العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
عمرو شعبان


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
سلسلة للذين أحسنوا الحسنى- الحلقة ألأولى
سلسلة للذين أحسنوا الحسنى- الحلقة ألأولى
لفضيلة الشيخ الدكتور

أحمد عبيد الكبيسي


( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(26) يونس)

حُسن الصيام
(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)
الحسن جمال لا عيب فيه ربما جميل فيه عيب امرأة جميلة لكن في لسانها لدغة أو عيناها صغيرتان هذا جمال والجمال نسبي وما أراه أنا جميلاً قد تراه أنت قبيحاً أما الحسن متفق عليه لا يختلف فيه اثنان ولهذا الحسن كمال إذا بلغت مرحلة الحسن فقد بلغت مرحلة الكمال في عملك
والحسن من صفات الله عز وجل فقد جعل الجنة حسنى
(للذين أحسنوا الحسنى)
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ).
فالمحسن هو الذي بلغ الكمال بعمل ما أو في عمل ما أو إلى شخص ما على حسب الحرف الذي يتعدى به يقال أحسنت إلى فلان، أحسنت لفلان، أحسنت في ذلك الفعل، أحسنت بما قلت فتغير المعنى بحسب حرف الجر الذي يتعدى به الفعل وقد يكون لازماً
(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم)
أحسن الرجل أي كان وصفه الحسن.
والفعل الذي يكون كاملاً تاماً لا نقص فيه من جانب ولا يؤتى هذا النقص من أحد جوانبه يسمى صاحبه محسناً على اختلاف الإحسان في موقعه أين وقع هذا الإحسان؟
لهذا
(إن الله مع المحسنين)
(إن الله لمع المحسنين)
(يأمر بالعدل والإحسان)
العدل الحدّ الأدنى وهو ملزم، العدل أن تنجح لكن أن تأخذ 90 هذا امتياز الإحسان لا يختلف فيه والكل يعترف بأن هذا الفعل حسن ولذا جاء في الخبر ما استحسنه المسلمون فهو حسن أي أجمعوا عليه،
ولا تجتمع الأمة على ضلالة فإذا اجتمعت الأمة على أن هذا الفعل حسن فهو حسن.
فمثلاً رجل يصلي بالحد الأدنى من الصلاة الركوع والسجود والتحيات والفاتحة وتسليمة واحدة هذا عدل وصلاته صحيحة وليست باطلة
(إن الله يأمر بالعدل)
فإذا صليت على هذه الوتيرة فصلاتك مقبولة وقد حسبت مع المصلين لكنها صلاة مختلف فيها حسب المذاهب أما أن تؤدي صلاة هي صحيحة بكل المذاهب وبكل الآراء هذا يسمى إحساناً.
المُصلّي كامل
(قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون).
إن الله عز وجل قال سنزيد المحسنين وقال إن رحمة الله قريب من المحسنين ولو تتبعت ما جاء في كتاب الله عز وجل وكيف جاء وصف المحسنين لرأيت عجباً إذن الدرجات العلا يوم القيامة ليست لمجرد أداء الفعل كل عبادة لها وظيفتان الأولى إسقاط الفرض وعدم المساءلة والنجاة من النار هذا هو العدل فكل عبادة لا تحقق النجاة من النار وتسد مسد الأمر ولا تحاسب عليها تسمى عدلاً وهذه تنجي من النار فقط لكن إذا أردت الدرجات العلا فعليك بالإحسان والإحسان أن تبلغ بهذه العبادة درجة الإمتياز بحسب لا يعيبك أحد على شيء.
والرسول r قال :
(الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)
رسم لنا صورة من صور الإحسان وماذا تتوقع ممن يعبد الله كأنه يراه؟
إذا صلّى لا يعرف ممن حوله أحد
كما في الخبر
كان الرسول r يمازحنا فإذا فزع إلى الصلاة كأنه لا يعرف منا أحداً.
جمالٌ لا يختلف فيه فهو حسن.
حديث آخر
الإحسان أن تصل من قطعك وأن تعطي من حرمك وأن تعفو عمن ظلمك وهذا هو الإحسان الذي وعد الله تعالى أن رحمته قريب من هؤلاء.
المطلوب في هذه الحلقات أن لا نحقق العدل فقط أي أن أزكي مثلاً فقط هذا يسمى عدلاً لكنه قال r:
(الذين يؤدون زكاة أموالهم طيبة بها نفوسهم)
هذا إحسان.
المطلوب من العبادات التي تنال بها الحسنى يوم القيامة وزيادة وللمفسرين كلام طويل في هذه الزيادة لا شك أن الزيادة شيء لا يحيط به العقل البشري وإلا لبيّنه الله عز وجل وكما قال
(للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة)
(ولدينا مزيد).
الزيادة شيء ليس في وسع العقل البشري بقوانين البشر التي نحن عليها أن يحيط بها .
والحسنى نفسها التي هي إسم تفضيل لا يحيط بها العقل كأسماء الله الحسنى فلسفتها وأبعادها لا يحيط بها العقل حينئذ هذه الزيادة التي وعد الله بها الذين أحسنوا أي أنهم بلغوا في عمل واحد الكمال شيء عظيم يستحق أن يجتهد المسلم
وخاصة في رمضان
لا ينبغي أن ترهق نفسك حتى تكون محسناً في كل الأفعال وهذا ليس مطلوباً وإنما المطلوب أن تحسن شيئاً واحداً كما في القول المأثور
(اعرف بعض الشيء عن كل شيء واعرف كل شيء عن شيء واحد)
وكل رسول تميّز بشيء أتقنه إتقاناً عظيماً سيدنا آدم بحسن التوبة وسيدنا يوسف بحسن العفة وسيدنا يونس بحسن الذكر والتوبة والأوبة إلى الله وأيوب بحسن الصبر ونوح بحسن الصبر وعيسى بحسن الدعوة لقومه والرسول r بحسن الخلق وهو أجمعها وما من شيء أجمع لفضائل الإحسان كحسن الخلق
(وإنك لعلى خلق عظيم).
لذا عليك أن تكون لك عبادة عظيمة إما أن تكون صوّاماً عظيماً أو مصلّياً عظيماً أو ذكّاراً عظيماً أو بارّاً بوالديك لا بد أن تصل بإحدى عباداتك درجة الصالحين الذين لا تؤتى عبادتهم تلك من جانب نقص أو ضعف.
الحسن هو الذي يبهج النفس وتستبشر به القلوب والعقول كما قال r
"اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا".
من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن.
كل شيء تستحسنه جداً فإنك تبتهج.
فإذا كانت صلاتك أو صيامك أو حجك أو ذِكرك أو إكرامك للجار أو خشوعك عند قراءة القرآن أو عفوك عن المسيء أو برك بوالديك أو فرحتك بالصدقة على المحتاجين إذا كنت تستبشر بما تفعل تكون قد أحسنت وإن الله مع المحسنين ورحمة الله قريب من المحسنين وما من أحد أعظم يوم القيامة عملاً ولا مقاماً ولا درجة من الذين يأتون مع زمرة المحسنين الذين أحسنوا في عبادة واحدة عبادة عظيمة
مثل أبو بكر في الإنفاق وعمر في عدله وعثمان في رقة قلبه وسيدنا علي في علمه.
عليك أن تأتي الله تعالى بعمل حسن
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)
تتقنه أتقن عملاً واحداً في حياتك والله تعالى مع المحسنين وسنزيد المحسنين وللذين أحسنوا الحسنى وزيادة.
كيف يكون الصوم حسناً؟
الصوم العدل أن تمسك من الفجر إلى الفطور كما في الحديث
"ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
مثلاً أنت بار بوالديك تطعهما وتسقيهما هذا العدل لكن الإحسان أنت عبد لهما لا تملك معهما شيئاً فالإحسان ليس من الواجبات وإنما عبادة بعثك عليها حبك لله وليس خوفاً من الله أنت من حب الله تحسن ولست ملزماً.
كيف يكون الصوم حسناً؟
نتكلم عن العبادة التي ترفع الدرجات
وكل من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه دخل الجنة وإن زنا وإن سرق،
فأنت داخل الجنة وإنكار هذه الحقيقة كفر لكن أين في الجنة؟
الجنة ملك لا يمكن أن يحيط به العقل آخر واحد يخرج من النار له بقدر الدنيا عشر مرات،
تأمل أي نعيم في هذه الجنة؟!
الصالحون والمحسنون ما هي مواقعهم وأين؟
نتكلم عن مسلم يطمح أن تكون درجاته يوم القيامة من الدرجات العلا
(وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا)
(أولئك لهم الدرجات العلا).
الصيام العدل هو أن تمتنع عن الطعام والشراب والجماع،
هذا عدل لكن أين الإحسان؟
الصوم الذي يرتفع بك درجات ويغفر ذنوبك وما أكثر ذنوبنا هو الذي ليس فيه غيبة وهذه فرصة نادرة إفترض أن هذا آخر رمضان في حياتك وهذه فرصة ليغفر الله لك كل ذنوبك وهذه فرصة عظيمة
(بعُد عبد أدرك رمضان ولم يغفر له).
إذا أردت أن تغفر الله لك ذنوبك ويضيف على رصيك رصيد 83 سنة صيام نهارها وقيام ليلها فعليك بالصيام الحسن:
الصيام الحسن أن تصوم لوجه الله إيماناً واحتساباً أي بدون أن تضجر وتقول رمضان طويل
وإنما أنت مستبشر برمضان وأن لا تغتاب أحداً وليس بينك وبين أحد الناس خصومة وأن لا تكون عاقاً لوالديك وأن لا تكون قاطع رحم وأن لا تهجر ولا تتخذ من رمضان مسرحاً لخصومة فأنت في رمضان ملك يمشي على الأرض يغفر لك الله كل الذنوب هذه فرصة نادرة
ففي الحديث:
( إذا لم يغفر له في رمضان فمتى)
ذنوبنا تملأ البحر والبر والصغائر قد تصير كبائر إذا أصررنا عليها فاغتنمها فرصة وقد نموت من أجل ذلك أحسِن هذا الصوم هذا العام مفترضاً أن هذا آخر رمضان تصومه.
ولذلك كما تحدثنا إفطارك سليم على ماء حلال وأن لا تتخم بما لذ وطاب في حين ينبغي أن يكون الأكل معتدلاً ويجب أن تكون الفضائيات في حشمة وتعين الناس
لا أن تجعل رمضان كرنفال واحتفال ورقص وغناء فالصائم كأنه يحتاج إلى أن يفسق حتى يرتاح وينبغي أن تكون الفضائيات في حشمة.
أسأل الله تعالى أن يكون رمضان هذا رمضان خير وأن يعيننا على صيامه وقيامه وأن يعيننا على لجم أنفسنا كما ألجم الشياطين وصفدهم في هذا الشهر علينا أن نصفد ألسنتنا وأنفسنا عن الشهوات والبذخ واللسان ونصالح من يخاصمنا وفطّر أحد الناس حتى ولو على شربة ماء لأن تفطير أحد الصائمين عظيماً جداً وخاصة في البلاد التي فيها محنة عظيمة مثل العراق.
للذين أحسنوا الحسنى - الحلقة 2 - حسن القول

الحلقة الثانية:
حُسن القول:

الحُسن والإحسان كما ذكرنا
هو ما زاد على المفروض ما تعبد الله به نافلة متطوعاً واختياراً
(إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
(19) الذاريات)
(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(134) آل عمران)
حديثنا في هذه الحلقة عن حُسن القول.
ومن جماليات الكون الذي نحن فيه القول الحسن سواء كان أدباً أو ذكراً أو دعاء
كل هذا من جماليات القول
(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
(18) ق)
هكذا هو حسن القول
(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
(53) الإسراء)
وجماع ذلك أن الله عز وجل يقول لفرعون الطاغية الذي قال أنا ربكم الأعلى ويقول ما علمت لكم من إله غيري يقول تعالى لنبيين
(فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
(44) طه)
والقول اللين من حُسن الكلام وحُسن القول
عندما قال r عندما سئل ما أقصر الطريق إلى الجنة؟
قال:
( لين الكلام وإطعام الطعام وصلة الأرحام والصلاة بالليل والناس نيام)
وفي حديث آخر
(طيب الكلام)
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
(10) فاطر)
هكذا هو حُسن القول في هذا الحياة عند الله وعند الناس في الدنيا والآخرة.
حسن القول أنواع كثيرة وأعظمها مطلقاً وبلا منازع هي قول:
لا إله إلا الله
مصدقاً بها قلبك
كما قال r:
"خير ما قلته أنا والنبيين من قبلي لا إله إلا الله".
ومن حُسن الكلام الشهادة لرجل لا يملك بيّنة
ومن حسن القول عندما يموت الميت فتشهد له بخير
ومن حسن الكلام أن يشهد لك جيرانك بخير هذه أقوال لها عند الله مكانة عظيمة ويأخذها الله تعالى مسلّمة على ما كان فيك إذا كنتم تشهدون للميت بقول حسن فإن الله تعالى يأخذه كما هو لا يناقشكم فيه ويحاسب الميت على ما قلتم فيه من قول حسن
(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
(53) الإسراء)
(وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً
(83) البقرة)
القول الحسن عند الله محبب
وحسن القول عند الله عبادة عظيمة لا توازيها لا الصلاة ولا الصيام.
كلمة حق عند إمام عادل توازي عبادة ستين عاماً.
كذلك أيضاً من القول الحسن ما جاء في كتاب الله عز وجل آيات محددة لها سر عجيب باق من يوم نزلت إلى يوم القيامة لأنه في وقتها أدت أثراُ بيّناً سريعاً ومن فضل الله أن هذا التأثير للآيات في كتاب الله عز وجل إذا قلتها بيقين وتصديق ونفس خاشعة لله فإنها تحدث من الأثر كما أحدثته من أول يوم كقوله تعالى:
(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
(157) البقرة)
وكلما أصابتك مصيبة فأحدثت لها هذا الاسترجاع أصابتك هذه الميزات صلوات من ربك ورحمة وهداية وكلما تذكرت مصيبتك وأحدثت لها استرجاعاً أعطاك الله عليها مثلما أعطاك من أول يوم.
(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
(174) آل عمران)
إذا كنت خائفاً من عدو يتجمع لك بقوته جرّبها إذا كان هناك من يكيد لك فقلتها بقلب صادق فسترى لها أثراً عجيباً.
وقوله:
(فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
(44) غافر)
قال تعالى بعدها
(فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا (45)).
كلمة لا تقولها في مكان الناس يكيدون لك إلا كفاك الله شرهم.
وقوله تعالى:
(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
(24) القصص)
موسى u عطشان وجائع وفرعون وراءه وخائف وسقى للبنتين فقال رب إني لما أنزلت من خير فقير فجاءته فوراً إحداهما تمشي على استحياء فتزوج بعد عزوبية وأمِن بعد خوف واغتنى بعد فقر.

(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
(25) طه)
ما يقولها خطيب في محاضرة ولا طالب في محاضرة إذا قالها بمواصفاتها من حيث التصديق بها،
(فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
(87) الأنبياء)
ما قالها أحد بصدق كما قالها سيدنا يونس إلا نجاه الله من الغم.
وهي ليست خاصة بيونس u وإنما عامة إلا ينجيه الله تعالى من الهم
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ
(88)).
وأقوال كثيرة مثل
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
(30) فصلت)
ما من رجل يحتضر وقال الشهادة لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه إلا تنزلت عليه الملائكة أن لا تخافوا وتحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.
(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ
(55) القصص)
لا تقولها في نقاش مع أناس سفهاء وجهلة ومدعي العلم فإذا رأيتهم اشتطوا قل
(لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)
وسينجيك الله من مكرهم ةكيدهم وسفاهتهم.
من الأقوال المحببة التي فيها سر التحية
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)
فالتحية عامة أو تحية حسنة والتحية الحسنة لها عند الله أجر عظيم ما إن تقول لأحد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حتى تتحات ذنوبكما كما يتحات ورق الشجر عن الغصن اليابس،
ما سر هذه التحية التي وردت في القرآن 13 مرة؟.
كذلك تشميت العاطس ودعاء المجلس والشهادة للميت وهذه من القول الحسن إذا قلتها يكتب الله تعالى لك من الأجر أجراً عجيباً.
لا يحب الله الجهر بالسوء ولكنه يحب المحسنين، سنجزي المحسنين، سنزيد المحسنين، إن الله مع المحسنين، للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، إن رحمت الله قريب من المحسنين
كما قال r
كتب الله الإحسان على كل شيء حتى كيف تلبس نعلك تبدأ باليمنى وتخلع باليسرى وما من شيء في هذا الكون إلا له طريقة حسنة تجعله تصرفاً حسناً أو قولاً حسناً أو فعلاً حسناً ورب العالمين كتب الإحسان على كل شيء وإن الله مع المحسنين في كل شيء حتى كيف تتعامل مع الطريق ومع الحيوان وجعل تعالى إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهكذا كل شيء في هذا الكون له صفة حسنة والله يجب الحسن ويحب الجمال ولهذا يكرم أهل الحسن والإحسان كما لا يكرم غيرهم ممن لا يتذوقون الحسن والإحسان.
أعظم أنواع الكلام الحسن وما من قول في الدنيا والآخرة أهم ولا أرقى ولا أبهى من
لا إله إلا الله.
من الأحاديث الواردة في هذا الباب رب العالمين يقول:
(يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ
(27) إبراهيم)
القول الثابت لا إله إلا الله إذا ثبتك الله عليها قبل أن تموت ومت عليها فأنت ناجٍ من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة فهي مفتاح الجنة مهما كان عملك فلو عملت ما عملت وأنعمت على الفقراء جميعهم وطورت الحياة كما فعل الغربيون بحيث جعلوا الدنيا جميلة في عالم المواصلات والطب وغيره ومع هذا كله مشروط بقول صاحبها لا إله إلا الله
(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا
(7) آل عمران)
مع عدم الإيمان بوحدانية الله لا قيمة لفعلك مطلقاً حتى لو أحسنت على كل الأرض إذا كنت لست مؤمناً بلا إله إلا الله يجازيك الله تعالى في الدنيا نفوذاً وسلطة ومالاً وشهرة أما في الآخرة فلا شيء لك مطلقاً لأن الآخرة مفتاحها لا إله إلا الله وما مصيبة يوم القيامة أعظم من مصيبة الشرك فإياكم وهذا الشرك الذي يتسلل إلى أحدكم كما تتسلل النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء
وقد امتلآت بلادنا من التمسح والاستغاثة بالقبور ونحرق المساجد والقرآئين إنتقاماً لقبر لا تدري من الذي تحته وقد وصلنا إلى شرك أسوأ من الذي كان في الجاهلية وعلى الأقل هم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والعالم يبحث الآن عن إله يوحده.
أعظم ما تقوله أنت والكون كله
(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ
(44) الإسراء).
يقول r في هذا القول لعظيم:
أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه.
هذا القول لا يأول ولا يلحن به ولا بد أن يكون قلبك مصدقاً بها خالصاً لوجه الله عز وجل.
يقول r:
من شهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أوصله الله سبحانه وتعالى إلى الجنة على ما كان منه من عمل"
\ هذا حديث متفق عليه.
يقول r:
"ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مصدقاً بها قلبه إلا حرّمه الله على النار،
وسأل معاذ:
ألا أخبر الناس فيستبشروا يا رسول الله؟
قال r
إذن يتّكلوا
وأخبر بها معاذ قبل موته خشية أن يكون قد كتم علماً عن رسول الله r وخشي أن يموت ولا يخبر الناس بهذه البشارة.
يقول r:
جددوا إيمانكم،
قالوا كيف يا رسول الله؟
قال:
أكثروا من قول لا إله إلا الله.
وكلما أكثرت منها تجدد إيمانك والعلم يثبت الآن أن الكلام والصوت لا يفنى لما تقول كلمة يبقى تتردد في الفضاء إلى يوم القيامة
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا
(25) إبراهيم)
إذا قلت لا إله إلا الله تبقى تتردد في الفضاء إلى يوم القيامة وكلما ترددت كتبت لك حسنة.
يقول r في حديث البطاقة
يأتي رب العالمين برجل ليس له حسنة واحدة فقال لا يُظلم عندي أحد ابحثوا له عن شيء فوجدوا بطاقة صغيرة فيها أنه قال لا إله إلا الله مرة بقلب صادق فوضعوا سجلات سيئاته في كفة فثقل الميزان ووضعوا البطاقة التي فيها لا إله إلا الله في كفة فرجحت
وهكذا إذا صح قولك لا إله إلا الله فقد نجوت.
دعاء السوق صيغة من صيغ التوحيد.
تصور إذا دخلت السوق والآن الأسواق عامة
(لا تقوم الساعة حتى تتصل الأسواق)
والآن في كل مكان سوق وفي كل لحظة تستطيع أن تقرأ دعاء السوق فرب العالمين يكتب لك ألف ألف حسنة ويمحو عنك ألف ألف سيئة فتأمل ما سر لا إله إلا الله!
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير)
هي خير القول الحسن.
قال r خير الدعاء دعاء عرفة.
(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)
فالذكر في هذا الدين من أعظم العبادات
"ذهب الذاكرون بكل خير"
(وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
(45) العنكبوت)
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم مائة مرة تغفر الذنوب وإن كتنت مثل زبد البحر ما اجتنبت الكبائر
وقس على ذلك كثير من الأقوال في الكتاب والسنة إذا رددتها بالطريقة المشروعة كم تثبت لك من الدرجات العلا يوم القيامة.
إن الرجل ترتفع درجته يوم القيامة بالدعاء
يأتي رجلان يوم القيامة أحدهما في درجة عالية والآخر درجة عادية
فقال: يا رب بم نال هذه الدرجة مع أنه كان عبادته عادية؟
فيقول له تعالى أبخستك من حقك شيء؟
قال: لا
قال: ذاك كان يدعوني فالبدعاء ارتفع.
الدعاء من أعظم ما يحبه الله عز وجل فتعودوا أن تقولوا للناس حُسناً كما أمركم الله عز وجل وكما سماكم الله عبادي لأن العباد يعبدون الله بالاختيارات والتطوع وليس بالإكراه
لذا قال لعبادي وليس لعبيدي تعود أن تتكلم مع الناس بالكلام الطيب وإياك والسباب والشتائم ولا تقول لأحد يا مشرك أو يا كافر فإذا لم يكن كذلك يدخلك الله النار.
أسأله تعالى أن يعود ألسنتنا على القول الحسن وأن يحشرنا مع أهل القول الحسن وأن يجعلنا أن لا نقول إلا قولاً سديداً والله يحب المحسنين ومن أعظم الإحسان القول الحسن.
يتبع



2 
عمرو شعبان

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



للذين أحسنوا الحسنى - الحلقة 5 - حسن الدفع


لفضيلة الشيخ الدكتور
أحمد عبيد الكبيسي


الحلقة الخامسة:
حسن الدفع

من أحسن الحسنى التي هي صعبة جداً إلا على الرجال الأشداء هي حُسن الدفع.

والدفع هو المدافعة والمدافعة أن أمامك عدو،

وهذا العدو نوعان:

عدو شجاع

يأتيك بقواعد الحرب المعروفة يحمل سلاحه وينذرك ثم تتقابلان وكل منكما بسلاحه وكل يدافع عن نفسه بسلاح من أي نوع.

وهناك هجوم جبان يأتيك سراً مخاتلة

وهو الهجوم على نفسك وليس على بدنك أو أرضك أو بلادك فهجوم الشياطين على نفسك هجوم جبان فما أن تسمع من أحد من الناس كلمة تغضبك أو لا تعجبك إلا وتأتيك الشياطين كلها تثير فيك حب الانتقام والكبرياء والخشونة والفظاظة وغلظ القلب حتى تنقلب حيواناً كاسراً فإذا كنت ضعيفاً فسوف تستسلم لهذا الهجوم وتقوم لهذا الذي أغضبك لتنتقم لنفسك شر انتقام كما يفعل الطغاة جميعاً.

كل الطغاة يستسلمون أمام هذا الهجوم فيشبعون الذين أغضبهم تقتيلاً وتجويعاً وانتقاماً وقليل من هؤلاء من له نفس قوية وتربية عالية وصبر عظيم يصمد أمام هذا الهجوم حتى ينكسر هذا الهجوم فينتصر بحلمه ووقاره ورحمته ولينه من هذه الصفات العظيمة التي قال عنها تعالى:

(وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)

الذين وصفوا بالحلم في التاريخ معدودون ولهذا ثمن الله تعالى في رسوله الكريم الذي شهد له أنه على خلق عظيم فقال له

(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)

هذا النبي الرحيم عندما أدماه أهل الطائف بذلك الأسلوب الفظ بحيث أغروا به سفهاءهم وأطفالهم وجاءه ملك الجبال أن يأذن له أن يطبق عليهم الأخشبين وهما جبلان عظيمان
فامتنع الرسول r عن ذلك وقال:
لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله
وهكذا حدث.

وكما فعل أهل مكة برسول الله r فعلوا به فعلاً غير مبرر أن يفعل قوم بواحد من أبنائهم معروف بينهم بسلالته وأهله كرمه وعُرِف بينهم بأنه الصادق الأمين جاء فقط يدعوهم لترك عبادة الأصنام وعبادة الله عز وجل ففعلوا به ما فعلوا ومع ذلك لما نصره الله عليهم

وقال لهم:

ما تظنون أني فاعل بكم؟

قالوا أخ رحيم وابن أخ رحيم

فقال r

اذهبوا فأنتم الطلقاء.

من أجل هذا قال الله تعالى له

(وإنك لعلى خلق عظيم).

هذا الخلق صعب جداً لأنه يحتاج إلى كمية هائلة من الصبر وأن يكون حظك عظيماً من اللطف واللين والرقي وعلو الجناب وأنك جبل لا تهتز وأنك جبل تمشي على رجلين بين الناس لهذا يمدح الله تعالى ابراهيم بأنه أواه حليم،

الحلم هو الرجولة.

(إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)

الإشارات في هذه الآية:

إدفع أي هناك هجوماً وإلا لقال اصبر أو كن حليماً

وقال بالتي هي أحسن لم يقل بالحسن وإنما بالأحسن فالحلم ليس حسناً وإنما الأحسن لأنه يحتاج لطاقة رجولية هائلة وإلى إعداد نفسي قوي لك نفس لا تهتز ولك قلب لا يرتجف حتى تصبر.

من أعطاه الله قدرة وقوة نفسية وحظاً عظيماً بين الرجال بجلده وصلابته ورأينا وسمعنا في التاريخ الماضي والمعاصر عن بعض الرجال الذين صمدوا كالأسود أمام هجمة ممن هو دونهم تماماً

"من كظم غيظه وهو قادر على إنفاذه ناداه الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة"

فهذا هو الرجل الرجل.

إذا وفقكك الله عز وجل في يوم من الأيام فكظمت غيظك

(فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)

هذه لها معنيان:

هذا الذي هاجمك فصار بينك وبينه عداوة إذا استطعت أن تدفع بالتي هي أحسن وهو الحِلم والحلم ليس هو الحسن فقط وإنما الأحسن.

الحسن غير الأحسن.

ما من خُلُق يوم القيامة يضاهي أن تأتي الله وأنت حليم لأنهم قلة والله تعالى سيميز أهل القلة

(وقليل من عبادي الشكور)

(ثلة من الأولين وقليل من الآخرين)

الذين يكظمون غيظهم لله عز وجل ويترفعون عن المخاصمة والمهاجرة يكرمهم الله تكريماً عظيماً يوم القيامة ولهذا لصعوبة الأمر قال ادفع بالتي هي أحسن لأن الحسن أسهل ونفعله كثيراً ولهذا من جاء يوم القيامة حليماً فقد فاز.

(فإذا الذي بينك وبينه عداوة)

لها تفسيران هذا العدو عندما تقابله بالحسنى وبالأحسن يصبح صديقاً وفي عالمنا الإسلامي هناك بعض الحكام فيهم حِلم على شعوبهم بشكل ملفت للنظر كما يعامل الأب الرحبم أبناءهم يغفرون أخطاء الرعية ويتجاوزون عنهم ولهذا هذه الشعوب تحب حكامها بشكل عظيم والعكس صحيح فالحكام الذين يقتلون شعوبهم تلعنهم شعوبهم.

التفسير الثاني أن هذا العدو أنت عامله كأنه حميم وكلا التفسيرين صحيح.

هذا الهجوم من الشيطان والشيطان كما في الأحاديث يتصيد ساعة الغضب
وفي الحديث أن الرسول r كان جالساً بين أصحابه فجاء رجل فوقع بأبي بكر أي بدأ يشتمه وأبو بكر ساكت ثم وقع بأبي بكر ثانية وهو ساكت ثم وقع به ثالثة فرد أبو بكر على الذي شتمه فقام النبي r فقال له أبو بكر أوجدت عليّ يا رسول الله؟
قال r
لا ولكنك عندما سكتّ أنزل الله ملكاً يدافع عنك فلما انتصرت لنفسك ذهب الملك وجاء الشيطان.
متفرعات الغضب أنك أنت تشتط في الخصومة.
الذي يدفع العدوان بالأحسن والأحسن هو الحِلم مع الإحسان إلى هذا المعتدي من كبيعة هذه العملية أنها إذا وقع الاعتداء أمام الناس فسكت المعتدى عليه ولم يرد على الذي هاجمه يسقط المهاجم من أعين الناس ويتناقل الناس هذه الحادثة حتى تصبح سيفاً على سمعة المعتدي إلى يوم القيامة.
وفي هذا المعنى يقول ابن عباس يقول هذا المعتدي الذي حلم عنه المعتدى عليه لم تلفه إلا مقيتاً ممقتاً نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلفه إلا خائناً مخوناً فإذا لم تلفه إلا خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة لم تلفه إلا رجيماً ملعناً نزعن منه ربقة الإسلام
يعني هذا المعتدى عليه استطاع أن يتغلب على نفسه فيصبر ويكظم غيظه وهذا المعتدي ذهب وافترق عن هذه الحادثة وتمر الأيام الواقعة يوماً بعد يوم والناس تتداول هذه الواقعة حتى يسقط المعتدي في نظر الناس ولعل هذا من آثار هذا الملك الذي ينزل من السماء يدافع عن هذا المعتدى عليه ودفع بالتي هي أحسن حينئذ خابت الشياطين وانتصر الله تعالى لهذا الحليم الذي كظم غيظه لوجه الله عز وجل وهو قادر على إنفاذه وخاب وخسيء هذا المعتدي إلا إذا قام واعتذر بعد هذه الحادثة للشخص أمام نفس الناس عندها تنتفي عنه هذه السمعة السيئة وإلا ما من معتدٍ على آخر يحلم عليه ويصبر عليه إلا انتقم الله من هذا المعتدي حتى يسقط من نظر الناس جميعاً.
(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)
ولا تستوي الحسنة والسيئة لا يستوي الحلم والانتقام، الصبر والجزع، الإيمان أو الشرك الخلق الحسن والخلق السيئ اللين والفظاظة لهذا الناس تلقائياً يتجحفلون حول المعتدى عليه الوجيه الكريم الطيب الذي كان يمكنه أن يرد الصاع صاعين ولكنه انتصر على نفسه بهذا الحلم يرتفع رصيده عند الناس حتى يصبح وجيهاً ارتفع عند الناس لشدة حلمه على من يهاجمهم وصبره شاع بن الناس حتى صار أمثولة.
يقول r
"إن الله رفق يحب الرفق في الأمر كله"
فما بالك بأمر يحبه الله عز وجل؟
لو تعلم أن الله عندما يحب فيك شيئاً يعطيك عطاء لا مكن لعقلك أن يدركه، تصور رفق الله عز وجل أنت تعصيه مائة عام ثم تتوب ساعتين يغفر لك كل هذا أي رفق هذا؟

قال لنبيين أن يقولا لفرعون الطاغية قولاً ليناً، أنت ترتكب المعاصي ومع هذا يتوب الله عليك
ويقول r
"إذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق"،
إذا رأيت شخصاً طيباً هيناً ليناً مع قدرته ونفوذه وعشيرته فاعلم أن الله تعالى يحبه.
رب العالمين يبتلي العبد بمن يسيء إليه ليرى صبره وعزمه
(وبشر الصابرين)
الصبر عند الله تعالى لا حدود لجزائه ويقول r
تحرم النار على كل هين لين،
سواء في تجارة أو غيرها لو اعتدى عليه أحد يبتسم سهل الإقتضاء وكريم ورجل يُحَب هذا لا تمسه النار يوم القيامة. يقول r
"إن العبد ليدرك بالحلم درجة الصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر"
بحلم مرة تدرك درجة الصائم القائم لأن هذه أخلاقيات عالية وصعبة وأفضل الناس يوم القيامة أهل الأخلاق ليس أكثرهم صيام وإنما هم أهل الفضل.
ينادي تعالى يوم القيامة أين أهل الفضل فينطلقون سراعاً إلى الجنة تتلقاهم الملائكة فيقولون من أنتم؟
يقولون نحن أهل الفضل كنا إذا ظُلِمنا حلمنا.
يا لها من شريحة هذه الشريحة الصابرة الصامدة وقد تراه إنساناً بسيطاً أو حاكماً عظيماً ولكنه تربى على الطمع فيما عند الله تعالى يوم القيامة وهذه شريحة قليلة
فإذا كنت رجلاً من الرجال فاحلم مرة على من اعتدى عليك
واعلم أن قدرك عند الله وصل الثريا
أسأل الله أن يحسن أخلاقنا وأن يجعلنا من أهل الفضل يوم القيامة
وأن يقبل منا ويرحمنا برحمته.

يتبع


3 
عمرو شعبان

للذين أحسنوا الحسنى - الحلقة 6 - حسن الموعظة

الحلقة السادسة:
حسن الموعظة

(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
(125) النحل)
تكلمنا في حلقة سابقة عن حُسن القول في الدعوة
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
(33) فصلت)
والآن نتكلم عن حسن الأسلوب
(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)
والحكمة هي الأنشطة العقلية التي ينبغي أن تتوفر لمن يدعو إلى الله لكي يستعين بها على فهم النصوص فإن من مصيبة المصائب أن يتحمل النصوص رجل مغلق القلب والعقل بحيث يفهمها فهماً حرفياً على وفق ما فعل بنو إسرائيل في التوراة.
هذا الدين يقوم على أنشطة العقل
(ولقد آتينا إبراهيم رشده)
(أليس منكم رجل رشيد)
(إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)
هكذا هي هذه الحكمة الت جعلها الله تعالى في قلوب الأنبياء لكي يستعينوا بها على إفهام الناس النصوص الشرعية التي أنزلها الله عز وجل.
لذلك العقل أساس هذه المنظومة من أساليب الدعوة وهذا هو السرفي اختلاف المفسرين واختلاف الفقهاء واختلاف العلماء لأن لهم عقولاً تتصرف في الألفاظ الواردة من الله عز وجل.
إن الفقيه صاحب العقل يغير فتواه بين أسبوع وأسبوع ومن الأبواب المهمة في علم أصول الفقه باب لا يُنكَر تغير الفتوى بتغير المكان والعوائد لأنك إذا أردت أن تعظ الناس موعظة حسنة فإن عليك أن تعرف ظروفهم فهناك المضطر وهناك الخائف وهناك المطمئن وهناك الحكيم وهناك المتخلف وأُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.
الإمام الشافعي اجتهد اجتهادات في كل مسائل الدين بعقله الفذ في فهم النصوص فأخرج للناس فقهاً جيداً في العراق على وفق حاجات العراق ومتطلباته ولما ذهب إلى مصر غير كل ما فعله في العراق لأن ظروف مصر تختلف0
وهذه هي الحكمة أي النشاط العقلي الذي يوصلك من النص إلى مُراد الله عز وجل أو إلى العقل ويقول العلماء الحكمة هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه والعمل بمقتضاها وقوله تعالى
(ولقد آتينا لقمان الحكمة)
وتأمل في كلام لقمان كيف أنه يتناغم مع أنشطة العقل في التصرفات والسلوك.
والحكمة حجة العقل على وفق أحكام الشرع والحكمة إصابة الحق بالعلم والعمل والحكمة في الله معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام والحكمة في الانسان معرفة الله وفعل الخيرات والوصول من النص إلى مبتغاه والحكمة في كتاب الله العزيز تطلق على النبوة أيضاً لأن النبوة هي أنشطة عقلية واستعداد عقلي في فهم الوحي الذي ينزل إليهم كما لا يفهمه غيرهم
(ولقد آتينا داوود الحكمة)
( ويعلمه الكتاب والحكمة)
والحكمة أيضاً في القرآن لاشتماله على أنشطة عقلية ويحتكم إلى العقل في كثير من قضاياه والحكمة أيضاً تأويل القرآن وإصابة القول فيه
(ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)
هذه هي الحكمة
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة)
ولهذا أصحاب النبي r غيروا بعض المفاهيم ما إن مات النبي r إلا بدأت أنشظة عقلية تتصرف بالنص تصرفاً توصله إلى الحق المطلوب مثل مسألة المؤلفة قلوبهم
سيدنا عمر قال لماذا نعطي الدنيّة من أنفسنا وقد صرنا أعزاء،
ومسألة قطع اليد في زمن سيدنا عمر وقال نحن الآن في مجاعة
وقضايا كثيرة تصرف بها المسلمون بأنشطة عقلية وحكمة بالغة لكي يصلوا من النص إلى مراد الله عز وجل.
هذا بالحكمة والحكمة إذن النشاط العقلي الذي يجعل من النص حيّاً وحيوياً وهذا ما فعله الأنبياء وقد جاءنا عن النبي r أنه كان يقضي في قضية متشابهة بفتويين مختلفين باختلاف حالة المستفتين يعني الحكمة هي توظيف النص توظيفاً عقلانياً أو توظيف العقل في خدمة النص لكي يكون النص حيوياً يوصل الحق إلى الناس برغم اختلافهم.
إذن الحكمة هي النشاط العقلي في استعمال الدلائل القطعية والثابتة وهذه من قواعد العلم وأسسه وأعمدة هذا الدين وبلا عقل استنباطي لن تكون فقيهاً أبداً ولن تستطيع أن تستعمل النص الثابت والدليل القطعي فيما يريده الله عز جل وهذه أسباب البِدع والضلالات والطوائف والزيغ وهذه التي تسمعون عنها الآن وفي التاريخ وهذه من نقص العقل وعدم القدرة على فهم النصوص بل استعمل الغباء والجمود والحرفية حتى وصل منها بعض المسلمين إلى ما وصلوا من مصيبة المصائب.
هذه هي البصائر
(قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
(108) يوسف)
لا يحفظ النص فقط كمثل الحمار يحمل أسفاراً الداعية الحقيقي هو الذي يمتعه الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
فالحكمة الأنشطة العقلية التي تعينه علة فهم النصوص التصرف فيه كالدواء الذي يستعمل لعدة أمراض وهذا لا يعرفه إلا الطبيب الحاذق الحكيم ولهذا يسمى الطبيب حكيماً لأنه يستعمل الدواء في عدة قضايا لأن عقله متحرك وإن له نشاطاً عقلياً ويستطيع أن يتصرف بدواء واحد عدة تصرفات. هذه هي الحكمة على وفق ما ذكرناها.
الموعظة الحسنة هي التصرف الرفيق من الطبيب مع مريضه وكما أن الطبيب لا بد أن يكون رفيقاً رقيقاً مع المريض
والطبيب يكون مجنوناً لو أمسك بالمريض وأشبعه ضرباً ويقول له مما مرضت؟
لا بد أنه طبيب أحمق.
الطبيب عندما يأتيه مريض ينسى كيف صار مريضاً وإنما يبدأ يعالجه حتى يشفيه الله عز وجل بكل وسائل الشفاء والطبيب الناجح الحكيم هو الذي يؤمّل المريض ويطمئنه ويقول لا بأس عليك ويتألفه ويمنّيه بالخير مع ابتسامة مع لطف مع رقة في المشاعر هكذا هم الأطباء الذين يحبونهم المرضى ويشفون على أيديهم نصف الشفاء بالدواء ونصفه الآخر بحسن معاملة الطبيب ولطف مشاعره وحسن كلامه.
وهكذا هو الداعية الموعظة الحسنة هي التعامل مع المذنب فإذا كان الطبيب يعالج الأمراض فعليك أن تعالج الأفعال فعليك أن تكون كالطبيب ميسِّراً كما قال r
"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"
وما خيّر النبي r بين أمرين إلا اختار أيسرهما
وأن تحسن الظن بالمذنبين وألا تتخذ من ذنبهم مادة للتشنيع والسخرية والازدراء والتعنيف بل أنت وإياهم في خندق واحد
كما قال عبد الله ابن مسعود:
لا تحاسبوا الناس وكأنكم أرباب.
رب العالمين يأمرنا أن نعلم الناس العلم وندعوهم إلى الله عن طريق الموعظة الحسنة بلا تعنيف بلا سخرية بلا تشديد وأن يحبك الناس للطفك معهم وتبشرهم وثق عندما أمرنا الله تعالى أن نبشر الذين آمنوا لأن الله يعلم أن تبشير المؤمن ينفع فيهم أكثر من تخويفهم على خلاف المشرك لا بد أن تنذر المشركين كما قال تعالى
(لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا
(97) مريم)
من أجل هذا حسن معاملة الواعظ أو الداعية للناس وحسن تفهيمهم وإكرامهم هو الذي يجعل الدعوة ناجحة ويجعل من قوله مؤثراً وهو يجتذب الناس إلى حضيرة الله عز وجل كما أخبرنا الكتاب والسنة.
وصلنا إلى أن النشاط العقلي أساس الحكمة والموعظة الحسنة من حيث أنه يجب أن تعلم أنه كما تُسد الذرائع تُفتح إذا كان المجتمع صالحاً تسد الذريعة وإذا كان المجتمع قد أصابه الخلل تفتح الذريعة وتتساهل كما في الحديث
أنتم اليوم في زمن لو ترك أحدكم عُشر ما أنزل الله لهلك
(مجتمع متماسك تسد فيه الذرائع)
وسيأتي على الناس زمن لو عمل فيه أحدهم بعُشر ما أنزل الله لنجا
(هنا تفتح الذرائع)
أنت المفتي عليك أن تعرف هذا بعقلك لهذا لا بد من أنشطة عقلية لكي تفهم النصوص ومن مصيبة المصائب أن يسود الناس بعض الرجال الذين لا علم لهم فساموا الناس خسفاً وأفسدوا الفهم من حيث الفهم ومن حيث التطبيق ومن حيث الحكم على الناس ولهذا إذا ساد الجهلاء فقد تُوُدّع من الأمة ولا تقوم الساعة حتى يُرفع العلم ويُنزل الجهل وقد نزل الجهل الآن بشكل جرادي كالجراد في كل مكان فعلى العلماء أن لا يسكتوا وأن يبينوا للأمة الأمور بالحكمة والموعظة الحسنة لهذا أنت مع الخطّاء شيء ومع التقيّ شيء،
مع الصالح الذي يُحاسَب على كل فِعل ومع الطالح الذي لا يُحاسَب إلا على الكبائر.
إذن هذه أمور علينا أن نعرفها
مثلاً أحد الناس سكر مرتن أو ثلاثاً وفي كل مرة يقام عليه الحدّ ويعاقب
فقال عمر بن الخطاب
أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به
قالها لرجل كان بجواره فسمعها النبي r
فغضب فقال:
لا تقولوا هكذا لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم.
هكذا هي الموعظة الحسنة هذا المذنتب الخطاء أخوك فعليك أن تكون طبيبه فكيف يفعل الطبيب بمن لديه مرض عضال كيف يفعل معه عليك أن تفعل مع هذا الذي أخطأ خطأ عظيماً.
إذن الموعظة الحسنة هي أن تحبب الناس بالله عز وجل وأن تحببهم بدينهم وأن تجعل هذا الدين حبيباً إلى نفوسهم يشتاقون لتطبيقه والعمل فيه وإياك أن تجعل هذا الدين عبئاً على أنفسهم وضمائرهم لأنك جئت به بنسخة مظلمة لا تمت إلى هذا الدين بصلة وهذه هي كل التفريعات التي أدّت إلى طوائف وانحرافات وفئات حتى ضاقت على الناس سبل هذا الدين فظنوا به سوءاً.
فرب العالمين عندما قال:
(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)

ختمها بقوله
(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
(125) النحل)
أنت لا تفعل شيئاً ما أنت إلا واسطة.
هكذا هي الموعظة الحسنة فأنتم أطباء والطبيب يتفنن في شفاء المريض بدواء لديه أو بدواء يحضره بنفسه فأنت الداعية أبدِع في أن تستنبط من النصوص ما يشفي الناس ويحل مشاكلهم وأن تعبد الله وأنت تحبه خير من أن تعبده وأنت تمون منه رعباً الخوف من الله خوف الجلالة.
الموعظة الحسنة تتحدث بها يوماً كاملاً ولا تنتهي كيف يحبك الناس كيف تداوي جراحهم كيف تطمئنهم على مستقبلهم
(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ
(2) يونس)
محمد r صاحب الشفاعة الكبرى الذي يشفع لأهل الكبائر
"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي من كل من أثقل ظهره وأوبق كاهله"
يا عبدي لو جئتني بمثل قراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي غفرت لك.
هذا الشهر العظيم منحة الله لعباده هذا الشهر إن صمته وقمته لا يبقي الله عليك ذنب
ويضيف الله تعالى إلى حسناتك رصيد 83 سنة وليس فيها ذنب واحد فماذا ترجو من رب كهذا؟
ماذا تخاف من ربك كهذا؟
فعليك أن تخجل أن تعصيه معصية عظيمة بل عليك أن تخجل أن تصر على المعصية والمشكلة ليست في الذنب وإنما في الاصرار على المعصية
كما في الحديث:
هبْ أني لم أخلق جنة ولا ناراً ألا أستحق أن أُعبد؟
بهذه الرحمة وبهذه السعة التي تسع كل العباد ما دمت تقول له أنت ربي لا إله إلا أنت
لذا لا يدخل الجنة إلا شقي الذي يدخل النار هو الذي يريدها ويسعى إليها وإلا رحمة الله واسعة رحمة الله قريب من المحسنين فأحسِن لك عبادة على هذا النسق الذي نذكره في كل حلقة حسن القول وحسن الدعوة وحسن التقوى أحسِن،
عبادة واحدة وقل يا رب جئتك بهذه العبادة التي أحسنتها كما تعلم وتعلّم كيف تحسن عبادة من العبادات فتصبح من المحسنين ورب العالمين يقول
(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)
ليس من المعقول أنك تحسن في كل عبادة ولكن العقل أنك نحسن عبادة واحدة
أنت تعبد الله عدة عبادات ولكنك تُحسن عبادة واحدة بكل شرائطها كما كان النبي r توصف صلاته
"لا تسل عن حسنها".
هكذا هو الأمر فمن أراد أن يأتي يوم القيامة من المحسنين فليحسن عبادة واحدة من العبادات في مكانه لو كنت تاجراً أو موظفاً أو حاكماً أو محكوماً أو ذكّاراً أو صواماً أو قواماً أو رب أسرة،
إختر لك عبادة من العبادات التي يحبها الله عز وجل وأحسنها إحساناً يجعلك مع المحسنين
ونعلم ماذا قال تعالى:
(إن الله يحب المحسنين)
(إن الله مع المحسنين)
(سنزيد المحسنين).
أللهم إجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه0

يتبع


4 
عمرو شعبان

للذين أحسنوا الحسنى - الحلقة 7 - الإحسان الكامل

الحلقة السابعة:
الإحسان الكامل

ومن الإحسان ما يكون إحساناً كاملاً وهو قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
(30) الكهف)
آمنوا وعملوا الصالحات وهذا هو الإحسان الكامل فقد يحسن العبد الإيمان ولكنه لا يحسن العمل وقد يحسن العمل ولكنه لم يحسن الإيمان الكمال في التعامل مع الله هو أن تحسن الإيمان وتحسن العمل وقد شهد الله لك بذلك فقال:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).
وفي الغالب أنه من يحسن الإيمان يحسن العمل ولهذا ما قال تعالى من أحسن إيماناً وإنما قال من أحسن عملاً.
هذه القضية المتوازنة في هذا الدين تشير إلى أن إحسان الإيمان يدعو إلى إحسان العمل لأن إحسان الإيمان يعودك أنواعاً من الصبر هي ضرورة لحسن العمل ولا يمكن أن تتعود على هذا النمط من الصبر إلا بقوة الإيمان.
فإذا أحسنت الإيمان أدى هذا إلى أن تصبر صبراً لا تملكه إلا إذا آمنت إيماناًً حسناً.
والصبر إما صبر على البلاء
وإما صبر عن المعاصي
وإما صبر على الطاعات،

فما الذي يجعلك تموت مجاهداً؟
ما الذي يجعلك تصبر على عطش شديد في يوم حار؟
ما الذي يجعلك تصبر على ألم وبلاء شديدين؟
ما الذي يجعلك تصبر على الطاعات الشديدة العنيفة؟
الذي يجعلك هكذا ويصبرك على ذلك هو قوة الإيمان وحسنه وكماله إذن
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).
فإذا أردت أن تعرف كيف تحسن العمل فإن عليك أن تتعمق بمعرفتك بالله عز وجل وكلما ازدادت معرفتك بالله ازداد حسن عملك تطويراً وتجويداً وانقطاعاً وإخلاصاً وصدقاً وهي نتيجة من نتاج حسن الإيمان
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).
رب العالمين سبحانه وتعالى قال:
(رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)
الرسل هؤلاء رسموا لأممهم مناهج ولهذا ما من عبد له حجة يوم القيامة لأن الله تعالى بيّن المناهج من ألفها إلى يائها ما بين فرض وركن وواجب وضرورة والأولى ورب العالمين قال:
(فاسألوا أهل الذكر)
وأرسل علماء كما أرسل الأنبياء وما عليك إلا أن تزاحمهم بركبتيك.
لذا بقدر إيمانك وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار ومعرفتك بهما ومعرفة اليوم الآخر بكل تفاصيله واضحة في هذا الدين وغفلتك عنها نقص في إيمانك وإذا نقص إيمانك ساء عملك لذا هما متلازمان
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
فلا ينبغي أن يقول أحد أنا قلبي نظيف أنا فقط مؤمن بالله ما دام الله غفور رحيم، هذا كله كلام، لكن الذين آمنوا أولاً وعملوا الصالحات ثانياً.
علينا أن نعرف أن الإيمان والعمل متلازمان فلا تغترنّ بحلم الله وإياك والتسويف فإن الموت يأتي بغتة فسارع إلى الله عز وجل وسارع إلى مرضاة الله عز وجل وسارع إلى أن تجدد علاقتك مع الله تعالى وأعطاك رب العالمين فرصة عظيمة أنه في أي لحظة تتوب فيها،
في أي دقيقة تلجأ إلى الله تعالى سوف تجده بانتظار، فما عذرك يوم القيامة وباب التوبة مفتوح ما لم تغرغر؟
لو عصيت الله مائة عام ثم تبت في لحظة واحدة فمن كرم الله وسعته يغفر لك كل ما تقدم ولا يحاسبك إلا على تلك الساعة التي تبت فيها.
هذه الآية فيها بعض الإشارات الجميلة
(أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا
(31) الكهف)
يُحلّون مبني للمجهول ويلبسون مبني للمعلوم أي أن أهل الجنة هم الذين يلبسون بأنفسهم متى ما شاءوا أما يحلون أي يعطون من غيرهم من ملائكة مخصوصة وولدان مخلدون وحور عين هم الذي يضعون الحلي للرجال والناس ويوم القيامة يتساوى الرجال والناس لأنهم يُحلّون بأنواع الحلي.
أهل الجنة يلبسون بأنفسهم ما يشاؤون ولكن الحُلي تأتيهم من غير ما يملكون وتأتي ملائكة أو مخلوقات هي التي تلبس أهل الجنة هذه الحلي ويبدو والله أعلم أن هذه الحلي هدية من الملك وهو رب العالمين وهي من الفخامة والضخامة والجمال بحيث أنت لا تملكها في بيتك وإنما تأتيك هدية من الملك في مناسبات معينة كما يفعل الملوك الكرام في هذه الدنيا عندما ينفحون بعض شخصيات في مجتمعهم ووبعض المسؤولين وبعض القادة العسكريين بعض المرموقين في كفاءاتهم ينفحون هدايا من الملك اعترافاً بفضلهم واظهاراً لقدرهم.
هكذا الحلي لا تُملّك ابتداء وإنما ما تملكه ابتداء هو ما تلبس وهناك من يقول أن مصانع الملابس تكون من طوبى وهي شجرة عظيمة في الجنة تخرج منها ملابس أهل الجنة من سندس واستبرق.
(الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
لم يقل فقط آمنوا وعملوا، والصالحات ليست فقط الفروض وإنما هي الباقيات
(والباقيات الصالحات)
أي النوافل وهي التي تضمن لك المقام الرفيع يوم القيامة
" لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"
هذا اللقب العظيم
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
ولو تتبعت القرآن لوجدت أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في كل موقف من مواقف القرب من الله عز وجل.
كلنا نصلي وكلنا نصوم ولكن لا يلزم أن نكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هؤلاء يتطورون ليصبحوا صالحين
(لندخلنهن في الصالحين)
فالصالحون شريحة اكتمل إيمانهم واكتملت أعمالهم حتى صاروا متميزين وقد وصفهم الله تعالى بأوصاف عديدة كما في كتابه العزيز.
ولكي تعرف أن الطريق إلى هذا ليس سهلاً ميسراً لكل الناس وإنما كل الناس ميسر لهم النجاة الكل يُصلّون ولكن في صلاتنا ضعف وفي صيامنا ضعف وفي أعمالنا وهن،
نحن نتكلم عن شريحة أتقنوا فالإيمان وأتقنوا العمل، أحسنوا الإيمان وأحسنوا العمل فإحسانهم في الإيمان والعمل
(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)
الفردوس وزيادة على ذلك.
إذن الزيادة هذه في إحسانهم ولو أن كل عامل أحسن هذا العمل إحساناً يزيد على أداء الفرض والواجب لكان ذلك أدعى إلى أن يكون جميع الناس من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، من أهل الحسنى وزيادة وهذا ليس من قوانين الآخرة
(وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا)
إذا كان رب العالمين فضل بعض النبيين على بعض لذا عليك أن تكون في غاية السباق وفي غاية التنافس لكي تنال أعلى درجة ممكنة في حياتك فإياك أن تنسى أن الحياة مزرعة الآخرة فاجعل منها مطية لذلك العالم الخالد الذي لا فناء بعده.
إذن عليك أن تكون لديك منهجية في العمل،
العمل العشوائي لا يوصلك إلى أن تكون من الصالحين وإنما عليك أن تمنهج عملك مع الله بعد أن أحسنت في إيمانك آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما هو معروف في عقائدنا.
باختصار شديد وبخطوة أولية إذا أردت أن تكون على الطريق الموصل إلى الصالحين بأن تبدأ بكونك من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإضافة لأدائك لكل ما افترضه عليك فما عبد الله عز وجل بعبادة أحب إليه مما افترضه على عباده ولكن لكي ترتفع درجاتك عليك بالنوافل ومن ضمن ذلك أن تحرص على أداء صلواتك في المساجد وأن لا تتهاون في النوافل وأنت تعرف النوافل في الصلوات الرواتب وهناك صلاة الليل ومكانتها معروفة وصلاة الضحى وصلاة الأوابين وصيام ثلاثة أيام من الشهر وأن تقرأ القرآن كل يوم ولو بجزء محدد وأن يكون لك ورد يومي وأن يكون لك صدقات وأن تصل الرحم وبر الوالدين وإكرام الجار وإكرام الضيف،
أن تكون عاماً شاملاً في عملك فتصل في النهاية بعد توفق الله عز وجل من كونك من الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى أن تكون من الصالحين
(لندخلنهم في الصالحين).
والصالحين هم الشريحة الرابعة العظيمة التي تقاسم الأنبياء الجنة العليا
(فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا).
حسن الإيمان أن تحسن
لا إله إلا الله محمد رسول الله
عليك أن تحسنها تماماً.
بضاعة المؤمن لا إله إلا الله ومفتاح الجنة لا إله إلا الله بدونها لا أمل.
ولهذا من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبك وكونه مصدقاً بها قلبه تحتاج إلى نوع من التعلم والتعليم ليس الأمر بهذه السهولة ينبغ أن تحسنها، هناك حديث من قال لا إله إلا الله، هناك من ينجح مقبول وجيد وجيد جداً ونحن نتكلم عن الامتياز لذلك عليك أن تحسن لا إله إلا الله وليس الأمر صعباً الآن فهناك الكتيّبات والشيوخ الذين يحسنون عرض هذا الأمر وهناك الفضائيات في كل مكان فالأمر ميسر فإذا أحسنت لا إله إلا الله فعليك أن تحسن العمل
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)
ما قال من عمل فكل مسلم يعمل وما من مسلم إلا وله عمل، الكلام هنا عن الإحسان هذه السلسلة للذين أحسنوا الحسنى والحسنى الجنة العليا مقصورة الرحمن فليكن طموحك في هذا المستوى وزيادة إذا كانت الجنة لا يدركها عقلك فما بالك بالزيادة؟.
من أجل هذا
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)
إحسان العمل عليك بالنوافل وهي السياج وكلما كان سياجك جميلاً وحديقتك غنّاء الناس يتساهلون في حقية بيتك فقد يكون البيت غير راقي أو غر نظيف لكن السياج جميل وحديقتك مبهجة تفننت في مظهره وما حوله فيأخذ الناس انطباعاً أن هذا البيت راق من الداخل ورب العالمين عز وجل من شمائله ومن كرمه ومن صفاته ومن أخلاقه العظيمة أنه يستر على أخطائنا إذا كانت بيننا وبينه ولهذا رب العالمين يحارب المجاهرين لأنهم هكتوا ستر الله سبحانه وتعالى.
عباداتك السياجية مثل ركعتا الفرض في الفجر لا تكتمل إلا بركعتا السنة في صلاة الفجر ولهذا هي
(ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها )
ركعتا الفجر في المسجد خير من الدنيا وما فيها وقد تصليهما في بيتك ولو صليتها في جماعة فأنت في ذمة الله تأمل أن الله تعالى يدخلك في ذمته بحيث تصبح من خاصته وتصبح محمياً حماية كاملة لأنك صليت هاتين الركعتين في المسجد وقد تصليها في بيتك كما نفعل كثيراً.
وهذه السياجات العظيمة من الذكر وحسن المعاشرة مع الناس والعفو عن الناس وهذه الأخلاقيات العظيمة كما قال r
"تخلّقوا بأخلاق الله"
يرزق ويهب ويعفو ويغفر ويستر
(ألا تحبون أن يغفر الله لكم)
(والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)
(فإذا الذي بينك وبينه عداوة)
هذه الأخلاقيات فيها قوة شرائية هائلة يوم القيامة هذه الأخلاقيات ترفع درجات العبد كما لا ترفعها الصلاة والصوم، صيام عرفة مثلاً تغفر سنتين.
من أجل ذلك إن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
ومن فطنة المؤمن أن يأتي بعمل يحسنه إحساناً عظيماً، كلنا نفعل كل أنواع العبادات في اليوم أو في يوم من الأيام وفي الغالب أن أداءنا لها متوسط أو أقل فمن النباهة والذكاء والحصافة أن تحتج على الله يوم القيامة بعمل تقول هذه حجتي لك جئتك بهذا العمل الذي أتقنته إتقاناً وقصوداً لكي يكون وسيلتي لرضاك
(اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)
فلتكن وسيلتك إلى الله عز وجل عملاً صالحاً أحسنت أداءه من كل جوانبه.
أهاب الله سبحانه تعالى بنا أن نحسن الإيمان وأن نحسن العمل فهما متلازمان وعلى أقل تقدير أن تحسن الإيمان وهذه قضية لا ينبغي التساهل بها وعلى الأقل إن لم تكن تستطيع أن تحسن كل أعمالك فلتحسن عملاً واحداً تجعله وسيلتك إلى الله عز وجل ورب العالمين كثيراً ما رفع درجات عبدٍ رفعة عظيمة لأنه جاء بعمل متقن،
هذا كان قاضياً عادلاً وهذا كان سخياً وهذا كان بارّاً بأمه أو أبيه، هذا كان ذكاراً، هذا كان من أهل الليل ولكل واحد من أمة محمد ولكل عبد من عباد الله صيتٌ في الملأ الأعلى كما له صيت في الدنيا فليكن لك صيتٌ بعمل تُحسنه إحساناً عظيماً لتُعرف به بين الملأ الأعلى وتنادى به يوم القيامة
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)
وهذه من أساليب المحاسبة يوم القيامة
(لنجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون)
هذه آية تفتح باب الأمل أمامنا ولا يمكن أن نحسن كل أعمالنا لأن هذا دأب الصالحين أما نحن فرب العالمين يختار من عملك عملاً يرى أنك أحسنته إحساناً عظيماً فيحاسبك على هذا الأساس وعلى هذا المستوى.
فلنأت يوم القيامة بعمل وفقنا فيه إلى الإحسان الكامل من حيث أننا معنيون بأن نأتي يوم القيامة مع الصالحين الذين هم الشريحة الرابعة في الفردوس الأعلى مع النبيين والشهداء والصديقين والصالحين
ولنأت بعمل من هذا القبيل يرفع به درجاتنا ويكون وسيلتنا إلى مرضاته0
وأسأله تعالى أن يوفقنا لعمل من هذا وأن يوفقنا لعمل نحسنه إحساناً عظيماً حتى نأتي الله به وسيلة له ولرحمته ومغفرته0.

يتبع


5 
عمرو شعبان


للذين أحسنوا الحسنى - الحلقة 8 - حسن الابتلاء

الحلقة الثامنة:
حُُسن البلاء
الحُسن في حلقتنا هذه عن حُسن البلاء
والبلاء قد يكون حسناً وقد يكون عبوساً.
ورب العالمين عز وجل مرة يمتحننا بالسرّاء بالمال والنعم والبنين والثراء والحكم وعلينا أن نشكر وأحياناً يمتحننا بنقص من الأموال والأنفس والثمرات وبالمصائب والنكبات وعلينا أن نصبر وما من عبادتين لله عز وجل أعظم من عبادتي الشكر والصبر.
الشكر عند النعمة والصبر عند النقمة فإذا ابتلاك بالنقمة فعليك أن تصبر وإذا ابتلاك بالنعمة فعليك أن تشكر. والصبر أقل مؤونة من الشكر لأن الشكر أقوى وأشق من الصبر
كما قال عمر بن الخطاب
ابتُلينا بالضرّاء فصبرنا وابتلينا بالسرّاء فلم نصبر.
فإذا أصابك مرض أو نكبة في مالك أو ولدك تصبر يوماً ويومين ثم تنتهي لكن إذا أصابتك نعمة عظيمة كالحكم والمال والبنين ربما تطغى وربما تشتط وربما تفجر وتفسق فكل البلاء الذي يأتيك عن طريق جماليات هذه الدنيا يسمى البلاء الحسن كما قال تعالى
(وليبلي المؤمنون منه بلاء حسناً)
ابتلاهم بالنصر نصر بدر كان مدوياً مجلجلاً وأيّ جيش إذا انتصر هذا النصر المؤزر ربما يطغى ويظلم الناس كما حصل من جيوش سرقوا ثروات البلاد ودمروا البلاد تدميراً كاملاً هذا هو الرسوب الهمجي في البلاء الحسن وهو بلاء النعمة ومن الناس من إذا كانت لهم قوة عظيمة أو انتصار عظيم قوي يسخرونه في مداوة جروح الناس وفي بث العدل بينهم وفي تعمير بلادهم وفي تعلميهم العلوم وفتح المدارس وهكذا يفعل بعض الناس في التاريخ عندما ينتصرون على عدو أو عندما يستعمرون بلداً.
99% من المحتلين يستبد بهم فرح النصر فيظلمون الناس ظلماً عظيماً فيبيدونهم بالجملة كما فعل المستعمرون في افريقيا وفي بعض دول العالم الإسلامي وكما يفعلون في أكثر من بلد الآن.
وهناك من عندما ينتصرون يعاملون خصمهم بالعدل والحسنى والإنصاف كما فعل المسلمون بشهادة التاريخ كله.
قد يبتليك الله تعالى بالنعمة فترسب وقد يبتليك بالنقمة فترسب قد يبتليك بموت ولدك فتصبر وليس أمامك إلا أن تقول إنا لله وإنا إليه راجعون
لكن ماذا لو هطلت عليك ثروة بالملايين؟
ماذا لو أصبحت حاكماً؟
ماذا لو أعطاك الله بنين أشداء؟
أتطغى؟
(أن كان ذا مال وبنين)
أطغته النعمة، كما قال قارون
(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)
أطغاه المال وكل النعم ربما تُطغي صاحبها.
ومن النعم التي قد تطغي الإنسان نعمة الحُكم
(فلن أكون ظهيراً للمجرمين)
هذا ابتلاه الله بالحكم فحكم بين الناس بالعدل وهناك من قال أنا ربكم الأعلى وبدأ يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم، وابتلاء بالمال
(وأحسن كما أحسن الله إليك)
(فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ)
امتحنهه الله بالبلاء الحسن وأعطاهم مالاً عظيماً فبخلوا به بخلاً عظيماً، بالعلم
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)
هذا الذي أعطاه الله العلم بدأ يبيع العلم الذي آتاه الله حتى أهوى إلى الأرض واتبع هواه.
وكذلك الجمال
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه)
أعطاه الله هذا الحسن الآسر ومع هذا صبر وصمد وكم من الناس يصمد، كذلك النصر
(وليبلي المؤمنون منه بلاء حسناً)
والنساء
" ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء"،
بالخوارق هذه الأمة أعطى الله تعالى الأنبياء معجزات كما أعطى الأولياء كرامات وهؤلاء قد تطغيهم كرامة ومن هؤلاء من يتدلل على الله تعالى لكثرة ما يرى من خوارق فيهلك كما قال سليمان على عرش بلقيس
(هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
الذي يشكر النعمة يضاعفها الله تعالى
( لئن شكرتم لأزيدنكم)
ومن كفر فليس الله تعالى محتاج لأحد.
البلاء بالنِعم هو أخطر أنواع البلاء لأنه بلاء ممتع ينسيك ذكر الله وينسيك ماضيك وتطغى على العباد فأخطر أنواع البلاء هو البلاء الحسن وهو الذي تستلذ به النفوس وترتاح له القلوب لأنه نِعَم لا حصر لها.
قال تعالى على أصحاب الجنة
(إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة)

أعطاهم الله بستاناً عظيماً فيه من كل الثمرات فقالوا لن نعطي منها الفقراء بل نذهب من الفجر ونأخذ الثمر ونمنع الفقراء فأحرقها الله تعالى.
قال تعالى:
(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
(وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم)
كم من الحكام بعد أن ولاه الله الحكم عدل في الرعية؟
لا شك أن الذين عدلوا قلة وأن الذين ظلموا كثرة وهكذا كل أنواع البلاء الحسن من حيث النعم المتعددة فإذا رأيت حاكماً أنعم الله عليه بالعدل والرحمة والرأفة فاعلم أنه من أول السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.
وكل العالم يعلم أن بعض الدول العربية والاسلامية فيها ما يشرف المسلمين وهي دولة الإمارات هذه الدولة التي أسعدت شعبها ووثقوا بهم وقسموا الثروات ولم يظلموا أحداً وشكروا الله من حيث أن الشكر استعمال النعم بطاعة الله.
ومن سلسلة المبادرات العظيمة التي يبادر بها حكام الإمارات لشعبهم ومنها بالأمس مبادرة تعليم مليون طفل في العالم الإسلامي وهذه مبادرة من أقدس المبادرات لأنه من صنع الله تعالى فتعليم الطفل خير من غذائه ولباسه ومن أن تبني له بيتاً.
وأول ما منّ الله تعالى على آدم بالتعليم
( وعلم آدم الأسماء كلها)
وعلى عيسى بالتعليم
(وعلمتك الكتاب والحكمة)
وعلم محمداً تعليماً لا مثيل له
(وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما)
وعلم داوود صناعة الأسلحة والدروع
(وعلمناه صنعة لبوس لكم)
والعبد الصالح
(علمناه من لدنا علما)
وهكذا تعليم الله لعباده المصطفين أعظم نعمه عليهم وما أعظم من نعمة أن يعلمك الله عز وجل والله تعالى علم الناس كلهم
(علم بالقلم)
(الرحمن علم القرآن)
فهذه المبادرة مبادرة جديدة من بواكير الشيخ محمد بن راشد وسمعنا كثير من الحكام الطيبين وخاصة في العالم العربي أنهم يكرمون الناس بالمنتوجات والألبسة لكن هذه المبادرة الكريمة بدأت فعلاً ولذلك رب العالمين سيزيدهم خيراً وبركة لقوله تعالى
(لئن شكرتم لأزيدنكم)
وما من عمل أعظم ولا أقدس ولا أشرف من تعليم الناس لهذا العالِم والمتعلم شريكان في الأجر.
إذن رب العالمين يبتلي كل صاحب مهنة ببلاء فالعِلم يبتليه الله بحسن التأدية وحسن التعليم والأداء كما قال تعالى في صدّيق موسى
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)
وبالمال ضرب الله مثلاً بقارون وبالسلطان ضرب الله مثلاً بسليمان وداوود.
السلطان من حسن بلائه تحقيق الأمن وأول ما ينبغي على السلطان أن يحققه هو الأمن والأمان لأنه أساس كل نعمة فإذا حقق الأمن بدأ مرحلة البلاء الحسن وهو شكر النعمة وإذا جقق الأمن فالمرحلة الثانية أن يحقق العدل بين الرعية فإذا حقق العدل عليه أن يحقق مجتمع الكفاية أن لا يكون هناك فقير مدقع وقد يتفاوت الناس في المال
(وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم)
هذا البلاء الحسن ولو شاء لجعلكم أغنياء جميعاً لكن جعلكم متفاوتين ليمتحنكم امتحاناً حسناً في هذا المال الذي بين أيديكم وإذا حقق مجتمع الكفاية فعليه أن يحقق مجتمع التعليم التعليم هو الذي عليه أن يكون رأس كل مجتمع وإلا محق الجهل.
المريض قد يشفى والفقر قد يغنى لكن الجاهل هو المصيبة
فالجهل مصيبة المصائب وتؤتى المجتمعات من جهلها.
إذا حقق الحاكم هذه الأساسيات لعدل السلطان فإنه يكون أولاً من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله،
ثانياً يكون مجلسه من المجالس التي يضمن العبد فيها مغفرة الله عز وجل
"سبع مجالس العبد فيها على الله ضامن- أي ضامن المغفرة – ما كان في مسجد جماعة وما كان في مجلس مريض وما كان في مجلس علم ومن ضمنها ما كان في مجلس إمام عادل تعزره وتوقره"
تحترمه وإذا استشارك تشير عليه وتنبهه إلى بعض الحالات وهذا الحاكم هو ظل الله في الأرض وبهذا الحاكم تقوم السموات والأرض لأنه يحقق مصالح الرعية
(فاحكم بين الناس بالحق).
مسألة التعليم مسألة أساسية رُبّ شعب يصبر على الفقر أو موجة من المرض ثم تزول لكن أن يعم الجهل في أي شعب من الشعوب فهي مصيبة المصائب أما هذه المبادرة جعلها الله فاتحة خير لكل الحكام وجعلها مباركة حتى يعم العلم والثقافة والنور جميع أراضي المسلمين.
هكذا هو البلاء الحسن فإياك أن تغتر بالنعمة
(فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ)
لا تغتر فليس كل نعمة يعطيك الله إياها دليل على أنه أكرمك وإنما يريد أن يبتليك وهو من البلاء الحسن بالنعم وكل الناس تتمنى أن يعطيهم الله ملكاً عظيماً أو مالاً كثيراً أو علماً غزيراً.
إذا ابتلاك الله بالنعم فإنه تعالى يريد منك أن تشكر
(هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
هذه قاعدة كل من يشكر النعمة يزيدها اللله تعالى له بطول العمر وزيادة الخير،
" من أحب أن يُنسأ له في أجله وأن يزاد له في رزقه فليصل رحمه"
بالعطاء وشكر النعمة استعمالها في طاعة الله،
إعطِ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً وما من يوم إلا وملكان يناديان اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً. هكذا هي مسألة البلاء الحسن وعلينا أن لا نغتر بالنعمة
" ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره إلى جنبه جائع"
تأمل كم أن النعمة مسؤولية فأدّوا مسؤولية النعم
وأسأل الله تعالى أن يجعلنا من الشاكرين
وكما قال تعالى:
(ولئن شكرتم لأزيدنكم)
أللهم زدنا من نعمك التي نشكرك عليها وأسبغ علينا رحمتك وفضلك



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.