العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
إنجازات


السلام عليكم

اسمه كاملا رضي الله عنه


هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب القرشي
أسماء زوجاته رضي الله عنه


زينب بنت مظغون ابن حبيب وانجبت له عبدالله - عبد الرحمن الأكبر - حفصة ام المؤمنين هي زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم

ام كلثوم بنت جرول الخزاعيه وانجبت له عبيد الله - زيد الأصغر

جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح الأوسي وانجبت له عاصم وهو جد الخليفه عمر بن عبد العزيز

أم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وانجبت له زيد الاكبر - رقية

أم حكيم بنت الحارث بن هشام ابن المغيرة وانجبت له فاطمة

حبيبة بنت الخارجة الأنصارية وانجبت له عياض
وله امتان

فكيهة وانجبت له عبد الرحمن الأوسط - زينب

لهية وانجبت له عبد الرحمن الاصغر


عمر بن الخطاب في الجاهلية

في رحاب مكة المكرمة ، وجوها القائظ ، وريحها اللافحة ، وصحاريها المقفره ، وبعد حادثة الفيل بثلاث عشرة سنة ؛ ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث نشأ في كنف والده ، وورث عنه طباعه الصارمة ، التي لا تعرف الوهن ، والحزم الذي لا يدانيه التردد ، والغلظة التي لم يعرف فيها ألوان الترف ، ولا مظاهر الثراء التي تحقق له ما يريد .
أمضى شطرا من حياته في الجاهليه ، ونشأ كأمثاله من أبناء قبيلته ، وامتاز عليهم بأنه كان ممن تعلم القراءة والكتابة واصبح واحدا من سبعة عشر يتقنون ذلك ، فحفظ الشعر وأيام العرب ، وأنسابهم ، غير أن أباه لم يتركه ليستمتع بالقراءة بعد أن تعلمها ، بل حمله على أن يرعى له الإبل في الوديان المعشبة المحيطة بمكة ، وأقبل على تعلم الفروسية والمصارعة حتى اتقنهما ، فكان يمسك اذن الفرس بيد ، والاذن الاخرى بيده الاخرى ثم يثب على الفرس حتى يقعد عليه بين اعجاب الشباب من قريش ، وينطلق بالفرس يسبق كل من يسابقه ، ولقد تفوق في المصارعه حتى صرع كل من صارعه .

اشتغل عمر رضي الله عنه بالتجارة وربح منها ما جعله في وضع مادي لا بأس به ، وكسب معارف متعددة في البلاد التي زارها للتجارة ، فرحل الى الشام صيفا والى اليمن شتاءْ ، واحتل مكانة بارزة في المجتمع المكي الجاهلي ، وأسهم بشكل فاعل في بناء تاريخ اسرته ، حيث كان جده نفيل بن عبد العزى تحتكم اليه قريش في منازعاتها ، فضلاْ عن ان جده الاعلى كعب بن لؤي كان عظيم القدر والشأن عند العرب ، فقد ارخوا بسنة وفاته الى عام الفيل ، وتوارث عمر عن اجداده هذه المنزلة الكبيرة ، قال عنه ابن سعد : (( إن عمر كان يقضي بين العرب في خصوماتهم قبل الاسلام )).

ولا ضير في ذلك فهو من أشراف قريش وإليه كانت السفارة ، وقال عنه إبن الجوزي (( كانت السفارة الى عمر بن الخطاب ، إن وقع حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرا ، او نافرهم منافر ، او فاخرهم مفاخر ، بعثوه منافراْ ومفاخراْ , ورضوا به رضي الله عنه )).

كان أهل مكة في الجاهلية يعبدون الاصنام ، ويتقربون إليها ، وكان عمر احد هؤلاء الذين عكفوا على عبادتها ، وكان شبابها يشربون ويطربون ، فأدلى عمر بدلوه معهم ، وأسام سرح اللهو حيث أساموا ! إلا أن ولعه بالمعرفة شغل كثيرا من الوقت الذي يستهلكه غيره من الشباب في الملهيات .

ذلكم هو عمر بن الخطاب في الجاهلية : رجل قوي البنيان ، رابط الجأش ، ثابت الجنان ، صارم حازم ، لا يعرف التردد والأرجحة ، احتشدت في شخصيته الرجولة الحقة التي اكسبته مكانة بين قومه في الجاهلية والاسلام .


صفاته الخلقية :

أبيض أمهق ، تعلوه حمرة ، حسن الخدين والأنف والعينين ، غليظ القدمين والكفين ، مجدول اللحم ، طويلاْ جسمياْ أصلع ، قد فرع الناس طولاْ ، كأنه راكب على دابة ، وكان قويا شديداْ ، لا واهناْ ، ولا ضعيفاْ ، وكان يخضب بالحناء ، وكان طويل السبلة ( طرف الشارب ) وكان اذا مشى أسرع ، واذا تكلم أسمع ، واذا ضرب اوجع ، اعسر يسر ، يعمل بكلتا يديه .


إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه

كانت أول شعاعة من نور لامست قلبه ، يوم رأى نساء قريش يتركن بلدهن ويرحلن إلى بلد بعيد عن بلدهن بسبب ما لقين منه ومن غيره من كفار مكة ، فرق قلبه ، وعاتبه ضميره ، فرثى لهن ، وأسمعهن الكلمة الطيبه التي لم يكن يطمعن ان يسمعن منه مثلها .

قالت ام عبد الله بنت حنتمة : لما كنا نرتحل مهاجرين الى الحبشة ، أقبل عمر حتى وقف علي ، وكنا نلقى منه البلاء والاذى والغلظه علينا ، فقال لي : انه الانطلاق يا أم عبد الله ؟ قلت نعم ، والله لنخرجن في ارض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل الله لنا فرجاْ ، . فقال عمر : صحبكم الله . ورأيت منه رقة لم أرها قط . فلما جاء عامر بن ربيعة - وكان قد ذهب الى بعض حاجاته - وذكرت له ذلك ، فقال : كأنك قد طمعت في إسلام عمر ؟ قلت له نعم . فقال : انه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب . لم يكن أحد يصدق ان عمر يسلم ، ولكن الله إستجاب فيه دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : (( اللهم أعز الاسلام بأحب الرجلين إليك : بأبي جهل بن هشام ، او بعمر بن الخطاب )) فكان من فضل الله على عمر أن كان أحب الرجلين إلى الله .

وبينما كانت قريش قد اجتمعت فتشاورت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أي رجل يقتل محمداْ ؟ فقال عمر بن الخطاب : أنا لها ، فقالوا : انت لها ياعمر . فخرج في الهاجرة ، في يوم شديد الحر ، متوشحاْ سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضاْ من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعلي وحمزه رضي الله عنهم في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكه ولم يخرج فيمن خرج الى ارض الحبشه ، وقد ذكروا له انهم اجتمعوا في دار الارقم في اسفل الصفا . فلقيه نعيم بن عبد الله النحام ، فقال : اين تريد يا عمر ؟ قال أريد هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب آلهتها فأقتله ، قال له نعيم : لبئس الممشى مشيت يا عمر ، ولقد والله غرتك نفسك من نفسك ، ففرطت وأردت هلكة بني عدي ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداْ ؟ فتحاورا حتى علت أصواتهما ، فقال عمر : إني لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك لبدأت بك ، فلما رأى النحام أنه غير منته قال : فإني اخبرك ان اهلك واهل خنتك قد اسلموا وتركوك وما انت عليه من ضلالتك .
فلما سمع مقالته قال : وأيهم ؟ قال : خنتك وابن عمك واختك .

فلما سمع عمر ان اخته وزوجها قد اسلما احتمله الغضب فذهب اليهم فلما قرع الباب قالوا : من هذا ؟ قال : ابن الخطاب . وكانوا يقرؤون كتابا في ايديهم ، فلما سمعوا حس عمر قاموا مبادرين فاختبؤوا ونسوا الصحيفه على حالها . فلما دخل ورأته اخته عرفت الشر في وجهه ، فخبأت الصحيفه تحت فخذها قال : ما هذه الهيمنة ( الصوت الخفي ) التي سمعتها عندكم ؟ ( وكانوا يقرؤون طه ) فقالا : ما عدا حديث تحدثناه بيننا . قال : فلعلكما قد صبوتما ، فقالت اخته : ارأيت يا عمر ان كان الحق في غير دينك ؟.. فوثب عمر على خنته ( اي زوج اخته ) سعيد وبطش بلحيته فتواثبا ، وكان عمر قوياْ شديداْ فضرب بسعيد الارض ووطئه وطأْ ثم جلس على صدره ، فجاءت اخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحه بيده ، فدمى وجهها ، فقالت وهي غضبى : يا عدو الله ، اتضربني على ان اوحد الله ؟ قال نعم . قالت : ما كنت فاعلا ففعل ، اشهد ان لا اله الا الله وان محمداْ رسول الله ، لقد اسلمنا على رغم انفك ، فلما سمعها عمر ندم وقام عن صدر زوجها فقعد ، ثم قال : اعطوني هذه الصحيفه التي عندكم فأقرأها ، فقالت اخته لا افعل . قال : ويحك ، قد وقع في قلبي ما قلت ، فأعطينيها انظر إليها ، وأعطيك من المواثيق ان لا اخونك حتى تحرزيها حيث شئت .

قالت : انت رجس ؛ ( ولا يمسه إلا المطهرون ) فقم فاغتسل او توضأ ، فخرج عمر ليغتسل ورجع الى اخته فدفعت اليه الصحيفه ، وكان فيها طه وسور اخر فرأى فيها : بسم الله الرحمن الرحين ، فلما مر بالرحمن الرحيم ذعر ، فألقى الصحيفه من يده ، ثم رجع الى نفسه فأخذها فإذا فيها : ( الايات من 1 - 8 من سورة طه ) فعظمت في صدره . فقال : من هذا فرت قريش ! ثم قرأ فلما بلغ الى قوله تعالى : (( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن الساعه آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ) طه 14 - 16 . قال : ينبغي لمن يقول هذا ان لا يعبد معه غيره ، دلوني على محمد . فلما سمع خباب ذلك خرج من البيت فقال : أبشر يا عمر ، فإني ارجوا ان تكون قد سبقت فيك دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين : ( اللهم اعز الاسلام بأحب الرجلين اليك : بأبي جهل بن هشام ، او بعمر بن الخطاب ) قال : دلوني على مكان رسول الله ، فلما عرفوا منه الصدق قالوا : هو اسفل الصفا . فاخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وضرب عليه الباب ، فلما سمعوا صوته وجلوا - وكان حمزه وطلحة على الباب والنبي صلى الله عليه وسلم داخل يوحى اليه - ولم يجترئ احد منهم ان يفتح له ، لما قد علموا من شدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى حمزه وجل القوم ، قال : مالكم ؟ قالوا عمر بن الخطاب ؟ قال : عمر بن الخطاب ؟ افتحوا له ؛ فان يرد الله به خيراْ يسلم ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيناْ . ففتحوا له ، واخذ بحجزته وبجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة ، وقال : (( ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ والله ما ارى ان تنتهي حتى ينزل الله بك قارعه )) فقال له عمر : يا رسول الله ، جئتك اومن بالله وبرسوله وبما جئت به من عند الله ، قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ان عمر قد أسلم ، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في انفسهم حين اسلم عمر مع حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وعرفوا انهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينتصفون بهما من عدوهم )) .

لما اسلم عمر اسلم بإخلاص ، وعمل لتاكيد الاسلام بمثل الاندفاع الذي كان يعمل به لمحاربته ، فقال : يا رسول الله ، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بلى ، والذي نفسي بيده إنكم على الحق ، إن متم وإن حييتم .
قال عمر : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن وكان الرسول صلى اللع عليه وسلم قد رأى انه قد آن الأوان للإعلان ،وان الدعوة التي كانت كالوليد الضعيف الذي لا بد له من الرعاية والحفظ قد غدت قوية تدرج وتمشي وتستطيع ان تدافع عن نفسها ، فأذن بالاعلان وخرج صلى الله عليه وسلم في صفين ، عمر في أحدهما ، وحمزه في الاخر وكان لصفين كديد ككديد الطحين ، حتى دخل المسجد ، فنظرت قريش الى عمر وحمزه ، فأصابتهم كآبه لم تصبهم قط وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ( الفاروق )

روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه انه قال : ( ما زلنا اعزة منذ اسلم عمر ) . وقال : ( كان اسلام عمر فتحاْ ، وكانت هجرتة نصراْ وكانت امارته رحمة ؛ لقد رأيتنا وما نستطيع ان نصلي بالبيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا ) .

كان إسلام عمر رضي الله عنه في السنه السادسه من النبوة بعد اسلام حمزة رضي الله عنه بثلاثة أيام في ذي الحجة . وكان المسلمون يومئذ تسعة وثلاثين . قال عمر رضي الله عنه : لقد رأيتني وما اسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تسعة وثلاثون رجلاْ فكملتهم أربعين . فأظهر الله دينه ، واعز الاسلام . وروي انهم كانوا اربعين او بضعة واربعين رجلاْ وإحدى عشر امرأة ، ولكن عمر لم يكن يعرفهم لأن غالب من أسلم كان يخفيه خوفاْ من المشركين ، ولا سيما عمر فقد كان عليهم شديداْ فذكر انه اكملهم اربعين ولم يذكر النساء لأنه لا إعزاز بهن لضعفهن .
وحسب لإسلام عمر مكانة ورفعة وسمواْ قول ابن عباس : لما اسلم عمر قال المشركون : قد انتصف القوم منا وأنزل الله : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) الانفال : 64 .


هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

بدأت الهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة . فكان اول من قدم المدينة من اصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم وهم : مصعب ابن عمير ، وابن ام مكتوم ، ثم قدم بلال وسعد وعمار بن ياسر ، ثم قدم ابن الخطاب في عشرين راكباْ . ولما عزم على الهجرة أخبر عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص ، واتفقوا على الصحبة على ان يجتمعوا في منازل في بني غفار على عشرة أميال من مكة ، فمن تخلف عن الموعد تركوه ورحلوا ، فجاء عمر وعياش وحبس هاشم في مكة وفتن في دينه ، فسار حتى وصل قباء ( في طرف المدينة ) فنزل على رفاعة بن عبد المنذر ، فلحقهما أبو جهل وأخوه الحارث ، فقالا لعياش : إن امك قد نذرت الا يظلها سقف ، ولا يمس رأسها دهن حتى تراك ؛ فستشار عمر ، فقال له عمر : والله ما أراد الى ردك عن دينك ، فاحذرهما ولا تذهب ، فوالله لو آذى امك القمل لدهنت ومتشطت ، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت . قال عياش ، فإن لي بمكة مالا لعلي آخذه فيكون قوه للمسلمين ، وأكون قد بررت قسم أمي . فقال عمر : إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاْ ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما ، فأبى إلا ان يخرج معهما ، فلما ابى قال له عمر : اما إذ قد فعلت ما فعلت ، فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقه نجيبة ذلول فالزم ظهرها ، إن رابك من القوم ريب فانج عليها ، فلما كانوا بضجنان ( جبل على بريد من مكه ) قال أبو جهل : والله يا اخي لقد استغلظت بعيري هذا افلا تعقبني على ناقتك ؟ قال : بلى . فأناخ وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا على الارض اوثقاه ربطاْ ، حتى دخلا به مكه ، فقالا : هكذا يا اهل مكه فافعلوا بسفهائكم . ثم حبسوه .

وروى علي بن ابي طالب رضي الله عنه : ما علمت ان احد من المهاجرين هاجر إلا متخفيا ، إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ فإنه لما هم بالهجره تقلد سيفه ، وتنكب قوسه ، وانتظى في يده اسهماْ واختصر عنزته ( العنزة عصا في قدر نصف الرمح ، وهي اطول من العصا وأقوى من الرمح ) ، وذهب الى مكه ، والملأ من قريش بفنائها ، فطاف بالبيت ، سبعا متمكناْ ، ثم اتى المقام ، فصلى متمكناْ ، ثم وقف على الحلق واحده واحده ... فقال لهم : شاهت الوجوه ، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ، من أراد ان تثكله امه ، ويوتم ولده ، او يرمل زوجه فيلقني وراء هذا الوادي . قال علي رضي الله عنه : فما تبعه احد إلا قوم من المستضعفين ، علمهم وارشدهم ومضى لوجهه .

وكان قدوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى المدينه قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، وكان معه من لحق به من اهله وقومه ، وأخوه زيد بن الخطاب ، وعمرو وعبد الله أبنا سراقه بن المعتمر ، وخنيس بن حذافه السهمي ، زوج ابنته حفصة ، وابن عمه سعيد بن زيد ، وهو احد العشره المبشرين بالجنه ، وواقد بن عبد الله التيمي ، حليف لهم ، وخولى بن ابي خولى ، ومالك بن ابي خولى ، حليفان لهم من بني عجل وبنو البكير ، وإلياس وخالد ، وعاقل ، وعامر ، وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث ، فنزلوا على رفاعه بن المنذر في بني عمرو وبن عوف بقباء .

وهكذا ظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خدمة دينه وعقيدته بالأقوال والأفعال ، لا يخشى في الله لومة لائم ، وكان رضي الله عنه سنداْ وعيناْ لمن اراد الهجره من مسلمي مكة حتى خرج ، ومعه هذا الوفد الكبير من أقاربه وحلفائه . ساعد عمر رضي الله عنه غيره من أصحابة الذين يريدون الهجرة ، وخشي عليهم من الفتنه والإبتلاء في أنفسهم .

هذا وقد نزل عمر رضي الله عنه بالمدينه ، واصبح وزير صدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عويم بن ساعده ، وقيل : بينه وبين عتبان بن مالك : وقيل : بينه وبين معاذ بن عفراء وقد علق ابن عبد الهادي على ذلك وقال : لا تناقض بين الاحاديث ، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد آخى بينه وبين كل اولئك في اوقات متعدده ؛ فإنه ليس بممتنع ان يؤاخي بينه وبين كل اولئك في اوقات متعدده .
عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ميادين الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم


أجمع المؤرخون على ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد المشاهد جميعها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغب عن واحده منها .

غزوة بدر : في هذه الغزوه تكلم عمر مع المتكلمين حينما استشارهم الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بدء المعركه فأحسن الكلام ، ودعا الى قتل المشركين ، وكان أول من استشهد من المسلمين يوم بدر مهجع مولى عمر رضي الله عنه ، وقتل عمر رضي الله عنه خاله العاص بن هشام المشرك ، وأشار بقتل أسرى بدر من المشركين . وعندما قدم عمير بن وهب الى المدينه قبل اسلامه ، عرف عمر خبث نواياه فأمسك بحمالة سيف عمير الذي في عنقه بشده فعطله عن إمكانية استخدام سيفه للاعتداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر نفراْ من الصحابة بحراسة الرسول صلى الله عليه وسلم .

غزوة احد : كان من ضمن الصحابه الذين ابلوا بلاءْ حسناْ فيها وثبت مع من ثبت من الصحابه ، وبعد نهاية المعركه قام ابو سفيان بالسؤال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما لعلمه بمكانة هؤلاء الثلاثة في جيش المسلمين ، ففي موتهم يعتقد المشركون انهم قد قضوا على شأفة المسلمين .

غزوة بني المصطلق : كان لعمر موقف يريد فيه قتل عبد الله بن أبي سلول ؛ الذي أضرم فتنه بين المسلمين فقال عمر : لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( فكيف يا عمر اذا تحدث الناس ان محمداْ يقتل أصحابة ؟ لا .. ولكن أذن بالرحيل ) .

غزوة الاحزاب : يروي جابر بن عبد الله فيقول : ( إن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس ، فجعل يسب كفار قريش وقال : يا رسول الله ، ما كدت ان اصلي حتى كادت الشمس تغرب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وانا والله ما صليتها . فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان ( احد اودية مكه ) ، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم بعدها المغرب ))

غزوة صلح الحديبية : ذكر المؤرخون ان عمر رضي الله عنه اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، فقال : ما زلت أتصدق وأصوم ، وأصلي ، وأعتق من الذي صنعت يومئذ ، مخافة كلامي الذي تكلمت به ، حتى رجوت ان يكون خيراْ .

غزوة خيبر : عندما اقبل في خيبر نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : فلان شهيد ، فقال صلى الله عليه وسلم (( كلا اني رايته في النار في بردة غلها ، او عباءة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن الخطاب ، اذهب فناد في الناس : إنه لا يدخل الجنه إلا المؤمنون )) قال : فخرجت فناديت : ألا انه لا يدخل الجنه إلا المؤمنون .

فتح مكة : حينما قام حاطب بن أبي بلتعه بإفشاء سر المسلمين نحو مكه مع احد النساء ، أوحى الله إلى نبيه بالأمر ، وبعد تحقيق الرسول صلى الله عليه وسلم معه قال صلى الله عليه وسلم (( انه قد صدقكم . فقال عمر : يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا المنافق ! فقال صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدراْ وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراْ فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ))

غزوة حنين : كان فيمن ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المعركة من المهاجرين ابو بكر وعمر رضي الله عنهما ، ومن الصحابه من اهل بيته علي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وابنه الفضل ، وابو سفيان بن الحارث ، وابنه ، وغيرهم رضي الله عنهم جميعاْ .

غوزة تبوك : تصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله ، وأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء للناس بالبركة عندما أصاب الناس مجاعة ! . ثم قال صلى الله عليه وسلم : (( خذوا في أوعيتكم )) فأخذوا في اوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءْ إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت منه فضله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله لا يتلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عنه الجنه )) رواه مسلم



موقف عمر عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
قال ابن اسحاق : قال الزهري : وحدثني سعيد بن المسيب ، عن ابي هريرة قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : ( ان رجالاْ من المنافقين يزعمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه اربعين ليله ثم رجع اليهم بعد ان قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى ، فليقطعن ايدي رجال وارجلهم زعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ) . قال : واقبل ابو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ، وهو يكلم الناس فلم يلتفت الى شئ حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بين عائشه ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة فأقبل عليه حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ثم اقبل عليه فقبله ثم قال : بأبي أنت وأمي ، اما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداْ . قال : ثم رد البردة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال : على رسلك يا عمر أنصت ! . فأبى إلا ان يتكلم ! . فلما رآه ابو بكر لا ينصت اقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه اقبلوا عليه وتركوا عمر ؛ فحمد الله واثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنه من كان يعبد محمداْ فإن محمداْ قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين )) أل عمران 144


قال : فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الأية نزلت حتى تلاها ابو بكر يومئذ قال : وأخذها الناس عن أبي بكر رضي الله عنه فإنما هي في أفواههم فقال أبو هريرة : قال عمر رضي الله عنه والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات .



خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قال ابن كثير : كانت وفاة الصديق رضي الله عنه في يوم الإثنين عشية ، وقيل : بعد المغرب ، ودفن من ليلته ، وذلك لثمان بقين من جمادى الاخر سنة ثلاث عشر بعد مرض دام خمسة عشر يوماْ . وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين ، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان ، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا . فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة اشهر ، وكان عمره يوم توفي ثلاثاْ وستين سنة ، السن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جمع الله بينهما في التربة ، كما جمع بينهما في الحياة ، فرضي الله عنه وأرضاة .

فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أول من سمي بأمير المؤمنين . وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة ، وقيل : غيره وقد تمت بيعة أمير المؤمنين " عمر بن الخطاب " خليفة للمسلمين بإجماع الأمه على ذلك في اليوم التالي لوفاة " أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبدأ الخليفة الجديد يواجه الصعاب والتحديات التي قابلته منذ اللحظة الأولى وبخاصة الموقف الحربي الدقيق لقوات المسلمين بالشام ، وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد رضي الله عنهما ؛ فأرسل على الفور جيشاء إلى العراق بقيادة أبي عبيدة بن مسعود الثقفي ، وكان عمر يخفي وراء شدته ، رقة ووداعة ورحمة عظيمة ، وكأنة يجعل من تلك الشدة والغلظة والصرامة ستاراْ يخفي وراءه كل ذلك الفيض من المشاعر الإنسانية العظيمة ، التي ميزته في القيادة الحكيمة .


الفتوحات الاسلامية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قد لا يسعني ايها الاخوه ذكر فتوحات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهي كثيره وكثيره جدا فكيف أستطيع ان ألخص في سطور فتوحات أكبر فاتح على وجه الارض فهو من كسر شوكة المجوس كسراْ لم ينجبر بعدها وهو من أذل الفرس والروم وسأذكر لكم الاراضي التي فتحها وهي :


1- العراق : وأهم المعارك التي وقعت بالعراق معركة القادسيه .
2- إيران : وأهم المعارك التي وقعت في إيران معركة نهاوند .
3- الشام وفلسطين : وأهم المعارك التي وقعت معركة اليرموك .
4- مصر وليبيا : وأهم حدث فتح الإسكندرية في 29 رمضان سنة 21 هـ .


بعض الاحاديث الصحيحة في مناقب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

1- عن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( رأيتني دخلت الجنة ، فإذا بالرميصاء امرأة أبي طلحة . وسمعت خشفة فقلت ما هذا ؟ فقال : هذا بلال . ورأيت قصراْ بفنائه جارية فقلت : لمن هذا ؟ فقال : لعمر ، فأردت أن أدخله فنظر إليه ، فذكرت غيرتك . فقال عمر : بأبي انت وأمي يا رسول الله ! أعليك أغار )) رواه البخاري

2- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما أنا نائم . إذ رأيت قدحاْ أتيت به ، فيه لبن فشربت منه إنى لأرى الري يجري في أظافري . ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب )) قالوا : فماذا أولت ذلك ؟ يا رسول الله ! قال : (( العلم )) متفق عليه .

3- عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر )) رواه البخاري

4- عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب )) صحيح ابن ماجه .


فاجعة مقتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
على الرغم من سياسة العدل والخوف من الله تعالى الذي اتسم به عمر رضي الله عنه في تسيير شؤون الدولة الإسلامية ، إلا ان هذا لم يشفع له عند الحاقدين والمغرضين الذين امتلأت قلوبهم حقداْ وكرهاْ على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ؛ فلا ريب في حقدهم ، فقد طمس بإيمانه العظيم بالله تعالى ، معالم الشرك في البلاد المفتوحة ، وقضى على البدع ، والاهواء ، والزيغ ، والفساد ، وأحل بدلاْ من ذلك العدل ، والأمن ، والرخاء ، قال الهرمزان ملك الاهواز حينما قدم المدينة على عمر : ( عدلت فأمنت فنمت ) .

وكان ابن مسعود إذا ذكر عمر رضي الله عنه أخذ يبكي حتى يبتل الحصى من دموعه ، ثم يقول : (( إن عمر كان حصناً حصيناً للإسلام ، وما رأيت عمر إلا وكان بين عينيه ملكاً يسدده .. كان إسلامه فتحاً ، وكانت هجرته نصراً ، وكانت إمارته رحمة )) رواه البخاري


حقاْ لقد اسس رضي الله عنه دولة إسلاميه مترامية الأطراف ، أقام اركانها ، ووطد بنيانها ، وبسطها حتى بلغت بحر قزوين وجنوب آسيا الصغرى شمالاْ ، وحدود ليبيا غرباْ ، وأرض النوبة جنوباْ ، وخراسان وسجستان شرقاْ ، وحكم عشرة أعوام ونحو نصف عام ، فيسر الله تعالى له أن تكون دولته أقوى دولة في زمانه ، لذلك لم يكن مقتل عمر رضي الله عنه حادثاْ فردياْ عابراْ بل كان مؤامرة سياسية واسعة اشتركت فيها كل القوى المعاديه للإسلام آنذاك ؛ ممثله في تلك الشخصيات التي ظهرت على مسرح الاحداث وتحدثت عنها الروايات التاريخيه وبينت لنا أطراف الجريمة والمؤامرة .
حيث كان المتآمرون على قتله رضي الله عنه ثلاثة رؤوس رئيسة ، واربع مختلف عليه :

1- الهرمزان : الفارسي المجوسي ، ملك الاهواز ، ومن كبار قادة الفرس في حربهم ضد المسلمين ، في معركة القادسية ، وقبلها ، وبعدها . وقد هزمه الله تعالى على ايدي المسلمين الفاتحين في معركة تستر ، والقي القبض عليه ، وسيق أسيراْ الى المدينة ، في سنه 17 هـ على الأرجح ، وبقي فيها بعد ما أخذ الأمان من الخليفة عمر رضي الله عنه .

2- أبو لؤلؤة فيروز : عبد للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، وأخذه من حروب الفرس ، وكان فارسياْ مجوسياْ ، وقع رقيقاْ عبداْ في أحد حروب المسلمين للفرس ، ولما وزع العبيد الأرقاء على المجاهدين ، كان هو من نصيب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، وقد ألح المغيرة بن شعبة على عمر رضي الله عنه أن يقيم أبو لؤلؤة في المدينة ، لينتفع به المسلمون ، فهو حداد نجار نقاش صانع ، ويستفيد المغيرة من دخله وأمواله ، لأنه عبد له فأذن عمر بذلك .

3- جفينة : عبد رقيق نصراني رومي ، كان من سبي الروم في فتح الشام ، وصار رقيقاْ من نصيب أحد المسلمين ، وأقام في المدينة .

4- كعب الأحبار : وكان من يهود اليمن ، ومن أحبار اليهود هنالك ، والعاملين بالتوراة ، وقد أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه ، وانتقل من اليمن إلى المدينة ، وأقام فيها . وهذا الرابع مختلف عليه ! .

تآمر هؤلاء المغرضون على حياة عمر رضي الله عنه ، حيث اخبر كعب الاحبار عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قد دنا أجله ، وقربت وفاته ، وزعم أن هذا مذكور في التوراة !

وقبل اغتيال عمر رضي الله عنه جاء ابو لؤلؤة فيروز الفارسي شاكياْ سيده المغيره بن شعبة . وقد كان المغيرة يطلب منه ان يدفع له كل يوم اربعة دراهم ، مقابل الآلات الحديدية والطواحين التي يصنعها ، فاعتقد ابو لؤلؤة انه مظلوم عند المغيرة ، وان المغيرة يستغله ويظلمه ، ويأخذ منه مالاْ كثيراْ ! وهو أربعة دراهم في اليوم !

قال أبو لؤلؤة لعمر : يا امير المؤمنين : إن المغيرة قد أثقل علي ، ويأخذ مني مالاْ كثيراْ ، فكلمه ليخفف عني ، قال له عمر : ما طلب منك المغيرة مالاْ كثيراْ ، فاتق الله ، وأحسن على مولاك ، وكان في نية عمر ، ان يكلم المغيرة عندما يقابلة ، ويطلب منه ان يخفف على أبو لؤلؤة ! فذهب ابو لؤلؤة غاضباْ ، وهو يقول : إن عدل عمر وسع الناس كلهم غيري ، فلم يعدل معي ! .

وكان أبو لؤلؤة موتوراْ حاقداْ على عمر بالذات ، لنجاح المسلمين في خلافته في تحطيم الدولة الساسانية المجوسية . وكان ابو لؤلؤة إذا رأى أطفال السبايا المجوس في المدينة ، يمسح على رؤوسهم ، ويبكي ، ويقول : لقد أكل عمر كبدي !!! . وبعد المحاوره بينه وبين عمر اضمر قتله ، فصنع ابو لؤلؤة خنجراْ له رأسان ، وكان حاداْ ماضياْ ، ونوى قتل عمر به .

ذهب ابو لؤلؤة الى الهرمزان ، واراه الخنجر ، وقال له : كيف ترى هذا ؟ قال الهرمزان : إنك لا تضرب احداْ بهذا الخنجر الى قتله ! وكان عمر رضي الله عنه يسير يوماْ في المدينة مع مجموعة من الصحابة ، فلقي ابا لؤلؤة في الطريق . فقال له عمر : لقد سمعت انك تقول : لو اشاء لصنعت رحى ( طاحونة ) تطحن بالري ، فأجابه ابو لؤلؤة بغضب وحقد وعبوس : لأصنعن لك رحى يتحدث بها الناس !!. فقال عمر للصحابة الذين معه : إن هذا العبد يهددني ويتوعدني !! واجتمع ثلاثة من المتآمرين : الهرمزان وابو لؤلؤة وجفينة ، يتدارسون كيفية تنفيذ المؤامرة ، واغتيال عمر ، وكان مع ابو لؤلؤة الخنجر الذي اعده لجريمته . وبينما كان الثلاثة مجتمعين ، مر بهم عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق رضي الله عنهما . فما ان شاهدوه خافوا وفزعوا ، وكانوا جالسين على الارض ، فهبوا واقفين فزعين ، فسقط من ابي لؤلؤة الخنجر الذي كان يحمله ، وهو الخنجر الذي طعن به عمر بعد ذلك !! . ونفذ ابو لؤلؤة مؤامؤته ، وطعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخنجره المسموم ذي الحدين ، فجر يوم الاربعاء 26 ذي الحجه سنه 23 هـ .

قال احد شهود الحادث العدواني على الخليفه عمر رضي الله عنه ، وهو عمرو بن ميمون الأودي رحمه الله :
إني لقائم ( أي : في الصف ينتظر صلاة الفجر ) ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس ، غداة اصيب ، وكان إذا مر بين الصفين ، قال استووا ، فإذا استووا تقدم فكبر ، وربما قرأ سورة يوسف او النحل او نحو ذلك في الركعه الاولى ، حتى يجتمع الناس ، فما هو إلا ان كبر ، فسمعته يقول : قتلني - او أكلني - الكلب ! حين طعنه ، فطار العلج بسكين ذات طرفين ، لا يمر على احد يميناْ تو شمالاْ الا طعنه ، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاْ ، مات منهم سبعة ، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساْ ، فلما ظن العلج انه مأخوذ نحر نفسه ، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه - للصلاة بالناس - فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى ، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون ،

غير انهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون : سبحان الله ، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ، فلما انصرفوا قال عمر : يا ابن عباس ، انظر من قتلني ؟ فجال ساعه ، ثم جاء فقال : غلام المغيرة ، قال : الصنع ، قال : نعم ، قال : قاتله الله قد امرت به معروفاْ ، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام ! ... قال عمرو بن ميمون يكمل روايته للحادث : فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه ، وكأن الناس لم تصيبهم مصيبة قبل يومئذ ، فأتي بنبيذ ( تمرة نبذت في ماء اي : نقعت فيه ، كانوا يفعلون ذلك لاستعذاب الماء ) فشربه ، فخرج من جوفه ، ثم اتى بلبن فشربه فخرج من جوفه ، فعلموا انه ميت ، فدخلنا عليه ، وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه .. وقال : يا عبد الله بن عمر ، انظر ما علي من الدين . فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين الفاْ او نحوه ، قال : ان وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم ، وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ، ولا تعدهم إلا غيرهم ، فأد عني هذا المال ، وإنطلق إلى عائشه ام المؤمنين فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل امير المؤمنين ، فإني لست اليوم للمؤمنين اميراْ ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يبقى مع صاحبيه . فسلم عبد الله بن عمر ، واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعده تبكي ، فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت اريد لنفسي ولاوثرنه به اليوم على نفسي .

فلما اقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، قال عمر : ارفعوني ، فاسنده رجل إليه فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنت ؟ قال : الحمد لله ، ما كان من شئ أهم إلي من ذلك . فإذا أنا قضيت فاحملني ثم سلم فقل : يستأذن عمر بن الخطاب ؛ فإن أذنت فأدخلوني ، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين . قال : فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي ، عبد الله بن عمر قال : يستأذن عمر بن الخطاب ، قالت عائشه : أدخلوه . فأدخل ، فوضع هنالك مع صاحبيه .

وجاءت روايات أخرى فصلت بعض الاحداث التي لم تذكرها رواية عمرو بن ميمون قال ابن عباس رضي الله عنه : إن عمر رضي الله عنه طعن في السحر ، طعنه ابو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، وكان مجوسياْ ، وقال أبو رافع رضي الله عنه : كان أبو لؤلؤة عبداْ للمغيرة بن شعبة ، وكان يصنع الأرحاء ، وكان المغيرة يستغله كل يوم اربعة دراهم ، فلقي ابو لؤلؤة عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن المغيرة قد أثقل علي غلتي ! فكلمه ان يخفف عني . فقال عمر : اتق الله واحسن الى مولاك . ومن نية عمر ان يلقى المغيره فيكلمه يخفف عنه ، فغضب العبد ، وقال : وسع كلهم عدله غيري ؟! فأضمر على قتله ، فاصطنع خنجراْ له رأسان وشحذه وسمه ، ثم أتي به الهرمزان ، فقال : كيف ترى هذا ؟ قال : أرى انك لا تضرب به احداْ الا قتلته ، قال : فتحين ابو لؤلؤة عمر فجاءه في صلاة الغداء حتى قام وراء عمر ، وكان عمر إذا اقيمت الصلاة يتكلم ويقول , اقيموا صفوفكم ، فقال كما كان يقول : فلما كبر وجاء ابو لؤلؤة وجأة ( ضربه بالسكين ) في كتفه ، ووجأه في خاصرته ، فسقط عمر ، قال عمرو بن ميمون رحمه الله سمعت عمر لما طعن يقول : (( وكان أمر الله قدراْ مقدوراْ )) سوره الاحزاب 38


ظل عمر رضي الله عنه يحتضر ثلاثة ايام ، وكانت هذه الايام كلها دروس وعبر تتجلى فيه كل معاني الإيمان والخوف من الله والشعور بالمسؤوليه ، والنصح لهذه الامه ، وحمل هم هذا الدين حتى الرمق الاخير ، حيث دعا وهو على فراش الموت الى طريقه جعل امر الخلافه شورى بين الصحابه السته المبشرين بالجنه ، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم وهم : (( عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحه بن عبيد الله ، والزبير بن العوام )) رضي الله عنهم جميعا .

وقال عمر : ( والله لو كان ابو عبيده حيا لستخلفته )

ولم يجعل فيهم السابع المبشر بالجنه الذي كان حياْ آنذاك ، وهو سعيد بن زيد رضي الله عنه ؛ لانه من بني عدي ، ومن أقارب عمر رضي الله عنه ، وكان عمر شديد الحرص على إبعاد الإماره عن أقاربه ، حيث رفض ترشيح ابنه عبد الله لهذا الامر ، حتى انتهى الامر بين أصحاب الشورى السته ؛ بإختيار عثمان بن عفان ( ذي النورين ) .


2 
عمرو شعبان

[align=center]
آراء بعض المستشرقين في عمر الفاروق

1- قال موير في كتابه (الخلافة):
كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر وأظهر ما اتصفت به إدارته عدم التحيز والتقيد، وكان يقدر المسئولية حق قدرها، وكان شعوره بالعدل قويًا، ولم يحارب أحدًا في اختيار عماله، ومع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال، حتى قيل إن درة عمر أشد من سيف غيره، إلا أنه كان رقيق القلب، وكانت له أعمال سجلت له شفقته، ومن ذلك شفقته على الأرامل والأيتام.

2- وقالت عنه دائرة المعارف البريطانية:
كان عمر حاكمًا عاقلًا، بعيد النظر، وقد أدى للإسلام خدمة عظيمة.

3- وقال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتابه (محمد وخلفاؤه):
إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلًا ذا مواهب عقلية عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية، ونفذ رغبات النبي صلى الله عليه وسلم وثبتها، وآزر أبا بكر بنصائحه في أثناء خلافته القصيرة، ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلدان التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصارهم لَأكَبر دليل على كفاءته الخارقة لإدارة الحكم، وكان ببساطة أخلاقه، واحتقاره للأبهة والترف، مقتديًا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وقد سار على أَثَرهما في كتبه وتعليماته للقواد.

الإسلام هو الذي صنع من عمر الفاروق

الجاهلية والإسلام في حياة عمر وجها لوجه

" إن الإنسان هذا الكائن العجيب، يعتبر سيدا لعناصر الكون كلها، يوازن أعتاها وأقساها فيرجحه ويربو عليه، يوم يكون شخصًا فاضلًا، ولكنه يلعن في الأرض والسماء ويَرْجَحه الذر والهباء يوم يكون شخصًا ساقطًا " (محمد الغزالي/ خلق المسلم).

هذا ما حدث تماما مع عمر بن الخطاب، بون شاسع وفرق كبير بين عمر بن الخطاب قبل إسلامه، وأبي حفص عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه بعد إسلامه.

مشاهد من حياته في الجاهلية

كان يدافع عن كل ما أَلِفته قريش من عادات وعبادات ونظم وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عما يؤمن به، وبهذه الطبيعة التي جعلته يشتد في الدفاع عما يؤمن به قاوم عمر الإسلام في اللحظات الأولى، ووقف بالمرصاد أمام الدعوة في بدايتها، وخشى عمر أن يهز هذا الدين النظام المكي الذي استقر، والذي يجعل لمكة بين العرب مكانة، والذي أعطى لمكة ثروتها الروحية، وثروتها المادية، فهو سبب ازدهارها وغنى سراتها؛ ولذلك قاوم سراة مكة هذا الدين، وبطشوا بالمستضعفين من معتنقيه وكان عمر من أشد أهل مكة بهؤلاء الضعفاء.

ولقد ظل يضرب جارية أسلمت، حتى عيت يده، ووقع السوط من يده، فتوقف إعياءً، ومر أبو بكر فرآه يعذب الجارية فاشتراها منه وأعتقها.

وفي الجاهلية كان له صنم يعبده، فعندما جاع أكله ـ ويبدو أن الجوع كافر كما يقولون ـ كيف يأكل العابد معبوده! إنه لسفه عظيم، وضلال مبين.

ها هو الفاروق الذي كان يعبد الأصنام، ويتصدى لكل من يحاول إهانة هذه الأحجار ويصب العذاب صبًا في وجه من يحاول تنزيلها عن مكانتها العالية في ظنه.

ومع ذلك كان رجلًا بليغا، حصيفًا، قويا، حليمًا، شريفًا، قوي الحجة، واضح البيان، مما أهّلهُ لأن يكون سفيرًا لقريش، ومفاخرًا ومنافرًا لها مع القبائل، قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب، إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرًا، أو نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرًا ومفاخرًا، ورضوا به متحدثا بلسانهم وهم أفصح الناس، وسفيرا لهم وهم أعرق الناس نسبا وأعظمهم جاها...

وكما نرى في هذه المشاهد التي توحي لنا بتناقض غريب وعجيب خلّفته الجاهلية بغبارها وركامها في هذا التاريخ العمري، نرى صفات إيجابية وأخرى سلبية، ولا شك أن كل إنسان يحمل بين جنبيه ألوانًا متعددة من الصفات والخصائص منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، ولكن عمر بن الخطاب به من الإيجابيات الكثير الذي يميزه عن غيره من الناس، وقد استفاد الإسلام بشكل واضح من أخلاق عمر الإيجابية وأكّد عليها ونمّاها بشكل أوضح.

فمن الصفات الإيجابية البارزة لدى عمر بن الخطاب صفة القيادة، وما زال الإسلام ينمي فيه هذه الصفة ويؤكد عليها إلى أن وصل بعمر أن يكون يوما ما أميرًا للمؤمنين، وخليفة للصديق أبي بكر رضي الله عنهما.

وقد استفاد الإسلام أيضا من صفة الشدة عند عمر وجعلها بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي هيبة الإسلام أمام من تُسول له نفسه المساس بقدسية هذا الصرح العظيم- الإسلام- ففي كثير من المواقف نجد الفاروق يشهر سيفه قائلا: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.

لقد عاش عمر في الجاهلية وعرف حقيقتها، وتقاليدها، وأعرافها، ودافع عنها بكل ما يملك من قوة، ولذلك عندما دخل الإسلام عرف جماله وحقيقته وتيقن الفرق الهائل بين الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والحق والباطل، ولذلك قال قولته المشهورة: إِنَّمَا تُنْقَصُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ.

وهذه هي شهادة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الإسلام وعزته: إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ.

رغم السيادة التي كان فيها عمر في جاهليته من قيامه بأمر السفارة في قريش، ومكانته المرموقة بين القوم، إلا أنه أدرك بعد إسلامه البون الشاسع بين من يؤمن بالله وبين من يعبد الأحجار والأوثان والأنصاب والأزلام التي لا تنفع ولا تضر.

يخاف الفاروق رضي الله عنه من ربه خوفًا صادقًا، أدى به إلى الاجتهاد في عبادة الله عز وجل، والتفاني في مرضاته.

وهذا هو الخوف الإيجابي الذي يعين المرء على المزيد من طاعة الله، فليس الخائف من يبكي وتسيل دموعه، ثم يمضي قدمًا في معاصي الله، وإنما الخائف هو من يترك معصية الله خوفا منه.

هذا هو الفاروق الذي ملك إمارة المسلمين وورث كسرى وقيصر، يخاف من الدنيا ومن غرورها، ومن المال وفتنته يقول المِسْور بن مَخْرمة رضي الله عنه: أُتِي بمال فوُضع في المسجد، فخرج عمر إليه ليتصفحه وينظر إليه، ثم هملت عيناه.

فما أحرانا أن نقتدي بالفاروق في البكاء من خشية الله تعالى.

فماذا عساه أن يكون عمر لو لم يدخل في هذا الدين العظيم، كان سيمحى من ذاكرة التاريخ والإنسانية، ويتساوى مع أساطين الكفر، وأئمة الضلالة كأبي جهل بن هشام، وأُبي بن خلف، وأبي لهب بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة، ولكنه بإسلامه سطر اسمه في سجل العظماء الذين نصروا الله في كل المواطن التي شهدوها، ,هكذا ينصر الحق تبارك وتعالى من يقوم بنصره، ومن يتحمل المتاعب من أجل الدعوة ومن أجل الدفاع عن الحق.

لقد تبوأ عمر بالإسلام مكانة لم ينلها إلا عدد قليل ممن اصطفاه الله في هذه الحياة الدنيا، مكانة سامقة، تجعل الرجل علامة بارزة في جبين الإنسانية، وكفى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. " ( (حسن)انظر حديث رقم‏: 5284 في صحيح الجامع)


لقد كان الفاروق رجلًا ربانيًّا بحق، لا يخشى إلا الله عز وجل فكان دائمًا الحق على لسانه وقلبه، ودائمًا الصواب معه، والرأي الراجح له، إنهم رجال رباهم الرسول عليه الصلاة والسلام على مبادئ الإسلام العالية، فكانوا رجالًا كما وصفهم الله في كتابه العزيز: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب: 23}. يُتبع



[/align]


3 
عمرو شعبان

[align=center]

قيمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التاريخ الإسلامي والعالمي:
إنَّ حياة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه صفحة مُشْرقة من التاريخ الإسلامي، الذي بهر كل تاريخ وفَاقَه، والذي لم يحو تاريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة في سبيل الله... (عمر بن الخطاب د/ علي الصلابي)

إن حياة الفاروق عمر رضي الله عنه إنما هي قدوة للدعاة، والعلماء، والساسة، ورجال الفكر، وقادة الجيوش، وحكام الأمة، وطلاب العلم، وعامة الناس، لعلهم يستفيدون بها في حياتهم، ويقتدون بها في أعمالهم، فيكرمهم الله بالفوز في الدارَيْن....

صاحبنا اليوم- كما قيل عنه- (كان طويلًا جسيمَا أصلع صلعة عرف بها، فكان يقال له: أصلع قريش أو الأصيلع. شديد الحمرة.... كان يَفْرَع الناسَ طولًا كأنَّه على دابة. ويصفه ابنه عبد الله فيقول: كان أبي أبيض لا يتزوج النساء لشهوة إلا لطلب الولد، أعسر يعمل بكلتا يديه، كأنَّه من رجال بني سَدُوس....

وإذا ذهب إنسان مع خياله مُجسدًا هذه الأوصاف، تراءت له صورة من أجمل صور الرجال ملاحةً ومَهابةً وجلالًا....) (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 47)

إنّ حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تُمثل نموذجًا في غاية الروعة لمن يريد أن يصنع مَجدا، أو يحقق هدفا، أو يغيّر من حياته إلى الأحسن،

ونحن إذ نعيش دقائق من حياتنا مع هذا العملاق العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يجدر بنا أن نضع نصب أعيينا هدفا واضحا نحاول تحقيقه، بل وننتقل من حياة الترف والبذخ والتنافس في الدون؛ إلى حياة الجد والاجتهاد والتسابق إلى النعيم الدائم، والعيش الرغد " فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ".

التعريف به رضي الله عنه

ولا تقتصر الاستفادة من تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المسلمين فحسب، بل تعم الفائدة الجميع، مسلمين وغير مسلمين، ولا ننس أن نقول: إنه رضي الله عنه صاحب الفضل في ابتكار الكثير من الوسائل التي ما زال الناس ينتفعون بها إلي اليوم فهو:

* " أول من دوّن الديوان وعمل فيه؛ والديوان سِجِل أو كتاب تُدوّن فيه وتُسجَّل أسماء أفراد الجيش والذين يُعطَون والعمال... " (تاريخ دمشق جزء 57 ص 404)

* " وهو أول من اتخذ الدِّرة.

* وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين... " (أسد الغابة جزء 1 ص832)

* " وهو أول من جمع القرآن في الصحف.

* وهو أول من سَنِّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة.

* وهو أول من ضرب في الخَمْر.

* وهو أول من فتح الفتوح وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء، فتح العراق كله السواد والجبال، وأذربيجان، وكور البصرة وأرضها، وكور الأهواز، وفارس، وكور الشام ما خلا أجنادين فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق رحمه الله، وفتح عمر كور الجزيرة، والموصل، ومصر، والإسكندرية، وقتل رحمه الله وخيله على الرَّي وقد فتحوا عامَّتها.

* وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل، ووضع الخراج على الأرضين، والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهمًا،
وعلى الوسط أربعة وعشرين درهمَا، وعلى الفقير اثني عشر درهمًا، وقال: لا يعوز رجلا منهم درهم في شهر. فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم ودانقين ونصف.

* وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل وأنزلها العرب، وخَطَّ الكوفة والبصرة خططا للقبائل.

* وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

* وهو أول من كتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسم القسوم في الناس، وفرض لأهل بدر وفضّلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدمهم في الإسلام.

* وهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة... " (الطبقات الكبرى جزء 3 صفحة 281، 282)

نسبه وقبيلته

عمر بن الخطاب في عداد أشراف مكة نسبًا، ومن أرفعها قدرًا، وأعلاها منزلة، فهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي.

" وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقيل: حنتمة بنت هشام بن المغيرة. فعلى هذا تكون أخت أبي جهل وعلى الأول تكون ابنة عمه، قال أبو عمر: ومن قال ذلك- يعني بنت هشام- فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل والحارث ابني هشام، وليس كذلك وإنما هي ابنة عمهما؛ لأن هشامًا وهاشمًا ابني المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة وهشام والد الحارث وأبي جهل.

وكان يقال لهاشم جد عمر: ذو الرمحين.

وقال ابن منده: أم عمر أخت أبي جهل. وقال أبو نعيم: هي بنت هشام أخت أبي جهل وأبو جهل خاله... " (أسد الغابة جزء 1 صفحة 814)

مولده

وُلد رضي الله عنه في السنة الثالثة عشرة من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، وذلك بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له

روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. "

لماذا أحد هذين الرجلين؟

كان أهل الإسلام يجتمعون في بدء الإسلام سرًّا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، لقلة عددهم، وشدة قريش عليهم.

وكان ممن عرف بالشدة على المسلمين عمر بن الخطاب، وأبو جهل، وكان لهما من المكانة الشيء الكبير، وفي هذا الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوقع خيرًا للإسلام والمسلمين، بإسلام أحد هذين الرجلين.

أما عمر بن الخطاب، فكان من أشراف قريش، لا من الأشراف اللاهين العابثين تفاهة وانغماسا في الملذات، فما كانت أيام شبابه لهوًا وعبثًا، ولكن كان يأخذ نفسه بمعالي الأمور ويدع سفاسفها، لا يرضى الدنية، دقيق الحس فصيح اللسان، قوي العارضة،
عرفت قريش عنه كل ما يشرفها، ويجعله في الصدارة مع إخوانه فأعطته المكانة التي شرفت بتقلده إياها فإن عمر كان سفير قريش في الجاهلية،
وما أعلى السفارة قدرا عند ذوي الفصاحة والحجى، وكانت قريش أفصح العرب وبلغتها نزل القرآن فأين عمر وهو سفيرها في هذا المجال !
وهل أرضى للمرء عند نفسه، وأكرم عند قومه من أن يكون المقدم إذا حق اللقاء، والمفوه المنشود إذا كان المجال الحجة والكلام؟ (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 48)

ولعل أبا جهل كان يتصف بصفات عديدة من قوةِ جسدٍ، وثروة كبيرة وعائلة عريقة، غير أن كليهما يشترك في صفة عزيزة الوجود في الرجال، في حين كان الإسلام في حاجة شديدة إليها، ألا وهي صفة القيادة، ولعل هذا كان سر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعز الله الإسلام بأحدهما.

" فبالرغم من الحرب العنيفة التي يشنّها الرجلان على الإسلام، لم تكن تخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقومات الزعامة والقيادة فيهما، وأن وجود أحدهما في الصف الإسلامي يعني قوة هذا الصف واعتزازه، وإن وراء الكفر المتبجح قلوبا لم تصطدم بعدُ بتيار الإسلام القوي، ولم تصل لها القوة الكهربية الضخمة.
إنها حين تكون الصدمة قوية قد تغير الكيان كله، وهذا ما وقع في قدر الله، ودفع إلى إسلام عظيم الرجال عمر بن الخطاب... " (المنهج الحركي للسيرة النبوية أ/ منير الغضبان)

ولا ننس هذه الرواية التي معنا وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لعمر خاصة بأن يسلم فيروي ابن ماجه بسنده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَاصَّةً.
(المقدمة باب فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث رقم 102)

وقد استجاب الحق تبارك وتعالى لتلك الدعوة النبوية، فقر الإسلام بالفاروق، وعز به أهل الإسلام.

ولقد بلغ عمرأوجًا شاهقًا في محراب الإيمان والتقوى، والتبتل والتخشع، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرى رؤيا عجيبة ورؤيا الأنبياء حق فيقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهُمْ مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمْرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينُ.

وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ ". وفي لفظ آخر: " أَقْوَاهُمْ فِي اللَّهِ عُمَرُ ".

وقال صلى الله عليه وسلم في مدحه للفاروق وعدم حبه للباطل: " هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، هَذَا رَجُلٌ لَا يُحِبُّ الْبَاطِلَ ".

(مسند أحمد حديث رقم 15033)

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ". (الترمذي 3619)

وقال ابن حجر العسقلاني: السبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الموافقات التي نزل القرآن الكريم مطابقًا لها، ووقع له بعد النبي صلى الله عليه وسلم عدة إصابات.

الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد بعبقرية الفاروق رضي الله عنه

روى البخاري بسنده عمن سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ". (البخاري- حديث رقم 3391)

معاني بعض الكلمات:

استحالت غربا: تحولت إلى دلو كبيرة كناية عن قوة أخذه وعمله.

ضرب الناس بعطن: أي رووا ورويت إبلهم فأقامت على الماء.

من أطاعه رشد

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ أَرْشَدُوا ".

قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح (صحيح ابن حبان جزء 15 ص327)

ويدعو له بالشهادة

ويروي ابن ماجه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمٍيصًا أَبْيَضَ، فَقَالَ: ثَوْبُكُ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟ قَالَ: لَا بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ: الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمِتْ شَهِيدًا " (سنن ابن ماجه، كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث رقم 3548)

ولله در علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما أبلغه عندما قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر.

أقوال الصحابة رضي الله عنهم في الفاروق:

1- عائشة أم المؤمنين

عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: من رأى ابن الخطاب، علم أنه غناء للإسلام، كان والله أحوذيًا. نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا ذكرتم عمر طاب المجلس.

2- سعيد بن زيد.

روى عن سعيد بن زيد أنه بكى عند موت عمر فقيل له ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا تُرتق إلى يوم القيامة.

3- أبو طلحة الأنصاري.

والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.

4- حذيفة بن اليمان.

إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل مقبل لم يزل في إقبال فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار.

5- عبد الله بن سلام.

جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه بعد أن صلى على عمر رضي الله عنه فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه، فلن تسبقوني بالثناء عليه، ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادًا بالحق، بخيلًا بالباطل، ترضى من الرضا، وتسخط من السخط، لم تكن مداحًا ولا معيابًا، طيب العرف، عفيف الطرف.

6-العباس بن عبد المطلب..

كنت جارًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس.


7- علي بن الحسين.

عن ابن أبي حازم عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومنزلتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كمنزلتهما اليوم، وهما ضجيعاه. يُتبع إن شاء الله


[/align]


4 
عمرو شعبان

[align=center]
إيجابية عمر بن الخطاب

الإيجابية بمعناها الدقيق تعني التفاعل مع الأحداث، والتأثير في سيرها، وعدم السكوت عن الفعل الشاذ لأن السكوت عنه إقرار له.

ومن هنا كانت إيجابية سيدنا عمر بن الخطاب .

من شمائل الفاروق التي تدل على إيجابيته أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وسعيه للتغيير بكل الوسائل المتاحة، ما لم تتعارض مع دينه وعقيدته، ومن مظاهر إيجابيته عدم السكوت عن المشورة، وإن لم يكن مطلوبًا منه، وأيضًا دعوته لغيره من الدلائل القوية على إيجابيته .
إيجابية عمر تدفعه إلى تعليم غيره من الناس :

ومن مواقف الفاروق التي يتجلى فيها اتباعه للسنة النبوية: موقفه من الحجر الأسود.

فالنبي قَبَّل الحجر الأسود، والعمل على هذا استحباب تقبيل الحجر الأسود لمن تيسر له، فإن لم يمكنه استلمه بيده، فإن لم يمكنه استقبله إذا حاذاه وكَبَّر.

يقول عابس بن ربيعة رحمه الله: رأيت عمر بن الخطاب استقبل الحجر، ثم قال: إني لأعلم أنك حجر، لولا أني رأيت رسول الله يُقَبِّلك ما قَبَّلتك، ثم تقدم فقَبّله.

وفي رواية أخرى: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، رأيت أبا القاسم بك حَفيًّا. يعنى الحجر الأسود.

قال العلامة الطبري رحمه الله: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية.

فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله ، لا لأن الحجر ينفع ويضر كما كانت الجاهلية تعتقد في الأوثان.

وفي قول عمر هذا الكلام التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبي فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه.

قال أبو سليمان الخطاب رحمه الله: فيه من العلم أن متابعة السنن واجبة، وإن لم يوقف لها على علل معلومة وأسباب معقولة، وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها، إلا أنه من المعلوم في الجملة أن تقبيل الحجر إنما هو إكرام له، وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض، كما فضل بعض البقاع والبلدان، وكما فضل بعض الليالي والأيام والشهور، وباب هذا كله التسليم.

فليس لهذا الأمور علّة يرجع إليها وإنما هو حكم الله ومشيئته:

{لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].

{أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [الأعراف: 54].

فعمر شديد المتابعة للسنة النبوية لا يُقَدّم عليها شيئًا من الرأي، بل كان لا يقدم الرأي وأهله معتبرًا بأن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها فاستبقوها بالرأي.

قال عمرو بن الحريث: قال عمر بن الخطاب : إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضَلُّوا وأضلوا.

قال سحنون: يعني البدع.

وقال أبو بكر بن أبي داود: أهل الرأي هم أهل البدع.

والمقصود بالرأي هنا هو الرأي المخالف للكتاب والسنة، وليس الأمر على إطلاقه فمن المدارس الإسلامية مدرسة أهل الرأي.

وما أروع الفاروق وهو يحدد معالم الاتباع للناس قائلاً: أيها الناس: قد سُنت لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالاً، وضرب بإحدى يديه على الأخرى.

فرضي الله عن الفاروق الداعي إلى الاتباع، والناهي عن الابتداع.

ويساعد الفاروق غيره من الصحابة الذين يريدون الهجرة، ويتعرضون للفتنة، والابتلاء في أنفسهم.
إيجابية عمر في أحداث الهجرة :

يقف عمر عند هجرته ينصح عياش بن أبي ربيعة بعدم العودة، ويعرفه بما أعد له من مكيدة وخدعة ولكنه يستجيب، ويسقط في الفتنة.

وآخر يعزم على الخروج مهاجرًا مع عمر ولكنه يحبس ويفتن، فماذا كان موقف الفاروق منه.

بمجرد نزول آيات قرآنية داعية للتوبة، وعدم القنوط من رحمة الله تعالى إلا ويكتبها الفاروق، ويرسل بها إلى هشام بن العاص السهمي فتكون سببًا في توبته، وهجرته بعد حبسه.

ويقص علينا عمر شيئًا من معاناة الهجرة إلى المدينة، فيقول: اتَّعَدْتُ لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص السهمي التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمضي صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنا هشام وفتن فافتتن.

فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما، وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله بمكة فكلماه، وقالا: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك فرَقّ لها. فقلت له يا عياش: إنه والله إن القوم ما يريدوك إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد أذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت.

قال: فقال: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. قال: فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريشًا مالاً، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما.

قال: فأَبَى عليّ إلا أن يخرج معهما، فلما أَبَى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما.

حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال أبو جهل: إن ناقتي كلت فاحملني معك. قال عياش: نعم ونزل ليوطئ لنفسه ولأبي جهل. فأخذاه وشداه وثاقًا وذهبا به إلى أمه، فقالت له: لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد، وأوثقته عندها. قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا، ولا عدلاً، ولا توبة، قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.

قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله المدينة أنزل الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزُّمر: 53].

قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه، وأصوب، ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها.

قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها أنزلت فينا، وفيما كنا نقول لأنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري، فجلست عليه فلحقت برسول الله بالمدينة.

وهذه الحادثة تظهر لنا كيف أعد عمر خطة الهجرة له، ولصاحبيه عياش بن أبى ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي، وكان ثلاثتهم كل واحد من قبيلة، وكان مكان اللقاء الذي اتعدوا فيه بعيدًا عن مكة وخارج الحرم على طريق المدينة، ولقد تحدد الزمان والمكان بالضبط بحيث إنه إذا تخلف أحدهم فليمض صاحباه، ولا ينتظرانه، لأنه قد حبس، وكما توقعوا فقد حبس هشام بن العاص ، بينما مضى عمر وعياش بهجرتهما، ونجحت الخطة كاملة ووصلا المدينة سالميْن، إلا أن قريشًا صممت على متابعة المهاجرين، ولذلك أعدت خطة محكمة قام بتنفيذها أبو جهل والحارث وهما أخوا عياش من أمه، الأمر الذي جعل عياشًا يطمئن إليهما، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بأمه، فاختلق أبو جهل هذه الحيلة لعلمه بمدى شفقة ورحمة عياش بأمه، والذي ظهر جليًّا عندما أظهر موافقته على العودة معهما..

كما تظهر الحادثة الحس الأمني الرفيع الذي كان يتمتع به عمر ، حيث صدقت فراسته في أمر الاختطاف كما يظهر المستوى العظيم من الأخوة التي بناها الإسلام، فعمر يضحى بنصف ماله حرصًا على سلامة أخيه، وخوفًا عليه من أن يفتنه المشركون بعد عودته، ولكن غلبت عياش عاطفته نحو أمه، وبره بها، ولذلك قرر أن يمضي لمكة فيبر قسم أمه ويأتي بماله الذي هناك، وتأبى عليه عفته أن يأخذ مال أخيه عمر وماله قائم في مكة لم يمس، غير أن أفق عمر كان أبعد، فكأنه يرى رأى العين المصير المشئوم الذي سينزل بعياش لو عاد إلى مكة، وحين عجز من إقناعه أعطاه ناقته الذلول النجيبة، وحدث لعياش ما توقعه عمر من غدر المشركين.

وساد في الصف المسلم أن الله تعالى لا يقبل صرفًا ولا عدلاً من هؤلاء الذين فتنوا فافتتنوا، وتعايشوا مع المجتمع الجاهلي، فنَزَل قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [الزُّمر: 53: 54].


فلما نزلت هذه الآيات، سارع الفاروق بها إلى أخويه الحميمين عياش وهشام، ليجددا محاولاتهما في مغادرة معسكر الكفر، أي إيجابية من عمر بن الخطاب وأرضاه.

وهكذا ظل عمر بن الخطاب في خدمة دينه وعقيدته بالأقوال والأفعال، لا يخشى في الله لومة لائم، وكان سندًا ومعينًا لمن أراد الهجرة من مسلمي مكة حتى خرج، ومعه هذا الوفد الكبير من أقاربه وحلفائه، وساعد عمر غيره من أصحابه الذين يريدون الهجرة وخشي عليهم من الفتنة والابتلاء في أنفسهم.

وكان من إيجابيته يوم أن هاجر أنه أخذ معه عشرين من ضعفاء المسلمين مهاجرين معه، ولم يخرج وحده.
الجهاد في حياة الفاروق عمر t :

ومن شمائل الفاروق : حب الجهاد في سبيل الله، وهو من إيجابيات الفاروق .

لقد شاهد الناس إمامهم يقدم روحه في سبيل نصرة الإسلام. وعلو راية الإيمان، فتفانوا جميعًا في الدفاع عن ديار الإسلام، وتسابقوا في دحر طواغيت الأرض في مملكتي الفرس والروم قطبي الأرض في ذلك الزمان.

فصار الإسلام عزيزًا في عهد الفاروق، وصار الكفر بشتى صوره ذليلاً، وما ذاك إلا بحبه وحب رعيته للجهاد في سبيل الله تعالى.

ومنذ بدء الإسلام كانت صفحات الجهاد العمرية تتوالى غزوة تلو غزوة، ومعركة تلو معركة حتى آخر أيامه وأرضاه.

فشهد عمر بن الخطاب مع النبي بدرًا، وأحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، وفتح مكة، وحنينًا، وغيرها من المشاهد الجسام في العهد النبوي، وكان له في كل موقعة بصمات واضحة

تعد من أروع مواقف الشجاعة، والفروسية، والاستبسال ما به صار قدوة لكل مجاهد في سبيل الله.
إيجابية الفاروق عمر يوم إسلامه :

مما يظهر لنا بقوة ملامح الإيجابية وتأصلها في نفس هذا الصحابي الجليل ما ظهر منه أول يوم أسلم فيه فمع حداثة إسلامه، وضعف قبيلته -بني عدي- إلا أنه تقدم الصفوف، واقترح الظهور وعدم الاختفاء.
موقف عمر بن الخطاب من صلح الحديبية :

لا يقبل الفاروق المجاهد إعطاء الدنية في دينه، لذلك نراه يجادل النبي في شأن صلح الحديبية، فيقول عمر: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي". قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟" قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ". قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ.

فلم يكن هذا الموقف من عمر شكًّا أو ريبة فيما آلت إليه الأمور، بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًّا على إذلال الكفار لما عرف من قوته في نصرة الإسلام.
إيجابية عمر في خروج المسلمين عند الكعبة :

لما أسلم عمر بن الخطاب قال لرسول الله : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟ قَالَ : "بَلَى يَا عُمَرُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ، إِنْ مِتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ". قَالَ: فَفِيمَ الاخْتِفَاءُ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ. وكان رسول الله رأى على ما يبدو أنه قد آن الآوان للإعلان، وأن الدعوة التي كانت كالوليد الضعيف الذي لا بد له من الرعاية والحفظ، قد غدت قوية تمشي، وتستطيع أن تدافع عن نفسها فأذن بالإعلان.

وخرج الرسول في صفين، عمر في أحدهما، وحمزة على الآخر، ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد فنظرت قريش إلى عمر وحمزة فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط، وسماه رسول الله يومئذ الفاروق.
مراجعة عمر للنبي :

قال عمر : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ". فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]. فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ.. فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.. فاستشار رسول الله : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: "مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟", فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟" قُلْتُ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلانٍ -نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا.

فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ", وَأَنْزَلَ اللَّهُ : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69]. فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ.
مراجعة عمر لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما :

من إيجابيات الفاروق مراجعته لأبي بكر الصديق في إقطاع الصديق للأقرع بن حابس وعينية بن حصن.

و جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضا سبحة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: ما تقولون فيما قالا، إن كانت أرضًا سبحة لا يُنتفع بها؟ قالوا: نرى أن تقطعهما إياها، لعل الله ينفع بها بعد اليوم. فأقطعهما إياها، وكتب لهما بذلك كتابًا، وأشهد عمر، وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر يشهدانه، فوجداه قائمًا يهنأ بعيرًا له، فقالا: إن أبا بكر أشهدك على ما في الكتاب فنقرأ عليك أو تقرأ؟ فقال: أنا على الحال الذي تريان، فإن شئتما فاقرءا وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ، فأقرأ عليكما قالا: بل نقرأ فقرءا فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليه فمحاه، فتذمرا، وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله كان يتألفكما، والإسلام يومئذ ذليل وإن الله قد أعز الإسلام فاذهبا فأجهدا جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما.

فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: لا، بل هو لو كان شاء؛ فجاء عمر وهو مغضب، فوقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين أرض، هي لك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة. قال: فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك.

قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضًا. فقال أبو بكر : قد كنتُ قلتُ لك إِنَّك على هذا أقوى مني، ولكن غلبتني.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عمر بن الخطاب:

إن اهتمام الفاروق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظل معه حتى وهو يواجه الموت بكل آلامه وشدائده، ذلك أن شابًّا دخل عليه لما طعن، ليواسيه، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ، وقِدَم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال -أي عمر-: وددت أن ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علَيّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.

وهكذا لم يمنعه ما هو فيه من سكرات الموت عن الأمر بالمعروف، ولذا قال ابن مسعود فيما رواه عمر بن شبة: يرحم الله عمر لم يمنعه ما كان فيه من قول الحق.

ومن عنايته الفائقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الحالة أيضًا لما دخلت عليه حفصة رضي الله عنها فقالت: يا صاحب رسول الله ، ويا صهر رسول الله، ويا أمير المؤمنين، فقال عمر لابن عمر رضي الله عنهما: يا عبد الله، أجلسني فلا صبر لي على ما أسمع. فأسنده إلى صدره، فقال لها: إني أُحَرِّج عليك بما لي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينك فلن أملكها.

وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ، عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ، أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ". وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ.
موقف عمر t عام الرمادة :

من إيجابيات الفاروق عمر ، أنه ضرب المثل والقدوة للمسلمين في عام الرمادة.

جيء لعمر بن الخطاب في عام الرمادة بخبز مفتوت بسمن فدعا رجلاً بدويًّا ليأكل معه، فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك في جانب الصفحة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك، فقال البدوي: أجل، ما أكلت سمنًا ولا زيتًا، ولا رأيت أكلاً له منذ كذا وكذا إلى اليوم، فحلف عمر لا يذوق لحمًا ولا سمنًا حتى يحيا الناس، ولقد أجمع الرواة جميعًا أن عمر كان صارمًا في الوفاء بهذا القسم، ومن ذلك، أنه لما قدمت إلى السوق عكة سمن ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين درهمًا ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك، وقدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن ابتعتهما بأربعين درهمًا، فقال عمر: أغليت فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافًا.

ثم أردف قائلاً: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم. فهذه جملة واحدة في كلمات مضيئة، يوضح فيها الفاروق مبدأ من أروع المبادئ الكبرى التي يمكن أن تعرفها الإنسانية في فن الحكم: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم. وقد تأثر عمر في عام الرمادة حتى تغير لونه فعن عياض بن خليفة قال: رأيت عمر عام الرمادة وهو أسود اللون، ولقد كان رجلاً عربيًّا يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس حرمهما، فأكل الزيت حتى غير لونه وجاع فأكثر، وعن أسلم قال: كنا نقول: لو لم يرفع الله تعالى المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت همًّا بأمر المسلمين، وكان يصوم الدهر، فكان عام الرمادة، إذا أمسى أتى بخبز قد ثرد بالزيت إلى أن نحر يومًا من الأيام جزورًا، فأطعمها الناس، وعرفوا له طيبها، فأتي به، فإذا قدر من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم. قال: بخ بخ بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الصحفة هات لنا غير هذا الطعام. فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك بالزيت، ثم قال: ويحك يا يرفأ، احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ -اسم مكان- فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام وأحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم.

هذا هو الفاروق وهذا هو فن الحكم في الإسلام يؤثر الرعية على نفسه، فيأكلون خيرًا مما يأكل، وهو الذي يحمل من أعباء الحكم والحياة أضعاف ما يحملون، ويعاني من ذلك أضعاف ما يعانون، وهو في ذلك لا يضع القيود على نفسه وحدها، بل يسير بها ليقيد أفراد أسرته، فهم أيضًا يجب أن يعانوا أكثر مما يعاني الناس، وقد نظر ذات يوم في عام الرمادة فرأى بطيخة في يد ولد من أولاده, فقال له على الفور: بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين، تأكل الفاكهة وأمة محمد هَزْلى؟ فخرج الصبي هاربًا يبكي، ولم يسكت عمر إلا بعد أن سأل عن ذلك وعلم أن ابنه اشتراها بكف من نوى.

لقد كان إحساسه بمسئولية الحكم أمام الله يملك عليه شعاب نفسه، فلم يترك وسيلة في الدين، والدنيا يواجه بها الجدب وانقطاع المطر إلا لجأ إليها، فكان دائم الصلاة، دائم الاستغفار، دائم الحرص على توفير الأقوات للمسلمين، يفكر في رعيته، من زحف منهم إلى المدينة، ومن بقي منهم في البادية، ويواجه العبء كله في كفاءة واقتدار. ثم بعد ذلك قسوة على النفس ما أروعها من قسوة، حتى قال من أحاط به في تلك الأزمة: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت همّا بأمر المسلمين.
معسكرات اللاجئين عام الرمادة :

عن أسلم قال: لما كان عام الرمادة جاءت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فكان عمر قد أمر رجالاً يقومون بمعالجتهم، فسمعته يقول ليلة: أحصوا من يتعشى عندنا. فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأجمعوا الرجال المرضى والعيالات فكانوا أربعين ألفًا. ثم بعد أيام بلغ الرجال والعيال ستين ألفًا فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل بهم من يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتًا وحملانًا إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم، وكانت قدور عمر تقوم إليها العمال من السحر يعملون الكركور ويعملون العصائد، وهنا نرى الفاروق يقسم وظائف العمل على العاملين، وينشئ مؤسسة اللاجئين بحيث يكون كل موظف عالمًا بالعمل الذي كلفه به دون تقصير فيه، ولا يتجاوز إلى عمل آخر مسند إلى غيره..

فقد عيّن أمراء على نواحي المدينة لتفقد أحوال الناس الذين اجتمعوا حولها طلبًا للرزق لشدة ما أصابهم من القحط والجوع، فكانوا يشرفون على تقسيم الطعام والإدام على الناس وإذا أمسوا اجتمعوا عنده فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وهو يوجههم، وكان عمر يُطْعم الأعراب من دار الدقيق وهي من المؤسسات الاقتصادية التي كانت أيام عمر توزع على الوافدين على المدينة الدقيق والسويق، والتمر، والزبيب من مخزون الدار قبل أن يأتي المدد من مصر والشام والعراق، وقد توسعت دار الدقيق لتصبح قادرة على إطعام عشرات الألوف الذين وفدوا على المدينة مدة تسعة أشهر، قبل أن يحيا الناس بالمطر، وهذا يدل على عقلية عمر في تطوير مؤسسات الدولة سواء كانت مالية، أو غيرها، وكان يعمل بنفسه في تلك المعسكرات.

قال أبو هريرة: يرحم الله ابن حنتمة، لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين، وعكة زيت في يده وإنه ليعتقب -أي يتناوب- هو وأسلم فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبًا. قال: فأخذت أعقبه -أعاونه- فحملناه حتى انتهينا إلى ضرار فإذا صرم -جماعة- نحو من عشرين بيتًا من محارب فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد. قال: وأخرجوا لنا جلد ميتة مشوية كانوا يأكلونها، ورمة العظام مسحوقة كانوا يسفونها قال: فرأيت عمر طرح رداءه ثم نزل يطبخ لهم ويطعمهم حتى شبعوا، ثم أرسل أسلم إلى المدينة، فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم، ثم لم يزل يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.

وكان يصلي بالناس العشاء ثم يخرج إلى بيته فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب، فيطوف عليها وقد ذكر عبد الله بن عمر بأنه قال: وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي. ويقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين وارفع عنا البلاء. يردد هذه الكلمات.

وقال مالك بن أوس -من بني نصر-: لما كان عام الرمادة قدم على عمر قومي وهم مائة بيت فنزلوا الجبانة، فكان عمر يطعم الناس, من جاءه، ومن لم يأت أرسل إليه الدقيق والتمر والأدم إلى منزله، فكان يرسل إلى قومي بما يصلحهم شهرًا بشهر؟ وكان يتعهد مرضاهم وأكفان من مات منهم، ولقد رأيت الموت وقع فيهم حتى أكلوا الثفل وكان عمر يأتي بنفسه فيصلي عليهم، لقد رأيته صلى على عشرة جميعًا.



[/align]


5 
عمرو شعبان

[align=center]

إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية
هناك أسباب كثيرة -بخلاف الأسباب الشرعية المشهورة- تدعونا للاهتمام بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه، منها: اجتهاداته الكثيرة في قضايا مهمة ما تزال حية إلى اليوم مثل قضايا المال العام وكيف يتصرف فيه، كما أن اهتماماته بأمور المسلمين الحياتية المعاشية، واهتمامه بالبنية التحتية للدولة -كما يعبر عنها اليوم- تلفت النظر ونحن بحاجة إلى إعادة قراءتها.

وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلاً في القرآن الكريم بالحاكم العادل القوي (ذي القرنين)، الذي عنده علم أيضًا بعمارة الأرض، ويدافع عن المظلومين، ويعاقب المجرمين، آيات بينات من سورة الكهف تتلى على مر الأيام والليالي؛ فإعادة سيرة عمر رضى الله عنه وخاصة في إنجازاته الحضارية ليس من باب التفاخر بالماضي ولكن لملاحظة التقصير في الضروريات، والاقتداء بشخصية عظيمة كعمر، وهو من الحكام العادلين المقتدى بهم.

ومن أسباب الاهتمام بعمر رضى الله عنه ما ظهر أخيرًا من الإيذاء للصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة لعمر، وقد جاء في الأثر (إذا لعن آخر هذه الأمة أوَّلها، فمن كان عنده علم فليظهره). وما سمعنا في الماضي والحاضر أن أمة تهدم تاريخها وتشوه تاريخها وتتعمد تحطيم عظمائها إلا هذه الفئة التي تتعمد نسف التاريخ الإسلامي كله. ولكن المنصفين من غير المسلمين يعظمون عمر رضى الله عنه ويعرفون قدره بين القادة والعباقرة، يقول الكاتب اللبناني مارون عبود: "لا أحد يستطيع أن يتخيل النهضة العربية دون أن تمر أمامه صورة أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية وهارون الرشيد... ".

وإذا أبعدنا هذا الجيل الذي رباه محمد ، كيف سيكون أمر الدين؟ بل ما الحياة إن خلت من مثل أعلى والصحابة هم المثل الأعلى؛ فقد تميزوا بصفات لم تكن لغيرهم، فهم الذين نقلوا الوحي السماوي كله، فلم يسقط منه حرف، ونقلوا السنة النبوية فحفظوا بذلك الأصول النظرية للإسلام، وحققوا عالمية الرسالة عندما انساحوا في الأرض ينشرون الإسلام. إنه جيل عظيم بكل معاني العظمة، وعندما نصحب هذا الجيل فإنها نعمة كبيرة. يقول الإمام ولي الله الدهلوي: "إن كل من يقرأ القرآن من المسلمين في يومنا هذا مدين في ذلك للفاروق العظيم"؛ لأن عمر هو الذي اقترح على أبي بكر جمع القرآن.

والذين يؤذون الصحابة إنما يؤذون النبي ؛ فهو الذي رباهم، وتوفي وهو عنهم راضٍ. ونحن ندعو في كل صلاة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7]، وأبو بكر من الذين أنعم الله عليهم كما في الآية {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]. وأبو بكر رضى الله عنه من الصديقين، وإذا كان جيل الصحابة كما يصوره الحاقدون، إذن فعلى الإسلام السلام، ولكن الإسلام باقٍ -والحمد لله- وظاهر إن شاء الله، ونحن نُجلُّ الصحابة ونحبهم، بل هذا التقدير جزء من العقيدة الإسلامية.

عمر رضي الله عنه المؤسس

عندما يُذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتحدث الناس عن إسلامه الذي كان فتحًا، وعن عدله الذي بهر العقول، وعن تقواه وخشيته وتقشفه في ملبسه ومأكله[1]، ويذكرون عمر الفاتح الذي فتحت في عهده بلاد الشام بأكملها والعراق وفارس وخراسان ومصر.. ويذكرون عمر المجتهد الفقيه، وقد وصفه الرسول بالعبقرية فقال: "لم أرَ عبقريًّا يفري فريه"، ووصفه بأنه مُحدَّث (ملهم).

لن نتحدث عن شخصية عمر الذي يداوي إبل الصدقة بيده، ويمشي في السوق وحده، ومع ذلك يصل من هيبته أن القادة الكبار يفرقون منه، ولكن سنتحدث عن شخصية عمر المؤسس للدول، المخطط للعمران، وعن اهتماماته الحضارية، الاجتماعية والاقتصادية، وهو جانب قد يغيب عن بعض الناس، وهو جانب لم يُشتهر به كما اشتهر في الجوانب الأخرى، كيف كان يشغله أمور الناس المعاشية، وكيف كان يفكر فيما يُسمى اليوم (البنية التحتية). وهذا الجانب لا أقول تغفل عنه الدول فقط -أو لا تريد تنفيذه- ولكن تغفل عنه المؤسسات الإسلامية والجمعيات الإسلامية، فأين هؤلاء من اهتمامه بالنواحي الصحية للمجتمع الإسلامي وقد وسعت سياسته كل ما جَدَّ وكل ما تطلبته حياة الناس؟!

القضاء

لا تنتظم أمور الناس إذا لم يكن هناك قضاء مستقل، وقضاء في أعلى درجات النزاهة والتقوى والعلم والخبرة. وإن أُولى مقدمات التقدم الحضاري هو أن تقام إدارة للعدل مستقلة عن إدارة الحكم، ويُقال: "أرني قوانين أمة، أدلك على حظها في الرقي أو الانحطاط". وقد قام عمر بفصل القضاء عن إدارة الحكم، وأقام المحاكم في كل ولاية، وعيّن القضاة حسب شروط معينة، وكان يختار القضاة بعد أن يختبرهم في علمهم وذكائهم، ورسالته في القضاء إلى الصحابي أبي موسى الأشعري تعتبر وثيقة قضائية بالغة الأهمية، وهذا نصها:

"أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع حق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك وهُديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير لك من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا في سنة، واعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها لله، وأشبهها بالحق فيما ترى. المسلمون عدول في الشهادة بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة؛ فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات. وإياكم والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق".

ويستنبط من هذه الرسالة:

1- معاملة الناس جميعًا بالمساواة.


2- يجب أن يحدد تاريخًا معينًا لتقديم الدعوى.

3- إذا لم يحضر المدعي عليه في التاريخ المحدد، يمكن أن يحكم في القضية غيابيًّا.

4- كل مسلم يصلح للشهادة عدا من وقع عليه عقاب أو ثبت كذبه في الشهادات.

ولم يكتفِ عمر بهذا، بل كان يكتب الفتاوى المتعلقة بالأمور المهمة والشائكة ويرسلها للقضاة بين الحين والآخر، وقد وضع عمر كثيرًا من القيود لمنع وسائل الدخل غير المشروع فقرر الرواتب المناسبة، فقد كان راتب سلمان بن ربيعة الباهلي والقاضي شريح خمسمائة درهم شهريًّا، ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة، وهذه هي القواعد التي تتبعها اليوم الدول المتقدمة بعد عهود من التجربة.

الدواوين والاهتمام بالنظام المالي في الإسلام

اتسعت رقعة الدولة زمن عمر رضى الله عنه اتساعًا كبيرًا، وأصبحت الحاجة ملحة لضبط الأمور، وخاصة في النواحي المالية؛ ولذلك أُنشئت الدواوين (الوزارات)، وهو رضى الله عنه أول من دَوّنها، فكان ديوان (الجند) وديوان (الخزانة) وديوان العطاء (التأمينات الاجتماعية).

وبعد فتح العراق واجه مشكلة تقسيم الأرض، فقد طلب الفاتحون أن تقسم الأرض بينهم، وعارضهم في هذا الرأي.

وكان رضى الله عنه يتوخى الحذر في القضايا الكبيرة الاجتهادية، فكان لا يفصل في قضية دون أخذ رأي الصحابة، ويظل ثلاثة أيام يشاور الصحابة، وقد أيده في رأيه عليٌّ وعثمان وزعماء الأنصار، وعارضه عبد الرحمن بن عوف وبلال، وكان أشدهم عليه بلال، حتى قال: "اللهم اكفني بلالاً وأصحابه".

وكان رأي عمر أن الأرض إذا وزعت على الفاتحين، فمن أين ستأتي بعدئذ نفقات الدولة ونفقات الجهاد والدفاع عن البلاد؟ ومَنْ للذرية بعدئذ؟ واستشهد عمر بالآيات من سورة الحشر {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر 9، 10]. استنبط عمر من هذه الآية أن الأجيال المسلمة القادمة لها الحق في الأراضي المفتوحة، وهكذا استقر الرأي على بقاء الأرض بأيدي أصحابها ويدفعون الخراج عنها.

إن ترك المال بأيدي الناس ليعملوا أو يربحوا، وتزداد أموالهم هو الرأي الصحيح في قضايا المال، وهو يدل على عمق فهم عمر لمصلحة الأمة، وعمق نظرته المستقبلية، وهذا ما أدركته أوربا في العصور الحديثة، وأثبته (آدم سميث) في كتابه (ثروة الأمم)؛ حيث إن الثروة لا تقاس بما يملكه الحكام أو الملوك، ولكن بما يملكه الناس؛ فالدولة لا تشتغل بالتجارة أو الصناعة.

ولم يكتفِ رضى الله عنه بهذه النظرة لمستقبل الأجيال، بل أمر بمسح أرض العراق، حتى يكون كل شيء محسوب بدقة، ولا يظلم الذين يعملون في الأرض، ولم يكن مسح الأرض من الفنون التي تعرفها العرب، واختار رجلين من الصحابة لهذه المهمة: عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان، وكانت لهما خبرة في هذا المجال، بل يذكر الإمام أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن عثمان بن حنيف كان يقيس بدقة، كما لو كان يقيس الأقمشة النفيسة.

وخوفًا من أن تُحمِّل الأرض خراجًا لا تطيقه، فقد استدعى هذين الصحابيين ليسألهما، كما روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: "رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل. فقال عمر: لئن سلمني الله تعالى، لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحدٍ بعدي".

ومن الأمور الغريبة أنه بالرغم من أن عمر حدد الخراج في يسر وسهولة، ولكن مقدار الخراج الذي جبي في عهده لم يجب مثله فيما بعد، وذلك للعدل الذي كان ولرفقه بالرعية، وتحت نظام الخراج قضى عمر على نظام الإقطاع الروماني المنتشر في بلاد الشام، وأقام نظامًا للإنصاف مع البلاد المفتوحة لا يوجد له مثيل في أي بقعة من الأرض.


ديوان العطاء

قرر عمر رضى الله عنه لكل مسلم مخصصات مالية مستمرة، سواء أكان رجلاً أم امرأة، كبيرًا أم صغيرًا (حتى للطفل الرضيع)، كما شملت هذه التأمينات الفقراء من غير المسلمين، وعندما بدأ بتسجيل أسماء الناس قال: بمن نبدأ؟ قال له عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك. قال: لا، بل نبدأ ببني هاشم وبني المطلب. وفرض للعباس ثم لعلي رضي الله عنهما، ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله ، ثم قدم أزواج النبي فكان لهم أعلى المخصصات، ثم أهل بدر ثم الذين بعدهم، وعندما قرر راتبًا لأسامة بن زيد أكبر من راتب ابنه عبد الله، قال عبد الله: أسامة ليس أفضل مني. قال عمر: ولكن أسامة أحب إلى رسول الله منك. وفرض لكل مولود مائة درهم، فإذا ترعرع مائتي درهم، فإذا بلغ رشده زاد له في العطاء. ويقول "والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال". وهذا هو الحق، وهذا هو الفقه لرسالة الإسلام؛ فالفرد في الدولة الإسلامية له الحق في المأوى والمأكل والملبس، ولا يجوز أن يعيش إنسان بين المسلمين ويموت جوعًا.

إن هذه الرواتب هي الحد الأدنى لكل إنسان، ولا يجهل عمر رضى الله عنه أن لا تكون هذه العطايا مدعاة للكسل وترك العمل، وعندما كتب الإمام الماوردي عن مهمة المحتسب في الإسلام قال: "وهي تنبيه القادرين على كسب عيشهم وتأديبهم إذا كانوا يأخذون الصدقات وهم قادرون على العمل، واستدل بفعل عمر قال: وقد فعل عمر ذلك بقوم من أهل الصدقة".

من أين لعمر رضى الله عنه هذه الثقة في أن يأتي الراعي في صنعاء نصيبه من هذا المال؟! إنه من العدل ومن تنظيم بيت المال، وقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية أصول النظام المالي، وأعطاه صفته التفصيلية عمر بن الخطاب، وقد استفاد أيضًا من تنظيمات البلاد المفتوحة.

عندما ورد على المدينة أموال عظيمة من الخراج لم يكن هناك مكان معين لبيت المال، كان المال يوزع على المسلمين في وقته، ولكن عندما كثر المال شاور عمر الصحابة، فكان رأي علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن يقسم المال في نفس السنة ولا يوضع شيء منه في الخزانة، وخالفه في ذلك عثمان رضى الله عنه، وقال الوليد بن هشام: لقد رأيت عند ملوك الشام إدارتين منفصلتين إدارة الحكومة وإدارة الخزانة، واستحسن عمر هذا الرأي وأسس بيتًا للمال، وأقام أول خزانة كبيرة في دار الخلافة، وعيّن عبد الله بن الأرقم (صاحب بيت المال)، وأمر ببنية قوية لبيت المال في الكوفة.

الاهتمام بالزراعة وشق الأنهار وتمهيد الطرق

أولى عمر اهتمامًا كبيرًا بتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي، وأصدر بهذا الشأن حكمًا عامًّا بأن من يصلح الأراضي البور أينما وجدت في جميع أنحاء الدولة، فإن ملكيتها تئول له وإذا لم يصلحها في غضون ثلاث سنوات تسترد منه.

إن الزراعة كما يقول علماء الاقتصاد في العصر الحديث هي أساس الاقتصاد وأساس الصناعة، "وعلى هذا الأساس، فالأرض هي الوسيلة المأمونة كما يقول اليوم الاقتصاديون الذين يدرسون مشاكل العالم الثالث لضمان (إقلاع) مجتمع ما من مرحلة أولية إلى مرحلة ثانوية..."[2].

إن اهتمام عمر بالزراعة والأرض جعله يهتم أيضًا بإدارة الري مثل إقامة السدود وبناء القناطر لتوزيع المياه وشق فروع للأنهار، وقد استأذن جزء بن معاوية عمر ليحفر أنهارًا كثيرة في مراكز الأهواز وخوزستان؛ لاستصلاح كثير من الأراضي غير الصالحة للزارعة. ومن اهتماماته رضى الله عنه ما يسمى اليوم بـ(المنافع العمومية) أو البنية التحتية والحالة المعيشية للناس؛ ولهذا أمر بشق الأنهار التي توصل الماء إلى المدن مثل نهر أبو موسى، وكان طوله تسعة أميال. وكان سبب ذلك أن الأحنف بن قيس اشتكى إلى عمر ملوحة أرض البصرة، فيضطر الناس لإحضار الماء من مسافة ستة أميال، فأمَر عمر أمير البصرة أبا موسى الأشعري بأن يحتفر نهرًا لأهل البصرة يتفرع عن نهر دجلة. وحفر في دجلة أيضًا نهر معقل الذي يضرب به المثل (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)، وكلف بمهمة إعداده الصحابي معقل بن يسار..

ولكن أعظم الأنهار وأكبرها فائدة ذاك الذي أمر به عمر أيضًا، والذي اشتهر باسم خليج أمير المؤمنين، وهو قناة تصل ما بين نهر النيل والبحر الأحمر، وكانت بداية هذه القناة في الفسطاط، ثم إلى بلبيس، ثم إلى البحر الأحمر وقد أنجز المشروع في ثمانية أشهر[3]. فكانت السفن تنقل المؤن والبضائع من مصر إلى المدينة بيسر وسهولة، وبقي هذا المشروع ثم أهمل بعد القرن الأول من الهجرة.

أما إصلاح الطرق وتمهيدها، وهو شيء أساسي في (البنية التحتية) فقد اهتم به عمر اهتمامًا بالغًا، وهو الذي يقول: (لو أن شاة عثرت في شط الفرات، لخشيت أن أسأل عنها). وهذا شيء لم يسمع به في أي حضارة من الحضارات السابقة؛ لأن تمهيد الطرق هو الذي يؤدي إلى الاتصال السهل بين المدن والقرى والبادية ويساعد على انتعاش الزراعة والصناعة، كما هو الحال في أوربا اليوم[4].

كما بنى عمر استراحات بين المدينة ومكة للمعتمرين والحجاج، واتخذ في كل مدينة دارًا للضيافة. إن نظرة عمر رضى الله عنه للمال واهتمامه بشئون الناس المعاشية واهتمامه بالطرق والقنوات المائية، وكذلك اهتمامه بتنظيم (النقد) وضبط المعاملات بها، وضمان تنفيذ العقود وحرية الناس التجارية من خلال القضاء المستقل، إنما يعطي مثالاً واضحًا لدور الدولة في الإسلام التي لا تتدخل في شئون الناس المعاشية أو تشاركهم في أموالهم ومشاريعهم، وإنما هي الحماية ونشر الأمن، وضبط السوق؛ حتى لا يقع الاحتكار أو أي نوع من الاعتداء على الممتلكات.

بناء المدن

يقال إن الحضارة الإسلامية هي حضارة مدن، فقد بنى خلال هذه الحضارة مئات المدن، ما يزال كثير منها موجود حتى الآن، وقد بدأ هذا الاتجاه الحضاري عمر بن الخطاب، وذلك حين قدمت إليه الوفود بعد فتح جلولاء وحلوان فلم تعجبه هيئاتهم وأجسامهم فقال لهم: ما الذي غيركم؟ قالوا: وخومة البلاد. فكتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن ابعث سلمان وحذيفة رائدان ليرتادا منزلاً بريًّا بحريًّا. فظفر بالكوفة وأقرهم عمر، وأذن لهم في البنيان ولكن على ألا يتطاولوا في البنيان، وقال لهم: (الزموا السنة تلزمكم الدولة). وطلب من سعد أن يدعو أبا الهياج بن مالك، وأمره أن يجعلها مناهج (شوارع) عرض كل منها أربعون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها ثلاثون ذراعًا، وأخرى عرض كل منها عشرون ذراعًا لا تضيق عن ذلك شيئًا.

ثم بنيت البصرة وفي مصر بنيت الفسطاط والجيزة؛ ولذلك يلقب رضى الله عنه بأنه (أبو المدن)، وهو لا يكتفي بالإذن بالبناء، بل يخطط لهم موقع المدينة المناسب (ليس بينه وبينهم ما يمنع الوصول إليهم)، ومقدار اتساع شوارعها، وينهاهم عن التطاول في البناء حتى يبقى المسلمون في حالة وسط، ولا ينتقلون إلى حالة الرفه والإسراف، وإذا وقع ذلك فعندئذ تذهب عنهم الدولة. ويُروى أن عمرو بن العاص أمير مصر اتخذ منبرًا مرتفعًا، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اتخذت منبرًا ترقى به على رقاب المسلمين، أوَما بحسبك أن تقوم قائمًا؟ فعزمت عليك لما كسرته. وبنى خارجة بن حذافة غرفة (فوق البناء الأرضي) فكتب إلى عمرو بن العاص: فقد بلغني أن خارجة بنى غرفة، وقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله.

إنها عبقرية عمر في النظرة للمستقبل وما سيئول إليه أمر المسلمين حين يقعون في الترف المهلك، وفي تبديد الأموال على البناء والزخرفة.

حرية الفرد وكرامته وشخصيته

إن حماية حرية الإنسان وصيانة كرامته من أهم المطالب الشرعية، ولا تستقيم الحياة البشرية بدونها؛ فالاعتزاز بالنفس وخلق الإباء من الأسس المهمة لنضج الأخلاق؛ ولذلك اهتم عمر رضى الله عنه بهما، ويقول مخاطبًا وفود المسلمين إلى المدينة: "أيها الناس، إني والله ما أرسل عمالاً (أمراء) ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليَّ، فو الذي نفس عمر بيده لأقصنه منه. قال عمرو بن العاص: لو أن رجلاً أدب بعض رعيته، أتقصنه منه؟ قال: أي والذي نفسي بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصنه منه وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه...".

وكان يقول للعمال (أمراء المناطق): "لا تضربوا أبشار الناس فتذلوهم". فهو رضى الله عنه يهتم بكرامة المسلم؛ لأن في ضربه إذلالاً له، وعندئذ يصبح شخصية ضعيفة مستكينة، وليس هذا من تربية الإسلام.

بل هو يهتم بكرامة الإنسان، كل إنسان، وهو الذي قال قولته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!" عندما ضرب مسلم رجلاً قبطيًّا في مصر.

ومن اهتمامه بشخصية المسلم التي يريدها أن تبقى في حالة وسط لا تقع في الترف ولا تصل إلى حالة الشظف، شخصية متعالية على عبادة الأثاث والرياش، يقول مخاطبًا المسلمين: "اخشوشنوا وتمعددوا[5] وانزوا على الخيل". ويطلب من الآباء تعليم أولادهم السباحة والرماية وركوب الخيل. ويطلب من سعد بن أبي وقاص بناء المدن، بعيدًا عن المستنقعات حماية لصحة المسلمين.

العلم ونشر العلم

من البديهي أن القرآن الكريم هو أساس العلم وأساس الحضارة الإسلامية، وقد نوه القرآن وأشاد كثيرًا بالعلم والعلماء وأثار في نفوس المسلمين حب العلم والتعلم، ومن أعظم أعمال عمر جهوده العلمية خدمة للإسلام ما أشار به على أبي بكر رضى الله عنه في جمع القرآن، وكانت طريقة جمعه على أسس علمية دقيقة، فقد وضع عمر منهجًا للتوثيق، فلا يؤخذ أي مخطوط (آية أو آيات) لا يشهد شخصان على أنه مكتوب وليس من الذاكرة فقط، فجمع بين الحفظ في الذاكرة والكتابة، شاهدين عدلين على الكتابة وشاهدين عدلين على الحفظ (اسم القرآن يدل على القراءة واسم الكتاب يدل على الكتابة).

وبعد أن تم هذا المشروع العظيم، كان الذي يشغل بال عمر هو تعليم المسلمين هذا الكتاب وخاصة الذين أسلموا بعد أن فتحت بلدانهم؛ ولذلك أرسل المعلمين من كبار الصحابة إلى المناطق المفتوحة ليعلموهم دينهم، أرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة، وعمران بن حصين ومعقل بن يسار إلى البصرة، وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء ومعاذ بن جبل إلى الشام؛ فالفتوحات لا تترسخ وتستقر إلا بأن تنصهر هذه الشعوب في بوتقة الإسلام، ويعيش المسلمون أمة واحدة. وحتى ينتشر العلم في كل مكان، أرسل عمر رجلاً يجول بين القبائل في البادية معلمًا للقرآن، أي أن عمر نشر التعليم الإلزامي.

الاهتمام بالوقت والتاريخ

عندما قدم إلى عمر صك مكتوب عليه كلمة (شعبان)، قال عمر: كيف نعلم أن المقصود شهر شعبان الماضي أم الحالي؟ فعقد مجلسًا للشورى حضره كبار الصحابة وعرض هذه المسألة، أي تحديد التاريخ حتى لا تقع الأخطاء في العقود والمعاملات. فقال البعض: أرِّخوا من مولد الرسول . وقال آخرون: من مبعثه. وأشار علي رضى الله عنه إلى أن يؤرخ من الهجرة، فاستحسن عمر هذا الرأي، واستقر الأمر على أن تكون بداية التأريخ من بداية هجرة الرسول إلى المدينة، وأرخوا من محرمها.



[1] يقول المؤرخ الأمريكي ول ديورانت واصفًا مجيء عمر إلى بيت المقدس: "وجاء الخليفة نفسه للتصديق على شروط التسليم، جاء من المدينة في بساطة أفخر من الفخامة" (قصة الحضارة 13/76).
وعن أبي الغادية الشامي قال: "قدم عمر الجابية على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة".
[2] مالك بني نبي: مشكلة الأفكار ص40.
[3] القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1/19.
[4] قال أحد أساتذة الجامعات في أمريكا: إن أعظم إنجازات الرئيس (أيزنهاور) هي شبكة الطرق التي أنجزت في عهده وليس انتصاراته في الحرب.
[5] أي: كونوا مثل جدكم معد بن عدنان في البأس والخشونة.

[/align]



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.