العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
مجدى سالم


[frame="13 98"]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ومن أوائل المهاجرات

أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ومن أوائل المهاجرات

تزوج أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قُتيلة بنت عبد العزى وأنجب منها: عبد الله وأسماء ذات النطاقين.
وتزوج أم رومان بنت عامر بن عويمر وأنجب منها: عبد الرحمن وعائشة. وتزوج حبيبة بنت خارجة بن زيد وأنجب منها أم كلثوم إلا ان زواجه من أسماء بنت عميس كان مختلفاً. فالصديق كان يحبها ويحترمها لدرجة أنه أوصى بألا يغسله أحد سوى زوجته أسماء بنت عميس.
وتكنى أسماء بنت عميس بذات الهجرتين وزوجة الفضلاء. وهي من المهاجرات الأوائل. أسلمت قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم. وهاجرت مع زوجها جعفر الطيار إلى الحبشة وهي عروس في شهر عسلها وولدت له هناك: عبد الله ومحمداً وعوناً.
وعندما عادت من الحبشة إلى المدينة المنورة داعبها عمر بن الخطاب قائلاً: يا حبشية، سبقناكم بالهجرة. فقالت: لعمري، لقد صدقت، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعلم جاهلكم، وكنا البعداء الطرداء، أما والله لأذكرن ذلك لرسول الله. فأتته، فقال صلى الله عليه وسلم: “ للناس هجرة واحدة ولكم هجرتان”.
ودخلت أسماء في امتحان جدي. إذ خرج زوجها جعفر إلى “مؤتة” بأمر واختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم قائداً ثانياً لجيش المسلمين، بعد زيد بن حارثة إذا كتبت له الشهادة وقد كان. واستشهد جعفر بن أبي طالب بعد أن تقطعت يداه وهو يحتضن راية الإسلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله قد أبدل جعفراً عن يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء.
وكان حزن أسماء بالغاً، فقد كان جعفر الرفيق والزوج والحبيب. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت جعفر في اليوم الثالث لاستشهاده وقال لا تبكوا على أخي بعد اليوم.
وراح رسول الله يدعو لأبناء جعفر، ثم جاءت أسماء تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: العيلة - أي الفقر والحاجة - تخافين عليهم يا أسماء وأنا وليهم في الدنيا والآخرة.
وانكفأت أسماء على نفسها وعلى أبنائها ترعاهم وتربيهم تحت سمع وبصر ويد النبي صلى الله عليه وسلم.. حتى كان يوم حنين. فقد توفيت “أم رومان” زوجة أبي بكر الصديق، فزوج رسول الله أبا بكر من أسماء، بعد أن أبدى رغبته في الاقتران بها.
وكان هذا الزواج مواساة لكلا الطرفين.. وانتقلت أسماء إلى بيت الصديق لتعيش زوجة راضية كريمة وفية، ترعى الحق وتصون العهد، ورزقت منه - رضي الله عنه - بولدها محمد بن أبي بكر. وكان الصديق يحبها ويغار عليها حتى انه ذهب يشكو إلى النبي دخول أحد الصحابة على أسماء في غيابه، فقضى النبي عليه الصلاة والسلام بألا يدخل الرجل منفرداً على الغائب زوجها، وإنما يدخل الرجلان والثلاثة درءاً للفتنة. وعندما مرض الصديق مرض الوفاة أوصى بأن تقوم أسماء على غسله، وهذا منه - رضي الله عنه - منتهى الحب والثقة.
ولأنها كانت صوامة قوامة فقد أوصاها الصديق بأن تفطر في اليوم الذي تُغسله فيه قائلاً: هو أقوى لك وتوفي الصديق وقامت أسماء بتغسيله، وذكرت وصيته في آخر النهار، فدعت بماء وشربت وقالت: والله لا أتبعه اليوم حنثا.

حكيمة
ولم تكد عدتها تنقضي حتى تزوجها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأنجبت منه ابنهما “عون”. وعاشت في بيت عليّ، سيدة فاضلة، تؤدي حق الزوجية، دونما تفريط أو إهمال أو انتقاص، وترعى أولادها الخمسة وتزرع فيهم الحب والإيمان.
ويروى أن ولديها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر تفاخرا ذات يوم فقال كل منهما: أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك !! وكان علي - رضي الله عنه - حاضراً فقال لأسماء: اقضي بينهما. هنا تتبدى أسماء في أسمى صورة للمرأة المسلمة، وللزوجة المؤمنة فقالت: ما رأيت شاباً خيراً من جعفر ولا كهلاً خيراً من أبي بكر !
وسكت الولدان، ولم يعودا إلى ما كانا عليه من المفاخرة. فقط تكلم “علي” مداعباً “فما أبقيت لنا؟!”.
وقاربت رحلة أسماء بنت عميس في الدنيا على النهاية فبعد وفاة الإمام علي أتاها من مصر نعي ولدها محمد بن أبي بكر، فقامت إلى مصلاها في بيتها، وكظمت غيظها، وأدت نفلها، وحبست دمعها، فانعكس كل ذلك على بدنها، وقد ضعف وشاخ، فشخب ثدياها دماً - أي سال منهما الدم - نزفت حتى فاضت روحها، وحلقت في السماوات العلا. وذكر الذهبي أن ذلك كان سنة 60 ه.

زوجة الشهداء
اسمها عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وهي ابنة عم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أسلمت عاتكة، وبايعت الرسول صلى الله عليه وسلم، وهاجرت إلى المدينة وحسن إسلامها.
اشتهرت عاتكة عند كتاب السير بزوجة الشهداء لأن كل أزواجها ماتوا شهداء. كانت عاتكة حسناء جميلة، تزوجت بعبد الله بن أبي بكر فأحبها حباً شديداً حتى شغلته عن الجهاد والعمل وغيرهما. ومر عليه أبو بكر الصديق وهو في حجرته يناغيها في يوم جمعة، وأبو بكر متوجه إلى صلاة يوم الجمعة، فصلى أبو بكر ثم رجع فوجده مازال يناغيها، فقال: يا عبد الله، صليت الجمعة؟ قال: أوصلى الناس؟ قال: نعم. قد شغلتك عاتكة عن المعاش والتجارة، وقد ألهتك عن فرائض الصلاة طلقها. فطلقها تطليقة. وبينما أبو بكر يصلي على سطح له في الليل إذ سمع ابنه عبد الله وهو يقول:
أعاتك لا أنساك ماذر شارق
وما ناج قمري الحمام المطوق
فسمع أبو بكر قوله فأشفق عليه، ورق له، فقال: يا عبد الله راجع عاتكة. فقال أشهدك أني قد راجعتها، وقال لغلام له اسمه أيمن: أنت حر لوجه الله تعالى، أشهدك أني قد راجعت عاتكة، ثم خرج إليها يجري إلى آخر الدار وهو ينشد:
أعاتك قد طلقت في غير ريبة
وروجعت للأمر الذي هو كائن
ثم أعطاها حديقة له حين راجعها مشترطاً عليها ألا تتزوج بعده، لما مات من سهم أصابه حزنت عليه حزناً شديداً وقالت ترثيه:
فلله عيناً من رأى مثله فتى أكر وأحمى في الهياج وأصبرا..
حتى تقول:
فأقسمت لا تنفك عيني سخينة
عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
مدى الدهر ما غنت حمامة أيكة
وما طرد الليل الصباح المنورا
ثم إن زيداً بن الخطاب تزوج عاتكة، وقتل عنها يوم اليمامة شهيداً، ثم خطبها عمر بن الخطاب، وأرسل إليها أنك قد حرمت عليك ما أحل الله لك. فقالت: قد كان عبد الله بن أبي بكر قد أعطاني حديقة على ألا أتزوج بعده. فقال لها عمر: استفتي فاستفتت علي بن أبي طالب فقال: “ردي الحديقة إلى أهله وتزوجي”، فخطبها عمر بن الخطاب وتزوجته وعاشت معه عيشة هنية، وخرجت معه إلى المسجد للصلاة فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي فقالت عاتكة ترثيه:
أبكي أمير المؤمنين ودونه
للزائرين صفائح وصعيد
ولما انقضت عدتها تزوجها الزبير بن العوام وقال: يا عاتكة لا تخرجي إلى المسجد، وكانت امرأة عجزاء بادنة. فقالت: يا ابن الزبير أتريد أن أدع لغيرتك مُصلى صليت مع رسول الله وأبي بكر وعمر فيه؟
قال: لا أمنعك. ولكنه تخفّى وانتظرها وهي ذاهبة إلى صلاة الفجر، فلما مرت به ضرب بيده على عجيزتها، فقالت: مالك قطع الله يدك ورجعت، فلما رجع من المسجد قال: يا عاتكة، مالي لم أرك في المسجد؟ قالت: يرحمك الله أبا عبد الله فسد الناس بعدك، الصلاة اليوم في البيت أفضل.

الشهادة الحاضرة
ولما قتل ابن الزبير رثته شعراً.
ثم خطبها علي بن أبي طالب فقالت: إني لأضن بك يا ابن عم رسول الله عن القتل. فكان علي بن أبي طالب يقول: من أحب الشهادة الحاضرة فليتزوج عاتكة.
ثم تزوجها الحسين بن علي بن أبي طالب، فكانت أول من رفع خده من التراب، ولعن قاتله والراضي به يوم قتل، وقالت ترثيه:
وحُسيناً فلا نسيت حُسينا
أقصدته أسنة الأعداء
غادروه بكربلاء صريعاً
جاءت المزن في ذرى كربلاء
وترملت بعده فكان عبد الله بن عمر يقول: من أراد الشهادة فليتزوج بعاتكة. ويقال: إن مروان خطبها بعد الحسين فامتنعت عليه وقالت: ما كنت لأتخذ حماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتوفيت عاتكة بنت زيد سنة 40 ه.

..................................

أسماء بنت أبي بكر.. ذات النطاقين

لعبت المرأة المسلمة دوراً مهماً في تاريخ نشر الدعوة الإسلامية والذود عنها وتحمَّلت في سبيل ذلك الكثير
من المتاعب والصعاب وربما العقاب والإيذاء أيضا. ومن هؤلاء أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما،
التي كان لها دور بارز ومؤثر في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، تلك الهجرة التي
كانت نقطة انطلاق وتحوُّل في مسار الدين الجديد.
وُلدت أسماء في العام الرابع عشر قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت من بيوت سادة قريش
هو بيت عبدالله بن أبي قحافة الملقَّب بأبي بكر. وهو بيت عزٍّ ومجد وغنى، وتعلَّمت من والدها الشجاعة
في القول والعمل ، والأمانة ، والصدق ، والرحمة والرفق بالضعفاء وإطعام الفقراء والمحتاجين.
وكانت قوية الجسم سريعة النمو، شديدة الذكاء والفهم والحفظ لما تسمعه حتى حفظت الكثير من أشعار العرب
ورواياتهم وأخبارهم وتاريخهم وأنسابهم، وكانت تشارك الخدم في إعداد موائد الطعام للضيوف الذين لا تخلو
قاعة البيت الكبيرة منهم يوماً سواء كانوا من الفقراء والمساكين أو من القاصدين لأمور التجارة.

إسلام أسماء

أسلمت أسماء بعد أن أخبرها والدها بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وحينما جاءهم الرسول زائراً في
البيت استقبلته قائلة: يا رسول الله، إنني آمنت بكل ما جئت به. فابتسم الرسول وسألها متلطفاً: بأي شيء جئت يا أسماء؟
قالت: قال لي أبي: إنك جئت برسالة من عند الله تعالى بأنه واحد لا شريك له، وأنه أرسلك إلى جميع الناس لتعلمهم ذلك ،
وأنه هو الذي يُعبد وحده، وأنه يأمر بالخير وينهى عن الشر وعن الإساءة إلى الناس، وأن الجنة في الآخرة لمن استقام وخاف من العقاب،
وأن النار لمن أشرك وكفر وظلم الخلق.
فقال له الرسول: بارك الله فيك يا أسماء.. ولكن تعاهدينني على الطاعة لله ولرسوله في كل ما يأمر به؟ قالت: نعم يا رسول الله أعاهدك
وأعاهد الله تعالى على الطاعة لكل ما تأمر به، والعبادة لله وحده.
وحافظت أسماء على العهد وازداد تمسكها به حتى في اختيارها شريك حياتها، لأنها اختارت من كان إيمانه قوياً صلباً لم يضعفه ما لاقاه
من تعذيب أهله وبطشهم به لإيمانه بمحمد، إنه الزبير بن العوام، خامس خمسة أسلموا وكان في الخامسة عشرة من عمره، وانتقلت
إلى بيت الزبير وكان فقيراً فلم يكن في بيته إلا فراش خشن ووسادة من ليف وقربة من الجلد للشرب والاغتسال ولكنها كانت راضية
سعيدة لأنهما اجتمعا معاً على الإسلام.

في مواجهة عدو الله

ويأتي دورها الأهم في إنجاح تنفيذ الأمر الإلهي بالهجرة، حيث كانت في بيت أبيها لسفر زوجها في تجارة له بالشام إذ جاء
النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر وقت الظهيرة ولم يكن معتاداً الحضور في هذا الوقت وقال لصاحبه:
إني قد أذن لي في الخروج والهجرة. وبعد خروجهما وبعد أن يئس المشركون من العثور على الرسول ذهبوا غاضبين ثائرين
إلى بيت أبي بكر وكسروا الباب على من بداخله فقال أبوجهل لأسماء: أين أبوك؟ فأجابته بأنه خرج، وأنها لا تعرف مكانه..
فلم يتمالك أبوجهل نفسه من شدة الغيظ فهوى على وجهها بيده القوية ولطمها لطمة وصلت إلى أذنها فشقّتها وسقط القرط منها وقد تخضَّب وجهها بالدماء.
ورغم ذلك، وقفت أسماء ثابتة لم تتزحزح، أما أبوجهل فقد انسحب في خزي وعار، وقد لامه أهل مكة على ضربه لأسماء من غير ذنب جنته.
ولم تكد أسماء تستريح مما لاقته من عدو الله أبي جهل، حتى طرق الباب جدها أبوقحافة الذي جاء مسرعاً بعد ما سمعه من نبأ
نجاة النبي صلى الله عليه وسلم وسأل عن أبيها. فأجابته بأنه هاجر إلى ربه. فسألها عمَّا يقوله الناس من أنه أعطى كل ماله لمحمد.
فأجابته: لقد ترك لنا خيراً كثيراً. وجمعت مع أختها عائشة حصوات من فناء البيت ولفتها في قطعة من القماش ووضعتها في
الكوّة (طاقة في الحائط) ثم سحبت جدها وكان قد فقد بصره فلمس بيده ما وُضع في الكوّة وهي تقول له: أليس كثيراً يا جداه ؟!
فأجابها الآن قد استراحت نفسي يا أسماء.

أول مولود للمهاجرين

ولم يتوقف دورها عند هذا الحد، بل لقد بدأت دوراً أكثر أهمية.. فبعد أن عرفت المكان الذي انتهى إليه الصاحبان وهو غار ثور،
كانت تأتي إليه ليلاً بالطعام والشراب ويصحبها أخوها عبدالله.. وفي اليوم الثالث صنعت أسماء سفرة فيها شاة مطبوخة ومعها سقاء الماء،
وذهبت بهما مع أخيها إلى الغار حتى إذا دنا وقت الرحيل وقفت أسماء تساعد في ربط الأشياء، وأرادت أن تعلِّق السفرة والسقاء فلم تجد
ما تربط به وبحثت فلم تعثر على ما تريد، ففكت نطاقها (الحزام الذي تلفه حول وسطها) وشقته نصفين، وربطت بأحدهما السفر وبالآخر السقاء،

وعندما رآها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تفعل هذا قال لها: “أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة” ومنذ ذلك الحين سُمِّيت بذات النطاقين.
واستمر عطاء أسماء موصولاً للدعوة الإسلامية ولم يتوقف عند هذا الحد.. وما ان علم زوجها بخبر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه
حتى أسرع بالذهاب من الشام إلى يثرب وهناك انتظر زوجته التي جاءت مهاجرة وهي “حامل” وما ان وصلت “قباء” حتى وضعت وليدها “عبدالله”
فكان أول مولود يُولد للمهاجرين في المدينة، وهنأ بعضهم بعضاً وانتشر الخبر وقُضي بذلك على ما أشيع من أن اليهود قد سحروا للمسلمين
ولن يُولد للمهاجرين مولود في المدينة.

مع المجاهدين

أولت أسماء اهتماماً كبيراً لأبنائها فربّتهم على تعاليم الإسلام والتمسك بمبادئه القويمة وعلى الإخلاص لله ولرسوله والجهاد في سبيله،
وعلى الشجاعة ليكونوا في الصفوف الأولى مع المجاهدين، فهي تعلم أن الإسلام دائماً بحاجة إلى المجاهدين، فكانت تقصّ عليهم أخبار
أبطال المسلمين مثل حمزة بن عبدالمطلب وغيره ممَّن استشهدوا في سبيل الله، ويكفي أن أباهم الزبير بن العوام لم يتخلَّف مرة عن غزوات الرسول،
فظل في مقدمة المجاهدين الأولين في حياة الرسول حتى بشَّره بالجنة، فكان واحداً من العشرة الذين بشَّرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة.
ومع هذا أيضاً، شاركت أسماء بنت أبي بكر في معركة اليرموك مع زوجها الزبير.. وكان لها دور في الصراع بين ابنها عبدالله والحجاج حيث
كانت تشجع ابنها عبدالله على استمرار قتاله للحجاج حتى قُتل وقالت قولتها المشهورة عندما صلبوا جثة ابنها: “وما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟!”.
وعقب مقتل ابنها بأيام، فقدت بصرها وتُوفيت بعد ذلك بأيام قليلة أيضاً وقد بلغت من العمر نحو مائة سنة، ودُفنت في مكة. وذكر الذهبي أن أحاديثها
متفق عليها في الكتب الستة. كما ذكرها ابن حزم وابن القيِّم ضمن الصحابيات اللائي جلسن للفتيا. فرضي الله عنها وأرضاها.
..........................
أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها

أم كلثوم هي الابنة الثالثة من بنات الصديق أبي بكر رضي الله عنه- وآخر ذريته، ولدت بعد وفاته، فقد كانت أمها حاملا بها حين مات بالمدينة وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول عنها الباحث الإسلامي منصور عبد الحكيم:

لما حضرت الوفاة أبا بكر رضي الله عنه- قال لابنته عائشة رضي الله عنها: يابنية ما من الناس أحد أحب إليّ غنى منك، ولا أعز عليّ فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جدد عشرين وسقا، فلو حددته واحترزته كان لك، وإنما هو اليوم مال إرث، وإنما هو أخواك وأختاك، فاقسموه على كتاب الله.

فقالت عائشة رضي الله عنها-: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى.

قال: ذو بطن ابنة خارجة، أراها جارية. قد ألقي في روعي أنها جارية، فاستوصي بها خيرا.

فولدت بعد وفاته أم كلثوم وتربت في حجر عائشة أختها- رضي الله عنها- كما أوصاها أبوها- رضي الله عنهم أجمعين.

وأمها هي: الصحابية حبيبة بنت خارجة رضي الله عنها.

وقد عاشت أم كلثوم بنت الصديق في كنف أختها عائشة رضي الله عنها- وكانت ذات تقى وصلاح وعلم وفقه مثل أختيها رغم أنها لم تعاصر أباها ولم تشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم- ولكنها تعد من التابعيات ومن أهل زمان القرن الأول- قرن النبوة الذي هو خير القرون.

وقد خطبها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لنفسه وفي ذلك يقول الباحث الإسلامي منصور عبد الحكيم: حين بلغت أم كلثوم سن الزواج خطبها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعد أن أشار عليه أحد الصحابة أن يتزوجها إكراما لأبيها وصديقه أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- فقال له:

ألا تتزوج أم كلثوم بنت أبي بكر فتحفظه بعد وفاته وتخلفه في أهله.

فقال عمر- رضي الله عنه-: بلي أحب ذاك.

وأرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه- إلى السيدة عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- يخطب أختها أم كلثوم فقالت لرسول عمر بن الخطاب: حبا وكرامة.

ولكن عائشة رضي الله عنها- رأت أن أختها الصغرى لن تتحمل شظف العيش مع عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين، وأرادت لها زوجا أكثر لينا في عيشه من عمر، ودخل عليها الصحابي المغيرة بن شعبة وهي مهمومة وسألها عما أهمها فأخبرته بخطبة عمر بن الخطاب لأختها الصغرى أم كلثوم وقالت: إن هذه جارية حدث وأردت لها ألين عيشا من عمر.

فقال لها المغيرة: عليّ أن أكفيك.

وخرج من عندها ودخل على عمر فقال له:

يا أمير المؤمنين، قد بلغني ما أتيته من صلة أبي بكر الصديق في أهله وخطبتك أم كلثوم فقال عمر: قد كان ذاك.

قال المغيرة: إلا أنك يا أمير المؤمنين رجل شديد الخلق على أهلك، وهذه صبية حديثة السن، فلا تزال تنكر عليها الشيء، فتضربها فتصيح، فيغمك ذلك، وتتألم عائشة ويذكرون أبا بكر فيبكون عليه، فتجدد لهم المصيبة مع قرب عهدها في كل يوم.

فقال عمر له: متى كنت عند عائشة أصدقني؟

قال المغيرة: آنفا. فقال عمر: أشهد أنهم كرهوني.

وصرف عمر بن الخطاب أمر الخطبة لأم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنهم.

ثم كان أن تزوجت رضي الله عنها- بالصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله أحد المبشرين بالجنة، سماه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بطلحة الفياض وطلحة الجود، وقال أيضا: من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله.

فقهها وحسن مشورتها:

ويذكر الباحث الإسلامي منصور عبد الحكيم أنها كانت رضي الله عنها- فقيهة ذات صلاح وورع، مستشهدا على ذلك بما ذكره أصحاب السير أن زوجها طلحة رضي الله عنه- أتاه مال من حضرموت سبعمائة ألف فبات ليلته يتململ. فقالت له زوجته أم كلثوم: مالك؟

قال: تفكرت منذ الليلة فقلت: ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟

قالت: فأين أنت من بعض أخلائك فإذا أصبحنا فادع بجفان وقصاع فقسمه.

فقال لها: رحمك الله، إنك موفقة بنت موفق.

فلما أصبح دعا بجفان، فقسمها بين المهاجرين والأنصار، فبعث إلى علي منها بجفنة، فقالت زوجته له: أبا محمد! ما كان لنا في هذا المال من نصيب؟

قال: فأين كنت منذ اليوم؟ فشأنك بما بقي. فأخذت ما تبقى وكان ألف درهم.

وأنجبت أم كلثوم بنت الصديق من الصحابي طلحة بن عبيد الله ثلاثة أولاد هم زكريا ويوسف وعائشة.

فلما كان يوم موقعة الجمل وقتل طلحة رضي الله عنه. وعادت أم كلثوم رضي الله عنها- بعد الموقعة مع أختها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها- إلى مكة وحجت بها. ثم تزوجت بعد ذلك من عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة وأنجبت له أربعة أولاد هم: إبراهيم وموسى وأم حميد وأم عثمان.رضي الله عنها وأرضاها.
............................
أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب الصوّامة القوّامة

أبوها الصحابي الجليل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأخواتها من أبيها هن رقية وأمها أم كلثوم بنت الإمام علي بن أبي طالب، وفاطمة وأمها أم حكيم بنت الحارث، وزينب وأمها فكيهة وهي أم ولد.
أما السيدة حفصة فأمها زينب بنت مظعون.. فالبنات الأربع كلهن من أمهات شتى.

وعن سيرة أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب أوضح الباحث الاسلامي منصور عبدالحكيم أن أباها هو أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى بن رباح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي رضي الله عنه. كان طويلا جسيما شديد الصلع، شديد الحمرة، في عارضيه خفة، أسلم في مكة في السنة السادسة من النبوة، وكان من أشراف قريش، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة.

كما روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة وتسعة وثلاثين حديثا وروى عنه الصحابة.
وهو أحد العشرة المبشرين من رسول الله بالجنة.
دعا الرسول له قبل الإسلام بأن يهديه الله ويسلم فقال - صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام.

أما الابنة الكبرى حفصة فقد تزوجت قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصحابي خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي القرشي الذي أسلم بمكة قبل دخول الرسول - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم بن أبي الأرقم على يد أبي بكر الصديق.
وهاجر الزوجان إلى المدينة المنورة، وعاشا حياة إسلامية هادئة مستقرة، وحفظت الزوجة القرآن الذي كان ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولا بأول.
وشهد الزوج غزوة بدر الكبرى، وقاتل فيها قتال الأبطال وأبلى بلاء حسنا وأصابته سيوف المشركين في أكثر من موضع في جسده، وعاد مع الجيش المنتصر إلى المدينة المنورة مجروحا ثم مات بعد أيام متأثرا بجراحه.

وعن قصة دخولها البيت النبوي يقول الباحث الاسلامي منصور عبدالحكيم: إنه بعد وفاة الزوج وانتقال الابنة الصابرة إلى بيت أبيها، حزن الأب لترمل ابنته الشابة، وفكر في زواج ابنته بعد قضاء عدتها على زوجها الشهيد بأحد الصحابة الكبار.. فابنته صوامة، قوامة، عابدة، حافظة لكتاب الله، أضف إلى ذلك أنها شابة جميلة.. وليس عيبا أن يعرض الرجل ابنته الصالحة علي أحد الصالحين.

فذهب إلى أبي بكر الصديق يعرض عليه الزواج من ابنته حفصة وكله يقين أنه سوف يوافق على الزواج رغم فارق السن بينهما لكن أبا بكر صمت ولم يجب وتكرر الشيء نفسه مع عثمان بن عفان وحزن عمر لرد الصديقين عليه، ورفضهما عرضه بالزواج من ابنته رغم كل الصفات الحسنة بها، وذهب إلى رسول الله يشكو إليه ما فعله الصاحبيان معه فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة.

وتعجب عمر من مقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فمن هو الذي خير من عثمان وأبي بكر؟ ومن هي التي أفضل من حفصة؟!

ولم يمض وقت طويل حتى حل اللغز.. فقد خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفصة بنت عمر، وتزوج عثمان بن عفان من أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وتم زواج حفصة - رضي الله عنها - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصبحت من أمهات المؤمنين.
ودخلت البيت النبوي وفيه سودة بنت زمعة وعائشة بنت أبي بكر الصديق فكانت ثالثة ثلاثة - رضي الله عنها-.
وذات يوم سمع عمر بن الخطاب أن ابنته حفصة تراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب إليها يسألها:
- يا بنية، هل صحيح أنك تراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يظل يومه غضبان؟
فقالت له: نعم يا أبت والله إنا لنراجعه.
قال عمر: تعلمين أني أحذرك عقوبة غضب الله وغضب رسوله، يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله إياها، والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحبك ولولا أنا لطلقك.

وتمر الأيام والسنون وحفصة في بيت النبوة، وتبدي رأيها وتراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد سمعته يوما يقول: لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد.. الذين بايعوا تحتها.
قالت حفصة رضي الله عنها: بل يا رسول الله.
فانتهرها النبي صلى الله عليه وسلم، فتلت الآية: “وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا”.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال الله عز وجل: “ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا”.




............................
يتبع
[/frame]


2 
مجدى سالم

[frame="13 98"]
عمارة بنت حمزة رضي الله عنهما

الأب هو أسد الله أبو عمارة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه في الرضاعة.. حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي رضي الله عنه.

وقف حمزة رضي الله عنه من الاسلام في بداية الدعوة موقفا وسطا فلم يؤمن به ولم يحاربه كما فعل أخوه أبولهب، وذات يوم تغير حاله.. حين كان عائدا من رحلة صيد وكعادته يطوف بالكعبة المشرفة قبل أن يصل إلى بيته، قابلته مولاة لعبد الله بن جدعان وهي تصيح:

واذلاه يا بني عبد مناف.. يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن هشام تقصد أبا جهل وجده جالسا ها هنا فآذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره.

فانطلق حمزة من فوره إلى مجلس أبي جهل وحوله أصحابه وعلية القوم، ولم يكلمه بل ضربه بقوسه فشج رأسه وصاح فيه:

أتشتمه وأنا على دينه؟ أقول ما يقول فردّ ذلك عليّ إن استطعت.

فقال له القوم:

ما نراك إلا صبوت يا حمزة.

فقال لهم: ومن يمنعني وقد استبان لي منه ما أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول هو الحق، فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين.

وكادت تحدث فتنة وقتال بين القوم، إلا أن أبا جهل قال لهم: دعوا أبا عمارة فإني والله سببت ابن أخيه سبا قبيحا.

ويعود حمزة إلى ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بما جري له أمام القوم:
يا ابن أخي إني قد وقفت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإن مثلي على ما لا أدري.. أهو رشد أم غي شديد، فحدثني حديثا فقد اشتهيت أن تحدثني.

وأقبل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثه ويبشره بالخير الذي ينتظره إن أسلم لله ويخوفه من عذاب الله إذا عصى واستكبر، وقرأ عليه آيات من الذكر الحكيم.

وبكى حمزة بكاء المؤمن الذي استشعر عظمة القرآن والإيمان. وأعلن حمزة إسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطق الشهادتين وقال لابن أخيه:

فأظهر يا ابن أخي دينك، فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأنا على ديني الأول.

يقول الباحث الإسلامي منصور عبدالحكيم: وبعد هذا الموقف تبدل حال حمزة من اللهو وحب الدنيا ومتاعها إلى الجهاد في سبيل دعوة الحق ومؤازرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حياة الرفاهية إلى حياة التقشف والصبر، كل ذلك في سبيل الله فهاجر إلى المدينة تاركا بيته وماله وتجارته في سبيل نصرة الدين وإعلاء كلمة التوحيد.

وفي غزوة بدر الكبرى قاتل حمزة قتال الأبطال، وأبلى بلاء حسنا، وكان أول من بارز في المعركة وتحقق للمسلمين النصر الأول الذي غير تاريخ البشرية، وقتل يومها عتبة بن ربيعة مبارزة.

ويوم أحد قتل حمزة غدرا بحربة وحشي العبد الذي كان عند جبير بن مطعم وكان عمه طعيمة بن عدي قتل يوم بدر فقال جبير بن مطعم لعبده وحشي: إن قتلت حمزة فأنت حر، وكان وحشي صاحب حربة لا تخطئ، وخرج العبد وحشي مع جيش المشركين، وتربص بحمزة وراء صخرة ولم يستطع مواجهته. فضربه بالحربة من وراء الصخرة غدرا فقتله، ثم مُثل بجثة حمزة وأخرجت كبده ولاكتها هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان.

وقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جثمان الشهيد حمزة وقد بقر بطنه وأخرجت كبده وجدع أنفه وأذناه فيقول وقد اعتصره الحزن: لولا أن تحزن صفية بنت عبدالمطلب وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم.. جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبدالمطلب مكتوب في أهل السموات السبع حمزة بن عبدالمطلب أسد الله وأسد رسوله، ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا.

ويصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد السبعين.. رجلا رجلا وحمزة مع كل شهيد. ثم دفنه مع ابن أخته عبدالله بن جحش رضي الله عنهما.

ونزل قوله تعالى: “وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين”.
فيعفو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يمثل بثلاثين رجلا من قريش كما فعلوا بحمزة رضي الله عنه.

أما أم عمارة فهي كما يذكر الباحث الاسلامي منصور عبدالحكيم: سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس رضي الله عنهما. أسلمت قديما مع زوجها حمزة وهاجرت معه إلى المدينة المنورة.
وحزنت سلمى بنت عميس لمقتل زوجها حمزة يوم أحد وصبرت واستوجبت.

وتزوجت من بعد حمزة الصحابي شداد بن الهاد الليثي حليف بني هاشم وأنجبت له عبدالله بن شداد أخا عمارة لأمها.

وبعد أداء الرسول صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء في العام السابع الهجري، وفي طريق العودة إلى المدينة كانت عمارة بنت حمزة مازالت تقيم في مكة، وأرادت الهجرة والخروج مع المسلمين العائدين إلى المدينة، فتبعتهم ونادت عليهم: ياعم. فأجابها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال لزوجته فاطمة رضي الله عنها: دونك.

وحملها مع زوجته إلى المدينة المنورة، وهناك اختصم فيمن يكفلها.. ثلاثة كرام.. هم: علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم.
فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي.
وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عم.
وقال زيد بن حارثة: ابنة أخي فقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة بعد الهجرة النبوية للمدينة.

وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر بن أبي طالب لأن خالتها زوجته وهي بمثابة أمها.
وعاشت عمارة في المدينة في كنف خالتها تحيا في ظل الإسلام وتنهل من معين الإيمان الصافي.. وتحت رعاية خير البرية صلى الله عليه وسلم يشملها برعايته وحبه، فهي ابنة أخيه من الرضاعة وابنة عمه، وحين أشاروا عليه بالزواج منها قال: ابنة أخي من الرضاعة.

فقد أرضعتهما ثويبة جارية أبي لهب.

..........................

عائشة بنت عثمان بن عفان

تزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه أكثر من زوجة على مدار حياته، وعلى رأس الزوجات تأتي بنتا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولى رقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم وبعد وفاتها يوم غزوة بدر الكبرى تزوج بأختها أم كلثوم ولذلك سمي بذي النورين.. وقد ماتت أم كلثوم أيضا في حياة أبيها.. وتزوج عثمان بأخريات من نساء المسلمين.. ولم ينجب من أم كلثوم وأنجب من زوجاته الأخريات.

وكان رضي الله عنه يشبه أبا الأنبياء في الخلقة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم”.

فضائل عثمان

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع ثيابه حين دخل عليه عثمان، ولم يفعل ذلك مع أبي بكر وعمر حين دخلا عليه وحين سئل عن ذلك قال: “ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟”.

وأشار الباحث الاسلامي منصور عبدالحكيم إلى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه من العشرة الذين بشرهم النبي بالجنة وهو من الذين جهزوا جيش العسرة في غزوة تبوك بثلاثمائة بعير بما عليها من متاع وزاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء”. وهو الذي حفر بئر رومة للمسلمين.

وذكر منصور عبدالحكيم انه حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان من المسلمين تحت الشجرة كان عثمان قد أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن عثمان بن عفان في حاجة الله وحاجة رسوله” فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.

تولى الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمكث فيها اثني عشر عاما، انتهت بمقتله بالمدينة في أحداث الفتنة.

وفي عهده فتحت حصون كثيرة من بلاد الروم، وكانت أول غزوة للمسلمين عن طريق البحر حيث غزا معاوية بن أبي سفيان جزيرة قبرص سنة 27 ه وفتحت إفريقيا شمالا حتى الأندلس عام 27ه ووسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل أعمدته من الحجارة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع.

وفتحت بلاد خراسان ونيسابور وغيرها في عهده وكان مقتله أول الفتنة عام 35ه رضي الله عنه .
أما أم عائشة بنت عثمان فهي رملة بنت شيبة واحدة من الصحابيات، أبوها شيبة بن ربيعة بن عبد شمس أحد الذين حاربوا الإسلام مع أخيه عتبة بن ربيعة، وقتلا يوم بدر على الكفر.

ورغم أن أباها وعمها من صناديد قريش وأكثرهم عداوة للإسلام ونبي الاسلام صلى الله عليه وسلم إلا أن ذلك لم يمنع رملة رضي الله عنها من الإسلام، فدخلت في الإسلام رغم اعتراض ابنة عمها هند بنت عتبة التي كانت تعيرها بقتل أبيها شيبة بن ربيعة يوم بدر على أيدي المسلمين.

وهاجرت رملة إلى المدينة وتزوجت عثمان بن عفان هناك بالمدينة المنورة، وأنجبت له ابنته عائشة وأم أبان وأم عمرو.

جمال وخلق كريم

ولدت عائشة بنت عثمان بن عفان رضي الله عنهما بالمدينة في أواخر عصر النبي صلى الله عليه وسلم ونشأت في رعاية أبوين كريمين.
وتروي كتب السيرة أن عائشة بنت عثمان كانت ذات جمال وخلق كريم، وقد خطبها أبان بن سعيد بن العاص، فقالت: هو أحمق والله لا أتزوجه أبدا.

فقيل لها: ولم ذاك؟
قالت: له برذونان أشهبان فهو يحتمل مؤونة اثنين، وهما عند الناس واحد.
وتزوجت عائشة بنت عثمان من الحارث بن الحكم، وأنجبت له ولدين هما أبوبكر وعثمان، ثم تزوجت بعده من عبدالله بن الزبير بن العوام.

وحين قتل أبوها عثمان بن عفان رضي الله عنه بكت كثيرا وظلت على حالها حتى عام الجماعة حين تولى معاوية خلافة المسلمين عام 41 ه وقدم المدينة المنورة وتوجه إلى دار عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعه رجال من قريش فلما دنا من الدار ندبت عائشة أباها وبكت وقالت: واأبتاه واعثماناه.

فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم يرحمكم الله، فإن لي حاجة في هذه الدار.
ودخل معاوية مسكن عائشة بنت عثمان ثم أمرها أن تكف عن البكاء وعن مناداة أبيها وقال لها:
يابنت أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه، وهو يرى مكان وموضع أصحابه وأنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني أبنة عم أمير المؤمنين، خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين، ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك.

وهكذا أخمد معاوية رضي الله عنه نار الفتنة بين المسلمين، وكذلك النار التي اشتعلت في قلب عائشة بنت عثمان على مقتل أبيها والطلب بثأره وهذا جزء يسير من سيرتها وسيرة أبيها وأمها رضي الله عنهم أجمعين.


................................

السيدة زينب بنت الإمام علي رضي الله عنهما


حول سيرة السيدة زينب، رضي الله عنها، أوضح الدكتور علوي أمين الأستاذ بجامعة الأزهر قائلا: ولدت السيدة زينب في حياة جدها النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) وآله في العام الذي شهد استقرار الأمر للمصطفى صلوات الله وسلامه عليه وخروجه على ناقته القصواء ثم العودة ظافرا بصلح الحديبية مع قريش فكان فتحا مبينا.


وضعتها والدتها السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة بنت خير البشر وابنة خديجة الكبرى في سنة خمس هجرية بعد الامام الحسين رضي الله عنه بسنتين مثله في شهر شعبان ويقال في جمادى الأولى.

وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) مسافرا فلم يسموها حتى يأتي جدها (صلى الله عليه وسلم) وآله فطلب علي رضي الله عنه من النبي تسميتها فسماها زينب على اسم خالتها إحياء لذكراها التي لم ينسها (صلى الله عليه وسلم) وآله.


وزينب بمعنى الفتاة القوية الودود العاقلة والزينب شجر جميل له بهاء سميت به النساء ولها كنيات كثيرة منها: أم هاشم، كنيت بأم هاشم لأنها حملت لواء راية الهاشميين بعد أخيها الامام الحسين. ويقال لأنها كانت كريمة سخية كجدها هاشم الذي كان يطعم الحجاج فكانت مثله تطعم المساكين والضعفاء، ودارها كانت مأوى لكل محتاج. وصاحبة الشورى: لقبت بهذا الاسم لأن كثيرا ماكان يرجع اليها أبوها وأخواتها في الرأي. ولقبت أيضا عقيلة بني هاشم: ولم توصف سيدة في جيلها أو غيره أو في آل البيت بهذا الا السيدة زينب رضي الله عنها.أما لقب الطاهرة: فقد أطلقه عليها الإمام الحسن أخوها عندما قال لها أنعم بك يا طاهرة حقا إنك من شجرة النبوة المباركة ومن معدن الرسالة الكريمة عندما شرحت حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وآله الحلال بين والحرام بين.سميت كذلك أم العزائم: فكانت تكنى عند أهل العزم بأم العزائم وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. أم العواجز: كنيت بهذه الكنية عندما شرفت مصر بقدومها وساعدت العجزة والمساكين. رئيسة الديوان: لأنها عندما قدمت مصر كان الوالي وحاشيته يأتون اليها وتعقد لهم بدارها جلسات للعلم فيتفهموا الأمور الدينية في ديوانها وهي رئيسته.

السيدة: وهذا اللقب اذا اطلق بدون اسم زينب يعرف ان المقصود به السيدة زينب رضي الله عنها دونها عن أخريات من آل البيت فهي الوحيدة المتفردة من آل البيت بهذا اللقب، فإذا ذكرت أي سيدة أخرى لابد من أن يذكر معها اسمها كالسيدة نفيسة السيدة عائشة السيدة فاطمة النبوية ممن دفن وشرف تراب مصر بهن. أما إذا أطلق لفظ السيدة فقط فهي ولاشك سيدتنا زينب حفيدة محمد (صلى الله عليه وسلم) وآله.

نشأت السيدة زينب رضي الله عنها في كنف النبوة والرسالة في تلك البقعة المباركة مع أبويها فاطمة الزهراء والامام علي رضي الله عنهما في عهد جدها صلوات الله عليه وسلامه فنهلت من علمه وحكمته وفقهه في الدين فحفظت القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وتلقت عن والدتها الزهراء الدروس الأولى في الحياة ونبهت فوجدت أباها الفارس أمير البيان كلماته حكما، وعالما بأمور الدين وأخويها الحسن والحسين رضي الله عنهما سيدي شباب أهل الجنة والصحابة الكرام من حولها حفظة القرآن والحديث المتفقهين في أمور الدين فنشأت الصبية الحلوة كاملة الخلق والخلق في بيئة دينية وبالتالي تربية دينية فنشأتها الأولى لم تفز بها من مثلها في جيلها ولاغيره، فالانسان كما هو ابن أبيه وأمه وأهله هو ابن بيئته وجيرانه وحيه وأصحابه الذين عاشرهم، قل لي من صديقك أقل لك من أنت؟ ويكفيها كرمها وشجاعتها عند وفاة جدها المصطفى ووفاة أمها الزهراء واستشهاد أبيها ثم حضورها كربلاء واستشهاد أخيها الحسين وولديها وحملها إلى يزيد وكأنها أسيرة.

لقد كان وجودها بالمدينة بعد استشهاد الامام الحسين مشكلة كبرى حيث إنها أثارت جموع المسلمين عليه وحفزتهم لنصرة دينهم وللأخذ بالثأر، فجمع يزيد كبار رجال بني هاشم وقال لهم: اعرضوا على السيدة زينب ان تقوم برحلة تهون بها على نفسها، ولها أن تختار أي بلد ترضاه: فأبت السفر في بادئ الأمر وقالت: قد علم والله ماصار الينا مثل خيرنا وسيق الباقون كما تساق الأنعام وحملنا على الأقباب فوالله لا خرجنا وإن ريقت دماؤنا فكيف تسافر وتترك البلاد التي شهدت ميلادها وصباها ونزول الوحي وترحل الى بلاد وأناس لم تتعامل معهم من قبل ولكن جاءتها ابنة عمها زينب بنت عقيل بن أبي طالب فقالت لها: يا بنة عماه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء فطيبي نفسا وقري عينا وسيجزي الله الظالمين أتريدين هوانا بعد هذا الهوان؟

ارحلي الى أي بلد آمن ثم اجتمعت عليها نساء بني هاشم واقترحن عليها الشام أو مصر ولكنها اختارت مصر.

أشار الدكتور علوي أمين خليل الاستاذ في جامعة الأزهر إلى أن السيدة زينب تعتبر من أول نساء أهل البيت رضي الله عنهن اللائي شرفن أرض مصر بالمجيء فوصلت مصر مع بزوغ هلال شهر شعبان بعد مضي ستة أشهر على استشهاد أخيها الحسين فدخلتها ومعها فاطمة وسكينة وعلي ابناء الحسين.

واستقبلها أهل مصر ثم احتملها واليها الى داره بالحمراء القصوى عند بساتين الزهري حي السيدة الآن فأقامت في تلك الدار عاما ونصف عام زاهدة في الدنيا عابدة لله سبحانه وكانت موضع تقدير من المصريين جميعا.

وتوفيت رضي الله عنها في مساء الأحد 15 من رجب سنة 62 هجرية ودفنت بمخدعها وحجرتها من دار سلمة التي أصبحت الآن مسجدها المعروف.


.............................

يتبع
[/frame]


3 
مجدى سالم

[frame="13 98"]


.أسماء بنت يزيد بن السكن.. خطيبة النساء قتلت تسعة من الروم في "اليرموك"
أسماء بنت يزيد بن السكن.. خطيبة النساء

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجلس وسط أصحابه عندما دخلت عليه الصحابية أسماء بنت الصحابي يزيد بن السكن بن رافع الأنصاري وقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، وإني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين، كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأيي: إن الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك واتبعناك، وإنا معشر النساء مقصورات مُخدرات، قواعد البيوت، وموضع شهوات الرجال، وحاملات أولادكم، وإن الرجال فضلوا بالجماعات وشهود الجنائز، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه، وقال لهم: “هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالاً عن دينها من هذه”؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا: فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فقال: “انصرفي يا أسماء، واعلمي مَنْ وراءك من النساء أن حُسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته تعدل كل ما ذكرت !” فانصرفت، وهي تهلل وتكبر استبشاراً بما قاله لها رسول الله.

النشأة

نحن هنا أمام جماعة نسائية، وبعبارة الصحابية أسماء بنت يزيد “جماعة نساء المسلمين” قامت تسعى لإنصاف النساء، بالإسلام الذي أنصف الرجال والنساء.
فمن هي أسماء بنت يزيد وكيف نشأت وتربت؟
نشأت أسماء بنت يزيد في أسرة وهبت حياتها للدفاع عن الإسلام وعن رسول الإسلام. ففي يوم أُحد حين حاول الكفار قتل النبي صلى الله عليه وسلم وقف نفر من المسلمين في وجه المشركين وفي المقدمة منهم آل السكن. يقول أنس بن مالك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أُحد سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ وتقدم الأنصار فقاتلوا حتى قتلوا.. ولم يزل الأمر كذلك حتى قتل سبعة، ومنهم زياد بن السكن عم أسماء الذي أثخنته الجراح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أدنوه مني” فوضع رأسه على قدم رسول الله فمات شهيداً وخده على قدم النبي عليه الصلاة والسلام. واستشهد في تلك المعركة أيضاً أبوها يزيد بن السكن وأخوها عامر الذي جعل جسده متراساً للدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم فنال الشهادة بين يدي رسول الله.
نشأت أسماء في أسرة مجاهدة قدمت أرواح أبنائها فداء للإسلام، وقد ربى الصحابي الشهيد يزيد بن السكن ابنته على هذا المنهج، وهو ما سيظهر في جهاد أسماء بعد ذلك في سبيل الله خصوصاً في معركة اليرموك حيث وقفت مع نساء المسلمين يقاتلن الروم. يقول ابن كثير: وقد قاتلت نساء المسلمين في هذا اليوم، وقتلن خلقاً كثيراً من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين ويقلن: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج - أي للمقاتلين الروم - فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال.
ويضيف ابن حجر في الإصابة: أسماء بنت يزيد بن السكن، شهدت اليرموك وقتلت يومئذ تسعة من الروم بعمود فسطاطها (أي خيمتها).
ويؤكد الذهبي: وقتلت - أسماء - بعمود خبائها يوم اليرموك تسعة من الروم.



فصاحة وقوة منطق
واشتهرت أسماء بالفصاحة والبيان والبلاغة وقوة المنطق حتى لقبت ب “خطيبة النساء”، فكانت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء دون تردد أو خوف. بل إن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان يحيلها إلى عائشة - حياء - لتوضح لها الأمور الخاصة بالنساء.
يروي البخاري أن أسماء بنت يزيد سألت رسول الله عن غُسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماء وسدرتها - أي ورق شجر النبق - فتطهر بها فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى يبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليه الماء، ثم تأخذ فَرْصة - أي قطعة قطن - ممسكة - أي عليها المسك - فتطهر بها. فقالت أسماء: فكيف أتطهر بها؟ فظهر الحياء في وجه رسول الله وقال: سبحان الله تطهري بها.
عندئذ تدخلت عائشة لتوضح لأسماء الشغوفة بالعلم وبمعرفة أصول دينها وقالت: تتبعين بها آثار الدم. وقد استفادت أسماء من هذا الشغف بالعلم في تحصيل هدي النبي وسنته حتى أنها روت عن الرسول صلى الله عليه وسلم واحداً وثمانين حديثاً. وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يعرف شغفها بالعلم وبتحصيل المعرفة فكان يداعبها ويجيبها عن أسئلتها.
يروي ابن عساكر أن أسماء بنت يزيد قالت: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج والنساء في جانب المسجد، وأنا فيهن، فسمع ضوضاءهن، فقال مداعباً: “يا معشر النساء، أنتن أكثر حطب جهنم”.
قالت أسماء: فناديت رسول الله، وكنت جريئة على كلامه فقلت يا رسول الله: بماذا؟ قال: “إنكن إذا أعطيتن لم تشكرن، وإذا ابتليتن لم تصبرن، وإذا أمسك عنكن شكوتن، وإياكن وكفر المنعمين”.
فقالت يا رسول الله، وما المنعمون؟ قال: “المرأة تكون تحت الرجل قد ولدت الولدين والثلاثة فتقول: ما رأيت منك خيراً قط”.
وكانت السيدة عائشة تنظر إلى أسماء وتقول: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه.

أولى المبايعات
وكانت أسماء تفخر بأنها أول من بايع من النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها أختها حواء. وتذكر: حين جئت لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم وفي يدي سواران من ذهب، فنظر النبي إلى بريق الذهب وقال: ألقي السوارين يا أسماء، أما تخافين أن يسورك الله بأساور من نار؟ قالت أسماء: فألقيتهما فما أدرى من أخذهما؟
وكانت أسماء تصر على صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنها كانت تقود ناقته العصباء لتسمع وتتعلم منه. تقول: إني لآخذ بزمام العصباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أُنزلت عليه “المائدة” كلها، فكانت من ثقلها تدق بعض الناقة.
وكان لها السبق في رواية أحاديث مهمة حول فضل بعض آيات وسور القرآن الكريم. تقول أسماء بنت يزيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين: “الله لا إله إلا هو الحي القيوم” و”الم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم” ان فيهما اسم الله الأعظم.
وقد بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأنزل الله فيها قرآناً فقد طُلقت أسماء ولم تكن للنساء عدة فأنزل الله عز وجل قوله تعالى “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء”.
وكانت تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم - سيراً على منهج آل السكن - فإذا رأته أحضرت له الطعام وقالت: بأبي وأمي تعش. فيأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويشرب من قربة، فتأخذ أسماء هذه القربة وتعطرها وتحتفظ بها، تقول: كنا نسقي منها المريض، ونشرب منها رجاء البركة.

خبيرة تجميل
ولم تنس أسماء بنت يزيد العالمة الفقيهة الخطيبة أنوثتها، فقد اشتهر عنها أنها خبيرة في تجميل النساء وتزيينهن، وهي التي جهزت وزينت السيدة عائشة أم المؤمنين ليلة زفافها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. تقول أسماء: إني قيّنت عائشة - أي زينتها - لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئته فدعوته، فجاء فجلس إلى جوارها، أتى بقدح لبن فشرب، ثم ناولها النبي فخفضت رأسها واستحيت. فنهرتها وقلت لها: خذي من يد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذت عائشة القدح فشربت شيئاً، ثم قال لها النبي: أعطي تربك (أي أصحابك) فقلت يا رسول الله، بل آخذه فأشرب منه ثم ناولنيه من يده الشريفة. تضيف أسماء: فجلست ثم وضعته على ركبتي، ثم رحت أُديره وأتبعه بشفتي وأتلمس ريق النبي صلى الله عليه وسلم.
وعاشت أسماء بنت يزيد بن السكن حتى خلافة عبد الملك بن مروان، واستقر بها المقام في الشام حين راحت تعلم الناس تعاليم الإسلام وتروي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتجاهد في سبيل الله بالسيف ومداواة الجرحى كما فعلت في اليرموك. وتوفيت رضي الله عنها عام 69 ه ودفنت في دمشق.

...............................


عائشة بنت سعد بن أبي وقاص



عائشة أبوها سعد بن أبي وقاص.. خال النبي صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة المبشرين بالجنة.. أول من رمى بسهم في سبيل الله. كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رآه مقبلا أقبل عليه وقال مفاخراً: “سعد خالي فليرني امرؤ خاله”.

فسعد ابن عم السيدة آمنة بنت وهب أم رسول الله.. وأهل الأم أخوال. وعاش سعد حياته مجاهداً لنصرة الإسلام فهو سابع سبعة في الإسلام. يقول سعد: أسلمت قبل أن تفرض الصلاة. وغزا سعد الغزوات مع النبي ثم مع صحابته. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: “ارم أيها الفتى الحزوَر فداك أبي وأمي”. ثم يدعو له: “اللهم سدد رميته وأجب دعوته”.

ويوم فتح مكة دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن أبي وقاص إحدى رايات المهاجرين الثلاث. وتم الفتح المبين. ولكن سعد بن أبي وقاص مرض، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض فقال سعد: يا رسول الله، إن لي مالا كثيراً وليس لي وارث إلا ابنة أفأوصي بمالي كله لها. قال النبي:” لا”. قال سعد: أفأوصي بثلثيه؟ قال النبي: “لا”. قال: أفأوصي بثلثه ؛ قال النبي: “الثلث والثلث كثير. إن نفقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن نفقتك على أهل لك صدقة، وإنك إن تدع أهلك بعيش خير، خير من أن تدعهم يتكففون الناس”.

هكذا كان الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص يحب ابنته إلى حد أنه كان يريد أن يوصي لها بتركته.

ومن قبل كان سعد باراً بأمه يسعى إلى إرضائها ويطعمها ويسقيها بيده.

وربي سعد أولاده على الحب والعطاء وتقوى الله. فقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فرزقه الله بالأولاد بعد أن كان أبا لابنة واحدة هي عائشة الكبرى.

مع زوجات النبي

ونشأت عائشة بنت سعد في رعاية أبيها، أدركت ستا من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلمت منهن العلم الوافر، وروت عن أبيها ما سمعه من أحاديث نبوية، رغم أنها ولدت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال عنها ابن حجر العسقلاني: عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ثقة من الرابعة، عمرت حتى أدركها مالك بن أنس وقد اختلف في رؤيتها للنبي، والصحيح أنها ولدت بعد وفاته بزمن. وثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما زاره وهو مريض بمكة في عام الفتح أو في حجة الوداع: ولا يرثني إلا ابنة لي. فقال النووي في المبهمات: اسمها عائشة، وتعقبه في التجريد بأن عائشة بنت سعد تابعية تأخرت حتى لقيها مالك، وهو تعقب غير مرض، فإن عائشة التي ذكرها ابن سعد هي الكبرى، وأما التي أدركها مالك فهي الصغرى التي ولدت بعد النبي بدهر.

كان ميلاد عائشة الصغرى في خلافة عثمان بن عفان نحو عام 33 ه في المدينة المنورة. وتعلمت عائشة من أبيها الكثير وحفظت منه أيضا الكثير من الأحاديث النبوية التي حفظها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النووي: روي له عن رسول الله نحو 270 حديثا.

وروى عنها الإمام مالك بن أنس وهي من الثقات، وأثنى عليها العلم في قدرها وأمانتها في الرواية والحفظ.

فقد حكى لها أبوها قال: اشتكيت بمكة، فدخل عليّ رسول الله يعودني، فمسح وجهي وصدري وبطني، وقال: “اللهم اشف سعداً”.. فمازال يخيل إلى أني أجد برد يديه صلى الله عليه وسلم على كبدي حتى الساعة.

وروى لها أيضا: “لقد رأيتني أرمي بالسهم يومئذ “يوم أحد” فيرده عليّ رجل أبيض، حسن الوجه، لا أعرفه حتى كان بعد، فظننت أنه ملك”.

ويوم قريظة تروي عن أبيها أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا سعد تقدم فارم” فتقدمت حيث تبلغهم نبلي ومعي نيف على الخمسين فرميناهم ساعة، وكان نبلنا مثل جراد فانحجروا فلم يطلع منهم أحد.

ابنة المهاجر

عائشة كانت تفاخر بأبيها سعد فتقول: أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بالأبوين. وكانت تدخل على نساء النبي وتسألهن في أمور الدين صغيرها وكبيرها وتقول: أدركت ستا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكنت أكون معهن، فما رأيت على امرأة منهن ثوبا أبيض، وكنت أدخل عليهن فتقعدني إحداهن في حجرها وتدعو لي بالبركة، وعليّ حُليَ الذهب. فقيل لها: فما كان عليك؟

قالت قلائد الذهب ومزيقيات الذهب.

وكانت تلبس خاتمين في إصبعيها البنصر والسبابة فكانت إذا توضأت خلعتهما.

وتواتر عنها أنها كانت تصلي العشاء والفجر في المسجد وترتدي الأثواب المعصفرات مراراً. ويروي حبيب بن أبي مرزوق: لقيت امرأة بالمدينة معها نسوة، وضوء نار “يعني شمعة” خارجا من المسجد، فسألت عنها فقالوا هذه عائشة بنت سعد بن أبي قاص.

وعاشت رضي الله عنها حياتها صابرة مجاهدة طالبة للعلم حتى بلغت العقد الثامن من عمرها حتى وافتها المنية عام 117 ه وهي آخر من مات من بنات الصحابة.

الفريعة بنت مالك

هي صحابية من كبريات الصحابيات.. أبوها مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري المجاهد الشهيد.. كان من فقراء المدينة.. ورغم ذلك لم يسأل أحداً.. فصبر على الجوع وتعفف حتى قال عنه صلى الله عليه وسلم: “من أراد أن ينظر إلى العفيف، فلينظر إلى مالك بن سنان”

ويوم أحد وقف مالك يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ورأى الدماء قد خضبت وجهه الشريف، فمسح عنه الدم، بل وبلعه ولم يلقه على الأرض. وحين تجمع الكفار على رسول الله ليقتلوه تصدى لهم مالك بن سنان وتلقى الطعنات التي مزقته وسقط شهيداً.

ونظر رسول الله إليه وهو ينزل في قبره فقال: “من أحب أن ينظر إلى من خالط دمي دمه، فلينظر إلى مالك بن سنان”.

بيعة الرضوان

وأخوها الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سنان وكنيته أبو سعيد الخدري.

أما الفريعة فقد جمعت بين رواية الحديث والجهاد في سبيل الله والفقه في الدين.

فكانت تحث أخاها سعيد الخدري على التعفف عن السؤال، وكان أن أكرم الله البيت المالكي الخدري فأصبحوا باستغنائهم عن سؤال الناس أغنى الأنصار.

وشهدت الفريعة بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية حين ذهب الرسول صلى الله عليه سلم ومعه أصحابه لأداء العمرة ومنعتهم قريش من الوصول إلى بيت الله الحرام. فكانت البيعة تحت الشجرة على التصدي لغرور قريش، وانتهى الأمر بصلح الحديبية بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

وشملها الحديث النبوي الذي أخبر فيه الرسول أنه لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة “لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها”.

وروت الفريعة ثمانية أحاديث نبوية منها حديث سكنى المتوفى عنها زوجها في بيتها المؤجر.

تقول الفريعة: جئت إلى رسول الله أسأله أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فقد خرج زوجي في طلب عبيد له هربوا فقتلوه، وقلت للنبي إن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، فقال لي النبي: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله.

قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. وكان كبار الصحابة يأخذون عنها العلم. وعاشت الفريعة إلى زمن الخلافة الراشدة.


...........................

يتبع




[/frame]


4 
مجدى سالم

[frame="13 98"]
الشاعرة أم ذر

هي شاعرة من شاعرات العرب، ارتبط اسمها بزوجها الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري .. الزاهد .. العابد .. الثائر وعاشت معه حياة الفقر الاختياري والزهد التي فرضها أبو ذر الغفاري على نفسه وعلى آل بيته.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يبتسم قال لأبي ذر: حدثني ببدء إسلامك. قال أبو ذر: كان لنا صنم يقال له: نهم فأتيته فصببت له لبنا ووليت فحانت مني التفاتة فإذا كلب يشرب اللبن فلما فرغ رفع رجله فبال على الصنم فأنشأت أقول:

ألا يا نهم إني قد بدا لي

مدى شرف يبعد منك قربا

رأيت الكلب سامك خط خسف

فلم يمنع قفال اليوم كلبا

وسمعتني أم ذر فقالت:

ألا فابغنا ربا كريما

جواداً في الفضائل يا ابن وهب

فما من سامه كلب حقير

فلم يمنع يداه لنا برب

فما عبد الحجارة غير غاو

ركيك العقل ليس بأهل لب

فقال صلى الله عليه وسلم: صدقت أم ذر فما عبد الحجارة غير غاوٍ.

عاشت أم ذر مع زوجها المتبتل حياة الزهد وشظف العيش فصبرت ولم تشكو لأحد، بل كانت تشارك زوجها العبادة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحب أن ينظر إلى المسيح عيسى بن مريم، إلى بره وصدقه وجده، فلينظر إلى أبي ذر” ويقول عليه الصلاة والسلام: “ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر”.

لقد عاش أبو ذر الغفاري حياته كلها يقاوم الترف والبذخ، ويأخذ على بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ارتفعوا في البنيان. لقد وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثرواته قبل أن يصبح حاكما، وعن ثروته اليوم!! عن البيت الذي كان يسكنه بمكة، وعن قصوره بالشام اليوم!

ثم يصرخ في الحافين حوله قائلا: “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف يخرج على الناس شاهراً سيفه؟! بشر الكانزين بمكاوٍ من نار يوم القيامة”.

ويعرض عليه أمير المؤمنين عثمان بن عفان، بعد حوار طويل، الإقامة معه في المدينة فأجابه أبو ذر: لا حاجة لي في دنياكم!!

حضور دائم



وفي كُلٍ، كانت الأم والشاعرة والزوجة أم ذر حاضرة، ولم تسجل كتب السير أنها كانت تعترض على أسلوب حياة أبي ذر، بل المؤكد أنها كانت تشاركه نفس نزعة الزهد والتبتل، وكانت تعتبر هذا جهاداً في سبيل الله.

ويقبل أبو ذر النفي الاختياري في الربذة وتحضره الوفاة وبجانبه جلست أم ذر تبكي. فقال لها: ما يبكيك ؟ فقالت: ما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يدان لي بنعشك، وليس معنا ثوب يسعك كفنا، وليس عندك مال! فقال: لا تبكي وأبشري فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يموت بين امرأين مسلمين، ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبداً” وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: “ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين” وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذبتُ ولا كُذبت، فأبصري الطريق.

تقول أم ذر: فقلت: أنى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق؟ فقال: انظري. فكنت أصعد فوق كنيب من الرمال أنظر إلى الطريق ثم أرجع إليه فأمرضه. فبينما أنا كذلك إذ أنا برجال على رواحلهم فألححت عليهم، فأسرعوا إليّ، فقالوا: مالك يا أمة الله؟ فقلت: امرؤ من المسلمين تكفنونه، يموت، قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذر. قالوا: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم.

وإن عبد الله بن مسعود، وكان على رأس جماعة المؤمنين، ليبصر المشهد قبل أن يبلغه ة مشهد جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميت، وإلى جواره سيدة وغلام يبكيان، ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشهد، ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان، حتى تقع عينه على وجه صاحبه وأخيه في الله والإسلام أبي ذر، وتفيض عيناه بالدمع، ويقف على جثمانه الطاهر يقول:

“صدق رسول الله.. تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك”.


ثم غسلوه وكفنوه وصلى عليه ابن مسعود وأصحابه، ودفنوه، وقامت أم ذر فذبحت شاة وطبختها لجماعة المؤمنين، وذلك بناء على وصية أبي ذر، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أم ذر وأبنائها فضمهم إلى أهله.

أم خلاد



أما “أم خلاد” فهي زوجة الصحابي الجليل: عمرو بن الجموح. وقد سجلت هذه الصحابية موقفاً خالداً سيظل مضيئا حتى قيام الساعة. فقد شهدت أم خلاد غزوة أحد مع زوجها وولدها وأخيها، ولما استشهد الثلاثة حملتهم الصحابية الجليلة على بعيرها ومضت بهم عائدة إلى المدينة ولقيتها في الطريق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت لأم خلاد: ما وراءك ؟ قالت أم خلاد: أما رسول الله فصالح، وكل مصيبة بعده جلل - هينة - واتخذ الله من المؤمنين شهداء. فقالت عائشة: ومن هؤلاء؟ (تسأل عن الشهداء) فقالت: أخي، وابني خلاد وزوجي عمرو بن الجموح، قالت عائشة: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة لأدفنهم فيها، ثم زجرت بعيرها ليتابع سيره، فما استطاع، فلما وجهته إلى ميدان القتال أسرع، ومكث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى دفنهم، ثم قال “ترافقوا في الجنة: عمرو بن الجموح، وابنك خلاد، وأخوك عبد الله” قالت أم خلاد: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني معهم، فدعا لها.

وبهذا المقياس، مقياس المسؤولية واحتمال التبعة، تحملت أم خلاد المحتسبة المجاهدة هذا الموقف العصيب بكل مضاعفاته، فكانت رمزاً من رموز القوة، وكانت على مستوى مسؤولية الإيمان الذي صاغ منها سلاحا من أسلحة القدر، فكانت بصبرها وبيانها صورة التحدي الإسلامي الذي صار شوكة في حلق عدو ظن أنه بالنصر الخاطف في أُحد قد قضي على المسلمين، فإذا بصفعة الصمود والجهاد تأتيه من أم خلاد، ومن حيث لا يحتسب.

بنت طبيب العرب



هي “أزدة” بنت طبيب العرب الحارث بن كلدة.. مجاهدة خاضت ساحات الوغى بكل بسالة، ورباطة جأش. فقد ذكر المؤرخون أن أهل ميسان اجتمعوا لحرب المسلمين فلقيهم المغيرة بن شعبة بالمرغاب وقد ترك العدو قريبا من دجلة. فقالت أزدة بنت الحارث لمن معها من النساء: إن رجالنا في نحر العدو ونحن في الخلف ولا آمن أن يغيروا علينا وليس عندنا من يمنعنا، كما أنني أخاف أن يكثر العدو على المسلمين فيهزمونهم، فلو خرجنا لأمنا ما نخاف، ويظن المشركون أنا عدد ومدد قد أتى المسلمين فيكسرهم ذلك وهي مكيدة. فأجبنها إلى ما قالت، فاتخذت لواء من خمارها واتخذت النساء رايات من خمرهن ومضين وهي أمامهن وتقول:

يا ناصر الإسلام صفا بعد صف

أن تهزموا وتدبروا عنا نخف

أو يغلبوكم يغمزوا فينا القلف.

فلما رأى المشركون الرايات مقبلة ظنوا أن مدداً أتى المسلمين ففروا واتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدة.

وفي رواية: أن أزدة بنت الحارث كانت زوجة لعتبة بن غزوان فلما استعمل عمر عتبة قاتل أهل مدينة الفرات فراحت امرأته أزدة تحرض الناس على القتال، ففتح الله على المسلمين تلك المدينة.



................................


أم الدرداء تخطب زوجها



يعد الصحابي الجليل أبوالدرداء عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، حكيم هذه الأمة وسيد القراء بدمشق ويروي أنس: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبي الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبي زيد. وكان مجلس أبي الدرداء يمتلئ بطالبي العلم حيث كان يقوم بتحفيظ القرآن وتفسير معانيه. فعن سعيد بن عبد العزيز عن مسلم بن مشكم: قال لي أبي الدرداء: اعدد من في مجلسنا، فعددتهم فإذا هم ألف وستمائة ونيف، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح، وقرأ جزءاً، يلتفون حوله يسمعون ألفاظه.

وفي مثل هذا الجو المفعم بالتقوى والورع والعلم عاشت زوجتا أبي الدرداء (أم الدرداء الكبرى وأم الدرداء الصغرى).

فأما أم الدرداء الكبرى فهي الصحابية خيرة بنت أبي حدرد، التي أسلمت وحسن إسلامها، وكانت من فضليات النساء وعاقلاتهن، وذوات الرأي منهن، مع العبادة والنسك. وقد حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن زوجها أبي الدرداء وقد روت خمسة أحاديث. ومن تلاميذها الذين حملوا العلم عنها: صفوان بن عبدالله بن صفوان، وميمون بن مهران، وزيد بن أسلم. وقد توفيت أم الدرداء الكبرى قبل أبي الدرداء بسنتين، وذلك في الشام في خلافة عثمان بن عفان. ولم يذكر كتاب السير عنها الكثير.

أما أم الدرداء الصغرى، الزوجة الثانية لأبي الدرداء، فقد سجل لها كتاب السير من المواقف والأقوال واسمها: هجيمة بنت حيي الوصابية، وهي دمشقية تابعية. وروت أم الدرداء الصغرى علما جما عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي، وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة. وأحاديثها مثبتة في كتب الأصول الستة. وكانت أم الدرداء الصغرى فقيهة.. زاهدة.. عابدة.. تقول: إن أحدهم يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن الله لا يمطر عليه ذهبا، ولا دراهم، وإنما يرزق بعضهم من بعض، فمن أعطي شيئا فليقبل، فإن كان غنيا فليضعه في ذي الحاجة، وإن كان فقيراً فليستعن به.

وكان أبوالدرداء وأم الدرداء الصغرى متحابين.. يقومان الليل معا.. ويقرآن القرآن ويتعبدان.. حتى إن أم الدرداء الصغرى كانت تدعو لله قائلة: اللهم إن أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا، اللهم فأنا أخطبه إليك، فأسألك أن تزوجنيه في الجنة. فقال لها أبوالدرداء: فإن أردت ذلك فكنت أنا الأول فلا تتزوجي بعدي. فمات أبوالدرداء وكانت ذات جمال وحسن، فخطبها معاوية، فقالت لا والله لا أتزوج زوجا في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله في الجنة.

وعندما احتضر أبوالدرداء قالت له: إنك خطبتني إلى أبويّ في الدنيا فزوجوك لي، وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة.

وكانت - رضي الله عنها - من الناسكات المتعبدات الفقيهات. تقول أم الدرداء الصغرى: “لقد طلبت العبادة في كل شيء، فما أصبت لنفسي شيئا أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم. تعلموا الحكمة صغاراً، تعملوا بها كباراً. إن كل زارع حاصد ما زرع من خير أو شر”.

وقالت: “إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكل خير تعمله فهو من ذكر الله، وكل شيء تجتنبه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبيح الله عز وجل”.

وقال رجل لأم الدرداء: إني لأجد في قلبي داء، لا أجد له دواء! وأجد قسوة شديدة وأملا بعيداً!

فقالت أم الدرداء: اطلع في القبور، واشهد الموتى.

ويقول ابن أبي زكريا الخزاعي: خرجنا مع أم الدرداء في سفر، فصحبنا رجل، فقالت أم الدرداء: ما يمنعك أن تقرأ القرآن؟ أو تذكر الله كما يصنع أصحابك؟ فقال: ما معي من القرآن إلا سورة، وقد رددتها حتى أدبرتها. قالت: أو إن القرآن ليدبر؟! ما أنا بالتي أصحبك، إن شئت أن تتقدم، وإن شئت أن تتأخر. فضرب دابته وانطلق.

ثم صحبنا رجل آخر، فقال: يا أم الدرداء، دعاء كان يدعو به: اللهم اجعلني أرجو رحمتك، وأخاف عذابك، إذ يأمنك من يرجو رحمتك، ولا يخاف عذابك، وأسألك الأمن يوم يخافون. فقالت أم الدرداء: اكتبه، فكتبه.

وجاء رجل فقال لها: إنه قد نال منك رجل عند عبدالملك بن مروان، فقالت: إن نؤبن بما فينا فطالما زكينا بما ليس فينا.

وعوتبت أم الدرداء في شيء فقالت: إني أدركت زمانا انتقد فيه الناس فانتقدت معهم.

وقال إسماعيل بن عبيدالله: قالت لي أم الدرداء: يا بني ما يقول الناس في الحارث الكذاب؟ فقلت: يا أماه يزعمون أنك قد بايعته. يقول إسماعيل: فلم تسل أم الدرداء من الذي قال، لئلا يكون في صدرها غل لأحد.

ويقول عثمان بن حبان: أكلنا مع أم الدرداء طعاماً فأغفلنا الحمد لله فقالت: يا بني، لا تدعوا أن تأدموا طعامكم بذكر الله، أكلاً وحمداً خير من أكل وصمت.

وأما أبوهزار التميمي فيقول: “قالت لي أم الدرداء: يا أبا هزار، ألا أحدثك ما يقول الميت إذا وضع على سريره؟”.

يقول: يا أهلاه، ويا جيراناه، ويا حملة سريراه.. لا تغرنكم الدنيا كما غرتني، ولا تلعبن بكم كما لعبت بي، فإن أهلي لم يحملوا عني من ذنوبي شيئاً، ولو حاجوني اليوم عند الجبار لحجوني.

ثم قالت أم الدرداء: الدنيا أسحر لقلب العبد من هاروت وماروت، وما آثرها عبد قط إلا صرعته.



زوجة عبادة بن الصامت



هي أم حرام بنت ملحان بن خالد الأنصارية المدنية. وهي أخت أم سليم وخالة أنس بن مالك، وزوجة عبادة بن الصامت. ولها أحاديث كثيرة في كتب السنة الستة، ما عدا سنن الترمذي، وروى عنها عدد كبير من الصحابة، وعلى رأسهم أنس بن مالك فقال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو إلا أنا وأمي وخالتي أم حرام، فقال: “قوموا فلأصل بكم” فصلى بنا في غير وقت صلاة.

ويقول أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وكانت أم حرام زوجة لعبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله يوماً، ثم جلست تُفلّي رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: “ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة” فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم؟ ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك وقال “ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله” فقلت يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم؟ قال: “أنت من الأولين”.

فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية في غزوة قبرص، ونزلت عن دابتها فصرعتها. فكانت من الأولين. ونالت أم حرام الشهادة في سبيل الله على شواطئ جزيرة قبرص، وتحقق لها ما أرادت وهو الخروج للجهاد في سبيل الله، وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم لها.



.........................


عائشة بنت طلحة.. أجمل نساء زمانها



رباها أبوها على عزة النفس والاعتزاز بأنوثتها وعلمها وأدبها وكانت عائشة بنت طلحة إحدى “سيدات” عصرها، تقرأ الشعر وتتذوقه وترويه ولها مجلس أو “ندوة” أدبية يُدعى اليها الشعراء والأدباء وسادة القوم.

وكانت لا تحتجب من الرجال فتجلس وتأذن لهم بالدخول عليها وهي في كامل لباسها.

يروي ابن إسحاق عن أبيه: دخلت على عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وكانت تجلس وتأذن كما يأذن الرجل

وقال أنس بن مالك لعائشة بنت طلحة: إن القوم يريدون أن يدخلوا اليك فينظروا إلى حسنك ! قالت: أفلا قلت لي فألبس حسن ثيابي.

ولقد أسهب كتاب السير والمؤرخون في الحديث عن افتتان الرجال بجمال عائشة بنت طلحة وقوة شخصيتها ووضع الملايين والجواهر تحت قدميها كي تقبل بالزواج منهم. ورغم أنها لم تنجب إلا ولداً واحداً طوال حياتها، وهذا كان ينتقص من قدر المرأة وقيمتها في المجتمعات العربية، رغم هذا فإنها كانت لا يرد لها كلمة، بل إن أحد أزواجها أيقظها من نومها كي يهديها عدة جواهر فما كان منها إلا أن صرخت فيه بأن النوم كان أعز عليها من هذه الجواهر التي ألقاها في حجرها.

كريمة الأصل



فالحقيقة إن ترفع عائشة بنت طلحة واحتقارها للمال هو نتاج طبيعي لشخصية الرجل الذي رباها وأدبها فأحسن تأديبها. فهي ابنة لأبوين كريمين: الأب هو الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة بعده.

وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم “من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله”.

وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم بطلحة الفياض حين اشترى بئراً ووهبها للمسلمين، ونحر جزوراً وأطعم الناس، وسماه النبي يوم خيبر بطلحة الجواد.

كرم وعطاء



دخلت عائشة على والديها يوماً فوجدت والدها حزيناً شارداً فسألت أمها: ما بال أبي؟ فوجهت الأم السؤال إلى الأب فلم يجبها. فقالت: أرابك شيء من أهلك فتعتب؟ فقال طلحة بن عبيد الله: نعم حليلة المرء أنت، ولكن عندي مال قد أهمني أو أغمني. قالت الزوجة سعدي بنت عوف: أقسمه وتصدق به. فدعا طلحة جاريته وقال لها: ادخلي عليّ قومي..

فدعت الجارية بني تيم قوم طلحة فقسم المال (وكان أربعمائة ألف) بينهم حتى ما بقي منه درهم. ونظرت عائشة الى أبيها وبكت وهي تدعو له بالبركة والجنة.

وباع طلحة أرضاً له إلى عثمان بن عفان بسبعمائة ألف دينار ونظر إلى المال ودمعت عيناه وقال: إن رجلاً تبيت هذه الاموال في داره لا يدري ما يطرقه من أمر الله العزيز لمغرور بالله.

ودعا طلحة أصحابه فحملوا المال ومضوا في شوارع المدينة يوزعون المال حتى أسحر طلحة وما عنده منها درهم.

ويعلق جابر بن عبدالله: ما رأيت أحداً أعطى لجزيل مال من غير مسألة من طلحة بن عبيد الله.

وخطب عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب أم أبان بنت عتبة بنت ربيعة فرفضتهم جميعاً. ثم خطبها طلحة بن عبيد الله فرضيت وقال: زوجي حقاً. فقيل لها: وكيف ذلك؟ قالت أم أبان بنت عتبة: إني عارفة بخلائقه (أي بطباعه) إن دخل دخل ضاحكاً وإن خرج خرج بساماً، إن سألت أعطى وإن سكت ابتدأ وإن عملت شكر وإن أذنبت غفر.

وبين يدي أب يتمتع بمثل هذه القيم وعلى هذا النحو من الأخلاق الكريمة، خصوصاً فيما يتعلق بمعاملة النساء، نشأت وترعرعت عائشة وأخواتها: أم إسحاق، والصعبة، ومريم.

ونهلت عائشة أيضاً من علم بيت النبوة فهي ابنة أخت السيدة عائشة أم المؤمنين. وتزوجت بابن خالها عبدالله عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، وأنجبت منه ابنها الوحيد الذي سمي طلحة على اسم أبيها.

كانت تحب أباها حباً كبيراً فقد جاءها رجل وقال لها: رأيت طلحة في المنام فقال: قل لعائشة تحولني من هذا المكان، فإن التز - الرطوبة - قد آذاني.

فركبت عائشة بنت طلحة في حشمها وأخرجوه من قبره الذي كان مجاوراً للنهر عند البصرة. وقال الراوي: فلم يتغير منه إلا شعيرات في أحد شقي لحيته أو قال رأسه. وكان بين وفاته ونقله أكثر من ثلاثين عاماً.

خلافات مع مصعب



وبعد وفاة عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق تزوجت أمير العراق مصعب بن الزبير وقدم لها مهراً نصف مليون درهم.

ولأنها بنت أبيها فلم تكن ترضى بمعاملة أقل ولا أفضل. لذلك كثرت خلافاتها مع زوجها مصعب حتى انها قالت له ذات يوم غاضبة:: أنت عليّ كظهر أمي، وهجرته في غرفة كانت معدة لهذا.

وحاول مصعب أن يصالحها فأبت. فبعث اليها ابن قيس الرقيات فقالت له: وكيف بيميني أي أنت عليّ كظهر أمي؟! فاستفتى الشعبي فقيه أهل العراق ثم رجع اليها قال: يمينك ليس بشيء..

وعادت إلى مصعب لكنها كانت تمتنع عليه في غالب الأوقات. فقد دخل عليها يوماً وهي نائمة ومعه ثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار ونثر اللؤلؤ في حجرها فقالت: نومتي كانت أحب اليّ من هذا اللؤلؤ.

ورغم شكواه الدائمة منها فإن مصعباً كان يحب عائشة التي كانت تنتمي إلى أسرة مشهور عنها أن نساءها محببّات إلى أزواجهن.

ولما قتل مصعب بن الزبير تزوجت عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان التيمي سيد بني تيم في عصره، ومن كبار القادة أيام إمارة مصعب للعراق، وتولى إمارة بلاد فارس سنة 68 ه والبصرة في عهد عبدالملك بن مروان، وقدم لها مهراً ألف الف درهم - أي مليون درهم. وظلت عائشة زوجة لعمر بن عبيد الله ثماني سنوات ثم مات عنها في سنة 82 ه فندبته قائمة ولم تندب أحداً من أزواجها إلا جالسة فقيل لها في ذلك، فقالت: إنه كان أكرمهم عليّ وأمسهم رحماً وأردت ألا أتزوج بعده.

شجاعة



وكانت لا تهاب أحداً. فقد دخلت على الوليد بن عبدالملك وهو في مكة فقالت: يا أمير المؤمنين مُرْ لي بأعوان. فضم اليها قوماً يكونون معها فحجت ومعها ستون بغلاً عليها الهوادج ثم خطبها جماعة ولم تتزوج أبداً. وظلت على هذا الوضع فكانت تقيم في مكة سنة وفي المدينة سنة، وتخرج إلى رعاية مالها في الطائف وقصر كان لها هناك تتنزه فيه وتجلس في العشيات فيتناضل بين يديها الرماة.

وفي إحدى حجاتها أرسلت إلى الحارث بن خالد المخزومي وهو أمير على مكة من قبل عبدالملك بن مروان فقالت: أَخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي.

فأمر المؤذنين فأخروا الصلاة حتى فرغت من طوافها ثم أقيمت الصلاة فصلى بالناس. وأنكر أهل الحج فعله ذلك واشتكوه فعزله عبدالملك بن مروان.

وعاشت عائشة بنت طلحة حياتها. كما أرادت مؤمنة قوية حرة، ويصفها الذهبي: كانت أجمل نساء زمانها وأرأسهن وحديثها مخرج في الصحاح.

وروت عائشة بنت طلحة عن خالتها أم المؤمنين. وروى عنها طلحة بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق وحبيب بن أبي عمرو وابن أخيها طلحة بن يحيى وابن أخيها الآخر معاوية بن إسحاق وروى لها الجماعة. وقال عنها يحيى بن معين: ثقة وحجة. وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وذكرها ابن حبان في الثقات.

وعاشت رضي الله عنها والناس يتحدثون عن فضلها وأدبها وعلمها، فلم ترض بأن تكون جميلة ثرية فقط وإنما كانت أديبة ذات دراية بأخبار العرب وأشعارهم.

وتوفيت عائشة عام 110 ه ودفنت في المدينة المنورة.





.............................


يتبع
[/frame]


5 
مجدى سالم

[frame="13 98"]
أم سليم.. مهرها إسلام زوجها

“رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة” هكذا بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لأنها كانت من الصحابيات اللاتي شهدن الغزوات وجاهدن في سبيل الله.

تزوحت أم سليم مالك بن النضر بن ضمضم وأنجبت منه أنس بن مالك ثم تزوجها الصحابي أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود وأنجبت منه عبد الله وأبا عمير.

أسلمت أم سليم وبايعت رسول الله وشهدت يوم حنين وهي حامل بعبد الله بن أبي طلحة وشهدت قبل ذلك يوم أحد تسقي العطشى وتداوي الجرحى.

واتخذت أم سليم خنجراً تدافع به عن نفسها يوم حنين، فاشتكى زوجها إلى النبي قائلاً: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! فقالت يا رسول الله إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وحث زوجها على أن يعينها على مهمتها.


إسلام زوجها



اشتهرت أم سليم في التاريخ الإسلامي بأنها أول امرأة كان مهرها إسلام زوجها. تقول أم سليم: آمنت برسول الله. وجاء أبو أنس، وكان غائيا، فقال أصبوت؟ فقلت: ما صبوت ولكني آمنت بهذا الرجل!

وجعلت تلقن أنساً: قل لا الله إلا اله، قل أشهد أن محمداً رسول الله. فيقول لها أبوه: لا تفسدي علي ابني، فتقول إني لا أفسده بل أصلحه.

فخرج زوجها مالك، فلقيه عدو فقتله فلما بلغها قتله قالت لا جرم.. لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.

فخطبها أبو طلحة، وهو يومئذ مشرك، فأبت. فقالت له يوماً: أرأيت حجراً تعبده لا يضرك ولا ينفعك أو خشبة تأتي بها النجار فينجرها لك هل يضرك؟ هل ينفعك؟ فوقع في قلب أبي طلحة الذي قالت فأتاها وأعلن إسلامه أمامها فقالت: فإني أتزوجك ولا آخذ منك صداقاً غيره.

وفي رواية: أما إني فيك راغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فذلك مهري، ثم قالت لابنها: يا أنس قم فزوج أبا طلحة.


صحبة النبي



ونالت أم سليم الصحبة النبوية المباركة لأنها كانت من عقلاء وأفاضل النساء كما يصفها ابن عبد البر والذهبي في الاستيعاب وسير النبلاء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها ويصلي بها وبأنس ثم يقول لها: يا أم سليم إذا صليت الصلاة المكتوبة فقولي سبحان الله عشراً والحمد لله عشراً والله أكبر عشراً ثم سلي الله ما شئت فإنه يقال لك: نعم. نعم. نعم.

وكانت أم سليم عندما يزورها النبي تتحفه بالشيء تصنعه له لأنها كانت طباخة ماهرة فإذا شرب في إناء حفظته وإذا شرب من قربة قطعت فمها وحفظته. وكان البعض يسأل النبي لماذا تُكثر من دخول بيت أم سليم فيرد صلى الله عليه وسلم: إني أرحمها، قتل أخوها معي.

وتقول أم سليم: كان رسول الله يقيل في بيتي، فاستيقظ وأنا أجمع عَرقه، فقال يا أم سليم ما تصنعين؟ فقلت: آخذ هذا للبركة التي تخرج منك. ثم إن لي عندك طلباً خاصاً يا رسول الله فقال وماهو؟ قالت: أن تقبل ابني أنس خادماً لك. فرفع النبي يديه إلى السماء ودعا لها بالخير وقال: “اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك له”.

يقول أنس بن مالك: وكان لي أخ أصغر مني يكنى أبا عمير، فزارنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: يا أم سليم ما شأني أرى أبا عمير ابنك خائر النفس؟ فقالت: يا نبي الله ماتت صعوة له - عصفور صغير - كان يلعب بها. فراح النبي يمسح رأسه ويقول: يا أبا عمير ما فعل النُفير.


عمرة رمضان



وعاد النبي صلى الله عليه وسلم من الحج وقال: ما لأم سليم أتحج معنا هذا العام؟ فقالت: يا نبي الله كان لزوجي جملان فأما أحدهما فحج عليه وأما الآخر فتركه يسقي عليه نخله. قال النبي: فإذا كان رمضان أو شهر الصوم فاعتمري فإن عمرة فيه مثل حجة.

وقد جمعها هي وزوجها حبهما للنبي صلى الله عليه وسلم فذات ليلة - كما يحكي أنس - قال أبو طلحة لأم سليم: سمعت صوت رسول الله ضعيفاً، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وجعلت بعضه رداء على رأسي ثم أرسلتني إلى رسول الله. فوجدته جالساً في المسجد، ومعه الناس فقمت عليهم فقال رسول الله: رسلك أبا طلحة؟ فقلت: نعم. فقال: الطعام؟ فقلت نعم فقال رسول الله قوموا. فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم.

قالت: الله ورسوله أعلم. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هلمي ما عندك يا أم سليم، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فَفُتّ، وعصرت عليه أم سليم بقايا سمن، ودعا النبي بالبركة ثم قال: “ائذن لعشرة” فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: “ائذن لعشرة” حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً. ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت وبقي شيء من الطعام.

وخرج أبو طلحة إلى المسجد وترك ابنه أبا عمير مريضاً، وأثناء ذلك توفي الصبي فقالت أم سليم لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أُعلمه أنا.

فلما رجع أبو طلحة سأل عن ابنه فقالت أم سليم وهي أم الصبي: خير ما كان وتطيبت له وتصنعت له وجاءت بعشاء فتعشى وأصاب منها ما يصيب الرجل من أهله، ثم قالت أم سليم: يا أبا طلحة أرأيت أهل بيت أعاروا أهل بيت عارية - أي استعاروا - فطلبها أصحابها أيردونها أو يحبسونها؟ فقال: بل يردونها عليهم قالت: فاحتسب أبا عمير.

فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله فأخبره بما كان فقال النبي: بارك الله لكما في غابر ليلتكما!

يقول الراوي: فحملت أم سليم بعبد الله بن أبي طلحة حتى إذا وضعته، وكان اليوم السابع قالت أم سليم لابنها أنس: اذهب بهذا الصبي وهذا التمر إلى رسول الله حتى يكون هو الذي يحنكه ويسميه. يقول أنس: فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فمد النبي رجليه وأضجعه وأخذ تمرة فلاكها ثم مجها في فم الصبي فجعل الصبي يتلمظها. فقال النبي: أبت الأنصار وإلا حب التمر. وسماه النبي: عبد الله.


حفظة قرآن



وقد أنجب عبد الله بن أم سليم سبعة أولاد كلهم من حفظة القرآن وختمته ولم لا وقد خرج وهو في بطن أمه للقتال يوم حنين، وهو دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي استجابها الله!

وروت أم سليم أربعة عشر حديثاً، اتفق لها البخاري ومسلم على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين، والباقي عند أصحاب السنن وغيرهم.

وكانت تعلم التلاميذ وتحفظهم القرآن، ومن تلاميذها الذين حملوا العلم عنها: أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعمرو بن عاصم الأنصاري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.

لقد اختارت أم سليم الإسلام وكانت في عصمة رجل مشرك، ثم اختارت الإسلام مهراً لها فأسلم زوجها، واختارت حب النبي صلى الله عليه وسلم وفضلته على كل حب، واختارت أن تهب ابنها أنس لخدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت خياراتها كلها تنم عن شخصية قوية حرة.. فلم تدع نفسها لزوج يفرض عليها الشرك بالله بل فرضت هي الإسلام على الرجل الذي طلبها للزواج فاستحقت إذن أن يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم:

“رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة - أم سليم - وسمعت حشفة - أي حركة - فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال”.

وتوفيت أم سليم وتركت سيرتها العطرة لكي تقتدي بها المسلمات المؤمنات القانتات في كل عصر ومكان. أليست من المبشرات بالجنة.



..............
فاختة.. مستشار معاوية

أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة


اسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة يوم فتح مكة، وكانت زوجة لعكرمة بن أبي سفيان الذي فر هارباً إلى الشام، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبايعته بيعة النساء، وطلبت منه الأمان لعكرمة فأمّنه، فاستأذنته في طلبه، فأذن لها فخرجت في طلبه، وخرج معها واحد، راودها عن نفسها، فلم تزل تعده وتقربه، حتى قدمت على أناس فاستعانت بهم عليه، فأوثقوه لها، ثم انطلقت حتى أدركت زوجها في اليمن، فأقبل عكرمة مع أم حكيم حتى جاءت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايع ودخل في الإسلام.

وعاد عكرمة بن أبي جهل إلى زوجته أم حكيم على زواجه الأول بعد فراق دام سنة. ثم قتل عكرمة يوم اليرموك شهيداً في سبيل الله، فتزوجت أم حكيم من بعد ذلك خالد بن سعيد بن العاص، فقتل عنها شهيداً يوم مرج الصفر، فتزوجها عمر بن الخطاب فأنجبت منه فاطمة بنت عمر.

حب الجهاد



عرفت أم حكيم بحب الجهاد في سبيل الله، فقد قتل خالد بن سعيد يوم مرج الصفر شهيداً، وكانت امرأته أم حكيم دخل بها في مرج الصفر، فخرج وهو عريس، فقاتل فقتل، وخرجت هي بعمود فقتلت سبعة من الروم، وكانت قبله زوجة لابن عمها عكرمة، فقتل يوم اليرموك، فاعتدت عنه أربعة أشهر وعشراً، وكان يزيد بن أبي سفيان يخطبها، وكان خالد بن سعيد يرسل اليها في عدتها يتعرض للخطبة، فمالت إلى خالد بن سعيد، فتزوجها على صداق أربعمائة دينار. فلما نزل المسلمون مرج صفر. أراد خالد أن يدخل بأم حكيم، فجعلت تقول له: لو أخرت الدخول حتى يفض الله تلك الجموع. فقال خالد: إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم، قالت: فدونك، فأعرس بها عند القنطرة، فبها سميت قنطرة أم حكيم، وأولم عليها في صبح مدخله، فدعا أصحابه على طعام فما فرغوا حتى صنعت الروم صفوفاً خلف صفوف.

وبرز رجل منهم يدعو إلى المبارزة، فبرز إليه حبيب بن مسلمة فقتله حبيب، وبرز خالد بن سعيد فقاتل حتى قتل، وشدت أم حكيم بنت الحارث عليها ثيابها وانطلقت إلى ساحة المعركة، وان عليها لأثر طيب العُرس في وجهها، فاقتتلوا أشد القتال على النهر، فصبر الفريقان جميعاً، وأخذت السيوف بعضها بعضاً، فلا يرمى بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يرمى بحجر، ولا يسمع إلا وقع السيوف على الحديد، وهام الرجال وأبدانهم، وكانت أم حكيم وسط المعركة تجاهد في سبيل الله، وقتلت أم حكيم بعمود الخيمة التي زفت فيها إلى خالد بن سعيد لمدة سبعة أيام فقط، سبعة من الروم، وكانت وقعة مرج الصفر في المحرم سنة أربع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب.

زوجة المشاهير



هي الممتحنة.. بها سميت سورة من سور القرآن، أسلمت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وبايعت قبل الهجرة، وهي أول من هاجر من النساء بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم نعلم قرشية خرجت من بيت أبويها - لم تكن متزوجة - مسلمة مهاجرة إلى الله ورسوله إلا أم كلثوم بنت عقبة، خرجت من مكة وحدها ماشية، فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة فقدما المدينة فقالا: يا محمد شرطنا أوف به (وهو على ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته الينا) فقالت أم كلثوم: يا رسول الله أنا امرأة وحال النساء إلى الضعف فتردني إلى الكفار يفتنوني في ديني ولا صبر لي؟ فرفض النبي صلى الله عليه وسلم إعادتها إلى مكة، وفي أم كلثوم نزل “فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن” فامتحنها رسول الله وامتحن النساء بعدها يقول: والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله والإسلام وما خرجتن لزوج ولا مال ؟ بالله ما خرجت من بغض زوج ؟ وبالله ما خرجت راغبة عن أرض إلى أرض ؟

وامتحنت أم كلثوم فنجحت في الامتحان. وكانت شابة لم تتزوج وخرجت مهاجرة إلى الله ورسوله وهو ما ينبئ عن شخصية مستقلة تملك حرية اتخاذ أي قرار.

وزوجها النبي صلى الله عليه وسلم من زيد بن حارثة وعاشت معه عيشة هنية وأنجبت منه، واستشهد زيد يوم مؤتة، فتزوجت الزبير بن العوام، وكان فيه شدة على النساء وكانت له كارهة، فطلبت الطلاق لكنه رفض وظل يرفض حتى ضربها الطلق وأوشكت على الولادة وهو لا يعلم، فألحت عليه وهو يتوضأ للصلاة فطلقها تطليقة ثم خرجت فوضعت فأدركه رجل من أهله فأخبره أنها قد وضعت. فقال خدعتني خدعها الله! فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: “سبق فيها كتاب الله فاخطبها” قال الزبير: لا ترجع إليّ أبداً.

وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عبد الرحمن بن عوف، وذلك بناء على وصية رسول الله لها، وأنجبت منه حميداً وإبراهيم، وبعد وفاته تزوجت عمرو بن العاص فمكثت عنده شهراً ثم ماتت.

لقد فتحت “الممتحنة” أم كلثوم بنت عقبة بواقعتها هذه أبواباً عدة لأحكام شرعية وقواعد حكمية، تنظم العلاقات الاجتماعية على أفضل ما يكون التنظيم والسلوك.

وكانت هجرتها وحدها وبدون علم أهلها عملاً غير مسبوق فتح الباب واسعاً أمام المسلمات كي يهاجرن إلى الله في أي زمان ومكان دون حرج أو خوف.

وروت “الممتحنة” عشرة أحاديث عن النبي أشهرها أنها سمعت رسول الله وهو يقول: “ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً”. وقد روى عنها ابنها حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن نافع، وغيرهم. وروى لها الجماعة، سوى ابن ماجه.

فاختة.. زوجة معاوية



هي فاختة بنت قرطة، وزوجها هو معاوية بن أبي سفيان. كانت فاختة من أصحاب العقل الرشيد والرأي السديد، وكانت تخرج مع زوجها معاوية إلى الجهاد في سبيل الله. وكان معاوية يحبها إلى حد أن أحد أصحابه قال له ذات يوم: يا أمير المؤمنين، كيف ننسبك إلى العقل، وقد غلب عليك نصف إنسان، يريد غلبة امرأته فاختة بنت قرطة عليه. فقال معاوية: إنهن يُغلبن الكرام، ويَغلبن اللئام.

وذكروا أنه لما استقامت الأمور لمعاوية استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، ثم هَمّ أن يعزله، ويولي سعيد بن العاص، فقدم المغيرة إلى الشام وقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والاختلاف، وفي عنقك الموت، وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد مقتل عثمان فاجعل للناس بعدك علماً يفزعون اليه، واجعل ذلك يزيد ابنك.

فدخل معاوية على امرأته فاختة - وكان يعتبرها مستشاره الخاص - وكان ابنها منه عبد الله بن معاوية، وقد كان بلغها ما قال المغيرة فقالت فاختة: ما أشار به عليك المغيرة أراد أن يجعل لك عدواً من نفسك يتمنى هلاكك كل يوم.


فشق ذلك على معاوية، ثم بدا له أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة.

وكانت تتمسك بأمور دينها في كل الأمور. فقد سمعت فاختة ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر فجاءت إلى معاوية، فقالت: تعال فاسمع ما في بيت هذا الرجل الذي جعلته بين لحمك ودمك. فجاء فسمع وانصرف، فلما كان آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر للقرآن فقال لفاختة: اسمعي مكان ما أسمعتيني. وكان معاوية يستمع إلى رأيها ويجلها ويحترمها.



...................
يتبع
[/frame]



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.