرولت إلى الحمام دون أن تلوي على شيء...
تعجبت والدتها من ردة فعلها وقالت باستنكار:
- على مهلك ابنتي لما الإسراع؟!
وقفت جوريه تستعيد ما رأته ليلة البارحة بعد أن رأت ردة فعل ابنتها غير المتوقع.
تذكرت حركاتها التي أخبرتها أنها صلاة. لوهلة استقر في نفسها بعد تفكير؛ أن هناك شيء ما تحاول ماري أن تخفيه عن الجميع ولا سيما عن زوجها. انتاب جوريه الفزع بمجرد أن خطر ببالها هذا الخاطر وحاولت طرد تلك الفكرة من ذهنها، وهي فكرة إسلام ابنتها؛ إلا أن ماري لم تعطها الفرصة فقد خرجت من الحمام إلى غرفة النوم وأقفلت الباب دونها بعد أن تعللت بأنها ستغير ملابسها وتنضم إليهما بعدها لتتناول الغداء، أنتاب جوريه الشك فاختلست النظر من ثقب الباب ورأت ابنتها وهي تلتحف بغطاء يغطي جسمها بالكامل وتفعل كما تفعل أم محمد جارتها. غير أنها جالسة ويدها اليمنى على اليسرى فوق صدرها. رفعت نظرها عن ثقب الباب وانتصبت وهي تحاول أن تفهم ما تفعله ابنتها، وقررت أعادة النظر مرة أخرى لتستيقن فرأتها ساجدة وهذا ما تراه دائما من صلاة المسلمين، وما كانت تشاهد أم محمد تقوم بفعله في صلاتها. أحست أن إسلام ابنتها أمر واقع لكنها بالرغم من ذلك لا زالت غير مصدقة، وقررت أن تسأل ابنتها عن أمر تلك الصلاة لعلها أن تنكر ذلك حتى و لو كذبا؛ فذلك سيريحها كثيرا وينسيها ما رأت. استحثت جوريه ابنتها للإسراع في تبديل ملابسها حتى لا يبرد الطعام. إلا أنها لم تسمع جواباً منها.
تركتها وانضمت لجورج الذي كان ينتظرهما. سألها عن ماري فأخبرته أنها ستبدل ملابسها وتنضم إليهما. مد جورج رأسه وهو يشرب الحساء وقال محدثا نفسه بصوت خافت:
- يبدو أنها قد عادت لتصرفاتها الغريبة.
سمعت جوريه ما قال جورج، وسألته مستفسرة:
- من تقصد.
أجابها:
- أقصد ماري بالطبع.
سألته وهي تقضب جبينها وتنظر له باهتمام :
- وما تلك التصرفات التي لاحظتها عليها.
قال وهو يتناول رغيفا من الخبز الموضوع أمامه، ويغمس لقمة منه في طبق الملوخية:
- لقد لاحظت أن ماري كانت مهتمة في الآونة الأخيرة بقراءة الكتب الإسلامية، وسألتها عن ذلك فأخبرتني أنها ليست لها، وأنها إن قرأتها فمن باب الثقافة والعلم بالشيء لا أكثر. لكني لست مقتنع بذلك، فقد لاحظت شرودها وقلقها أكثر من مرة حين يرتفع صوت الأذان وتصرفاتها تلك تجعلني في ارتياب من أمرها.
استمعت جوريه لكلام جورج باهتمام واستقر في نفسها بعد كلامه أن ماري قد أسلمت بالفعل وليس هناك مجال للشك. صمتت لبرهة وهي تسترجع ما رأته من صلاة ماري.
لم تشأ جوريه أن تجعل لشكوك جورج في نفسه مكان فقالت له:
- لا أظن أن شكوكك في محلها، فأنا أعلم ماري ومدى حبها لدينها وتقديسها ليسوع الرب.
كانت تقول تلك الكلمات وهي غير مقتنعة بعد الذي رأته بأم عينها وما سمعته من جورج، وزاد ذلك بعد أن طال غياب ماري في الغرفة بعد أن أذن العصر . أردت أن تنادي عليها؛ لكنها خشيت أن ينتبه جورج وينكشف أمر ابنتها أمامه وهذا ما لا تريده.
أتت ماري بعد أن انتهاء جورج من تناول طعمه هو وجوريه. كان يبدو عليها الارتياح بعد أن غيرت ملابسها وأدت صلاة الظهر ثم العصر، بدأت ماري بتناول الطعام بصمت، ونظرات والدتها لا تنفك ترمقها بحدة، وتحمل بين طياتها تساؤلات واتهامات. شعرت ماري بنظراتها وحدثت نفسها بأنه لابد من الاعتراف والمواجهة أمام تحقيقات والدتها التي ستنطلق في أي لحظة، وبالرغم من ذلك كانت مطمأنة إلى أن والدتها لن تجازف وتناقش الأمر معها أمام جورج.
أستأذن جورج بالذهاب وسألهما إن كانا يريدان أن يحضر معه شيء وقت عودته من عمله. شكراه وكانت نظرات جوريه وشكرها المستعجل له تحثه على الذهاب حتى تستطيع تفجير ذلك البركان الذي بداخلها. وما أن ذهب حتى راحت أسألتها تنهمر على ماري كالشلال .
- منذ متى وأنتي تصلين وهل اعتنقتِ الإسلام وتركتي دين أبويكِ
- ومن الذي غرر بك، ومقابل ماذا؟، ومن اجل من فعلتي ذلك؟
صمتت ماري حتى انتهت والدتها من أسئلتها وانفعالها الذي جعل وجهها كقرص رغيف منتفخ خرج لتوه من الفرن.
وقالت : بصوت هادئ هل انتهيتِ الآن من كلامك يا أمي
نظرت لها جوريه وهي تتأفف وقالت: نعم ولكن دعك الآن من البرود الذي أنتي فيه وأجيبي عن أسئلتي. تمنت جوريه أن تسمع من ابنتها دفاع عن نفسها ضد اتهاماتها إلا أنا ماري أجابتها بذات الهدوء
- اسمعيني يا أمي لقد أسلمت ونطقت الشهادتين وسأعلن أسلامي في القريب العاجل رسمياً.
ورغم توقع جوريه ما سمعته من ابنتها؛ إلا أنها اندهشت من جرأتها على الاعتراف بمثل ذلك الأمر دون خوف. على أثر ذلك فقدت جوريه أعصابها وهمت وهي ترفع يدها بانفعال أن تصفعها إلا أنها تذكرت وضعها، وكبتت غيظها واكتفت بقولها:
- هل أنت مدركة لما أنتي مقدمة على فعله؛ إنها نهايتك بكل تأكيد... كيف تتوقعين أن يسكت جورج إن علم بذلك أنتي لستِ بحاجة لأخبرك أنك زوجة كاهن معروف في أواسط المسيحيين، ولستِ بحاجة لأذكركِ بأمر زوجة القس التي أسلمت منذ أشهر وكان مصيرها كما تعلمين الموت؛ إن لم تخافي على نفسك وعلى مصير ابنك القادم، ففكري في والديكِ الضعيفين فأنا قد تخطيت العقد الخامس ولست في حمل لما ستفعلينه وكذلك والدكِ.
أطرقت ماري رأسها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع واختنق صوتها وهي تقول :
- لست أود أن أحزنك أنتي ووالدي فأنتي تعلمين مدى حبي لكما ولكني أشعر أنني لا أستطيع أن أعيش وأنا على دين لست مقتنعة أنه دين الحق، وتلك قناعتي بعد بحث طويل وقراءة.
قالت جوريه بصوت يشع بالاستبشار :
- إذاً مشكلتك هي الاقتناع إذا كانت تلك هي المشكلة فأنا كفيلة بأن أقنعك أن المسيحية هي دين الحق والصواب، أمهليني حتى أحضر لكِ من الكتب ما يغير ما تلوثت أفكارك به مما قرأتِ من كتب المسلمين التي جرتك لطريق الضلال.
صمتت ماري وهي ترى نظرات الأمل تطل من عيني والدتها ولم تقوى على مواجهة ابتسامتها الحانية التي مددت التجاعيد حول شفتيها الرقيقتين .
****
توالت الأيام والشهور ووالدة ماري تأتي لها بالكتب المسيحية على أمل أن ترجع ماري عما تفكر فيه. وكان صمت ماري يقتلها ويقلقها فكلما حاولت أن تتحاور معها كانت تتهرب؛ إلا أن جوريه تمسكت بالأمل بعد أن لاحظت أن ماري لم تعد تصلي كما كانت من قبل وهذا ما طمأنها كثيرا. أتمت ماري شهرها التاسع وجاء موعد ولادتها.
ووضعت ماري طفلها يوسف والذي كان له من أسمه نصيب، فقد كان هادئ جميل الوجه. حملته جوريه والسعادة تملأها فرحاً بحفيدها الأول، وبما تحسه من أن ابنتها قد تأثرت بما قرأت من كتب، ويبدو عليها من نظراتها المستسلمة بعد قدوم طفلها أنها قد نحت تلك الأفكار عن ذهنها نهائيا


مما راق لى



3 
قصيدتي

قصة جميلة فعلا

راقت لي عزيزي
شكرا لك ذلك المجهود القيم
بوركت اناملك اخ مجدي ودمت بخير
ودي


4 
أبو عبد الرحمن

سرد جميل وقصة مذهلة ذات ابعاد اجتماعية واسعة


وما أكثرها هذه القصص في الدول التي فيها اكثر من دين

بوركت والنفس الطويل


5 
مجدى سالم


حياكم الله اخواني

والشكـــرموصول غيرمقطوع لروعة مروركم الذي
أسعدني وبث الفرحة والبهجة فــي نفسي
فجزاكم ربـــــــي الدرر،وكساكم الحُلل،وأسكنكم الظُلل
وبارك في خُطاكم،وأكرم مثواكم




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.