العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


[frame="15 98"]الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم[/frame]


[frame="11 98"]
الشفا بتعريف حقوق المصطفى
صل الله عليه وسلم

القاضي عياض رحمه الله

[/frame]





[frame="14 98"]

الشفا بتعريف حقوق المصطفى
صل الله عليه وسلم
للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي
رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الكتاب
اللهم صل على سيدنا محمد و آله و سلم .

قال الفقيه القاضي الإمام الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي رضي الله عنه : الحمد لله المتفرد باسمه الأسمى ، المختص بالملك الأعز الأحمى ، الذي ليس دونه منتهى ، و لا وراءه مرمى ، الظاهر لا تخيلا و وهما ، الباطن تقدسا لا عدماً ، وسع كل شيء رحمةً و علماً ، و أسبغ على أوليائه نعما عماً ، و بعث فيهم رسولاً من أنفسهم عرباً و عجماً ، و أزكاهم محتداً و منمى ، و أرجحهم عقلاً و حلماً ، و أوفرهم علماً و فهماً ، و أقواهم يقيناً و عزماً ، و أشدهم بهم رأفة و رحمى ، و زكاه روحاً و جسماً ، وحاشاه عيباً و وصماً ، و آتاه حكمة و حكماً ، و فتح به أعيناً عمياً ، و قلوباً غلفاً ، و آذاناً صماً ، فآمن به و عزره ، و نصره من جعل اللهُ له في مغنم السعادة قسماً ، و كذب به و صدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتماً ، ((وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (الإسراء : 72 )) . صلى الله عليه وسلم صلاةً تنمو و تنمى ، و على آله و سلم تسليماً كثيراً .
أما بعد أشرق الله قلبي و قلبك بأنوار اليقين ، و لطف لي و لك بما لطف لأوليائه المتقين ، الذين شرفه م الله بنزل قدسه ، و أوحشهم من الخليقة بأنسه ، و خصهم من معرفته و مشاهدة عجائب ملكوته و آثار قدرته بما ملأ قلوبهم حبرة ، و وله عقولهم في عظمته حيرة ، فجعلوا همهم به واحداً ، و لم يروا في الدارين غيره مشاهدا ، فهم بمشاهدة جماله و جلاله يتنعمون ، و بين آثار قدرته و عجائب عظمته يترددون ، و بالإنقطاع إليه و التوكل عليه يتعززون ، لهجين بصادق قوله : (قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ))- سورة الأنعام - آية 91-
فإنك كررت علي السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة والسلام ، و ما يجب له من توقير و إكرام ، و ما حكم من لم يُوَفِّ واجب عظيم ذلك القدر ، أو قصَّر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر ، و أن أجمع لك ما لأسلافنا وأئمتنا في ذلك من مقال ، و أبينه بتنزيل صور و أمثال .
فاعلم _ أكرمك الله _ أنك حمَّلتني من ذلك أمراً إمراً ، و أرهقتني فيما ندبتني إليه عسراً ، و أرقيتني بما كلفتني مرتقى صعباً ، ملأ قلبي رعباً ، فإن الكلام في ذلك يستدعي تقرير أصول و تحرير فصول ، و الكشف عن غوامض ودقائق من علم الحقائق ، مما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم ويضاف إليه ، أو يمتنع أو يجوز عليه ، ومعرفة النبي والرسول ، والرسالة والنبوة ، والمحبة والخلة ، و خصائص هذه الدرجة العلية ، و ها هنا مهامِهُ فِيَح تحار فيها القطا ، و تقصر بها الخطا ، و مجاهل تضل فيها الأحلام إن لم تهتد بعَلم عِلم و نظر سديد ، و مداحض تزل بها الأقدام ،إن لم تعتمد على توفيق من الله وتأييد .
لكني لما رجوته لي و لك في هذا السؤال و الجواب من نوال و ثواب ، بتعريف قدره الجسيم ، و خلُقه العظيم وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق ، و ما يدان الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق ، (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً (المدثر -31)، و لما أخذ الله تعالى على الذين أوتوا الكتاب (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَه) (آل عمران 187 ).

و لما حدثنا به أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه ، قال : حدثنا الحسين ابن محمد ، حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ، حدثنا أبو بكر محمد ابن بكر ، حدثنا سليمان بن الأشعث ، حدثنا موسى بن اسماعيل ، حدثنا حماد ، حدثنا علي بن الحكم ، عن عطاء ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة .
فبادرت إلى نكت مسفرة عن وجه الغرض ، مؤدياً من ذلك الحق المفترض ، اختلسها على استعجال ، لما المرء بصدده من شغل البدن و البال ، بما طوقه من مقاليد المحنة التي ابتلي بها ، فكادت تشغل عن كل فرض و نفل ، و ترد بعد حسن التقويم إلى أسفل سفل ، و لو أراد الله بالإنسان خيراً لجعل شغله وهمَّه كله فيما يحمد غداً أو يذم محله ، فليس ثم سوى حضرة النعيم ، أو عذاب الجحيم ، و لكان عليه بخويصته ، و استنفاذ مهجته و عمل صالح يستزيده ، و علم نافع يفيده أو يستفيده .
جبر الله صدع قلوبنا ، و غفر عظيم ذنوبنا ، و جعل جميع استعدادنا لمعادنا ، و توفر دواعينا فيما ينجينا و يقربنا إليه زلفى، و يُحظينا بمنه و كرمه و رحمته .
و لما نويت تقريبه ، و درجت تبويبه ، و مهدت تأصيله ، و خلصت تفصيله ، و انتحيت حصره و تحصيله ، ترجمته ب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، و حصرت الكلام فيه في أقسام أربعة :
القسم الأول : في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولاً و فعلاً ، و توجه الكلام فيه في أربعة أبواب :
الباب الأول : في ثنائه تعالى عليه ، و اظهاره عظيم قدره لديه ، و فيه عشرة فصول .
الباب الثاني : في تكميله تعال ى له المحاسن خلقاً و خلقاً ، قرانه جميع الفضائل الدينية و الدنيوية فيه نسقاً ، و فيه سبعة و عشرون فصلاً .

الباب الثالث : فيما ورد من صحيح الأخبار و مشهورها بعظيم قدره عند ربه و منزلته ، و ما خصَّه به في الدارين من كرامته ، و فيه اثنا عشر فصلاً .
الباب الرابع : فيما أظهره الله تعالى على يديه من الآيات و المعجزات ، و شرفه به من الخصائص و الكرامات ، و فيه ثلاثون فصـل .

القسم الثاني : فيما يجب على الأنام من حقوقه عليه السلام ، و يترتب القول فيه في أربعة أبواب :
البـــــاب الأول: في فرض الإيمان به و وجوب طاعته و اتباع سنته ، و فيه خمسة فصول .
الباب التاني: في لزوم محبته و منا صحته ، و فيه ستة فصول .
الباب الثـالث : في تعظيم أمره و لزوم توقيره و بره ، و فيه سبعة فصول .
الباب الرابــــع : في حكم الصلاة عليه و التسليم و فرض ذلك و فضيلته ، و فيه عشرة فصول .

القسم الثالث : فيما يستحيل في حقه ، و ما يجوز عليه شرعاً ، و ما يمتنع و يصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه .

و هذا القسم ـ أكرمك الله ـ هو سر الكتاب ، و لباب ثمرة هذه الأبواب ، و ما قبله له كالقواعد و التمهيدات و الدلائل على ما ن ورده فيه من النكت البينات ، و هو الحاكم على ما بعده ، و المنجز من غرض هذا التأليف و عده ، و عند التقصي لموعدته ، و التفصي عن عهدته ، يشرق صدر العدو اللعين ، و يشرق قلب المؤمن باليقين ، و تملأ أنواره جوانح صدره و يقدر العاقل النبي حق قدره . و يتحرر الكلام فيه في بابين
الباب الأول : فيما يختص بالأمور الدينية ، و يتشبث به القول في العصمة و فيه ستة عشر فصلاً .
الباب الثاني : في أحواله الدنيوية ، و ما يجوز طروءه عليه من الأعراض البشرية،و فيه تسعة فصول.

القسم الرابع : في تصرف وجوه الأحكام على من تنقصه أو سبه صلى الله عليه و سلم و ينقسم الكلام فيه في بابين :

الباب الأول : في بيان ما هو في حقه سب و نقص ، من تعريض ، أو نص ، و فيه عشرة فصول .
الباب الثاني : في حكم شانئه و مؤذيه و متنقصه و عقوبته ، و ذكر استتابته ، و الصلاة عليه و وراثته ، و فهي عشرة فصول .

و ختمناه بباب ثالث جعلناه تكملة لهذه المسألة ، و وصلة للبابين اللذين قبله في حكم من سبَّ اللهَ تعالى و رسلَه و ملائكتَه و كتبَه ، و آلَ النبي رسول الله و صحبَه .
و اختصر الكلام فيه في خمسة فصول ، و بتمامها ينتجز الكتاب ، و تتم الأقسام و الأبواب ، و تلوح في غرة الإيمان لمعة منيرة ، و في تاج التراجم درة خطيرة ، تزيح كل لبس ، و توضح كل تخمين و حدس ، و تشفي صدور قوم مؤمنين ، و تصدع بالحق ، و تعرض عن الجاهلين ، و با لله تعالى ـ لا إله سواه ـ أستعين .

القسم الأول
في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولاً وفعلاً
مقدمة القسم الأول
قال [ الفقيه ] القاضي الإمام أبو الفضل رضي الله عنه :
لا خفاء على من مارس شيئاً من العلم ، أو خُص بأدنى لمحة من فهم ، بتعظيم الله تعالى قدر نبينا ، و خصوصه إياه بفضائل و محاسن و مناقب لا تنضبط لزمام ، و تنويهه من عظيم قدره بما تكلُّ عنه الألسنة و الأقلام . فمنها ما صرح به الله تعالى في كتابه ، و نبه به على جليل نصابه ، و أثنى عليه من أخلاقه و آدابه ، و حض العباد على التزامه ، و تقلد إيجابه ، فكان جل جلاله هو الذي تفضل وأولى ، ثم طهر و زكى ، ثم مدح بذلك و أثنى ، ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى ، فله الفضل بدءاً وعودا ً ، و الحمد أولى وأخرى .
ومنها ما أبرزه للعيان من خلُقه على أتم وجوه الكمال و الجلال ، و تخصيصه بالمحاسن الجميلة و الأخلاق الحميدة ، و المذاهب الكريمة ، و الفضائل العديدة ، و تأييده بالمعجزات الباهرة ، و البراهين الواضحة ، و الكرامات البينة التي شاهدها من عاصره ورآها من أدركه ، و علمها علمَ يقين من جاء بعده ، حتى انتهى علم ذلك إلينا ، و فاضت أنواره علينا ، كثيراً .
*حدثنا القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الحافظ ، رحمه الله قراءة منى عليه ، قال : أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ، و أبو الفضل أحمد بن خيرون ، قالا : حدثنا أبو يعلى البغدادي ، قال : حدثنا أبو علي السنجي ، قال : محمد بن أحمد ابن محبوب ، قال : حدثنا أبو عيسى بن سورة الحافظ ، قال : حدثنا إسحاق بن منصور ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس : أن النبي r أُتي بالبراق ليلةَ أُسرِي به ملجماً مسرجاً، فاستصعب عليه ، فقال له جبريل : أبمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه . قال : فارفض عرقاً .
الباب الأول : في ثناء الله تعالى عليه و إظهاره عظيم قدره لديه
وفيه 10 فصول :
فيما جاء من ذلك مجيء المدح
في وصفه تعالى له بالشهادة
فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة والمبرة
في قسمه تعالى بعظيم قدره
في قسمه تعالى جده له ليحقق مكانته عنده
فيما ورد من قوله تعالىفي جهته مورد الشفعة والإكرام
فيما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز من عظيم قدره وشريف منزلته على الأنبياء وخطوة رقبته
في إعلام الله تعالى خلقَه بصلواته عليه وولايته له ورفع العذاب بسببه
فيما تضمنته سورة الفتح من كرامته
فيما أظهره الله تعالى في كتابه العزيز من كرماته عليه ومكانته عنده
اعلم أن في كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصحة بجميل ذكر المصطفى ، و عد محاسنه ، و تعظيم أمره ، و تنويه قدره ، اعتمدنا منها على ما ظهر معناه ، و بان فحواه ، و جمعنا ذلك في عشرة فصول :
الفصل الأول
فيما جاء من ذلك مجيء المدح و الثناء و تعداد المحاسن ، كقوله تعالى : ((لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة : 128 ))
-قال السمرقندي : و قرأ بعضهم : من أنفَسكم ـ بفتح الفاء . و قراءة الجمهور بالضم .
-قال القاضي الإمام أبو الفضل ـ [ وفقه الله ] أعلم الله تعالى المؤمنين ، أو العرب ، أو أهل مكة ، أو جميع الناس ، على اختلاف المفسرين : من المواجه بهذا الخطاب أنه بعث فيهم رسولاً من أنفَُسهم يعرفونه ، و يتحققون مكانه ، و يعلمون صدقه و أمانته ، فلا يتّهِمونه بالكذب و ترك النصيحة لهم ، لكونه منهم ، و أنه لم تكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول الله ولادة أو قرابة ، و هو عند ابن عباس و غيره معنىقوله تعالى قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (الشورى : 23 ) و كونه من أشرفهم ، و أرفعهم ، و أفضلهم ، على قراءة الفتح ، و هذه نهاية المدح ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة ، و أثنى عليه بمحامد كثيرة ، من حرصه على هدايتهم و رشدهم و إسلامهم ، و شدة ما يعنتهم و يضر بهم في دنياهم و أخراهم ، و عزته و رأفته و رحمته بمؤمنهم .
قال بعضهم : أعطاه اسمين من أسمائه : رؤوف ، رحيم .
ومثله في الآية الأخرى : قوله تعالى : ((لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (آل عمران : 164 ))
و في الأية الأخرى : ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة : 2 ) و قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) (البقرة : 151 )
*وروي عن علي بن أبي طالب ، عنه في قوله تعالى : (مِّنْ أَنفُسِكُمْ) التوبة 129- قال : نسباً و صهراً و حسباً ، ليس فى آبائي من لدن آدم سفاح ، كلنا نكاح .
- قال ابن الكلبي : كتبت للنبي صلى الله عليه و سلم خمسمائة أم ، فما وجدت فيهن سفاحاً و لا شيئاً مما كان عليه الجاهلية .
*وعن ابن عباس رضي الله عنه ـ في قوله تعالى : ((وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء : 219 ))ـ قال : من نبي إلى نبي ، حتى أخرجك نبياً .
-وقال جعفر ابن محمد : علم الله عجز خلقه عن طاعته ، فعرفهم ذلك ، لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته ، فأقام بينهم و بينه مخلوقاً من جنسهم في الصورة ، و ألبسه من نعمته الرأفة و الرحمة ، و أخرجه إلى الخلق سفيراً صادقاً ، و جعل طاعته طاعته ، و موافقته موافقته ، فقال تعالى (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء : 80 ) و قال الله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 107 )
-قال أبو بكر بن طاهر : زين الله تعالى محمداً بزينة الرحمة ، فكان كونه رحمة ، و جميع شمائله و صفاته رحمة على الخلق ، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه ، و الواصل فيهما إلى كل محبوب ، ألا ترى أن الله يقول : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) ، فكانت حياته رحمة ، و مماته رحمة ، كما قال : حياتي خير لكم وموتي خير لكم و كما قال : إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها ، فجعله لها فرطاً و سلفاً .
-وقال السمر قندي : (رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) : يعني للجن و الإنس .

و قيل : لجميع الخلق ، للمؤمن رحمة بالهداية ، و ر حمة للمنافق بالأمان من القتل ، و رحمة للكافر بتأخير العذاب .
-قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو رحمة للمؤمنين و للكافرين ، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة .
-وحكى أن النبى قال لجبريل عليه السلام : هل أصابك من هذه الرحمة شىء ؟ قال : نعم ، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله : (ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( التكوير 20+21 ))
-وروي عن جعفر بن محمد الصادق ـ فى قوله تعالى (فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) (الواقعة : 91 )) . أي بك ، إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد.
*وقال الله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور : 35 )
- قال كعب ، و ابن جبير: المراد بالنور الثاني هنا محمد . و قوله تعالى (مَثَلُ نُورِهِ )*أي نور محمد
-وقال سهل بن عبد الله : المعنى : الله هادي أهل السموات و الأرض ، ثم قال : مثل نور محمد إذ كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا ، و أراد بالمصباح قلبه ، و بالزجاجة صدره ، أي كأنه كوكب دري لما فيه من الإيمان و الحكمة يوقد من شجرة مباركة أي من نور إبراهيم . و ضرب المثل بالشجرة المباركة .
و قوله يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) أي تكاد نبوة محمد تبين للناس قبل كلامه كهذا الزيت .
و قيل في هذه الآية غير هذا . و الله أعلم .
*وقد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا الموضع نوراً و سراجاً منيراً ، فقال تعالى ( قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة : 15 )
-وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) (الأحزاب : 45 +46 ))
و من هذا قوله تعالى : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 ) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 6 ) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ( 7 ) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 )) [ سورة الشرح
شرح : وسع . والمراد بالصدر هنا : القلب . قال ابن عباس : شرحه بالإسلام .
و قال سهل : بنور الرسالة .

و قال الحسن : ملأه حكماً و علماً .

و قيل : معناه ألم نطهر قلبك حتى لا يؤذيك الوسواس . و وضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك :

قيل : ما سلف من ذنبك ـ يعني قبل النبوة .

و قيل : أراد ثقل أيام الجاهلية .

و قيل : أراد ما أثقل ظهره من الرسالة حتى بلغها . حكاه الماوردي و السلمي .

و قيل : عصمناك ، و لولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك ، حكاه السمرقندي .

(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) قال يحيى بن آدم : بالنبوة . و قيل : إذا ذكرت ذكرت معي قول : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . و قيل : في الأذان .
-قال القاضي أبو الفضل : هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه على عظيم نعمه لديه ، و شريف منزلته عنده ، و كرامته عليه ، بأن شرح قلبه للإيمان و الهداية ، ووسعه لوعي العلم ، و حمل الحكمة ، و رفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه ، و بغضه لسيرها ، و ما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله ، و حط عنه عهدة أعباء الرسالة و النبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم ، و تنويهه بعظيم مكانه ، و جليل رتبته ، و رفعه و ذكره ، و قِرانه مع اسمه اسمه .

قال قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب و لا متشهد و لا صاحب صلاة إلا يقول : أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله .
-وروى أبو سعيد الخدري أن النبي قال : أتاني جبريل عليه السلام ، فقال : إن ربي و ربك يقول : تدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت : الله و رسوله أعلم . قال : إذا ذكرتُ ذكرتَ معي .
-قال ابن عطاء : جعلت تمام الإيمان بذكري معك . و قال أيضاً : جعلتك ذكراً من ذكرى ، فمن ذكرك ذكرني .
-وقال جعفر بن محمد الصادق : لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية .
و أشار بعضهم في ذلك إلى الشفاعة .

و من ذكره معه تعالى أن قرن طاعته بطاعته و اسمه باسمه ، فقال تعالى : ((قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (آل عمران : 32 )) . (((آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد : 7 )، فجمع بينهما بواو العطف المشركة .
و لا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه عليه السلام .
-حدثنا الشيخ أبو علي الحسين بن محمد الجياني الحافظ فيما أجازنيه ، و قرأته على الثقة عنه ، قال : حدثنا أبو عمر النمري ، قال : حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ، حدثنا أبو بكر بن داسة : حدثنا أبو داود السجزي ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن عبد الله بن يسار ، عن حذيفة رضي الله عنه ، عن النبي، قال : لا يقولن أحدكم ما شاء الله و شاء فلان ، و لكن ما شاء الله ثم شاء فلان .
-قال الخطابي : أرشدهم الرسول إلى الأدب في تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة من سواه ، و اختارها بثم التي هي للنسق و التراخي ، بخلاف الواو التي هي للإشتراك .
-ومثله الحديث الآخر : إن خطيباً خطب عند النبى، فقال : من يطع الله و رسوله فقد رشد ، و من يعصهما . فقال له النبي : بئس خطيب القوم أنت ! قم . أو قال : اذهب . قال أبو سليمان : كره منه الجمع بين الاسمين بحرف الكناية لما فيه من التسوية .
-وذهب غيره إلى أنه كره له الوقوف على يعصهما .
-وقول أبي سليمان أصح ، لما روي في الحديث الصحيح أنه قال : و من يعصهما فقد غوى ، و لم يذكر الوقوف على يعصهما .
-وقد اختلف المفسرون و أصحاب المعاني في قوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب : 56 ))، هل (يُصَلُّونَ) راجعة على الله تعالى و الملائكة أم لا ؟ فأجازه بعضهم ، و منعه آخرون ، لعلة التشريك ، و خصوا الضميربالملائكة ، و قدروا الآية : إن الله يصلي ، و ملائكته يصلون .
-وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته ، فقال تعالى (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء : 80 )
و قد قال تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 31 ) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( 32 )آل عمران-
-روي أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً كما اتخذت النصارى عيسى ، فأنزل الله تعالى : (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ) فقرن طاعته بطاعته رغماً لهم . و قد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى في أم الكتاب اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ( 6 ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) الفاتحة- ، فقال أبو العالية ، والحسن البصري : الصراط المستقيم هو رسول الله و خيار أهل بيته وأصحابه ، حكاه عنهما أبو الحسن المارودي و حكى مكي عنهما نحوه ، و قال : هو رسول الله و صاحباه : أبو بكر و عمر رضي الله عنهما .
-وحكى أبو الليث السمرقندي مثله عن أبي العالية ، في قوله تعالى : (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ)، قال : فبلغ ذلك الحسن ، فقال : صدق والله و نصح .

-وحكى الماوردي ذلك في تفسير (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ )عن عبد الرحمن بن زيد .

-وحكى أبو عبد الرحمن السلمي ، عن بعضهم ، في تفسير قوله تعالى : (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة : 256 )) ـ أنه محمد صل الله علية وسلم و قيل : الإسلام .
و قيل : شهادة التوحيد .
-وقال سهل في قوله تعالى : (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) (إبراهيم : 34 ) ـ قال : نعمته
*وقال تعالى (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ( 33 ) (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ34) الزمر –

أكثر المفسرين على أن الذي جاء بالصدق هو محمد
-وقا ل بعضهم : وهو الذي صدق به .-وقرىء : صدق بالتخفيف . -وقال غيرهم : الذي صدق به المؤمنون -وقيل أبو بكر . و قيل علي . وقيل غير هذا من الأقوال .
-وعن مجاهد ـ في قوله تعالى أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد : 28 ) ـ قال : بمحمد و أصحابه .
الفصل الثاني
في وصفه تعالى له بالشهادة و ما يتعلق بها من الثناء و الكرامة
*قال الله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ( 46 )الأحزاب .
-جمع الله تعالى في هذه الآية ضروباً من رتب الأثرة ، و جملة أوصاف من المدحة فجعله شاهداً على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة ، و هي من خصائصه صلى الله عليه و سلم ، و مبشراً لأهل طاعته ، و نذيراً لأهل معصيته ، و داعياً إلى توحيده و عبادته ، و سراجاً منيراً يهتدى به للحق .
-حدثنا الشيخ أبو محمد بن عتاب رحمه الله ، حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا أبو زيد المروزي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ، حدثنا البخاري ، حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثنا هلال ، عن عطاء ابن يسار ، قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، قلت : أخبرني عن صفة رسول الله قال : أجل ، و الله ، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) ، و حرزاً للأميين ، أنت عبدي و رسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، و لكن يعفو ويغفر ، و لن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لاإله إلا الله ، و يفتح به أعينا عمياً، و آذاناً صماً ، و قلوباً غلفاً.
-وذكر مثله عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ، وفي بعض طرقه ، عن ابن إسحاق : ولا صخِب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل جميل ، و أهب له كل خلق كريم ، و أجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، و التقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلا م ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأسمي به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العلة، وأجمع به بعد الفرقة ، وأولف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتتة وأمم متفرقة ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس .
-وفي حديث آخر : أخبرنا رسول الله عن صفته في التوراة : عبدي أحمد المختار ، مولده بمكة ، و مهاجره بالمدينة ، أو قال : طيبة . أمته الحمادون لله على كل حال .
-وقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )الأعراف 157-158 -
-وقد قال تعالى : ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران : 159)
-قال السمرقندي : ذكَّرهم الله مِنته أنه جعل رسولَه رحيماً بالمؤمنين ، رؤوفاً ليِّن الجانب ، و لو كان فظاً خشناً في القول لتفرقوا من حوله ، و لكن جعله الله تعالى سمحاً ، سهلاً طلقاً براً لطيفاً .
هكذا قاله الضحاك .
-وقال تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة : 143 )
-قال أبوالحسن القابسي : أبان الله تعالى فضل نبينا ، و فضل أمته بهذه الآية ،
-وفي قوله في الآية الأخرى : (وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) سورة الحج 78 -
-وكذلك قوله تعالى : ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً) (النساء : 41 )
قوله تعالى : وسطاً : أي عدلاً خياراً . ومعنى هذه الآية : و كما هديناكم فكذلك خصصناكم و فضلناكم بأن جعلناكم أمة خياراً عدولاً ، لتشهدوا للأنبياء عليهم السلام على أممهم ، و يشهد لكم الرسول بالصدق .
-وقيل : إن الله جل جلاله إذا سأل الأنبياء : هل بلغتم؟ فيقولون : نعم . فتقول أممهم : ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فتشهد أمة محمد للأنبياء ، و يزكيهم النبي .
-وقيل : معنى الآية : إنكم حجة على كل من خالفكم ، و الرسول حجة عليكم . حكاه السمرقندي .
-وقال الله تعالى : (َبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ )-يونس : 2
-قال قتادة ، و الحسن ، و زيد بن أسلم : قدم صدق : هو محمد ، يشفع لهم .
-وعن الحسن أيضاً : هي مصيبتهم بنبيهم .
-وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : هي شفاعة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، هو شفيع صدق عند ربهم .
-وقال سهل بن عبد الله التستري : هي سابقة رحمة أودعها الله في محمد .
-وقال محمد بن علي الترمذي : هو إمام الصادقين و الصديقين ، الشفيع المطاع ، و السائل المجاب محمد صلى الله عليه وسلم ، حكاه عنه السلمي .
الفصل الثالث
فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة و المبرة
من ذلك قوله تعالى : ((عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة : 43 )
-قال أبو محمد مكي : قيل هذا إفتتاح كلام بمنزلة : أصلحك الله ، و أعزك الله .
-وقال عون بن عبد الله : أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب .
-وحكى السمرقندي عن بعضهم أن معناه : عافاك الله يا سليم القلب : لم أذنت لهم ؟ .
-قال : ولو بدأ النبي بقوله ، لم أذنت لهم لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام ، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه ، ثم قال له : لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب . و في هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب .
ومن إكرامه إياه و بره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب . قال نفطويه : ذهب ناس إلى أن النبي معاتب بهذه الآية ، و حاشاه من ذلك ، بل كان مخيراً فلما أذن لهم أعلمه الله تعالى أنه لو لم يأذن لهم لقعـدوا لنفاقهم ، و أنه لا حرج عليه في الأذن لهم .
-قال القاضي أبو الفضل : يجب على المسلم المجاهد نفسه ، ا لرائض بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بأدب القرآن في قوله و فعله ، و معاطاته و محاوراته ، فهو عنصر المعارف الحقيقية ، و روضة الأداب الدينة و الدنيوية ، و ليتأمل هذه الملاطفة العجيبة في السؤال من رب الأرباب ، المنعم على الكل ، المستغني عن الجميع ، و يستثر ما فيها من الفوائد ، و كيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب ، و أنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثم ذنب .
-و قال تعالى (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (الإسراء : 74 )
قال بعض المتكلمين : عاتب الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بعد الزلات ، و عاتب نبياً قبل وقوعه ، ليكون بذلك أشد انتهاءً و محافظة لشرائط المحبة ، و هذه غاية العناية .
ثم انظر كيف بدأ بثباته و سلامته قبل ذكر ما عتبه عليه و خيف أن يركن إليه ، ففي أثناء عتبه براءته ، و في طي تخويفه تأمينه و كرامته .
-ومثله قوله تعالى : ((قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) -الأنعام : 33 ).
-قال علي رضي الله عنه : قال أبو جهل للنبي : إنا لا نكذبك و لكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله تعالى : (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) .
-وروي أن النبي لما كذبه قومه حزن ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال : ما يحزنك ؟ قال : كذبني قومي ! فقال : إنهم يعلمون أنك صادق ، فأنزل الله تعالى الآية .
ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ ، من تسليته تعالى له ، و إلطافه به في القول ، بأن قرر عنده أنه صادق عندهم ، و أنهم غير مكذبين له ، معترفون بصدقه قولاً وإعتقاداً ، و قد كانوا يسمونه ـ قبل النبوة ـ الأمين ، فدفع بهذا التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب ، ثم جعل الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين ، فقال تعالى : ( وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) - سورة الأنعام 33 .
فحاشاه من الوصم ، و طوقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم ، إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشيء ثم أنكره ، كقوله تعالى : ((وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل : 14 )
ثم عزاه و آنسه بما ذكره عمن قبله ، و وعده النصر بقوله تعالى : ((وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) -الأنعام : 34
-فمن قرأ وإن (يُكْذِبثوك) بالتخفيف ، فمعناه : لا يجدونك كاذباً . و قال الفراء ، و الكسائي : لا يقولون إنك كاذب . وقيل : لا يحتجون على كذبك ، و لا يثبتونه .
و من قرأ ( يُكََذِّبُوك) بالتشديد فمعناه : لا ينسبوك إلى الكذب . و قيل : لا يعتقدون كذلك .
و مما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم ، فقال تعالى : ( يا آدم )،( يا نوح )، (يا موسى )، (يا داود )، (يا عيسى )،( يا زكريا )، (يا يحيى )... و لم يخاطب هو إلا : (يأيها الرسول) ،( يأيها النبي)، (يأ يها المزمل )، (يأيها المدثر) .
الفصل الرابع
في قسمه تعالى في عظيم قدره
قال الله تعالى (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)-الحجر 72 - اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد ، و أصله ضم العين ، من العُمر ، و لكنها فتحت لكثرة الإستعمال ومعناه : و بقائك يا محمد و قيل : و عيشك . و قيل : و حياتك .
و هذه نهاية التعظيم ، وغاية البر والتشريف .
- قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما خلق الله تعالى ، و ما ذرأ ، و ما برأ نفساً ـ أكرم عليه من محمد ، و ما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره .
-وقال أبو الجوزاء : ما أقسم الله تعالى بحياة أحد غير محمد ، لأنه أكرم البرية عنده .
-وقال تعالى الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) – يس.
اختلف المفسرون في معنى (يس) على أقوال ، فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي أنه قال : لي عند ربي عشرة أسماء ذكر منها : طه و يس ـ اسمان له .
-وحكى أبو عبد الرحمن السلمي ، عن جعفر الصادق ـ أنه أراد : يا سيد ، مخاطبة لنبيه
-عن ابن عباس : يس ـ يا إنسان ، أراد محمداً .
-وقال : هو قسم ، و هو من أسماء الله تعالى .
-وقال الزجاج : قيل معناه : يا محمد . و قيل : يا رجل . و قيل : يا إنسان .
وعن ابن الحنفية : يس : يا محمد .
و عن كعب : يس : قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السماء و الأرض بألفي عام : يا محمد إنك لمن المرسلين . ثم قال : (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ))-يس .
فإن قرر أنه بين أسمائه ، و ضح فيه . أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم ، و يؤكد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه ، و إن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته ، و الشهادة بهدايته : أقسم الله تعالى باسمه و كتابه إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده ، و على صراط مستقيم من إيمانه ، أي طريق لا اعوجاج فيه ، ولا عدول عن الحق .
-قال النقاش : لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتاب إلا له ، و فيه من تعظيمه و تمجيده ـ عن تأويل من قال : إنه يا سيد ـ ما فيه ، و قد قال : أنا سيد ولد آدم ، و لا فخر .
و قال تعالى : ( لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 2 )) -سورة البلد .
-قيل : لا أقسم به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه ، حكاه مكي .
-وقيل : [ لا ] زائدة ، أي أقسم به و أنت به يا محمد حلال . أو حل لك ما فعلت فيه على التفسيرين .
-والمراد بالبلد عند هؤلاء مكة .
-وقال الواسطي : أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حياً ، و ببركتك ميتاً ـ يعني المدينة .
والأول أصح ، لأن السورة مكية ، و ما بعده يصححه : قوله تعالى (وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) البلد .
ونحوه قول ابن عطاء في تفسير قوله تعالى : ((وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) - التين : 3 قال : أمنها الله تعالى بمقامه فيها و كونه بها ، فإن كونه أمان حيث كان .
ثم قال : _( (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) -البلد : 3 ومن قال : أراد آدم فهو عام ، و من قال : هو ابراهيم و ما ولد ـ إن شاء الله ـ إشارة إلى محمد ، فتتضمن السورة القسم به في موضعين .
و قال تعالى : (الم *ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)-البقرة :1- 2
- قال ابن عباس : هذه الحروف أقسام أقسم الله تعالى بها . و عنه و عن غيره فيها غير ذلك.
-وقال سهل ابن عبد الله التستري : الألف هو الله تعالى . واللام جبريل و الميم محمد .
-وحكى هذا القول السمرقندي ، و لم ينسبه إلى سهل ، و جعل معناه : الله أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لا ريب فيه ، و على الوجه الأول يحتمل القسم أن هذا الكتاب حق لا ريب فيه ، ثم فيه من فضيلة قِران اسمه باسمه نحو ما تقدم .
-وقال ابن عطاء ـ في قوله تعالى (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)-قـ : 1- أقسم بقوة قلب حبيبه محمد حيث حمل الخطاب و المشاهدة و لم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله .
و قيل : هو اسم للقرآن . و قيل : هو اسم لله تعالى . و قيل : جبل محيط بالأرض . و قيل غير هذا .
و قال جعفر بن محمد ـ في تفسير : والنجم إذا هوى : إنه محمد صلى الله عليه و سلم ، وقال : النجم قلب محمد : انشرح من الأنوار .
-وقال : انقطع عن غير الله .
و قال ابن عطاء ـ في قوله تعالى(وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيَالٍ عَشْرٍ ( 2 ) -الْفَجْرِ: محمد ، لأنه منه تفجر الإيمان .
الفصل الخامس
في قسمه تعالى جده ، له ، ليحقق مكانته عنده
*قال جل اسمه (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى *أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ *) - الضُّحَى-
اختلف في سبب نزول هذه السورة ، فقيل : كان ترك النبي قيام الليل لعذر نزل به ، فتكلمت امرأة في ذلك بكلام .
و قيل : بل تكلم به المشركون عند فترة الوحي ، فنزلت السورة .
قال القاضي الإمام أبو الفضل : تضمنت هذه السورة من كرامة الله تعالى له ، و تنويهه به و تعظيمه إياه ستة و جوه :
الاول : القسم له عما أخبره به من حاله بقوله تعالى (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى). أي ورَب الضحى ، وهذا من أعظم درجات المبرة .
الثاني : بيان مكانته عنده و حظوته لديه بقوله تعالى : (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) ، أي ماتركك و ما أبغضك . و قيل : ما أهملك بعد أن اصطفاك .
الثالث : قوله تعالى : (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى )، قال ابن إسحاق : اي مالك في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا .
و قال سهل : أي ما ما ذخرت لك من الشفاعة و المقام المحمود خير لك مما أعطيتك في الدنيا .
الرابع : قوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)
و هذه آية جامعة لوجوه الكرامة ، و أنواع السعادة ، و شتات الإنعام في الدارين . و الزيادة .
قال ابن إسحاق : يرضيه بالفُلْجِ في الدنيا ، و الثواب في الأخرة .
و قيل : يعطيه الحوض و الشفاعة.
وروي عن بعض آل النبي rأنه قال : ليس آية في القرآن أرجى منها ، و لا يرضى رسول الله أن يدخل أحد من أمته النار .
الخامس : ما عدّه تعالى عليه من نعمه ، و قرره من آلائه قِبله في بقية السورة ، من هدايته إلى ما هداه له ، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير ، ولا مال له ، فأغناه بما آتاه ، أو بما جعله في قلبه من القناعة و الغنى ، و يتيماً فحدب عليه عمه و آواه إليه .
و قيل : آواه إلى الله . و قيل : يتيماً : لا مثال لك ، فآواك إليه .
و قيل : المعنى : ألم يجدك فهدى بك ضالاً ، و أغنى بك عائلاً ، و آوى بك يتيماً ـ ذكّره بهذه المنن ، و أنه على المعلوم من التفسير لم يُهمله في حال صغره و عيلته و يتمه و قبل معرفته به ، ولا ودعه ولا قلاه ، فكيف بعد اختصاصه و اصطفائه !
السادس : أمره بإظهار نعمته عليه وشكر ما شرفه بنشره واشادة ذكره بقوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ )، فإن من شكر النعمة الحديث بها ، و هذا خاص له ، عام لأمته .
و قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى *وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * َما زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى *)- النجم-
اختلف المفسرون في قوله تعالى : (والنجم ) بأقاويل معروفة ، منها النجم على ظاهره ، و منها القرآن .
و عن جعفر بن محمد أنه محمد وقال : هو قلب محمد .
و قد قيل في قوله تعالى : (وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * )- َالطَّارِقِ ـ إن النجم هنا أيضاً محمد ، حكاه السلمي
تضمنت هذه الأيات من فضله و شرفه العِد ما يقف دونه العَد ، و أقسم جل اسمه على هداية المصطفى ، و تنزيهه عن الهوى ، و صدقه فيما تلا ، و أنه وحي يوحى أوْصله إليه ـ عن الله ـ جبريل ، و هو الشديد القوى .
ثم أخبر تعالى عن فضيلته بقصة الإسراء ، و انتهائه إلى سدرة المنتهى ، و تصديق بصره فيما رأى ، و أنه رأى من آيات ربه الكبرى . وقد نبَّه على مثل هذا في أول سورة الإسراء .
و لما كان ما كاشفه به عليه السلام من ذلك الجبروت ، و شاهده من عجائب الملكوت لا تحيط به العبارات ولاتستقل بحمل سماع أذناه العقول ـ رمز عنه تعالى بالإيماءة و الكناية الدالة على التعظيم ، فقال تعالى : (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) - النجم 10- .
و هذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد و البلاغة بالوحي و الإشارة ، و هو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز .
و قال تعالى : (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) – النجم8 1 ـ انحسرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى ، و تاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى .
-قال القاضي أبو الفضل : اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته ، و عصمتها من الآفات في هذا المسرى ، فزكى فؤاده و لسانه و جوارحه : فزكى قلبه بقوله : (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) . و لسانه بقوله وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) .و بصره بقوله : (َما زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)
-وقال تعالى فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ *وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ *وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * ))-التكوير 15 -- 25 - .
(لا أقسم) : أي أقسم . (إنه لقول رسول كريم )، أي كريم عند مرسله . (ذي قوة )على تبليغ ما حمله من الوحي ( مكين ): أي متمكن المنزلة من ربه ، رفيع المحل عنده ،( مطاع ثم ): أي في السماء .(أمين) على الوحي .
-قال علي بن عيسى وغيره : الرسول الكريم هنا محمد ، فجميع الأوصاف بَعْدُ على هذا له .
-وقال غيره : هو جبريل ، فترجع الأوصاف إليه .
(وَلَقَدْ رَآهُ) ـ يعني محمداً . قيل : رأى ربه . و قيل : رأى جبريل في صورته .
(وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) ، أي : بمتهم . و من قرأها بالضاد فمعناه : ما هو ببخيل با لدعاء به ، و التذكير بحكمه و بعلمه ، و هذه لمحمد باتفاق .
-وقال تعالى ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ *إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ *) - القلم 1- 16 -.
أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه المصطفى بما غَمَصَتْه الكفَرة به ، و تكذيبهم له ، و آنسه ، و بسط أمله بقوله ـ محسناً خطابه : (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ). و هذه نهاية المبرة في المخاطبة ، و أعلى درجات الآداب في المحاورة ، ثم أعلمه بما له عنده من نعيم دائم ، و ثواب غير منقطع ، لا يأخذه عد ، و لا يمتَنّ به عليه ، فقال تعالى وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ).
ثم أثنى عليه بما منحه من هباته ، و هداه إليه ، و أكد ذلك تتميماً للتمجيد ، بحرفي التأكيد ، فقال تعال : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) . قيل : القرآن و قيل : الإسلام . و قيل : الطبع الكريم . و قيل : ليس لك همة إلا الله .
-قال الواسطي : أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه ، و فضله بذلك على غيره ، لأنه جبله على ذلك الخلق ، فسبحان اللطيف الكريم ، المحسن الجواد ، الحميد الذي يسر للخير و هدى إليه ، ثم أثنى على فاعله ، و جازاه عليه سبحانه ، ما أغمَر نوالَه ، و أوسعَ إفضاله ، ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما و عده به من عقباهم ، و توعدهم بقوله فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ *إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) - القلم 5- 7
ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه ، و ذكره سوء خلقه ،و عد معايبه ، متولياً ذلك بفضله ، و منتصراً لنبيه ، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله : (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ *) ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه وخاتمة بواره بقوله تعالى سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ *)) . فكانت نُصرة الله تعالى له أتم من نصرته لنفسه ، و رده تعالى على عدوِّه أبلغ من ردِّه ،وأثبت في ديوان مجده .
الفصل السادس
فيما ورد من قوله تعالى في جهته عليه السلام مورد الشفقة و الإكرام

قال تعالى : (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * ) - طه 1-2
- قيل : طه : اسم من أسمائه عليه السلام . و قيل : هو اسم الله، و قيل : معناه يارجل .و قيل : يا إنسان . و قيل : هي حروف مقطعة لمعان .
-وقال الواسطي : أراد يا طاهر ، يا هادي . و قيل : هو أمر من الوطء . و الهاء كناية عن الأرض ، أي اعتمد على الأرض بقدميك ، ولا تتعب نفسك بالإعتماد على قدم واحد ، وهو قوله تعالى : (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى.)نزلت الآية فيما كان النبي r يتكلفه من السهر و التعب و قيام الليل.
-أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن ، و غير واحد ، عن القاضي أبي الوليد الباجي إجازة ومن أصله نقلت ، قال : حدثنا أبوذر الحافظ ، حدثنا أبو محمد الحموي ،حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ، حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي جعفر ،عن الربيع بن انس ، قال : [ كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا صلى قام على رجل و رفع الأخرى ، فأنزل الله تعالى : (طه) ـ يعني طأ الأرض يا محمد ، ( أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * )) - طه 2 - 4 .
ولا خفاء بما في هذا كله من الإكرام و حسن المعاملة .
وإن جعلنا طه من أسمائه عليه السلام كما قيل ، أو جعلت قسماً لحق الفصل بما قبله .
-ومثل هذا من نمط الشفقة و المبرة قوله تعالى : ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف : 6 ))، أي قاتل نفسك لذلك غضباً أو غيظاً ، أو جزعاً .
-ومثله قوله تعالى أيضاً (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء : 3 ))، ثم قال : ((إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء : 4
-ومن هذا الباب قوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ *) (الحجر 94 - 97 ) .
وقوله (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الأنعام : 10) (الأنبياء 41)
قال مكي : سلاه بما ذكر ، و هون عليه ما يلقى من المشركين ، و أعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما بمن قبله .
-ومثل هذه التسلية قوله تعالى : ((وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) (فاطر : فاطر 4 ] .
-ومن هذا قوله تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (الذاريات : 52 ) .
عزاه الله تعالى بما أخبر به عن الأمم السالفة و مقالتها لأنبيائهم قبله ، و محنتهم بهم ، و سلاه بذلك من محنته بمثله من كفار مكة ، و أنه ليس أول من لقي ذلك ، ثم طيب نفسه ، و أبان عذره بقوله تعالى : ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) (الذاريات : 54 )) ، أي أعرض عنهم (فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ)، ( الذاريات : 54 )) أي في أداء ما بلغت و إبلاغ ما حملت .
-ومثله قوله تعالى : ((وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) (الطور : 48 ))، أي اصبر على أذاهم فإنك بحيث نراك و نحفظك .
سلاه الله تعالى بهذا في آي كثيرة من هذا المعنى .


الفصل السابع
فيما أخبر الله تعالى به في كئتابه العزيز من عظيم قدره و شريف منزلته و حظوة رتبته
-قوله تعالى : ((وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (آل عمران : 81 )

-قال أبو الحسن القابسي : استخص الله تعالى محمداً r بفضل لم يؤته غيره ، أبانه به ، و هو ما ذكره في هذه الآية ، قال المفسرون : أخذ الله الميثاق بالوحي ، فلم يبعث نبياً إلا ذكر له محمداً و نعته ، و أخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنَن به .
و قيل : أن يبينه لقومه ، و يأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم . و قوله : (ثُمَّ جاءَكُم ): الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد .
-قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لم يبعث الله نبينا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بُعث و هو حي ليؤمِنَن به و لينصرنّه ، و يأخذ العهد بذلك على قومه .
و نحوه عن السدي و قتادة في آي تضمنت فضله من غير وجه واحد .
-قال الله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب : 7 )) .
-وقال تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً *لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً * ( النساء 163 ، 166 ) .
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في كلام بكى به النبي ، فقال بأبي أنت و أمي يا رسول الله ! لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء ، و ذكرك في أولهم ، فقال وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ( الأحزاب 7 ). بأبي أنت و أمي يا رسول الله ! لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون َيا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) (الأحزاب : 66 ).

-قال قتادة : إن النبي قال : كنت أول الأنبياء في الخلق ، و آخرهم في البعث ، فلذلك وقع ذكره مقدماً هنا قبل نوح و غيره .
-قال السمر قندي : في هذا تفضيل نبياً ، لتخصيصه بالذكر قبلهم ، و هو آخرهم .
المعنى : أخذ الله تعالى عليهم الميثاق ، إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر .
-وقوله تعالى : ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة : 253 )) .
-قال أهل التفسير : أراد بقوله : (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) ـ محمداً ، لأنه بعث إلى الأحمر و الأسود وأحلت له الغنائم ، وظهرت على يديه المعجزات ، وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطي محمد مثلها .
-قال بعضهم : و من فضله أن الله تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم ، و خاطبه بالنبوة و الرسالة في كتابه ، فقال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)(الأحزاب 1) ، و ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك) .
( المائدة67)-
وحكى السمر قندي عن الكلبي ـ في قوله تعالى (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) (الصافات : 83 )) ـ أن الهاء عائدة على محمد ، أي أن من شيعة محمد لإبراهيم ، أي على دينه و منهاجه .
و أجازه الفراء ، و حكاه عنه مكي . و قيل : المراد نوح عليه السلام .

يتبع
[/frame]



2 
مجدى سالم

[frame="13 98"]
الفصل الثامن
في إعلام الله تعالى خلقه بصلواته عليه و ولايته له و رفعه العذاب بسببه
قال الله تعالى : ((وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) (الأنفال : 33 ))، أي ما كنت بمكة ، فلما خرج النبي من مكة ، و بقي من المؤمنين نزل : (َمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال : 33 ) .
-وهذا مثل قوله لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (الفتح : 25 ).
-وقوله تعالى( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ) (الفتح : 25 )): فلما هاجر المؤمنون نزلت (وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) (الأنفال : 34 ) وهذا من أبين ما يظهر مكانته صل الله علية وسلم ، ودرأ به العذاب عن أهل مكة بسبب كونه ، ثم كون أصحابه بعده بين أظهرهم ، فلما خلت مكة منهم عذبهم الله بتلسيط المؤمنين عليهم وغلبتهم إياهم ، وحكم فيهم سيوفيهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم .
و في الآية أيضاً تأويل آخر :
-حدثنا القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله بقراءتي عليه ، قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون ، وأبو الحسين الصيرفي ، قالا : حدثنا أبو يعلى ابن زوج الحرة ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا محمد بن محبوب المروزي ، حدثنا أبو عيسى الحافظ ، حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا ابن نمير ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن عباد بن يوسف ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله
صل الله علية وسلم : أنزل الله علي أمانين لأمتي،(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ َمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) فإذا مضيت تركت فيهم الإستغفار .
-ونحو منه قوله تعالى : ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 107 ))
وقال r : أنا أمان لأصحابي .قيل : من البدع .
و قيل : من الإختلاف و الفتن .
-قال بعضهم : الرسول
صل الله علية وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش ، و ما دامت سنته باقية فهو باق ، فإذا أميتت سنته فانتظر البلاء و الفتن .
-وقال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب : 56 ))
أبان الله تعالى فضل نبيه
صل الله علية وسلم بصلواته عليه ، ثم بصلاة ملائكته ، و أ مر عباده بالصلاة و التسليم عليه .
-وقد حكى أبوبكر بن فورك أن بعض العلماء تأول قوله
صل الله علية وسلم : و جعلت قرة عيني في الصلاة على هذا ، أي في صلاة الله تعالى علي و ملائكته و أمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة . و الصلاة من الملائكة استغفار ، و منا له دعاء ، و من الله عز و جل رحمة . و قيل : يصلون : يباركون .

-وقد فرق النبي
صل الله علية وسلم حين علم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة و البركة .
و سنذكر حكم الصلاة عليه .
-وذكر بعض المتكلمين في تفسير حروف ((كهيعص) (مريم : 1 )) أن الكاف من كافٍ ، أي كفاية الله تعالى لنبيه ، قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك ) (الزمر 36 ) .
و الهاء هدايته له ، قال : (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً) (الفتح : 2 ))
و الياء تأييده ، قال هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال : 62 ))
و العين عصمته له قال : (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (المائدة : 67 ))
و الصاد : صلواته عليه ، قال (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب : 56 )) وقال تعالى وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) (التحريم : 4 ) )، مولاه أي وليه . و صالح المؤمنين : قيل : الأنبياء . و قيل :
الملائكة . و قيل : أبوبكر ، و عمر . و قيل : علي . و قيل : المؤمنون على ظاهره .

الفصل التاسع
فيما تضمنته سورة الفتح من كراماته صل الله عليه و سلم
قال الله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً *وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً *وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً *لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ * ( الفتح 1إلى10 ] .
تضمنت هذه الأيات من فضله الثناء عليه و كريم منزلته عند الله تعالى ، و نعمته لديه ـ ما يقصر الوصف عن الإنتهاء إليه ، فابتدأ جل جلاله ـ بإعلامه بما قضاه له من القضاء البين بظهور ه ، و غلبته على عدوه ، وعلُو كلمته و شريعته ، وأنه مغفور له ، غير مؤاخذ بما كان و ما يكون .
قال بعضهم : أراد غفران ما وقع و ما لم يقع ، أي إنك مغفور لك .
-وقال مكي : جعل الله المنة سبباً للمغفرة ، وكل من عنده ، لا إله غيره منةً بعد منة ، و فضلاً بعد فضل
ثم قال : (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) : قيل بخضوع من تكبر عليك .
وقيل : يفتح مكة و الطائف .
-وقيل : يرفع ذكرك في الدنيا وينصرك ويغفر لك ، فأعلمه بتمام نعمته عليه بخضوع متكبري عدوه له ، وفتح أهم البلاد عليه وأحبها له ، و رفع ذكره ، و هدايته الصراط المستقيم المبلغ الجنة والسعادة ، ونصره النصر العزيز ، ومنته على أمته المؤمنين بالسكينة والطمأنينة التي جعلها في قلوبهم ، و بشارتهم بما لهم بعد ، وفوزهم العظيم ، والعفو عنهم ، والستر لذنوبهم ، وهلاك عدوه في الدنيا والآخرة ، ولعنهم وبعدهم من رحمته ، وسوء منقلبهم .
ثم قال إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * )) –الفتح-8+9- فعد محاسنه وخصائصه ، من شهادته على أمته لنفسه ، بتبليغه الرسالة لهم .
-وقيل : شاهداً لهم بالتوحيد ، ومبشراً لأمته بالثواب . وقيل : بالمغفرة ومنذراً عدوه بالعذاب .
-وقيل : محذراً من الضلالات ليؤمنوا بالله ثم به من سبقت له من الله الحسنى . و يعزروه ، ويجلونه . وقيل : ينصرونه . وقيل : يبالغون في تعظيمه . ويوقروه ، أي يعظموه .
وقرأه بعضهم : تعززوه ـ بزاءين : من العز ، والأكثر والأظهر أن هذا في حق محمد
صل الله علية وسلم .
ثم قال : (وَتُسَبِّحُوهُ )، فهذا راجع إلى الله تعالى .
-قال ابن عطاء جمع للنبي
صل الله علية وسلم في هذه السور نعم مختلفة ، من الفتح المبين ، و هو من أعلام الإجابة والمغفرة ، وهي من أعلام المحبة ، و تمام النعمة ، و هي من أعلام الإختصاص . والهداية ، وهي من أعلام الولاية ، فالمغفرة تبرئة من العيوب ، وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة ، والهداية وهي الدعوة إلى المشاهدة .
-وقال جعفر بن محمد : من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه ، و أقسم بحياته ، و نسخ به شرائع غيره ، و عرج به إلى المحل الأعلى ، و حفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر و ما طغى ، و بعثه إلى الأحمر و الأسود ، وأحل له ولأمته الغنائم ، و جعله شفيعاً مشفعاً ، وسيد ولد آدم ، وقرن ذكره بذكره ، ورضاه برضاه ، و جعله أحد ركني التوحيد .
ثم قال : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) ـ الفتح 10ـ يعني بيعة الرضوان ، أي إنما يبايعون الله ببيعتهم إياك .
(يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ـ الفتح 10ـ ، يريد عند البيعة . قيل : قوة الله ، وقيل : ثوابه . وقيل : مِنته . وقيل : عقده ، وهذه استعارة ، وتجنيس في الكلام ، وتأكيد لعقد بيعتهم إياه . وعظم شأن المبايع r
وقد يكون من هذا قوله تعالى : ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ) ـالأنفال : 17 ـ ، و إن كان الأول في باب المجاز ، و هذا في باب الحقيقة ، لأن القاتل و الرامي بالحقيقة هو الله ، وهو خالق فعله ورميه ، وقدرته عليه ومسببه ، ولأنه ليس في قدرة البشر توصيل تلك الرمية حيث وصلت ، حتى لم يبق منهم من لم تملأ عينيه ، وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة .
-وقد قيل في هذه الآية الأخرى إنها على المجاز العربي ، و مقابلة اللفظ ومناسبته ، أي ما قتلتموهم ، وما رميتهم أنت إذ رميت وجوههم بالحصباء والتراب ، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع ، أي إن منفعة الرمي كانت من فعل الله ، فهو القاتل و الرامي بالمعنى و أنت بالاسم .


الفصل العاشر
فيما أظهره الله تعالى في كتابه العزيز من كرامته عليه و مكانته عنده و ما خصه الله به من ذلك سوى ما انتظم فيما ذكرناه قبل
ومن ذلك ما قصه تعالى في قصة الإسراء في سورة : سبحان ، و النجم ، و ما انطوت عليه القصة من عظيم منزلته و قربه و مشاهدته ما شاهد من العجائب .
ومن ذلك عصمته من الناس بقوله تعالى : (َاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ـالمائدة : 67 ـ . و قوله تعالى : ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ـالأنفال : 30ـ
و قوله : (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ـالتوبة : 40 ـ
وما رفع الله به عنه في هذه القصة من أذاهم بعد تحزبهم لهلكه وخلوصهم نجيا في أمره ، والأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم ، وذهولهم عن طلبه في الغار ، وما ظهر في ذلك من آيات ، و نزول السكينة عليه ، و قصة سراقه بن مالك حسب ما ذكره أهل الحديث والسير في قصة الغار ، وحديث الهجر ة .
ومنه قوله تعلى : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ * )) ـالكوثرـ
أعلمه الله تعال بما أعطاه . والكوثر حوضه . وقيل : نهر في الجنة . وقيل الخير الكثير . وقيل : الشفاعة وقيل : المعجزات الكثيرة . وقيل : النبوة . و قيل : المعرفة . ثم أجاب عنه عدوه ، ورد عليه قوله ، فقال تعالى إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ، أي عدوك ومبغضك . والأبتر : الحقير الذليل ، أو المفرد الوحيد ، أو الذي لاخير فيه .
وقال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ـالحجر : 87 ـ .
-قيل : السبع المثاني السور الطوال الأول . والقرآن العظيم : أم القرآن . وقيل : السبع المثاني : أم القرآن . والقرآن العظيم : سائره . و قيل : السبع المثاني : ما في القرآن ، من أمر ، ونهى ، وبشرى ، وإنذار ، وضرب مثل ، وإعداد نعم ، وآتيناك نبأ القرآن العظيم .
-وقيل : سميت أم القرآن مثاني لأنها تثني في كل ركعة . وقيل : بل الله تعالى اثتثناها لمحمد
صل الله علية وسلم ، و ذخرها له دون الأنبياء .
-وسمي القرآن مثاني : لأن القصص تثني فيه . و قيل : السبع المثاني : أكرمناك بسبع كرامات : الهدي والنبوة ، والرحمة ، والشفاعة ، والولاية ، والتعظيم ، والسكينة . وقال : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ـالنحل : 44 ـ
-وقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)ـسبأ : 28 ـ.+
-وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ـالأعراف : 158 ـ
- قال القاضي : فهذه من خصائصه .
-وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ـإبراهيم : 4 ـ فخصهم بقومهم ، و بعث محمداً
صل الله علية وسلم إلى الخلق كافة ، كما قال صل الله علية وسلم : [ بعثت إلى الأحمر و الأسود ] .
-وقال تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً) ـالأحزاب : 6 ).
- قال أهل التفسير أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ): أي ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماض عليهم كما يمضي حكم السيد على عبده .
-وقيل : اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس .( وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، أي هن في الحرمة كالأمهات ، حرم نكاحهن عليهم بعده ، تكرمة له وخصوصية ، و لأنهن له أزواج في الآخرة .
-وقد قرىء : و هو أب لهم . و لا يقرأ به الآن لمخالفته المصحف .
-وقال الله تعالى وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) ـالنساء : 113 ـ
قيل : فضله العظيم بالنبوة . و قيل : بما سبق له في الأزل . وأشار الواسطي إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التي لم يحتملها موسى ، صل الله عليهما .

الباب الثاني
في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقاً و خلقاً و قرانه جميع الفضائل الدينية و الدنيوية فيه نسقاً
وفيه 23 فصلا:
1- في اجتماع خصال الكمال والجلال فيه
صل الله علية وسلم
2- في تفصيل هذه الخصال المحمودة : صفاته الجسمية
صل الله علية وسلم
3- في نظافة جسمه صل الله علية وسلم ، و طيب رائحته ، و نزاهته عن الأقذار و عورات الجسد
4- رجاحة عقله وفصاحة لسانه
صل الله علية وسلم
5- فصاحة لسانه ، و بلاغة قوله

صل الله علية وسلم

6- شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه
صل الله علية وسلم

7 – حالته
صل الله علية وسلم في الضروريات
8- في الخصال المكتسية من الأخلاق الحميدة
9- في بيان أصول هذه الأخلاق و تحقق وصف النبي
صل الله علية وسلم بها
10- في الفرق بين الحلم والإحتمال ، والعفو مع القدرة ، والصبر على ما يكره
11- في معاني الجود و الكرم ، و السخاء و السماحة
12- في الشجاعة و النجدة
13- في حسن عشرته
صل الله علية وسلم وأدبه و بسط خلقه
14- في شفقته
صل الله علية وسلم ورأفته ورحمته لجميع الخلق
15- خلقهr في الوفاء وحسن العهد ، وصلة الرحم
16- في تواضعه

صل الله علية وسلم17- عدله ، و أمانته ، و عفته ، وصدق لهجته
صل الله علية وسلم
18- وقاره
صل الله علية وسلم ، و صمته ، و تؤدته و حسن هديه
19- زهده
صل الله علية وسلم في الدنيا
20- خوفه ربه ، و طاعته له ، و شدة عبادته
صل الله علية وسلم
21- تفضيل الله بعض الأنبياء عليهم السلام على بعض
22- حديث جامع لوصفه
صل الله علية وسلم
23- في تفسير غريب هذا الحديث و مشكله
مقدمة الباب الثاني
اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم
صل الله علية وسلم ، الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجلال و الكمال في البشر نوعان : ضروري دنيوي اقتضته الجبلة و ضرورة الحياة الدنيا ، و مكتسب ديني ، و هو ما يحمد فاعله ، و يقرب إلى الله تعالى زلفى .
ثم هي على فنين أيضاً : منها ما يتلخص لأحد الوصفين . و منها ما يتمازج و يتداخل .
فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار و لا اكتساب ، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته ، وجمال صورته ، وقوة عقله ، وصحة فهمه ، وفصاحة لسانه ، وقوة حواسه و عضائه ، واعتدال حركاته ، وشرف نسبه ، وعزة قومه ، وكرم أرضه ، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه ، من غذائه ونومه ، وملبسه ومسكنه ، ومنكحه ، وما له وجاهه .
وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها ، و كانت على حدود الضرورة وقوانين الشريعة .
وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية ، والأداب الشرعية : من الدين والعلم ، والحلم ، والصبر ، والشكر ، والمروءة ، والزهد ، والتواضع ، والعفو ، والعفة ، والجود ، والشجاعة ، والحياء ، والمروءة ، والصمت ، والتؤدة ، والوقار ، والرحمة ، وحسن الأدب والمعاشرة ، وأخواتها وهي التي جَمعها :حسن الخلق .
وقد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة و أصل الجبلة لبعض الناس .
وبعضهم لا تكون فيه ، فيكتسبها ، و لكنه لابد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة كما سنبينه إن شاء الله .
و تكون هذه الأخلاق دنيوة إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة ، ولكنها كلها محاسن و فضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة ، وإن اختلفوا في موجب حسنها و تفضيلها .
الفصل الأول
في اجتماع خصال الكمال والجلال فيه
صل الله علية وسلم
إذا كانت خصال الكمال والجمال ما ذكرناه ، و وجدنا الواحد منا يشرف بواحدة منها أو باثنتين إن اتفقت له ـ في كل عصر ، إما من نسب أو جمال ، أو قوة ، أو علم ، أو حلم ، أو شجاعة ، أو سماحة ، حتى يعظم قدره ، و يضرب باسمه الأمثال ، و يتقرر له بالوصف بذلك قي القلوب إثرة وعظمة ، وهو منذ عصور خوال رمم بوال ، فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ما لا يأخذه عد ، ولا يعبر عنه مقال ، ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال ، من فضيلة النبوة والرسالة ، والخلة والمحبة ، والإصطفاء والإسراء والرؤية ، والقرب والدنو ، والوحي ، والشفاعة والوسيلة ، والفضيلة والدرجة الرفيعة ، والمقام المحمود ، والبراق والمعراج ، والبعث إلى الأحمر والأسود ، و الصلاة بالأنبياء ، والشهادة بين الأنبياء والأمم ، وسيادة ولد آدم ، و لواء الحمد ، و البشارة ، والنذارة والمكانة عند ذي العرش والطاعة ثم ، والأمانة والهداية ورحمة للعالمين ، وإعطاء الرضا والسول ، والكوثر ، وسماع القول ، واتمام النعمة والعفو عما تقدم و تأخر ، وشرح الصدر ، ووضع الوزر ، و رفع الذكر وعزة النصر ، ونزول السكينة ، والتأييد بالملائكة ، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم ، وتزكية الأمة والدعاء إلى الله ، وصلاة الله تعالى والملائكة ، والحكم بين الناس بما أراه الله ، ووضع الإصر والأغلال عنهم ، والقسم باسمه ، وإجابة دعوته ، وتكليم الجمادات والعجم ، وإحياء الموتى ، وإسماع الصم ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير القليل ، وانشفاق القمر ، وردّ الشمس ، وقلب الأعيان ، والنصر بالرعب ، والإطلاع على الغيب ، وظل الغمام ، وتسبيح الحصا ، وإبراء الآلام ، والعصمة من الناس ، إلى ما لا يحويه محتفل ، و لا يحيط بعلمه إلا مانحه ذلك و مفضله به لا إله غيره ، إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة ، ودرجات القدس ، ومراتب السعادة والحسنى والزيادة التي تقف دونها العقول ويحار دون أدانيها الوهم .
الفصل الثاني
في تفصيل هذه الخصال المحمودة : صفاته الجسمية
صل الله علية وسلم
إن قلت أكرمك الله : لا خفاء على القطع بالجملة أنه
صل الله علية وسلم أعلى الناس قدراً ، و أعظمهم محلاً ، و أكملهم محاسن و فضلاً ، و قد ذهب في تفاصيل خصال الكمال مذهباً جميلاً شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه صل الله علية وسلم تفصيلا . . .
فاعلم نور الله قلبي و قلبك ، و ضاعف في هذا النبي الكريم
صل الله علية وسلم حبي و حبك ـ أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة في جبلة الخلقة و جدته حائزاً لجميعها ، محيطاً بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك ، بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع . أما الصورة و جمالها ، و تناسب أعضائه في حسنها ، فقد جاءت الآثار الصحيحة و المشهورة الكثيرة بذلك ، من حديث علي ، و أنس بن مالك ، و أبي هريرة ، و البراء بن عازب ، و عائشة أم المؤمنين ،و ابن أبي هالة ،و أبي جحيفة ، وجابر بن سمرة ، و أم معبد ، و ابن عباس ، و معرض بن معيقيب ، و أبي الطفيل ، و العداء بن خالد ، و خريم بن فاتك ، و حكيم بن حزام ، و غيرهم ، من أنه صل الله علية وسلم كان أزهر اللون ، أدعج ، أنجل ، أشكل ، أهدب الأشفار ، أبلج ، أزج ، أقنى ، أفلج ، مدور الوجه ، واسع الجبين ، كث اللحية تملأ صدره ، سواء البطن و الصدر ، واسع الصدر ، عظيم المنكبين ، ضخم العظام ، عبل العضضين و الذراعين و الأسافل ، رحب الكفين و القدمين ، سائل الأطراف ، أنور المتجرد ، دقيق المسربة ، ربعة القد ، ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير المتردد ، مع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب الى الطول إلا طاله صل الله علية وسلم ، رجل الشعر ، إذا افتر ضاحكاً افتر عن مثل سنا البرق ، و عن مثل حب الغمام ، إذا تكلم رئى كالنور يخرج من ثناياه ، أحسن الناس عنقاً ، ليس بمُطَهَّم و لا مكلثضم ، متماسك البدن ، ضرب اللحم .
-قال البراء بن عازب : مارأيت من ذي لِمة في حُلة حمراء أحسن من رسول
صل الله علية وسلم
-وقال أبو هريرة رضي الله عنه : مارأيت شيئاً أحسن من رسول الله
صل الله علية وسلم ، كأن الشمس تجري في وجهه ، و إذا ضحك يتلألأ في الجُدُر .
-وقال جابر بن سمرة ـ و قال له رجل : كان و جهه
صل الله علية وسلم مثل السيف ؟ فقال : لا ، بل مثل الشمس والقمر . و كان مستديرا .
-وقالت أم معبد ـ في بعض ما وصفته به : أجمل الناس من بعيد ، و أحلاه و أحسنه من قريب
صل الله علية وسلم تسليمًا كلما ذكره الذاكرون ، و غفل عن ذكره الغافلون .
-و في حديث ابن أبي هالة : يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر
-وقال علي رضي الله عنه في آخر و صفة له : من رآه بديهة هابه ، و من خالطه معرفة أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله و لا بعده مثله
صل الله علية وسلم.
والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة ، فلا نطول بسردها . و قد اختصرنا في و صفه نُكت ما جاء فيها ، و جملة مما فيه الكفاية في القصد إلى المطلوب ، و ختمنا هذه الفصول بحديث جامع لذلك تقف عليه هناك إن شاء الله .
الفصل الثالث
في نظافة جسمه
صل الله علية وسلم ، و طيب رائحته ، و نزاهته عن الأقذار و عورات الجسد
وأما نظافة جسمه ، وطيب ريحه وعرقه ، ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد ـ فكان قد خصه الله في ذلك بخصائص لم توجد في غيره ، ثم تممها بنظافة الشرع وخصال الفطرة العشر ، و قال : [ بني الدين على النظافة ] .
-حدثنا سفيان بن العاصي وغير واحد ، قالوا : حدثنا أحمد بن عمر . حدثنا أبو العباس الرازي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، قال : حدثنا قتيبة ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : ما شممت عنبراً قط ، و لا مسكاً ، و لا شيئاً أطيب من ريح رسول الله
صل الله علية وسلم .
-وعن جابر بن سمرة : أنه
صل الله علية وسلم مسح خده ، قال : فوجدت ليده برداً وريحاً ، كأنما أخرجها من جونة عطار .
-قال غيره : مسها بطيب أو لم يمسها ، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها ، و يضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها .
-ونام رسول الله
صل الله علية وسلم في دار أنس فعرق ، فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه فسألها رسول الله صل الله علية وسلم عن ذلك ، فقالت : نجعله في طيبنا ، و هو من أطيب الطيب .
-وذكر البخاري في تاريخه الكبير ، عن جابر : لم يكن النبي
صل الله علية وسلم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه .
-وذكر اسحاق بن راهويه أن تلك كانت رائحته بلا طيب ،

صل الله علية وسلم -وروى المزني : عن جابر قال : أردفني النبي صل الله علية وسلم خلفه ، فالتقمت خاتم النبوة بفمي ، فكان ينم على مسكا .
-وقد حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله
صل الله علية وسلم أنه كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه و بوله ، و فاحت لذلك رائحة طيبة .
-وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدي في هذا خبراً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي : إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئاً من الأذى ! فقال : يا عائشة ، أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء ، فلا يرى منه شيء .
-وهذا الخبر ، و إن لم يكن مشهوراً فقد قال قوم من أهل العلم بظهارة الحدثين منه
صل الله علية وسلم . و هو قول بعض أصحاب الشافعية ، حكاه الإمام أبو نصر ابن الصباغ في شامله .
-وقد حكى القولين عن العلماء في ذلك أبو بكر بن سابق المالكي في كتابه البديع في فروع المالكية ، و تخريج ما لم يقع لهم منها على مذهبهم من تفاريع الشافعية .
وشاهد هذا أنه
صل الله علية وسلم لم يكن منه شيء يكره ، و لا غير طيب . ومنه حديث علي رضي الله عنه : غسلت النبي صل الله علية وسلم ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أجد شيئاً ، فقلت : طبت حياً و ميتاً ، قال : وسطعت منه ريح طيبة لم نجد مثلها قط ] .
-ومثله قال أبوبكر رضي الله عنه حين قبل النبي
صل الله علية وسلم بعد موته .
-ومنه شُرب مالك بن سنان دمه يوم أحد ، و مَصُّه إياه ، و تسويغه
صل الله علية وسلم ذلك له ، وقوله : لن تصيبه النار .
-ومثله شُرب عبد الله بن الزبير دم حجامته ، فقال له
صل الله علية وسلم : ويل لك من الناس ، و ويل لك منك ولم ينكره عليه .
-وقد روي نحو من هذا عنه في امرأة شربت بوله ، فقال لها : لن تشتكي وجع بطنك أبداً . و لم يأمر واحداً منهم بغسل فم ، و لا نهاه عن عودة . وحديث هذه المرأة التي شربت بوله صحيح ألزم الدارقطني مسلماً والبخاري إخراجه في الصحيح ، و اسم هذه المرأة بركة . و اختلف في نسبها .
وقيل : هي أم أيمن : و كانت تخدم النبي ، قالت : و كان لرسول الله قدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل ، فبال فيه ليلة ، ثم افتقده ، فلم يجد فيه شيئاً . فسأل بركة عنه ، فقالت : قمت و أنا عطشانة فشربته و أنا لا أعلم . -روى حديثها ابن جريج و غيره .
-وكان
صل الله علية وسلم قد ولد مختوناً مقطوع السرة .
-وروي عن أمه آمنة أنها قالت : قد ولدته نظيفاً ما به قذر .
-وعن عائشة رضي الله عنها : ما رأيت فرج رسول الله قط .
-وعن علي رضي الله عنه : أوصاني النبي لا يغسله غيري ، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه .
-وفي حديث عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه نام حتى سمع له غطيط ، فقام فصلى و لم يتوضأ ، قال عكرمة : لأنه
صل الله علية وسلم كان محفوظاً .
الفصل الرابع
رجاحة عقله وفصاحة لسانه

صل الله علية وسلم وأما وفور عقله ، وذكاء لبه ، وقوة حواسه ، وفصاحة لسانه ، واعتدال حركاته ، وحسن شمائله ـ فلا مرية أنه كان أعقل الناس و أذكاهم .
ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق و ظواهرهم ، و سياسة العامة و الخاصة ، مع عجيب شمائله ، و بديع سيره ، فضلاً عما أفاضه من العلم ، وقرره من الشرع دون تعلم سبق ، ولا ممارسة تقدمت ، ولا مطالعة للكتب منه ، لم يمتر في رجحان عقله ، و ثقوب فهمه لأول بديهة ، وهذا ما لا يحتاج إلى تقريره لتحقيقه .
-وقد قال وهب بن منبه : قرأت في أحد و سبعين كتاباً ، فوجدت في جميعها أن النبي
صل الله علية وسلم أرجح الناس عقلاً ، و أفضلهم رأياً .
-وفي رواية أخرى : فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله
صل الله علية وسلم إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا .
-وقال مجاهد : كان رسول الله إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه . و به فسر قوله تعالى : ((وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) ـالشعراء : 219 ـ .
-وفي الموطأ عنه
صل الله علية وسلم: إني لأراكم من وراء ظهري .
-ونحوه ـ عن أنس في الصحيحين ، و عن عائشة مثله ، قالت : زيادة زاده الله إياها في حجته .
-وفي بعض الروايات : إني لأنظر من ورائي كما أنظر من بين يدي .
-وفي أخرى : إني لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يدي .
-وحكى بقي بن مخلد ، عن عائشة ، قالت : كان النبي يرى في الظلمة كما يرى في الضوء .
-والأخبار كثيرة صحيحة في رؤيته
صل الله علية وسلم للملائكة و الشياطين .
-ورفع النجاشي له حتى صلى عليه ، و بيت المقدس حين وصفه لقريش، والكعبة حين بنى مسجده .
-وقد حكي عنه
صل الله علية وسلم أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجماً .
-وهذه كلها محمولة على رؤية العين ، و هو قول أحمد بن حنبل و غيره .
-وذهب بعضهم إلى ردها إلى العلم ، و الظواهر تخالفه ، و لا إحالة في ذلك ، و هي من خواص الأنبياء و خصالهم ، كما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد العدل من كتابه ، حدثنا أبو الحسن المقري الفرغاني ، حدثتنا أم القاسم بنت أبي بكر عن أبيها ، حدثنا الشريف أبو الحسن علي بن محمد الحسني ، حدثنا محمد بن محمد بن سعيد ، حدثنا محمدبن أحمد بن سليمان ، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق ، حدثنا همام ، قال : حدثنا الحسن ، عن قتادة ، عن يحيى بن وثاب ، عن أبي هريرة ، عن النبي
صل الله علية وسلم قال : لما تجلى الله لموسى عليه السلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ : و لا يبعد على هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء و الحظوة بما رأى من أيات ربه الكبرى .

-وقد جاءت الأخبار بأنه صرع أبا ركانة أشد أهل وقته ، وكان دعاه إلى الإسلام و صارع أبا ركانة في الجاهلية ، و كان شديداً ، و عاوده ثلاث مرات ، كل ذلك يصرعه رسول الله .
-وقال أبو هريرة : ما رأيت أحداً أسرع من رسول الله
صل الله علية وسلم في مشيه ، كأنما الأرض تطوى له ، إنا لنجهد أنفسنا و هو غير مكترث .
و في صفته أن ضحكه كان تبسماً ، إذا التفت التفت معاً ، و إذا مشى مشى تقلعاً كأنما ينحط من صبب .

[/frame]


3 
مجدى سالم


[frame="13 98"]
الفصل الخامس
فصاحة لسانه ، و بلاغة قوله
صل الله علية وسلم
وأما فصاحة اللسان ، وبلاغة القول ، فقد كان
صل الله علية وسلم من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لايجهل ، سلاسة طبع ، وبراعة منزع ، وإجاز مقطع ، ونـصاعة لـفظ . وجزالة قول ، وصحة معان ، وقلة تكلف أوتي جوامع الكلم ، وخص ببدائع الحكم ، وعلم ألسنة العرب ، يخاطب كل أمة منها بلسانها ، ويحاورها بلغتها ، ويباريها في منزع بلاغتها ،حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه و تفسير قوله .ومن تأمل حديثه و سيره علم ذلك وتحققه ، وليس كلامه مع قريش والأنصار ، وأهل الحجاز ونجْد ككلامه مع ذي المشعار الهمداني ، وطِهفة الهندي ، وقطن بن حارثة العليمي ، والأ شعث بن قيس ، ووائل بن حجر الكندي ، وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك اليمن . وانظر كتابه إلى همدان : =إن لكم فراعها ووِهاطها وعزازها ، تأكلون علافها وترعون عفاءها ، لنا من دفئهم وصرامهم ماسلموا بالميثاق والأمانة ، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل ، والفارض والداجن ، والكبش الحوري ، و عليهم فيها الصالغ و القرح .
-وقوله لنهد :اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها ، وابعث راعيها في الدثر ، وافجر له الثمد ، وبارك له في لمال والولد من أقام الصلاة كان مسلماً ، ومن آتى الزكاة كان محسناً ، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصاً ، لكم يابني نهد و دائع الشرك ، و وضائع الملك ، لا تُلْطِط في الزكاة ، ولا تُلحِد في الحياة ، و لا تـتـثاقلْ عن الصلاة . وكتب لهم : في الوظيفة الفريضة : و لكم الفارض و الفريش ، وذو العنان الركوب ، والفلو الضبيس ، لايمنع سرحكم ، ولا يعضد طلحكم ، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الرماق ، وتأكلوا الرباق ، من أقر فله الوفاء بالعهد والذمة ، ومن أبي فعليه الربوة .
-ومن كتابه لوائل بن حجر . إلى الأقيال العباهلة ، و الأوراع المشابيب . و فيه : في التيعة شاة ، لا مُقوَّرة الألياط ولا ضِناك ، وأنطوا الثَّيجة ، وفي السيوب الخمس . ومن زنى مِمْ بكر فاصعَقوه مائة ، واستَوفِضوه عاماً ، و من زنى مِمْ ثيِّب فضرِّجوه باللأضاميم ، ولا تَوْصيم في الدين ولا عمَّة في فرائض الله ، و كل مسكر حرام . ووائل بن حجر يترفل على الأقيال .أين هذا من كتابة لأنس في الصدقة المشهور لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد ، و بلاغتهم على هذا النمط ، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ استعملها معهم ، ليبين للناس ما نزل إليهم ، و ليحدث الناس بما يعلمون .
-وكقوله في حديث عطية السعدي : = فإن اليد العليا هي المنطية و اليد السفلى هي المنطاة قال : فكلمنا رسول الله
صل الله علية وسلم بلغتنا .
-و قوله في حديث العامري حين سأله ، فقال له النبي
صل الله علية وسلم : =هل عنك =أي سل عمَّا شئت ، و هي لغة بني عامر .
-وأما كلامه المعتاد ، و فصاحته المعلومة ، وجوامع كلمه ، وحكمة المأثورة ـ فقد ألف الناس فيها الدواوين و جمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب ، وفيها ما لا يُوازَى فصاحة ، و لا يُبارى بلاغة ، كقوله : المسلمون تتكافأ دماؤهم ، و يسعى بذِمَّتهم أدناهم ، و هم يدٌ على من سواهم .
-وقوله : الناس كأسنان المشط .
-وقوله :المرء مع من أحب .
-وقوله :لا خير في صحبة من لايرى لك ما ترى له .
-وقوله: الناس معادن .
-وقوله : ما هلك امروء عرف قدره .
-وقوله :المستشار مؤتمن ، وهو بالخير ما لم يتكلم .
-وقوله: رحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكت فسلم .
-وقوله : أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين .
-وقوله: إن أحبَّكم إلي وأقربكم مني مجالسا يوم القيامة ، أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون و يؤلفون .
-وقوله : لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ، و يبخل بما لا يغنيه .
-وقوله : ذو الوجهين لا يكون عند الله و جيهاً .
ونهيه عن قيل و قال ، و كثرة السؤال ، و إضاعة المال ، و منع وهات ، وعقوق الأمهات ، ووأد البنات
وقوله : اتق الله حيثما كنت ، و أتبع السيئة الحسنة تمحُها ، و خالق الناس بخلق حسن .
-وقوله : و خير الأمور أوسطها .
-وقوله : أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما .
-وقوله : الظلم ظلمات يوم القيامة .
-وقوله في بعض دعائه : اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي ، و تجمع بها أمري ، و تلم بها شعثي ، وتصلح بها غائبي وترفع بها شاهدي ، وتزكي بها علمي ، وتلهمني بها رشدي ، وترد بها ألفتي ، وتعصمني بها من كل سوء .
اللهم إني أسألك الفوز في القضاء ، ونزل الشهداء ، وعيش السعداء ، والنصر على الأعداء ...
إلى ما روته الكافة عن الكافة عن مقاماته ، ومحاضراته ، وخطبه ، وأدعيته ، ومخاطباته ، وعهوده ، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره ، وحاز فيها سبقاً لا يقدر . وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها ، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه عليها ،
-كقوله : حمي الوطيس .
-وقوله: مات حتف أنفه
وقوله :لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
وقوله :السعيد من و عظ بغيره . . .
في أخواته مما يدرك الناظر العجب في مضمنها ، و يذهب به الفكر في أداني حكمها .
-وقد قال له أصحابه : ما رأينا الذي هو أفصح منك . فقال : و ما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلساني ، لسان عربي مبين .
-وقال مرة أخرى : أنا أفصح العرب بيد أني من قريش و نشأت في بني سعد .
فجُمع له بذلك
صل الله علية وسلم قوة عارضة البادية و جزالتها ، و نصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها ، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري .
-وقالت أم معبد في وصفها له :
حلو المنطق ، فضل لا نزر و لا هذر ، كأن منطقه خرزات نظمن . و كان جَهير الصوت ، حسن النغمة
صل الله علية وسلم.
الفصل السادس
شرف نسبه ، و كرم بلده و منشئه
صل الله علية وسلم
وأما شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه ، ولا بيان مشكل ولا خفي منه ، فإنه نخبة من بني هاشم ، وسلالة قريش وصميمها ، وأشرف العرب ، وأعزهم نفراً من قبل أبيه و أمه ، و من أهل مكة من أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده .
-حدثنا قاضي القضاة حسين بن محمد الصدفي رحمه الله ، قال : حدثنا القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف ، حدثنا أبو ذر عبد بن أحمد ، حدثنا أبو محمد السرخسي ، وابن إسحاق ، وأبو الهيثم : قالوا : -حدثنا محمد بن يوسف ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ـ أن رسول الله
صل الله علية وسلم قال : بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت منه .
-وعن العباس ، قال : قال النبي
صل الله علية وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ، من خير قرنهم ، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم ، فأنا خيرهم نفساً ، و خيرهم بيتاً
-وعن واثلة بن الأسقع ، قال : قال رسول الله : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من بني كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم .
قال الترمذي : و هذا حديث صحيح .
-وفي حديث عن ابن عمر ، رواه الطبري أنه
صل الله علية وسلم قال : إن الله اختار خلقه ، فاختار منهم بني آدم ، ثم اختار بني آدم فاختار منهم العرب ، ثم اختار العرب فاختار منهم قريشاً ، ثم اختار قريشاً فاختار منهم بني هاشم ، ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم ، فلم أزل خياراً من خيار ، ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم ، و من أبغض العرب فببغضي أبغضهم .
-وعن ابن عباس : إن قريشاً كانت نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام ، يسبح ذلك النور ، وتسبح الملائكة بتسبيحه ، فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه ، فقال رسول الله
صل الله علية وسلم فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم ، وجعلني في صلب نوح ، وقذف بي في صلب ابراهيم ، ثم لم يزل الله تعالى ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة ، حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط . ويشهد لصحة هذا الخبر شعر العباس في مدح النبي صل الله علية وسلم المشهور


الفصل السابع

وأما ما تدعو ضرورة الحياة إليه مما فصلناه فعلى ثلاثة ضروب : ضرب الفضل في قلته ، و ضرب الفضل في كثرته ، و ضرب تختلف الأحوال فيه .
- * الضرب اللأول: ما يتفق على المدح في قلته
فأما ما التمدح و الكمال بقلته اتفاقاً ، و على كل حال ، عادة وشريعة ، كالغذاء والنوم ، ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما ، وتذم بكثرتهما ، لأن كثرة الأكل و الشرب دليل على النهم و الحرص والشره ، وغلبة الشهوة مسبب لمضارالدنيا والآخرة ، جالب لأدواء الجسد وخثار النفس ، وامتلاء الدماغ ، وقلته دليل على القناعة ، وملك النفس ، وقمع الشهوة مسبب للصحة ، وصفاء الخاطر ، وحدة الذهن ، كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة والضعف ، وعدم الذكاء والفطنة ، مسبب للكسل ، وعادة العجز ، وتضييع العمر في غير نفع ، و قساوة القلب و غفلته وموته .
والشاهد على هذا ما يعلم ضرورة ، ويوجد مشاهدة ، وينقل متوتراً من كلام الأمم المتقدمة ، والحكماء السابقين ، وأشعار العرب وأخبارها ، وصحيح الحديث ، وآثار من سلف وخلف ، مما لا يحتاج إلى الإستشهاد عليه اختصا راً واقتصاراً على اشتهار العلم به .
و كان النبي
صل الله علية وسلم قد أخذ من هذين الفنين بالأقل .
هذا ما لا يدفع من سيرته ، وهو الذي أمر به ، وحضَّ عليه ، لاسيما بارتباط أحدهما بالآخر .
-حدثنا أبو علي الصدفي الحافظ بقراءتي عليه ، حدثنا أبو الفضل الأصبهاني ، حدثنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أبو بكر بن سهل ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح أن يحيى بن جابر حدثه عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله قال : ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه ، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، و ثلث لشرابه ، و ثلث لنفسه.

ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب .
-قال سفيان الثوري : بقلة الطعام يملك سهر الليل .
-وقال بعض السلف : لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً ، فترقدوا كثيراً ، فتخسروا كثيراً .
-قد روي عنه
صل الله علية وسلم أنه كان أحب الطعام إليه ما كان على ضَغَف أي كثرة الأيدي وعن عائشة رضي الله عنها : لم يمتلىء جوف النبي صل الله علية وسلم شبعا قط ، وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاماً و لا يتشهاه ، إن أطعموه أكل ، و ما أطعموه قبل ، و ما سقوه شرب .
ولا يعترض على هذا بحديث بريرة ، و قوله : ألم أر البرمة فيها لحم إذ لعل سبب سؤاله ظنه
صل الله علية وسلم اعتقاده أنه لا يحل له ، فأراد بيان سنته ، إذ رآهم لم يقدموه إليه ، مع علمه أنهم لا يستأثرون عليه به ، فصدق عليهم ظنه ، و بين لهم ما جهلوه من أمره بقوله : هو لها صدقة و لنا هدية
و في حكمه لقمان : يابني ، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، و قعدت العضاء عن العبادة .
-قال سحنون : لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع .
-وفي صحيح الحديث قوله
صل الله علية وسلم أما أنا فلا آكل متكئاً .
والإتكاء : هو التمكن للأكل ، و التقعدد في الجلوس له كالمتربع ، و شبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد عليها الجالس على ماتحته ، و الجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل و يستكثر منه .
و النبي
صل الله علية وسلم إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفر مقعياً ، و يقول : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، و أجلس كما يجلس العبد .
و ليس معنى الحديث في الإتكاء الميل على شق عند المحققين .
و كذلك نومه
صل الله علية وسلم كان قليلاً ، شهدت بذلك الآثارالصحيحة ، و مع ذلك فقد قال : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي .
وكان نومه على جانبه الأيمن استظهاراً على قلة النوم ، لأنه على جانب الأيسر أهنأ ، لهدو القلب وما يتعلق به من الأعضاء الباطنية حينئذ ، لميلها إلى الجانب الأيسر ، فيستدعي ذلك الإستثقال فيه والطول .
و إذا نام النائم على الأيمن تعلق القلب وقلق ، فأسرع الإفاقة ولم يغمره الإستغراق .
* الضرب الثاني : ما يتفق على المدح بكثرته
والضرب الثاني ما يتفق المدح بكثرته ، والفخر بوفوره ، كالنكاح والجاه : أما النكاح فمتفق فيه شرعاً وعادة ، فإنه دليل الكمال ، وصحة الذكورية ، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة ، والتمادح به سيرة ماضية .
وأما في الشرع فسنة مأثورة ، وقد قال ابن عباس : أفضل هذه الأمة أكثرها نساء يشير إليه
صل الله علية وسلم
-وقد قال
صل الله علية وسلم : تناكحوا تناسلوا ، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة .
ونهى عن التبتل مع ما فيه من قمع الشهوة ، وغض البصر اللذين نبه عليهما
صل الله علية وسلم بقوله : من كان ذا طول فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج حتى لم يره العلماء مما يقدح في الز هد .
-قال سهل بن عبد الله : قد حببن إلى سيد المرسلين ، فكيف يزهد فيهن ؟ و نحوه لابن عيينه .
-وقد كان زهاد الصحابة كثيري الزوجات والسراري ، كثيري النكاح .
-وحكي في ذلك على علي ، و الحسن ، و ابن عمر ، و غيرهم غير شيء . وقد كره غير واحد أن يلقى الله عزباً . فإن قلت : كيف يكون النكاح وكثرته من الفضائل ، وهذا يحيى بن زكريا عليه السلام قد أثنى الله تعالى عليه أنه كان حصوراً ، فكيف يثني الله بالعجز عما تعده فضيلة ؟ وهذا عيسى عليه السلام تبتل من النساء ، و لو كان كما قررته لنكح ؟
فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم :
إنه كان هيوباً ، أو لا ذكر له ، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين و نقاد العلماء ،
و قالوا : هذه نقيصة و عيب ، و لا تليق بالأنبياء .
و إنما معناه أنه معصوم من الذنوب ، أي لا يأتيها ، كأنه حصر عنها . و قيل :
مانعاً نفسه من الشهوات .
و قيل : ليست له شهرة في النساء .
فقد بان ذلك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، و إنما الفضل في كونها موجودة ، ثم قمعها ، إما بمجاهدة ، كعيسى عليه السلام ، أو بكفاية من الله تعالى ، كيحيى عليه السلام ـ فضيلة زائدة لكونها شاغلة في كثير من الأوقات حاطة إلى الدنيا . ثم هي في حق من أُقدر عليها و ملكها و قام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه ـ درجة عالياً ، وهي درجة نبينا
صل الله علية وسلم الذي لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن ، و قيامه بحقوقهن ، و اكتسابه لهن ، و هدايته إياهن ، بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو ، و إن كانت من حظوظ دنيا غيره ، فقال : حبب إلي من دنياكم . فدل على أن حبه لما ذكر من النساء و الطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره ، و استعماله لذلك ليس لدنياه ، بل لآخرته ، للفوائد التي ذكرناها في التزويج ، و للقاء الملائكة في الطيب ، ولأنه أيضاً مما يحض على الجماع ، و يعين عليه ، و يحرك أسبابه .
-وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره ، وقمع شهوته ، وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدته جبروت مولاه ومناجاته ، ولذلك ميز بين الحبين ، وفصل بين الحالين ، فقال : وجعلت قرة عيني في الصلاة ، فقد ساوى يحيى و عيسى في كفاية فتنتهن ، و زاد فضيلة بالقيام بهن .
-وكان
صل الله علية وسلم ممن أُقدر على القوة في هذا ، وأعطي الكثير منه ، ولهذا أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره .
-وقد روينا عن أنس أنه
صل الله علية وسلم كان يدور على نسائه في الساعة من الليل و النهار ، وهن إحدى عشرة .
-وعن طاوس : أعطي
صل الله علية وسلم قوة أربعين رجلاً في الجماع .
ومثله عن صفوان بن سليم .
-وقالت سلمى مولاته :طاف النبي
صل الله علية وسلم ليلة على نسائه التسع ،وتطهر من كل واحدة قبل أن يأتي الأخرى و قال : هذا أطيب و أطهر .
-قال أنس : و كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلاً . خرجه النسائي ، -و روي نحوه عن أبي رافع .
-وقد قال سليمان ـ عليه السلام : [ لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع و تسعين ] و أنه فعل ذلك .
قال ابن عباس : كان في ظهر سليمان ماء مائة رجل أو تسع و تسعين ، و كانت له ثلاثمائة امرأة و ثلاثمائة سرية .-وحكى النقاش و غيره سبعمائة امرأة و ثلاثمائة سرية .
-وقد كان لداود عليه السلام على زهده وأكله من عمل يده تسع و تسعون امرأة ، و تمت بزوج أوريا مائة .
-وقد نبه على ذلك في الكتاب العزيز بقوله تعالى (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) (صـ : 23 )
-وفي حديث أنس عنه ،
صل الله علية وسلم قال: فُضِّلْتُ على الناس بأربع : بالسخاء ، و الشجاعة ، و كثرة الجماع ، وقوة البطش .
وأما الجاه فمحمود عند العقلاء عادة و بقدر جاهه عظمه في القلوب .
وقد قال الله تعالى في صفة عيسى عليه السلام َجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (آل عمران : 45 )) ، لكن آفاته كثيرة ، فهو مضر لبعض الناس لعقبى الآخرة ، فلذلك ذمه من ذمه ، و مدح ضده .
وورد في الشرع مدح الخمول ، و ذم العلُوّ في الأرض .
و كان
صل الله علية وسلم قد رزق من الحشمة ، والمكانة في القلوب ، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية و بعدها ، و هم يكذبونه ويؤذون أصحابه ، ويقصدون أذاه في نفسه خفية حتى إذا واجههم أعظموا أمره ، و قضوا حاجته
وأخباره في ذلك معروفة سيأتي بعضها .
-وقد كان يبهت ويَفرق لرؤيته من لم يره ، كما روي عن قيلة أنها لما رأته أرعدت من الفرَق ، فقال : يا مسكينة ، عليك السكينة .
-وفي حديث أبي مسعود أن رجلاً قام بين يديه فأرعد ، فقال : ((هَوِّنْ عَلَيْكَ. فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ. إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ)).
-فأما عظم قدره بالنبوة ، وشريف منزلته بالرسالة إنافة رتبته بالإصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية ، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم .
وعلى معنى هذا الفصل نظمنا هذا القسم بأسره .
الضرب الثالث : ما تختلف الحالات في التمدح به
وأما الضرب الثالث ، فهو ما تختلف الحالات في التمدح به والتفاخر بسببه ، والتفضيل لأجله ، ككثرة المال ـ فصاحبه على الجملة معظم عند العامة ، لإعتقادها توصله به إلى حاجاته ، و تمكن أغراضه بسببه ، وإلا فليس فضيلة في نفسه ، فمتى كان المال بهذه الصورة ، و صاحبه منفقاً له في مهمات من اعتراه وأمله ، وتصريفه في مواضعه مشترياً به المعالي والثناء الحسن ، والمنزلة في القلوب ـ كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا ، وإذا صرفه في وجوه البر ، وأنفقه في سبيل الخير ، و قصد بذلك الله والدار الآخرة ، كان فضيلة عند الكل بكل حال ، ومتى كان صاحبه ممسكاً له غير موجهه وجوهه ، حريصاً على جمعه ، عاد كثرة كالعدم ، و كان منقصة في صاحبه ، و لم يقف به على جدد السلامة ، بل أوقعه في هوة رذيلة البخل ، و مذمة النذالة ، فإذاً التمدح بالمال و فضيلته عند مفضله ليست لنفسه ، وإنما هو للتوصل به إلى غيره ، و تصريفه في متصرفاته ، فجامعه إذا لم يضعه مواضعه ، و لا وجهه وجوهه غير مليء بالحقيقة و لا غنى بالمعنى ، و لا ممتدح عند أحد من العقلاء ، بل هو فقير أبداً غير واصل إلى غرض من أغراضه ، إذ ما بيده من المال الموصل لها لم يسلط عليه ، فأشبه خازن مال غيره ولا مال له ، فكان ليس في يده منه شيء .
والمنفق مليء وغني بتحصيله فوائد المال ، و إن لم يبق في يده من المال شيء .
فانظر سيرة نبينا
صل الله علية وسلم و خلقه في المال تجده قد أوتي خزائن الأرض ، و مفاتيح البلاد ، وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله ، وفتح عليه في حياته صل الله علية وسلم بلاد الحجاز و اليمن ، و جميع جزيرة العرب ، و ما دانى ذلك من الشام والعراق ، و جلبت إليه من أخماسها و جزيتها و صدقاتها ما لا يجني للملوك إلا بعضه ، وهادته جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه ، و لا أمسك منه درهما ، بل صرفه مصارفه ، وأغنى به غيره ، و قوى به المسلمين ، و قال : ما يسرني أن لي أحُداً ذهباً يبيت عندي منه دينار ، إلا ديناراً أرصده لدين .
وأتته دنانير مرة فقسمها ، و بقيت منها ستة ، فدفعها لبعض نسائه ، فلم يـأخذه نوم حتى قام و قسمها وقال : الآن استرحت .
-ومات و درعه مرهونة في نفقة عياله .
-واقتصر من نفقته و ملبسه و مسكنه على ما تدعو ضرورته إليه .
-وزهد فيما سواه ، فكان يلبس ما وجده ، فيلبس في الغالب الشملة ، والكساة الخشن ، والبرد الغليظ ، ويقسم على من حضره أ قْبِيّة الديباج المخوصة بالذهب ، ويرفع لمن لم يحضره ، إذ المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة ، وهي من سمات النساء .
والمحمود منها نقاوة الثوب ، والتوسط في جنسه ، وكونه لبس مثله ، غير مسقط لمروءة جنسه مما لا يؤدي إلى الشهرة في الطرفين .
وقد ذم الشرع ذلك ، وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى الفخر بكثرة الموجود ، ووفور الحال .
-وكذلك التباهي بجودة المسكن ، و سعة المنزل ، و تكثير آلاته و خدمه و مركوباته .
ومن ملك الأرض ، وجبي إليه ما فيها ، فترك ذلك زهداً وتنزهاً ، فهو حائز لفضيلة المال ، ومالك للفخر بهذه الخصلة إن كانت فضيلة زائد عليها في الفخر ، ومُعـَرق في المدح بإضرابه عنها ، و زهده في فانيها ، وبذلها في مظانها


يتبع

[/frame]


4 
مجدى سالم

[frame="13 98"]

الفصل الثامن
في الخصال المكتسية من الأخلاق الحميدة
وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها ، و تعظيم المتصف بالخلق الواحد منها ، فضلاً عما فوقه و أثنى الشرع على جميعها ، و أمر بها ، ووَعَد السعادة الدائمة للمتخلق بها ، ووَصَف بعضها بأنه من أجزاء النبوة ، و هي المسماة بحسن الخلق ، و هو الإعتدال في قوى النفس وأوصافها ، والتوسط فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها ، فجميعها قد كانت خلق نبينا محمد على الإنتهاء في كمالها ، والإعتدال إلى غايتها ، حتى أثنى الله بذلك عليه ، فقال تعالى : ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم : 4 )
-قالت عائشة ـ رضي ا لله عنها : كان خلقه القرآن ، يرضى برضاه ، و يسخط بسخطه .
-وقال
صل الله علية وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .
-قال انس : كان رسول الله
صل الله علية وسلم أحسن الناس خلقاً .
-وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثله .
-وكان فيما ذكره المحقوق مجبولاً عليها في أصل خلقته وأول فطرته ، لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهي ، و خصوصية ربانيّة .
وهكذا لسائر الأنبياء ، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك ، كما عرف من حال عيسى وموسى ، ويحيى ، وسليمان ، وغيرهم عليهم السلام .
بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة ، و أودعوا العلم و الحكمة في الفطرة ، قال الله تعالى عن يحيى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) (مريم : 12 )
-قال المفسرون : أعطي يحيى العلم بكتاب الله تعالى في حال صباه .
-وقال معمر : كان يحيى ابن سنتين أو ثلاث ، فقال له الصبيان : لم لا تلعب ؟
فقال : أللعب خلقت ! ؟.
و قيل في قوله تعالى : (ُمصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ ) (آل عمران : 39 )) : صدق يحيى بعيسى ، و هو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله و روحه .
-وقيل : صدقه وهو في بطن أمه ، فكانت أم يحيى تقول لمريم : إنى أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له . و قد نص الله تعالى على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله لها : (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) (مريم : 24 )) على قراءة من قرأ من تحتها و على قول من قال : إن المنادي عيسى .
-ونص على كلامه في مهده ' فقال : (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) (مريم : 30 ).
-وقال : (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ) (الأنبياء : 79 )
-وقد ذكر من حكم سليمان و هو صبي يلعب في قصة المجرومة ، و في قصة الصبي ما اقتدى به داود أبوه عليهما السلام.
-وحكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاماً .
-وكذلك قصة موسى مع فرعون و أخذه بلحيته و هو طفل .
-وقال المفسرون ـ في قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ) (الأنبياء : 51 )) ، أي هديناه صغيرا ، قاله مجاهد و غيره .
-وقال ابن عطاء : اصطفاه قبل إبداء خلقه .
-وقال بعضهم : لما ولد إبراهيم عليه السلام بعث الله تعالى إليه ملكاً يأمره عن الله أن يعرفه بقلبه ، ويذكره بلسانه ، فقال : قد فعلت ، و لم يقل أفعل ، فذلك رشده .
وقيل : إن إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار و محنته كانت و هو ابن ست عشرة سنة ، و إن ابتلاء إسماعيل بالذبح كان وهو ابن سبع سنين ، و إن استدلال إبراهيم بالكوكب و القمر و الشمس كان وهو ابن خمسة عشر شهراً .
-وقيل : أوحي إلى يوسف و هو صبي عندما هم إخوته بإلقائه في الجب ، يقول الله تعالى (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) (يوسف : 15 ).
إلى غير ذلك مما ذكرنا من أخبارهم .
-وقد حكى أهل السير أن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمداً r ولد حين ولد باسطاً يديه إلى الأرض رافعاً رأسه إلى السماء .
وقال في حديثه
صل الله علية وسلم : لما نشأت بغضت إلي الأوثان . و بغض إلى الشعر .
و لم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين ، فعصمني الله منهما ، ثم لم أعد .
ثم يتمكن الأمر لهم ، وتترادف نفحات الله عليهم ، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم ، حتى يصلوا الغاية ويبلغوا ـ باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة ـ النهاية دون ممارسة ولا رياضة ، قال الله تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (يوسف : 22 )
-وقد نجد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاق دون جميعها ، و يولد عليها ، فيسهل عليه اكتساب تمامها عناية من الله تعالى ، كما نشاهد من خلقه بعض الصبيان على حسن السمت ، أو الشهامة ، أو صدق اللسان ، أو السماحة ، و كما نجد بعضهم على ضدها ، فبالإكتساب يكمل ناقصها ، وبالرياضة والمجاهدة يستجلب معدومها ، ويعتدل منحرفها ، و باختلاف هذين الحالين يتفاوت الناس فيها . وكل ميسر لما خلق له . و لهذا ما قد اختلف السلف فيها : هل هذا الخلق جبلة أو مكتسبة ؟ .
فحكى الطبري عن بعض السلف أن الخلق الحسن جبلة و غريزة في العبد ، و حكاه عن عبد الله بن مسعود ، و الحسن ، و به قال هو .
و الصواب ما أصلناه . وقد روى سعد عن النبي
صل الله علية وسلم ، قال : كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة و الكذب .
-وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديثه : و الجرأة ، و الجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء .
-وهذه الأخلاق المحمودة و الخصال الجميلة كثيرة ، و لكنا نذكر أصولها ، و نشير إلى جميعها ، ونحقق وصفه
صل الله علية وسلم بها إن شاء الله تعالى .
الفصل التاسع
في بيان أصول هذه الأخلاق و تحقق وصف النبي
صل الله علية وسلم بها
أما أصل فروعها ، و عنصر ينابيعها ، و نقطة دائرتها فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة ، ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي ، وجودة الفطنة ، والإصابة ، وصدق الظن ، والنظر للعواقب و مصالح النفس ، ومجاهدة الشهوة ، وحسن السياسة والتدبير ، واقتناء الفضائل ، وتجنب الرذائل .
وقد أشرنا إلى مكانه
صل الله علية وسلم ، وبلوغه منه ومن العلم الغاية التي لم يبلغها بشر سواه ، و إذ جلالة محله من ذلك ، و مما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجاري أحواله ، واطراد سيره ، وطالع جوامع كلامه . وحسن شمائله ، وبدائع سيره ، وحكم حديثه ، وعلمه بما في التوراة و الإنجيل والكتب المنزلة ، وحكم الحكماء ، و سير الأمم الخالية ، و أيامها وضرب الأمثال ، و سياسات الأنام ، و تقرير الشرائع ، وتأصيل الأداب النفسية ، والشيم الحميدة إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه صل الله علية وسلم فيها قدوه ،وإشاراته حجة ، كالعبارة ، و الطب ، و الحساب ، و الفرائض ، و النسب ، وغير ذلك مما سنبينه في معجزاته إن شاء الله ، دون تعليم ولا مدارس ، ولا مطالعة كتب من تقدم ، ولا الجلوس إلى علمائهم ، بل نبي أمي لم يُعرف بشيء من ذلك ، حتى شرح الله صدره ، وأبان أمره ، وعلمه ، وأقرأه ، يعلم ذلك بالمطالعة و البحث عن حاله ضرورة ، وبالبرهان القاطع على نبوته نظراً ، فلا نطول بسرد الأقاصيص ، وآحاد القضايا ، إذ مجموعها ما لا يأخذه حصر ، ولا يحيط به حفظ جمع ، و بحسب عقله كانت معارفه صل الله علية وسلم إلى سائر ما علمه الله تعالى ، وأطلعه عليه من علم ما يكون و ما كان ، وعجائب قدرته ، وعظيم ملكوته ، قال تعالى(َوعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء 113 )
حارث العقول في تقدير فضله عليه ، و خرست الألسن دون و صف يحيط بذلك أو ينهى إليه .
الفصل العاشر
في الفرق بين الحلم و الإحتمال ، و العفو مع القدرة ، و الصبر على ما يكره
وأما الحلم والاحتمال ، والعفو مع القدرة ، والصبر على ما يكره ، وبين هذه الألقاب فرق ، فإن الحلم حالة توقر و ثبات عند الأسباب المحركات . والاحتمال : حبس النفس عند الآلام والمؤذيات . ومثلها الصبر ، ومعانيها متقاربة ...وأما العفو فهو ترك المؤاخذة .
و هذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه
صل الله علية وسلم ، فقال : ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف : 199 )
-روي أن النبي
صل الله علية وسلم لما نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عليه السلام عن تأويلها ، فقال له : أسأل العالم
ثم ذهب فأتاه ، فقال : يامحمد . إن الله يأمرك أن تصل من قطعك ، و تعطي من حرمك ، و تعفو عمن ظلمك .
قال له : واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور .
و قال تعالى : ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) (الأحقاف : 35 )
وقال : (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور : 22 )).
-وقال : ((وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى : 43 )
ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله ، و أن كل حليم قد عرفت منه زله ، و حفظت عنه هفوه ، وهو
صل الله علية وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبراً ، وعلى اسراف الجاهل إلا حلماً .
-حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي التغلبي وغيره ، قالو ا : حدثنا محمد بن عتاب ، حدثنا أبو بكر بن و افد القاضي و غيره ، حدثنا أبو عيس ، حدثنا عبيد الله ، قال حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ما خير رسول الله
صل الله علية وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهم ما لم يكن اثماً ، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه ، و ما انتقم رسول الله صلى الله عليه و سلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمه الله تعالى، فينتقم لله بها .
-وروي أن النبي
صل الله علية وسلم لما كسرت رباعيته و شج و جهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقاً شديداً ،و قالوا : لو دعوت عليهم ! فقال : إني لم أبعث لعاناً ، و لكني بعثت داعياً و رحمة . اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون .
-وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في بعض كلامه : بأبي أنت و أمي يا رسول الله ! لقد دعا نوح على قومه ، فقال : (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) (نوح : 26 )) . و لو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ، فلقد وطيء ظهرك ، وأدمي وجهك ، وكسرت رباعيتك ، فأبيت أن تقول إلا خيراً ، فقلت : اللهم اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمون .
-قال القاضي ابو الفضل وفقه الله : انظر في هذا القول من جماع الفضل ، ودرجات الإحسان ، وحسن الخلق ، وكرم النفس ، وغاية الصبر والحلم ، إذ لم يقتصر
صل الله علية وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ، ثم أشفق عليهم ورحمهم ، ودعا وشفع لهم ، فقال : اغفر أو اهد ، ثم أظهر سبب الشفقة و الرحمة بقوله : لقومي ، ثم اعتذر عنهم بجهلهم ، فقال : فإنهم لا يعلمون .
-ولما قال له الرجل : اعدِل ، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ـ لم يزده في جوابه أن يبين له ما جهله .
ووعظ نفسه ، و ذكرها بما قال له ، فقال : و يحك ! فمن يعدل إن لم أعدل ! خبت و خسرت إن لم أعدل ! و نهى من أراد من أصحابه قتله .
ولما تصدى له غورث بن الحارث ليفتك به ، ورسول الله
صل الله علية وسلم منتبذ تحت شجرة وحده قائلاً ، والناس قائلون ،في غزاة ، فلم ينتبه رسول الله إلا وهو قائم والسيف صلتاً في يده ، فقال : من يمنعك مني ؟ فقال الله فسقط السيف من يده ، فأخذه النبي صل الله علية وسلم ، وقال : من يمنعك مني ؟ قال : كن خير آخذ ، فتركه و عفا عنه . فجاء إلى قومه فقال : جئتكم من عند خير الناس .
-ومن عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية التي سمته في الشاة بعد اعترافها ـ على الصحيح من الرواية .
-وأنه لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره ، و قد أعلم به وأوحي إليه بشرح أمره ، ولا عتب عليه فضلاً عن معاقبته .
-وكذلك لم يؤاخذ عبد الله بن أبي وأشباهه من المنافقين بعظيم ما نقل عنهم في جهته قولاً و فعلاً ، بل قال لمن أشار بقتل بعضهم : لا . لئلا يُتَحدَّث أن محمداً يقْتل أصحابَه .
-وعن أنس رضي الله عنه : كنت مع النبي
صل الله علية وسلم = ، وعليه برد غليظ الحاشية ، فجبذه الأعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه ، ثم قال : يا محمد ، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك ، فإنك لا تحمل لي من مالك و مال أبيك .
فسكت النبي
صل الله علية وسلم ، ثم قال : المال مال الله ، و أنا عبده .
ثم قال : و يقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي .
قال : لا .
قال : لم ؟ قال : لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة .
فضحك النبي
صل الله علية وسلم ، ثم أمر أن يحمل له على بعيره شعير ، و على الآخر تمر .
-قالت عائشة رضي الله عنهما : ما رأيت رسول الله منتصراً من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله . وما ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله . وما ضرب خادماً قط ولا إمرأة .
-وجيء إليه برجل ، فقيل : هذا أراد أن يقتلك . فقال له النبي
صل الله علية وسلم : لن تُرَاعَ ، لن تراع ، و لو أردت ذلك لم تُسَلَّط علي .
-وجاءه زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه ديناً عليه ، فجبذ ثوبه عن منكبه ، و أخذ بمجامع ثيابه ،وأغلظ له ، ثم قال : إنكم ، يا بـني عبد المطلب مَطْل ، فانتهره عمر وشدد له في القول ، و النبي
صل الله علية وسلم يبتسم . فقال رسول الله : أنا وهو كنا إلى غير هذا أحوج منك يا عمر ، تأمرني بحسن القضاء و تأمره بحسن التقاضي . ثم قال : لقد بقي من أجله ثلاث ، و أمر عمر يقضيه ماله و يزيده عشرين صاعاً لما روعه ، فكان سبب إسلامه ، ذلك انه كان يقول : ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في محمد صل الله علية وسلم إلا اثنتين لم أخبرهما : يسبق حلمه جهله ، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلماً . فأختبرته بهذا ، فوجدته كما وصف .
والحديث عن حلمه
صل الله علية وسلم وصبره وعفوه عند القدرة أكثر من أن تأتي عليه ، و حسبك ما ذكرناه مما في الصحيح والمصنفات الثابتة إلى ما بلغ متواتراً مبلغ اليقين : من صبره على مقاساة قريش ، وأذى الجاهلية ، و مصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظفره الله عليهم ، وحكمه فيهم ، وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم ، و إبادة خضرائهم ، فما زاد على أن عفا وصفح ، وقال : ما تقولون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم ، و ابن أخ كريم ، فقال : أقول كما قال أخي يوسف : (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف : 92 )) ، اذهبوا فأنتم الطلقاء .
-وقال أنس : هبط ثمانون رجلاً من التنعيم صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله
صل الله علية وسلم ، فأخذوا ، فأعقتهم رسول الله ، فأنزل الله تعالى : ((وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً) (الفتح : 24 )) .
وقال لأبي سفيان ـ و قد سيق إليه بعد أن جلب إليه الأحزاب ، و قتل عمَّه و أصحابه ومثل بهم ، فعفا عنه ، ولاطفه في القول : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ فقال : بأبي أنت و أمي ! ما أحلمك و أوصلك و أكرمك ؟
وكان رسول الله أبعد الناس غضباً ، وأسرعهم رضاً ،
صل الله علية وسلم .
الفصل الحادي عشر
في معاني الجود و الكرم ، و السخاء و السماحة
وأما الجود والكرم ، والسخاء والسماحة ـ فمعانيها متقاربة . وقد فرق بعضهم بينها بفروق ، فجعلوا الكرم الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه ، وسموه أيضا حرية ، وهو ضد النذالة .
والسماحة : التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس ، وهو ضد الشكاسة .
والسخاء : سهولة الإنفاق ، وتجنب اكتساب ما لا يحمد ، وهو الجود ، وهو ضد التقتير .
-وكان
صل الله علية وسلم لا يُوازى في هذه الأخلاق الكريمة ، ولا يُبارى ، بهذا وصفه كل من عرفه .
-حدثنا القاضي الشهيد أبو على الصدفي رحمه الله ، حدثنا القاضي أبو الوليد الباجي ، حدثنا أبو ذر الهروي ، حدثنا أبو الهيثم الكشميهني،وأبو محمد السرخسي ، و أبو إسحاق البلخي ، قالوا : حدثنا أبو عبد الله الفربري ، قال : حدثنا البخاري ، قال حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا سفيان ، عن ابن المنكدر ، سمعت جابر بن عبد الله يقول : ما سئل النبي
صل الله علية وسلم عن شيء فقال : لا .
وعن أنس ، و سهل بن سعد مثله .
-وقال ابن عباس : كان النبي
صل الله علية وسلم أجود الناس بالخير ، وأجود ما كان في شهر رمضان ، و كان إذا لقيه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة .
-وعن أنس أن رجلاً سأله فأعطاه غنماً بين جبلين ، فرجع إلى بلده ، و قال : أسلموا ، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى فاقة . وأعطى غير واحد مائة من الإبل ، وأعطى صفوان مائة ثم مائة ثم مائة ، و هذه كانت حاله
صل الله علية وسلم قبل أن يبعث .
وقد قال له ورقة بن نوفل : إنك تحمل الكل و تكسب العدوم .
ورد على هوازن سباياها ، و كانوا ستة آلاف .
وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله .
وحمل إليه تسعون ألف درهم ، فوضعت على حصير ، ثم قام إليها يقسمها ، فما رد سائلاً حتى فرغ منها
-وجاءه رجل ، فسأله فقال : ما عندي شيء ولكن ابتع علي ، فإذا جاءنا شيء قضيناه .. .فقال له عمر : ما كلفك الله ما لا تقدر عليه .فكره النبي
صل الله علية وسلم ذلك . فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، أنفق و لا تخف من ذي العرش إقلالاً .
فتبسم النبي
صل الله علية وسلم ، و عرف البشر في وجهه ، و قال : بهذا أمرت ـ ذكره الترمذي .
-وذكر عن معوذ ابن عفراء ، قال : أتيت النبي
صل الله علية وسلم بقِناع من رُطَب ـ يريد طبقاً ، وأُجْرٍ زُغْبٍ ـ يريد قِثَّاء ، فأعطاني مِلْء كفه حُلِياً و ذهباً .
وقال أنس : كان النبي
صل الله علية وسلم لا يدخر شيئاً لغد .
والخبر بجوده
صل الله علية وسلم و كرمه كثير .
-وعن أبي هريرة : أتى رجل النبي صلى الله عليه و سلم يسأله ، فاستسلف له رسول
صل الله علية وسلم نصف وسق فجاء الرجل يتقاضاه ، فأعطاه وسقاً ، و قال : نصفه قضاء و نصفه نائل .

الفصل الثاني عشر
في الشجاعة و النجدة
وأما الشجاعة والنجدة فالشجاعة =فضيلة قوة الغضب و انقيادها للعقل ، و النجدة =ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يُحمد فعلها دون خوف .
و كان
صل الله علية وسلم منهما بالمكان الذي لا يُجهل ، قد حضر المواقف الصعبة ، و فر الكٌماة و الأبطال عنه غير مرة ، وهو ثابت لا يبرح ، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة ، و حفظت عنه جولة ، سواه .
-حدثنا أبو علي الجياني فيما كتب لي ، قال : حدثنا القاضي سراج ، حدثنا أبو محمد الأصيلي ، قال : حدثنا أبو زيد الفقيه ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن اسماعيل ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبي اسحاق : سمع البراء و سأله رجل : أفررتم يوم حنين عن رسول الله ؟ قال : لكن رسول الله لم يفر . ثم قال : لقد رأيته على بغلته البيضاء و أبو سفيان آخذ بلجامها ، و النبي
صل الله علية وسلم يقول : أنا النبي لا كذب ، و زاده غيره : أنا ابن عبد المطلب .
قيل : فما رئي يومئذ أحد كان أشد منه .
-وقال غيره : نزل النبي
صل الله علية وسلم عن بغلته .
-وذكر مسلم ـ عن العباس ، قال : فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار ، وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركابه ، ثم نادى : يا للمسلمين ... الحديث .
و قيل : و كان رسول الله إذا غضب ـ و لا يغضب إلا لله ـ لم يقم لغضبه شيء . وقال : ابن عمر : ما رأيت أشجع ، ولا أنجد ، ولا أجود ، ولا أرضى ، ولا أفضل من رسول الله
-وقال علي رضي الله عنه : إنا كنا إذا حمي اليأس ـ و يروى : اشتد البأس ـ و احمرت الحدق اتقينا برسول الله ، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه و لقد رأيتني يوم بدر و نحن نلوذ بالنبي
صل الله علية وسلم ، وهو أقربنا إلى العدوّ و كان من أشد الناس يومئذ بأساً .
وقيل : كان الشجاع هو الذي يقترب منه
صل الله علية وسلم إذا دنا العدو ، لقربه منه .
-عن أنس : كان النبي
صل الله علية وسلم أحسن الناس ، و أجود الناس ، و أشجع الناس ، لقد فزع أهل المدينة ليلة ، فانطلق ناس قِبَل الصوت ، فتلقاهم رسول الله راجعاً ، قد سبقهم إلى الصوت ، و استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ ، و السيف في عنقه ، وهو يقول : لن تَراعوا .
وقال عمران بن حصين : ما لقي رسول الله كتيبة إلا كان أول من يضرب .
و لما رآه أبي بن خلف يوم أحد و هو يقول : أين محمد ، لا نجوت إن نجا .
و قد كان يقول للنبي
صل الله علية وسلم ـ حين افتدى يوم بدر : عندي فرس أعلفها كل يوم فرقاً من ذرة أ قتلك عليها
فقال : له النبي
صل الله علية وسلم أنا أقتلك إن شاء الله .
فلما رآه يوم أحد شد أبي على فرسه على رسول الله ، فاعترضه رجال من المسلمين ، فقال النبي
صل الله علية وسلم : هكذا ، أي خلوا طريقه و تناول الحربة من الحارس بن الصمة ، فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشَّعْراء عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم استقبله النبي صل الله علية وسلم ، فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً .وقيل : بل كسر ضلعاً من أضلاعه ، فرجع إلى قريش يقول : قتلني محمد ، و هم يقولون لا بأس بك . فقال : لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم ، أليس قد قال : أنا أقتلك ، و الله لو بصق علي لقتلني . فمات بسَرِف في قفولهم إلى مكة
[/frame]


5 
مجدى سالم


[frame="13 98"]

في حكم زيارة قبره وفضيلة من زاره وسلم عليه
وزيارة قبره
صل الله علية وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها ، وفضيلة مرغب فيها ...
*حدثنا القاضي أبو علي ، قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون ، قال : حدثنا الحسن بن جعفر ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ، قال : حدثنا القاضي المحاملي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرزاق ، قال : حدثنا موسى بن هلال ، عن عبد الله بن عمر، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه قال : قال النبي
صل الله علية وسلم من زار قبري و جبت له شفاعتي .
-وعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله
صل الله علية وسلم : من زارني في المدينة محتسباً كان في جواري ، وكنت له شفيعاً يوم القيامة
-وفي حديث آخر : من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي .
وكره مالك أن يقال : زرنا قبر النبي
صل الله علية وسلم .
وقد اختلف في معنى ذلك ، فقيل : كرامة الاسم ، لما ورد من قوله
صل الله علية وسلم : لعن الله زوارات القبور .
وهذا يرده قوله : نهيتم عن زيارة القبور فزوروها .
وقوله : من زار قبري ، فقد أطلق اسم الزيارة .
وقيل لأن ذلك لما قيل إن الزائر أفضل من المزور .
وهذا أيضاً ليس بشيء، إذ ليس كل زائر بهذه الصفة ، وليس عموماً ، وقد ورد في حديث أهل الجنة : زيارتهم لربهم ، ولم يمنع هذا اللفظ في حقه تعالى .
-وقال أبو عمران رحمه الله : إنما كره مالك أن يقال : طواف الزيارة ، وزرنا قبر النبي
صل الله علية وسلم ، لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض، فكَرِه تسوية النبيصل الله علية وسلم مع الناس بهذا اللفظ ،وأحب أن يخص بأن يقال : سلمنا على النبي .
صل الله علية وسلم وأيضاً فإن الزيارة مباحة بين الناس ، وواجب شد الرحال إلى قبره ، يريد بالوجوب هنا ندب وترغيب وتأكيد ، لا وجوب فرض .
-والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي r ، وأنه لو قال : زرت النبي لم يكرهه ، لقوله
صل الله علية وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد بعدي ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .
فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر ، والتشبه بفعل أولئك ، قطعاً للذريعة وحسماً للباب والله أعلم .
-قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه : ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة ، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ، ومجلسه ، وملامس يديه ، ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه ، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه ، وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين ، والاعتبار بذلك كله .
- وقال ابن أبي فديك : سمعت بعض من أدركت يقول : بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي

صل الله علية وسلم فتلا هذه الآية : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب : 56 ) ـ قال : صلى الله عليك يا محمد ـ من يقولها سبعين مرة ناداه ملك : صلى الله عليك يا فلان ، ولم تسقط له حاجة .
-وعن يزيد بن أبي سعيد المهري : قدمت على عمر بن عبد العزيز ، فلما ودعته قال : لي إليك حاجة ، إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي
صل الله علية وسلم فأقره مني السلام .
-وقال غيره : وكان يبرد إليه البريد من الشام .
-قال بعضهم : رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ، فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة ، فسلم على النبي ، ثم انصرف .

-وقال مالك ـ في رواية ابن وهب : إذا سلم على النبي ، ودعا ، يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة ، ويدنو ، ويسلم ، ولا يمس القبر بيده .
-وقال في المبسوط : لا أرى أن يقف عند قبر النبي يدعو ، ولكن يسلم ويمضي .
-قال ابن أبي مليكة : من أحب أن يقوم وجاه النبي فليجعل القنديل الذي عند القبر على رأسه .
-وقال نافع : كان ابن عمر يسلم على القبر ، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول : السلام على النبي ، السلام على أبي بكر ، السلام على أبي ، ثم ينصرف .
ورئي ابن عمر واضعاً يده على مقعد النبي
صل الله علية وسلم من المنبر ، ثم وضعها على وجهه .
وعن ابن قسيط و العتبي : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ، ثم استقبلوا القبلة يدعون .
-وفي الموطأ ـ من رواية يحيى بن يحيى الليثي ـ أنه كان يقف على قبر النبي
صل الله علية وسلم فيصلي على النبي وعلى أبي بكر وعمر .
-وعن ابن القاسم والقعنبي : و يدعو لأبي بكر وعمر .
-قال مالك ـ في رواية ابن وهب : يقول المسلم : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته .
-قال في المبسوط : ويسلم على أبي بكر ، وعمر .
-قال القاضي أبو الوليد الباجي : وعندي أنه يدعو للنبي
صل الله علية وسلم بلفظ الصلاة ، ولأبي بكر ، وعمر ، كما في حديث ابن عمر من الخلاف .
-وقال ابن حبيب : وتقول إذا دخلْتَ مسجد الرسول : بسم الله ، وسلام على رسول الله عليه السلام ، السلام علينا من ربنا ، وصلى الله وملائكته على محمد .
اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك ، واحفظني من الشيطان الرجيم ، ثم اقصِدْ إلى الروضة ، وهي ما بين القبر والمنبر فاركَعْ فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فيهما وتسأله تمام ما خرجت إليه والعونَ عليه .
وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك ، وفي الروضة أفضل . -وقد قال
صل الله علية وسلم : ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة ، ومنبري على ترعة من ترع الجنة .
ثم تقف متواضعاً متوقراً ، فتصلي عليه وتثني بما يحضرك ، وتسلم على أبي بكر وعمر ، وتدعو لهما .
وأكثر من الصلاة في مسجد النبي
صل الله علية وسلم بالليل والنهار،ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبورالشهداء.
-وقال مالك في كتاب محمد : و يسلم على النبي
صل الله علية وسلم إذا دخل وخرج ـ يعني في المدينة ـ وفيما بين ذلك .
-وقال محمد : وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر ، وكذلك من خرج مسافراً .
-وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي
صل الله علية وسلم أن النبي صل الله علية وسلم قال : إذا دخلت المسجد فصل على النبي صل الله علية وسلم ، وقل : اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك . وإذا خرجت فصل على النبيصل الله علية وسلم ، وقل : اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب فضلك .
-وفي رواية أخرى : فليسلم مكان : فليصل فيه ، ويقول إذا خرج : اللهم إني أسألك من فضلك .
-وفي أخرى : اللهم احفظني من الشيطان الرجيم .
-وعن محمد بن سيرين : كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد : صلى اللهُ وملائكتُه على محمد . السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ، باسم الله دخلنا ، وباسم الله خرجنا ، وعلى الله توكلنا .
وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك .
-وعن فاطمة أيضاً : كان النبي
صل الله علية وسلم إذا دخل المسجد قال : صلى الله على محمد وسلم .
ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا .
-وفي رواية : حمد الله وسمى ، و صلى على النبي
صل الله علية وسلم ، وذكر مثله .
-وفي رواية : باسم الله ،و السلام على رسول الله .
-وعن غيرها : كان رسول الله إذا دخل المسجد قال : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، ويسر لي أبواب رزقك .
-وعن أبي هريرة : إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي
صل الله علية وسلم ، وليقل : اللهم افتح لي .
-وقال مالك في المسبوط :وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر ، وإنما ذلك للغرباء .
-وقال فيه أيضاً : لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي
صل الله علية وسلم ، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر . -فقيل له : فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه ، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ، ربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة ! .
فقال : لم يبلغني هذا على أحد من أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده
-قال ابن القاسم : ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا ، قال : وذلك رأيي .
-قال الباجي : ففرق بين أهل المدينة والغرباء ، لأن الغرباء قصدوا لذلك ، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم .
-وقال
صل الله علية وسلم : اللهم لا تجعل قبري و ثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .
-وقال : لا تجعلوا قبري عيداً .
-ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي ـ فيمن وقف بالقبرـ : لا يلصق به ، ولا يمسه ، ولا يقف عنده طويلاً .-وفي العتبية : يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي
صل الله علية وسلم ، وأحب مواضع التنقل فيه مصلى النبي صل الله علية وسلم حيث العمود المخلق . وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف والتنقل فيه للغرباء أحب إلي من التنقل في البيوت ....
الفصل العاشر
آداب دخول المسجدالنبوي وفضله
فيما يلزم من دخل مسجد النبي
صل الله علية وسلم من الأدب سوى ما قدمناه وفضله وفضل الصلاة فيه وفي مسجد مكة وذكر قبره ومنبره وفضل سكنى المدينة ومكة . قال تعالى لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التوبة : 108 )
روي أن النبي
صل الله علية وسلم سئل أي مسجد هو ؟ قال: مسجدي هذا. وهو قول ابن المسيب ،وابن عمر، ومالك بن أنسةغيرهم.
وعن ابن عباس لأنه مسجد قباء = حدثنا هشام بن أحمد الفقيه بقراءني عليه قال: حدثنا الحسين بن محمد الحافظ ،حدثنا أبو عمر النمري ،حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ،حدجثنا أبو بكر بن داسة ،حدثنا أبو داود ،حدثنا سفيان عن الزهري عن سعسد بن المسيب عن أبي هريرة رضس الله عنه عن النبي
صل الله علية وسلم قال : لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى .
وقد تقدمت الآثار في الصلاة والسلام على النبي
صل الله علية وسلم عند دخول المسجد ...وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صل الله علية وسلم كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم..
وقال مالك رحمه الله سمع عمر بن الخطاب صوتاً في المسجد فدعا بصاحبه فقال : ممن أنت ؟ قال : رجل من ثقيف ، قال : لو كنت من هاتين القريتين لأدبتك . إن مسجدنا لا يرفع فيه الصوت .
وقال محمد بن مسلمة : لا ينبغي لأحد أن يعتمد المسجد برفع الصوت ولا بشيء من الأذى وأن يُنزَّه عما يُكرَه .قال القاضي حكى ذلك كله القاضي إسماعيل في مبسوطه في باب فضل مسجد النبي
صل الله علية وسلم والعلماء كلهم متفقون أن حكم سائر المساجد هذا الحكم.قال القاضي إسماعيل وقال محمد بن مسلمة : ويُكره في مسجد الرسول صل الله علية وسلم الجهر على المصلين فيما يخلط عليهم صلاتهم وليس مما يخص به المساجد رفع الصوت وقدكره رفع الصوت بالتلبية في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجدنا .
وقال أبو هريرة رضي الله عنه ،عن النبي r : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام .
قال القاضي : اختلف الناس في معنى هذا الإستثناء على اختلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة ،فذهب مالك ،في رواية أشهب عنه وقال ابن نافع صاحبه وجماعة أصحابه ،إلى أن معنى أن الصلاة في مسجد الرسول
صل الله علية وسلم أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه بدون الألف واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه :صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه .فتأتي فضيلة مسجد رسول الله بتسعمائة وعلى غيره بألف.وهذا مبني على تقضيل المدينة على مكة على ما قدمناه وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين..
وذهب أهل مكة والكوفة إلى نفضبل مكة وهو قول عطاء وابن وهب وابن حيبب من أصحاب مالك وحكاه الباجي عن الشافعي وحملوا الإستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير عن النبي بمثال حدبث أبي هريرة وفيه :وصلاة في المسجد الحرام أقضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة .. وروى قتادة مثله فيأتي فضل الصلاة في المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف ولا خلاف أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض ،
قال القاضي أبو الوليد الباجي : الذي يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد ولا يُعلم منه حكمها مع المدينة .
وذهب الطحاوي إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض .. وذهب مطرف من أصحابنا إلى أن ذلك في النافلة أيضاً.قال: وجُمعة خير من جُمعة ورمضان خيرٌ من رمضان وقد ذكر عبد الرزاق في تفضيل رمضان بالمدينة وغيرها حديثاَ نحوه وقال النبي
صل الله علية وسلم :ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة .. ومثله عن أبي هريرة ، وأبي سعيد :وزاد: ومنبري على حوضي...وفي حديث آخر : منبري على ترعة من ترع الجنة...قال الطبري فيه معنيان: أحدهما أن المراد بالبيت بيت سكناه على الظاهر مع أنه رُوِيَ ما يبينه: بين حجرتي ومنبري.والثاني أن البيت هنا القبر،وهو قول زيد بن أسلم في هذا الحديث كما رُوي بين قبري ومنبري ..قال الطبري :وإذا كان قبره في بيته اتفقت معاني الروايات ولم يكن بينها خلاف لأن قبره في حجرته وهو بيته .وقوله صل الله علية وسلم : ومنبري على حوضي .قيل يحتمل أنه منبره بعينه الذي كان في الدنيا وهو أظهر ،والثاني أن يكون له هناك منبر ،والثالث أن قصد منبره والحظور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يوردُ الحوضَ ويوجب الشربَ منه . قاله الباجي. وقوله صل الله علية وسلم : روضة من رياض الجنة، يحتمل معنيين : أحدهما أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه يستحق ذلك من التواب كما قيل :الجنة تحت ظلال السيوف.والثاني أن تلك البقعة قد ينقلها اللهُ فتكون في الجنة بعينها. قاله الداودي .
وروى ابنُ عمر وجماعة من الصحابة أن النبي
صل الله علية وسلم قال في المدينة : لا يصبر على لأوائها وشدتها أحدٌ إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة. وقال صل الله علية وسلم في من تحمل عن المدينة : والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون .وقال : إنما المديبة كالكير تنفي خبثها ويصنع طيبها .وقال صل الله علية وسلم :لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراَ منه.وروي عنه صل الله علية وسلم : من مات في أحد الحرمين حاجاً أو معتمراً بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب ..وفي طريق لآخر : بعث من الآمنين يوم القيامة ..وعن ابن عمر عنه صل الله علية وسلم : من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها..
وقال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) (آل عمران : 97+96 )
قال بعض المفسرين : آمِناً من النار . وقيل كان يأمَن مِن الطلب مَن أحدث حدثاً خارجًا عن الحرم ولجأ إليه في الجاهلية ،وهذا مثل قوله تعالى : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ) (البقرة : 125 ) على قول بعضهم وحُكي أن قوماً أتوا سعدون الخولاني بالمنستير فأعلموه أن كتامة قتلوا رجلاً وأضرموا عليه النار طول الليل فلم تعمل فيه شيئاً وبقي أبيض البدن فقال: لعله حج ثلاث حجج ؟ قالوا نعم..قال : حدثتُ أن من حج حجةً أدى فرضَه ومن حج ثاتية دايَن ربَّه ومن حج ثلاث حجج حرم اللهُ شعرَه وبشرَه على النار...ولما نظر رسول الله إلى الكعبة قال : مرحباً بك من بيت ، ما أعظمك وأعظم حرمتك. وفي الحديث عنه
صل الله علية وسلم : ما من أحد يدعو الله تعالى عند الركن الأسود إلا استجاب الله له...وكذلك عند الميزاب وعنه صل الله علية وسلم : من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحُشر يوم القيامة من الآمنين...
قال الفقيه القاضي أبو الفضل قرأت على القاضي الحافظ أبي علي ،حدتنا أبو العباس العذري قال،حدثنا أبو أسامة محمد بن أحمد بن محمد الهروي ،حدتنا الحسن بن رفيق ،سمعت أبا الحسن محمد بن الحسن بن راشد ،سمعت أبا بكرمحمد بن إدريس ،سمعت الحميدي قال :سمعت سفيان بن عيينة قال:سمعت عمرو بن دينار ،قال : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله يقول : ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم إلا استجيب له ..قال ابن عباس : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول الله إلا استجيب لي.وقال عمرو بن دينار : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابن عباس إلا استجيب لي ...وقال سفيان : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من عمرو إلا استجيب لي ..وقال الحميدي :وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من سفيان إلا استجيب لي ..وقال محمد بن إدريس :وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحميدي إلا استجيب لي ..وقال أبو الحسن محمد بن الحسن : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من محمد بن إدريس إلا استجيب لي .قال أبو أسامة :وما أذكر الحسن بن رشيق قال فيه شيئاً،وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحسن بن رشيق إلا استجيب لي من أمر الدنيا وأنا أرجو أن يستجاب لي من أمر الآخرة..قال العذري:وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من أبي أسامة إلا استجيب لي ..قال أبو علي :وأنا فقد دعوت الله فيه بأشياء كثيرة استجيب لي بعضها وأنا أرجو من سعة فضله أن يستجيب لي بقيتها..
*قال القاضي أبو الفضل :ذكرنا نبذاً من هذه النكتفي هذا الفصل وإن لم تكن من الباب لتعلقها بالفصل الذي قبله حرصاً على تمام الفائدة...والله الموفق للصواب برحمته.
[/frame]



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.