العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
إنجازات


.:: - قاعدة - ::.
.:: ( القِوَى التي يَحتاجها السائر إلى الله والدار الآخرة ) ::.

السائرُ إلى الله والدار الآخرة بل كلّ سائر إلى مَقصد لا يَتم سَيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بِقُوَّتَيْنِ: (قُوَّةٌ عِلمية) و (قُوة عَمَلية).

فبالقوة العِلمية: يُبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرًا فيها، ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل.

فَقَوَّتُهُ العِلمية كَنُورٍ عظيمٍ بِيده يَمشي في ليلة عظيمة مُظلمة شديدة الظلمة، فهو يُبصر بذلك النور ما يقع الماشي في الظلمة في مثله مِن الوهاد والمتالف، ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره، ويبصر بذلك النور أيضًا أعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها فلا يضل عنها، فيكشف له النور عن الأمرين: أعلام الطريق، ومعاطبها.

وبالقُوة العَمَلية: يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية، فإن السير هو عمل المسافر، وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها وأبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح وبقي عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويُشمر مسافرًا في الطريق قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب من المنزل فهانت عليه مشقة السفر، وكلما سكنتْ نفسه مِن كلال السير ومواصلة الشد والرحيل وَعَدَها قُرب التلاقي وبَرد العيش عند الوصول فيُحْدِثُ لها ذلك نَشَاطًا وفَرَحًا وهِمّةً، فهو يقول: يا نفس أبشري فقد قرب المنزل ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول فَيُحَالُ بَينك وبين مَنازل الأحبة، فإن صبرتِ وواصلتِ المسرى وصلتِ حميدةً مسرورةً جذلة وتلقتكِ الأحبة بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة وعمرك درجة من درج تلك الساعة، فالله الله لا تنقطعي في المفازة فهو والله الهلاك والعطب لو كنتِ تعلمين.

فإن استصعبتْ عليه فليُذَكِّرْها مَا أمامها مِن أَحبابِها وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خَلْفَها مِن أعدائها وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء، فإن رجعتْ فإلى أعدائها رجوعها، وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها، وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فإنهم وراءها في الطلب، ولا بد لها مِن قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت.

وليجعل حديث الأحبة حاديها وسائقها ونور معرفتهم، وإرشادهم هاديها ودليلها، وصِدق ودادهم وحُبهم غذاءها وشرابها ودواءها، ولا يُوحشه انفراده في طريق سفره ولا يغتر بكثرة المنقطعين، فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم، وحظه مِن القرب والكرامة مُختص به دونهم، فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟!

وليعلم أنَّ هذه الوحشة لا تدوم بل هي من عوارض الطريق فسوف تبدو له الخيام وسوف يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم، فيا قُرة عينه إذ ذاك ويا فرحته إذ يقول (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)، ولا يستوحش مِمَّا يَجده مِن كثافة الطبع وذوب النفس وبطء سيرها فكلما أدمن على السير وواظب عليه غدوًا ورَواحًا وسحرًا قَرُبَ مِن الدار وتلطفت تلك الكثافة وذابت تلك الخبائث والأدران، فظهرت عليه هِمة المسافرين وسيماهم فتبدلتْ وحشته أُنْسًا وكثافته لَطَافَة ودَرنه طهارة.


.:: فصل في تقسيم الناس من حيث القوة العِلمية والعَمَلية ::.

فَمِن الناس مَن يكون له القوة العِلْمِية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه ويكون ضعيفًا في القوة العَمَلية، يُبصر الحقائق ولا يَعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فَقِيهٌ ما لم يحضر العمل! وإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم في العلم! وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعِلم، والمعصوم مَن عصمه الله ولا قوة إلا بالله.

وَمِن الناس مَن تكون له القوة العَمَلية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند وُرُودِ الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند وُرُودِ الشهوات، فَدَاءُ هذا مِن جَهله ودَاءُ الأول مِن فَساد إرادته وضعف عَقله، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم بل على طريق الذوق والوجد والعادة، يُرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدري مَن يَعبد! ولا بماذا يَعبده! فتارة يعبده بذوقه ووجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لَبس معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس له أصل في الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنًا ما كان.

وهنا طُرق ومَتاهات لا يحصيها إلا رَبّ العباد، فهؤلاء كلهم عُمْيٌ عن ربهم وعن شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يقبل مِن أَحَدٍ دينًا سِواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التي تَعَرَّفَ بِها إلى عباده على ألسنة رُسله ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا مَعرفة بالرب! ولا عبادة له!

ومَن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله ورُجي له النفوذ وقَوِيَ على رَد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإن القواطع كثيرة، شأنها شديد، لا يخلص مِن حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها ولكن الله يفعل ما يريد.

والوقت كما قيل (سَيف فإن قطعته وإلا قطعك)، فإذا كان السير ضعيفًا! والهمة ضعيفة! والعلم بالطريق ضعيفًا! والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة! فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء! إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع، والله ولي التوفيق.


.:: قاعدة نافعة ::.
.:: ( أقسام المسافرين إلى الله تعالى ) ::.

العبد مِن حين استقرت قَدَمُه في هذه الدار فهو مُسافر فيها إلى رَبِّه، ومُدة سفره هي عُمره الذي كُتب له، فالعمر هو مُدة سَفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه، ثم قد جُعلت الأيام والليالي مراحل سفره، فكل يوم وليلة مَرحلةٌ مِن المَراحل، فلا يزال يطْوِيهَا مَرحلةً بعد مَرحلة حتى ينتهي السفر.

فالكَيِّسُ الفَطِن هو الذي يجعل كُلّ مرحلة نُصبَ عَينيه فَيَهتمّ بقطعها سَالمًا غانمًا، فإذا قطعها جَعل الأخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله، ويحصر بالتسويف والوعد والتأخير والمطل، بل يَعُدُّ عُمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بِخَيْرِ مَا بِحضرته، فإنه إذا تَيَقَّن قِصرها وسُرعة انقضائها هَان عليه العمل، فَطَوَّعَت له نَفسه الانقياد إلى التزويد، فإذا استقبل المرحلة الأخرى مِن عمره استقبلها كذلك فلا يَزال هذا دَأبه حتى يَطوي مَراحل عُمره كلّها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صُبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا فحينئذ يحمد سراه، وينجاب عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه.

ثم الناس في قطع هذه المراحل قِسمان:

- فَقِسْمٌ قطعوها مُسافرين فيها إلى دار الشقاء، فكلما قطعوا منها مرحلة قربوا مِن تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته، فقطعوا تلك المراحل بِمَسَاخِطِ الربّ ومُعاداة رُسله وأوليائه ودينه والسعي في إطفاء نوره وإبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جُعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها فهم مَصحوبون فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً) أي تُزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجًا، وتسوقهم سوقًا.


القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام، وهم ثلاث أقسام:

1- ظَالِمٌ لِنَفسِه.

2- ومُقْتَصِد.

3- وسَابقٌ بالخيرات بإذن الله.

وهؤلاء كلهم مُستعدون للسير مُوقنون بالرجعى إلى الله، ولكن مُتفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه.

فالظالم لنفسه: مُقَصِّرٌ في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو مُتزود ما يتأذى به في طريقه، ويجد غبّ أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار.

والمقتصد: اقتصر مِن الزاد على ما يبلغه ولم يشد مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالمٌ غانمٌ لِكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة.

والسابق بالخيرات: هَمُّهُ في تحصيل الأرباح وشَدّ أحمال التجارات لِعِلْمِه بِمقدار المربح الحاصل، فيرى خُسرانًا أنْ يَدّخِر شيئًا مِما بِيَدِهِ ولا يَتجّر به فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أنَّ أمامه بلدة الدرهم يَكسب فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يُهيء به تجارة إلى ذلك البلد لَفَعل .

فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن الله يَرى خُسرانًا بَيِّنًا أنْ يَمُر عليه وقت في غَير متجر.

المصدر: كتاب: طريق الهجرتين للإمام ابن القيم



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.