العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
إنجازات


بسم الله الرحمن الرحيم
(سورة العصر) (13)
إعداد: هشام بن فهمي العارف

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد...؛
ذكرنا في سورة الشرح أنه لا ينبغي لمن حمل أعباء الدعوة وقد شرح الله صدره أن يقنط من رحمة الله إذا واجهته الشدَّة، ولا ينبغي له أن يحبط أو ييأس إذا تعقدَّت أمامه المشكلات:
1- (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)
فالآية بشارة لكل مؤمن ليقوم بواجباته متبعاً منهج النبوة والسلف. فإذا فرغت من عمل صالح فعليك أن تجتهد في مزاولة عمل آخر، وكلمّا توجهت لعمل صالح، تذكر معونة الرب لك، فهو الذي يشرح صدرك، وهو الذي يجعل لك مع العسر يسراً.
فكن حريصاً على وقتك ولا تدعه يمر هباءً، بل استثمره في طاعة الله؛ لتنتقل في الزمان المطلق من طاعة إلى طاعة. لذا أقسم الله بالعصر ـ الذي هو الزمان من جهة مروره وذهابه ـ عقب سورة الشرح ليؤكّد على أهميته، فقال:
وَالْعَصْرِ(1)
وهذا الزمان هو محل أفعال الإنسان، فإما إلى ربح، أو إلى خسارة، وفيه إشارة إلى ضرورة الاشتغال بذكر الله، والدعوة إلى الله على بصيرة، دون أن يشغل نفسه بسفاهة السفهاء، فمن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
2- "العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات ابن آدم من خير وشر".
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ـ رحمه الله ـ:
3- "هو زمن تحصيل الأرباح للمؤمنين، وزمن الشقاء والخسران للمعرضين الضالين".["عيون الرسائل"(ص:746)]
فلا بدَّ للمؤمن أن يجتهد على زمانه، فعصر الإنسان: عمره ومدة حياته الذي هو محل الكسب والخسران، ولأنه يخص العبد في نفسه موعظةً وانتفاعًا.
4- "فكلمة "العصر" تذكرهم الأيام الخالية، وتوجههم من صفة الزمان إلى زواله وسرعة ذهابه. والأولى: عبرة لهم بما جلب على الإنسان من حكم الله فيهم حسب أعمالهم. والثانية: تحرضهم على التشمير لكسب ما ينفعه من زمان أجلي صفته سرعة الزوال".["مفردات القرآن" للفراهي (ص:222)]
والإعصار:
5- "للريح السريعة من جهة المرور والذهاب".["مفردات القرآن"]
وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى.
6- "ذلك لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل".["معجم تهذيب اللغة" للأزهري]
فالعصر:
7- "لآخر النهار من جهة ذهاب النهار".["مفردات القرآن"]
لذا جاء الحضّ عليها فعن فضالة الليثي مرفوعاً:
8- "حافظ على العصرين: صلاةٍ قبل طلوع الشمس، وصلاةٍ قبل غروبها".["الصحيحة"(1813)]
قال ابن الأثير:
9- "يريد صلاة الفجر وصلاة العصر، سماهما العصرين لأنهما يقعان في طرفي العصرين، وهما الليل والنهار".
وعليه فمعنى العصر هنا غير معنى الدهر، فالدهر: اسم للزمان من حيث مجموعه. قال الأزهري:
10- "والدهر عند العرب يقع على بعض الدهر الأطول، ويقع على مدة الدنيا كلها".
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
11- "وانقسام العصر إلى القرون، والسنين، والأشهر، والأيام، والساعات، وما دونها، آية من آيات الرب تعالى، وبرهان من براهين قدرته وحكمته".
قال متمم "أضواء البيان" ـ رحمه الله ـ:
12- "ويرجع لهذا المعنى ما يكتنف هذه السورة من سور؛ التكاثر قبلها، والهمزة بعدها، إذ الأولى تذم التلهي والتكاثر بالمال والولد، حتى زيارة المقابر بالموت، ومحل ذلك هو حياة الإنسان. وسورة الهمزة في نفس المعنى تقريباً في الذي جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده. فجمع المال وتعداده في حياة الإنسان وحياته محدودة، وليس مخلداً في الدنيا، كما أن الإيمان وعمل الصالحات مرتبط بحياة الإنسان".
وتواترت الآثار الصحيحة على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وتخصيص الصلاة الوسطى بالأمر بالمحافظة لأنها وقت اشتغال الناس بالمعاش والتكسب. لذا فاحذر تفويت صلاة العصر لأنه من الكبائر لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
13- "إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهلَه ومالَه".[متفق عليه]
قال مالك ـ رحمه الله ـ:
14- "تفسيره: ذهاب الوقت".["صحيح الترغيب والترهيب"(480)]
وقال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:
15- "أي: نُقِصَ أَهْلُهُ ومالُهُ فَبَقِيَ فَرْداً".["غريب الحديث]
وقال النووي ـ رحمه الله ـ قال الخطابي وغيره معناه:
16- "فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله".
وقال الحافظ ـ رحمه الله ـ:
17- "أشار بذكر الإثم إلى أن المراد بالفوت تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر، لأن الإثم إنما يترتب على ذلك".["حاشية السندي على صحيح البخاري"(1/100)]
هذا في تفويت صلاة العصر، وفي تركها حتى يغيب الشفق شر أعظم، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
18- "من ترك صلاة العصر؛ (وفي رواية: متعمّداً) فقد حبط عمله".["صحيح الترغيب والترهيب"(478و479)]قال أبو جعفر بن الزبير ـ رحمه الله ـ:
19- "لما قال تعالى:
20- (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) [التكاثر]
وتضمن ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان، وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي فيه فوزه وفلاحه، وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع
21- (..إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً (72) [الأحزاب]
أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما هو إنسان، فقالتفسير سورة العصر شرح مفصل لهاوَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)، فالقصور شأنه، والظلم طبعه، والجهل جبلته، فيحق أن يلهيه التكاثر، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان، (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. إلى آخرها) فهؤلاء:
22- (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ..(37) [النور]انتهى.
واعلم أن خاتمة سورة الشرح ارتبطت بمطلع سورة العصر من حيث المجاهدة والمعاودة لاستثمار الزمن في طلب الأعمال الصالحة.
23- "فلذلك أقسم به ونبّه على أن الليل والنهار فرصة يضيّعها المكلف".["التفسير الكبير"]
فالفجر إذن من جهة ذهاب الليل، وهو وقت لذة النوم، والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره. والعصر من جهة ذهاب النهار، لأن التكليف في أدائها أشق للفراغ من الصناعات وإتمام الوظائف وتسليم العهد وجمع الحصيلة.
وجاء في الأحاديث والآثار الصحيحة ما يرهِّب من ترك ذكر الله تعالى والغفلة عن العمل الصالح في: القعود، أو الاضطجاع، أو المشي، أو النوم، فعن أبي هريرة مرفوعاً:
24- "من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله تِرَةٌ، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله ترة".["الصحيحة"(78)، ومعنى ترة: نقصاً وتبعة وحسرة وندامة]
وعن أبي إسحاق مرفوعاً:
25- "وما من رجل مشى طريقاً، فلم يذكر الله عز وجل؛ إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشه، فلم يذكر الله؛ إلا كان عليه ترة".["الصحيحة"(79)]
فهؤلاء وأمثالهم تدركهم الحسرة والندامة إذا استمروا على هذا النقص، لأنهم ضيعوا رأس مالهم ـ الوقت ـ فمرَّ من غير ذكر الله على الأقل، ففوّتوا ربحهم، لذا رويت أحاديث وآثار صحيحة ترغِّب في التفرغ للدعوة والعبادة، وتحث على النشاط الدائم والمستمر في الأعمال الصالحة، فعن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
26- "إن الله يقول: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسدَّ فقرك".["الصحيحة"(1359)]


وعن معقل بن يسار ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
27- "يقول ربكم ـ تبارك وتعالى ـ: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تباعد مني فأملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً".["الصحيحة"(3/347)]
فإذا كان الإنسان صحيحاً ومستثمراً لزمانه في طاعة الله فهو في الربح المستمر، وإذا كان صحيحاً غير مستثمرٍ لزمانه في طاعة الله فهو مغبون، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعاً:
28- "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" .["صحيح الجامع"(6778)]
أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث أن يبين أن المخدوع حقيقة، الخاسر المحروم الأجر، ذو الصحة والفراغ، الذي لم يستفد من صحته وفراغه، فكأنما كان معه جوهرة نفيسة فباعها بثمن بخس.
قال ابن بطال ـ رحمه الله ـ:
29- "إن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكتفياً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرّط في ذلك فهو مغبون".
وقال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:
30- "قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم".
والحديث " نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا .." أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" في أول كتاب الرقاق، ثم أتبعه بحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
31- "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".
قال ابن المنيِّر ـ رحمه الله ـ:
32- "مناسبة إيراد حديث أنس مع حديث ابن عباس الذي تضمنته الترجمة: أن الناس قد غبن كثير منهم في الصحة والفراغ لإيثارهم لعيش الدنيا على عيش الآخــرة، فأراد الإشارة إلى أن العيش الذي اشتغلوا به ليس بشيء، بل العيش الذي شغلوا عنه هو المطلوب، ومن فاته فهو المغبون".
وقال البقاعي ـ رحمه الله ـ:
33- "ومقصودها ـ يعني: السورة ـ تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق، وبيان خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى إضدادهم".
وقال ـ رحمه الله ـ:
34- "واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص روح المعصور ويميز صفاوته".
ولمّا كان العصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما المعيب الإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله قال:
إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)
جواب القسم، مؤكد بـ (إِنَّ)، واللام في قوله: (لَفِي)، قال الشوكاني:
35- "والإنسان يعم كل فرد من أفراد هذا النوع".
والأصل في الإنسان هو الخسران.
36- "لأن الأصل فيه إنما الاشتغال بالأحوال النباتية والبهمية والسَّبُعيَّة، ثم استثنى عنهم السعداء والكاملين".["رسالة في التنبيه على بعض الأسرار المودعة في التنزيل" للفخر الرازي (أشعري المعتقد)]
فالعصر يمر ويمضي معه الإنسان خاسراً. قال علي بن محمد الشيحي المعروف بالخازن ـ رحمه الله ـ:
37- "لأن الخسران هو تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة تمر من عمر الإنسان إما أن تكون تلك السّاعة في طاعة أو معصية, فإن كانت في معصية فهو الخسران المبين الظاهر، وإن كانت في طاعة, فلعل غيرها أفضل وهو قادر على الإتيان بها، فكان فعل غير الأفضل تضييعاً وخسراناً, فبان بذلك أنه لا ينفك أحد من خسران".
وقال المناوي ـ رحمه الله ـ:
38- "ولا يعتبر من الفائزين المفلحين إلا إذا تحول من إنسان جاحد، فاسد، أناني، إلى إنسان مؤمن بالله قائم بالعمل الصالح، متمسك بالحق، وموصٍ لغيره بالتمسك به، معتصم بالصبر، وموصٍ لغيره الاعتصام به".["التيسير في أحاديث التفسير"]


فمن لم يستعمل نفسه فيما يوجب له الربح، فهو في خسران إلى هلاك. قال الحافظ القصاب:
39- "فهذه بشارة للمؤمن جليلة، وغنيمة عظيمة، أن يكون الإنسان في خسر ويكون هو في زيادة، لأن الخسر نقصان".
وقوله تعالى (لَفِي خُسْرٍ) أبلغ من قوله (لخاسر)، وقال أهل المعاني:
40- "الخسر:هلاك رأس المال، أو نقصه".
قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ ـ رحمه الله ـ:
41- "تنبيه على عدم اختصاص خسره بنوع دون نوع، بل قد توجِّه إليه الخسران بحذافيره من جميع جهاته إلا ما استثني".
قال شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
42- "فكأن الإنسان منغمس في الخسر، والخسران محيط به من كل جانب".
لأجل ذلك فإن الشوكاني ـ رحمه الله ـ تعدّى معنى النقصان في الخسارة، إلى معنى الهلاك، وغرضه الترهيب لأن الكلام اشتمل على جميع المؤكدات وقال:
43- "والمناسب للمقام أن يكون الخسر: الهلاك للإنسان المذكور؛ لعدم استقامته على الدين، وليس المراد الهلاك الدنيوي بالقتل أو نحوه، بل المراد: الهلاك الديني الموجب لمصيره إلى النار، كما يفيد ذلك استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات".
وقال:
44- "وأيضاً المقام مقام الترهيب للعصاة، والترغيب لأهل الإيمان والطاعات، ومجموع ذلك يفيد أن يفسر الخسر: بذهاب الدين الموجب للشقاوة الأبدية، وهذا أولى من تفسير الخسر بالنقص، لأن مقام الترهيب والتشديد والمبالغة في الوعيد يقتضي الخسران التام، وهو ذهاب الدين بالمرة؛ المستلزم لهلاك صاحبه، لا نقصه وذهاب بعضه، وبقاء بعض".
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
45- "فأقسم سبحانه على خسران نوع الإنسان إلا من كمَّل نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمّل غيره بوصيته له بهما".["كتاب أرسله الحافظ ابن القيم إلى بعض إخوانه"(ص:48)]

وقال صاحب "التفسير الكبير":
46- "هذه السورة فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس، إلا من كان آتياً بهذه الأشياء الأربعة":
وهي في قوله تعالى:
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)
فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه".
فالآية توجب الجد والاجتهاد في معرفة الإيمان والتزامه لينجو من مطلق الخسارة ويلتحق بالمؤمنين الموحدين، وتوجب الجد والاجتهاد على الأعمال الصالحة والإقامة عليها لينجو من الخسارة المطلقة ويلتحق بالمؤمنين الصالحين، وتوجب الجد والاجتهاد على التواصي بالحق، والتواصي بالصبر ليلتحق بالطائفة المنصورة.
قال الطوفي ـ رحمه الله ـ:
47- "كان السلف يسمونه ميزان النجاة، فيقولون: هلمّوا نزن أنفسنا بميزان النجاة يعني: الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق وبالصبر".["الإشارات الإلهية"]
والذي يسلم من الخسران إلى السعادة من كان:
أولاً: كاملاً في القوة العلمية لقوله تعالى إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) فهم الذين عرفوا الحق وصدَّقوا به. قال الشيخ عبد اللطيف ـ رحمه الله ـ:
48- "وطلب العلم ومعرفة ما قصد به العبد من الخطاب الشرعي أفضل الأرباح وعنوان الفلاح، والإعراض عن ذلك علامة الإفلاس والإبلاس، فلا ينبغي للعاقل العارف أن يضيِّع أوقات عمره، وساعات دهره إلا في طلب العلم النافع، والميراث المحمدي".
والتصديق: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان.
قال مجاهد:
49- "إلا الذين صدَّقوا الله ووحدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه".
وقال ابن بطة ـ رحمه الله ـ:
50- "يزيده كثرة العمل والقول بالإحسان، وينقصه العصيان. وله أول وبداية، ثم ارتقاء، وزيادة بلا نهاية".["الشرح والإبانة"]
وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
51- "واعلم أنها تتفاوت أقدام المؤمنين في التصديق، فقد يكون إيمان الرجل ثابتاً كالجبال الرواسي بحيث لا يتزلزل لشبهة، ولا يتقهقر بشك ولا بتشكيك، وقد يكون دون ذلك، ولهذا قال الجمهور: إن الإيمان يزيد وينقص، وهو الحق، وذلك مما يعلمه كل عاقل".["النشر لفوائد سورة العصر"(ص:105)]
وقال الشيخ العلامة عبد اللطيف آل الشيخ ـ رحمه الله ـ:
52- "وقد اختلف الناس في الإيمان ومسمّاه، ولا سبيل إلى معرفة مراد الله إلا به، وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك إلا بطلب العلم ومعرفة ما عليه سلف الأمة وأئمتها، ثم له شعب وحقائق وأصول وفروع لا تعرف إلا بطلب العلم، وبذل الجد، والتشمير عن ساق الاجتهاد، ومن آثر الوطن والرفاهية فاته كثير من ذلك أو أكثر، بل ربما فاته كله. ولذلك تجد من يرغب عن طلب العلم عمدته في هذه المباحث تقليد المشائخ والآباء وما كان عليه أهل محلته. وهذا لا يكفي في باب الإيمان ومعرفته".
وقال ابن بطة العكبري ـ رحمه الله ـ:
53- "ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله، أو برد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بها، فإن من تركها تهاوناً وكسلاً؛ كان في مشيئة الله عز وجل إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له".
وقال الإمام الطحاوي ـ رحمه الله ـ:
54- "ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه".
قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:
55- "يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخروجه من الإيمان بارتكاب الكبيرة".


عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:
56- "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، و من أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، و إن شاء عفا عنه ".["الصحيحة"(2999)]
قال شيخ الإسلام الألباني ـ رحمه الله ـ:
57- "وفي الحديث رد كما قال العلماء على الخوارج الذين يكفّرون بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لابد أن يعذبه. قلت: و مثله قوله تعالى:
58- (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء]
فقد فرق تعالى بين الشرك وبين غيره من الذنوب، فأخبر أن الشرك لا يغفره، و أن غيره تحت مشيئته، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولابد من حمل الآية والحديث على من لم يتب، وإلا فالتائب من الشرك مغفور له، فغيره أولى، والآية قد فرقت بينهما، وبهذا احتججت على نابتة نبتت في العصر الحاضر، يرون تكفير المسلمين بالكبائر تارة، و تارة يجزمون بأنها ليست تحت مشيئة الله تعالى وأنها لا تغفر إلا بالتوبة، فسووا بينها و بين الشرك فخالفوا الكتاب و السنة".
ثانياً: ويسلم من الخسران إلى السعادة من كان: كاملاً في القوة العملية لقوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فجمعوا في أعمالهم بين وصفين: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وعملوا بما علموه من الحق. لذلك تقدم ذكر القوة العلمية على القوة العملية، أي: تقدّم ذكر الإيمان على العمل لأجل أن يكون العمل صالحاً، ولمّا كانت الأعمال الصالحة تجمع بين الوصفين: الإخلاص والمتابعة:
59- "حثَّ وحضَّ على العلم وطلبه، لأن العامل بغير علم وبصيرة، ليس من عمله على طائل، بل ربما جاءه هلاك، والآفة من جهة عمله، كالحاطب في ظلماء والسالك في عمياء، ولا سبيل إلى العمل إلا بالعلم، ومعرفة صلاح العمل وفساده لا بدَّ منه. ولا يدرك إلا بنور العلم وبصيرته".[قاله العلامة عبد اللطيف آل الشيخ في "عيون الرسائل"]
قال شيخنا العثيمين ـ رحمه الله ـ:
60- "فلم يقتصروا على مجرد ما في القلب بل عملوا وأنتجوا".
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
61- "استثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم".
وقال ابن بطة العكبري ـ رحمه الله ـ:
62- "واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الله عز وجل لم يثن على المؤمنين، ولم يصف ما أعدَّ لهم من النعيم المقيم، والنجاة من العذاب الأليم، ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح، والسعي الرابح، وقرن القول بالعمل، والنية بالإخلاص".
وقال ـ رحمه الله ـ:
63- "وكل هذا يدل على بطلان ما تدّعيه المرجئة، وتذهب إليه من إخراجها الفرائض والأعمال من الإيمان، وتكذيب لها أن الفواحش والكبائر لا تنقص الإيمان ولا تضر به".
وقال:
64- "فمن زعم أن ما في كتاب الله عز وجل من شرائع الإيمان وأحكامه وفرائضه ليست من الإيمان، وأن التارك لها والمتثاقل عنها مؤمن، فقد أعظم على الله الفرية وخالف كتاب الله، ونبذ الإسلام وراء ظهره، ونقض عهد الله وميثاقه".
وقال ـ رحمه الله ـ:
65- "فجمع القول والعمل في هذه الآية (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فمن زعم أنه يقر بالفرائض ولا يؤديها ويعملها، وبتحريم الفواحش والمنكرات ولا ينزجر عنها ولا يتركها، وأنه مع ذلك مؤمن فقد كذَّب بالكتاب، وبما جاء به رسوله، ومثله كمثل المنافقين الذين قالوا:
66- (..آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ..(41) [المائدة]
فأكذبهم الله وردَّ عليهم قولهم، وسمّاهم منافقين مأواهم الدرك الأسفل من النار، على أن المنافقين أحسن حالاً من المرجئة؛ لأن المنافقين جحدوا العمل وعملوه، والمرجئة أقروا بالعمل بقولهم وجحدوا بترك العمل به، فمن جحد شيئاً وأقر به بلسانه وعمله ببدنه أحسن حالاً ممن أقر بلسانه وأبى أن يعمله ببدنه، فالمرجئة جاحدون لما هم به مقرون، ومكذّبون لما هم به مصدّقون، فهم أسوأ حالاً من المنافقين".


وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
67- "واعلم أن هذا النظم القرآني قد دل أكمل دلالة على أن الإيمان الذي هو التصديق لا بد أن ينضم إليه العمل كما هو المذهب الحق، وفيه أوضح رد، وأكمل دفع لقول من يقول: أنه لا يلزم ضم العمل إلى الإيمان كما يذهب إليه بعض المرجئة".
واعلم أن
68- "الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند أهل السنة، خلافا للخوارج و المعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار مع تصريح الخوارج بتكفيرهم".["حكم تارك الصلاة" للألباني (ص:41)]
قال البيهقي ـ رحمه الله ـ:
69- "خالفنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل، ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: أهل القبلة عندنا مؤمنون أما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون".[الاعتقاد"(ص:84)]
ونختم هذا الفصل بقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
70- "وينبغي أن تعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب، بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه؛ وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل. وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به؛ وإلا استعملها في ضده، فالإنسان حارث همام بالطبع".["اغاثة اللهفان"(1/25)]
ولئلا يعتري كمال الإنسان في القوتين السابقتين نقص؛ فعليه أن يستمر في الأعمال الصالحة بحيث:
ثالثاً: يكون مكمِّلاً لنفسه ولغيره؛ فيقوّي لديه القوة العلمية في الهدى؛ فيوصي نفسه وغيره بالتمسك بالحق، لقوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)، ومعرفة الحق والاهتداء إليه:
71- "يحتاج مريده وفاعله إلى العلم حاجة وضرورة ظاهرة، لأن الحكم على الشيء بكونه حقاً، يتوقف على الدليل والبرهان، وإن كان (أل) في الحق للاستغراق، فالأمر أعم وأجل وأشمل".[قاله العلامة عبد اللطيف آل الشيخ في "عيون الرسائل"]
والحق: القرآن، واتباع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وفهم السلف الصالح، وهو من الخاص بعد العام، لأنه داخل في عمل الصالحات، فلم يقتصروا على نفع أنفسهم، بل نفعوا أنفسهم وغيرهم.
72- "وقد صاروا لشدة محبتهم للطاعة يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ليكونوا أيضاً سبباً لطاعات الغير كما ينبغي عليه أهل الدين".["التفسير الكبير"]
والتواصي بالحق مناصحة، لأن النهوض بالحق ليس بالأمر السهل، فالحق ثقيل والمحن تلازمه، لذلك قرن بالصبر. والتواصي تذكير ووعظ وتشجيع، ومن حمل لواء الحق وصبر على أنواع البلاء صُنِّف من أهل العزيمة والثبات.
إن الذين يتبعون الخـلف في مخالفاتهم لمنهج النبوة والسلف هم عـلى الباطل، ولا بد أن يكون في كل أمة من يقوم على الحق إحقاقاً له وإبطالاً للباطل، وإن من أسوأ ما عليه المخالفون؛ الجدال في الحق قال تعالى:
73- (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ..(6)[سورة الأنفال]
وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
74- "قد ورد في عمومات الكتاب والسنة ما يدل على أنه ينبغي لكل فرد من المسلمين أن يدعو أخاه إلى أسباب الهداية، ويزجره عن ذرائع الغواية، ويعظه بمواعظ الله سبحانه، فإن ذلك من النصيحة التي يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيها:
75- "الدين النصيحة". ["صحيح الجامع" (3417)]
رابعاً: ويكون مكمّلاً لنفسه ولغيره فيقوّي لديه القوة العملية في الدين الحق؛ فيوصي نفسه وغيره بالثبات وتحمل المشّاق ومخالفة الهوى، حتى يموت أحدهم وهو يعتقد الحق، ويقول به، ويعمل بما جاء فيه، لقوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) وتقدّم ذكر الحق على الصبر لأجل أن يكون الصبر محموداً، قال الشوكاني:
76- "وفي جعل التواصي بالصبر قريناً للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه".["فيض القدير"]
77- "فإن من رسخ في قلبه معرفة النعم، وآمن بربه، صبر على المكاره لرضاه".["مفردات القرآن" (ص:206) للفراهي]
قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:
78- "والصبر هو خلاصة الإنسان وسرّه وصفاوته وزبدته وعصارته، الذي لا يوصل إليه إلا بضغط الإنسان لنفسه، وقسرها على أفعال الطاعة، وقهرها على لزوم السنة والجماعة حتى يصير الصبر لها بالتدريب عادة وصناعة، فقد عانق آخرها أولها، وواصل مفصلها موصلها".
وقال جمال الدين القاسمي ـ رحمه الله ـ:
79- "فإنالوصول إلى الحق سهل، وأما البقاء عليه والصبر معه على الاستقامة والجهاد لأجله فذاك الذي يظهر به مصداق الإيمان وحقيقته".
80- وقوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين، كقوله تعالى:
81- (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) [السجدة]
فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
82- "فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، فالعمل به لا بد فيه من الصبر".
وقال:
83- "بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر ... فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر، ولهذا قال تعالىتفسير سورة العصر شرح مفصل لهاوَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)
وقال ـ رحمه الله ـ:
84- "فالعلم النافع هو أصل الهدى، والعمل بالحق هو الرشاد، وضد الأول هو الضلال، وضد الثاني هو الغي، والضلال: العمل بغير علم، والغي: اتباع الهوى، .. فلا ينال الهدى إلا بالعلم، ولا ينال الرشاد إلا بالصبر". ["امراض القلوب"(ص:54-55)]
وقال ـ رحمه الله ـ:
85- "فلا بد من التواصي بالحق والصبر، إذ أن أهل الفساد والباطل لا يقوم باطلهم إلا بصبر عليه أيضاً، لكن المؤمنون يتواصون بالحق والصبر، وأولئك يتواصون بالصبر على باطلهم، فالتواصي بالحق بدون الصبر كما يفعله الذين يقولون:
86- (..آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ..(10) [العنكبوت]
والذين يعبدون الله على حرف فإن أصاب أحدهم
87- (..خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) [الحج]
والتواصي بالصبر بدون الحق كقول الذين قالوا:
88- (..أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) [ص]
كلاهما موجب للخسران وإنما نجا من الخسران: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) وهذا موجود في كل من خرج عن هؤلاء من أهل الشهوات الفاسدة، وأهل الشبهات الفاسدة أهل الفجور وأهل البدع".["جامع الرسائل"(2/394)]
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
89- "وبعد فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع والعمل الصالح وهما الهدى ودين الحق، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين، ... أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمَّل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكمَّل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحق هو الإيمان والعمل ولا يتمان إلا بالصبر عليهما والتواصي بهما، كان حقيقاً بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية ويخلص به من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره،واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد والموصل لهم إلى سبيل الرشاد. فالحقيقة والطريقة والأذواق والمواجيد الصحيحة؛ كلها لا تقتبس إلا من مشكاته، ولا تستثمر إلا من شجراته".["مدارج السالكين"(1/6-7)]
ولعظيم شأن هذه السورة في نفـوس الصحابة والسلف ـ رضي الله عنهم ـ كان الرجلان منهم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأها أحدهما على الآخر، فعن أبي مدينة الدارمي ـ وكانت له صحبة ـ قال:

90- "كان الرجلان من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) ، ثم يسلم أحدهما على الآخر".["الصحيحة"(2648)، واسم أبي مدينة الدارمي: عبد الله بن حصن السدوسي]
قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
91- "ولعل الحامل لهما على ذلك ما اشتملت عليه من الموعظة الحسنة؛ من التواصي بالحق والتواصي بالصبر بعد الحكم على هذا النوع الإنساني حكماً مؤكدًا بأنه في خسر، فإن ذلك مما ترجف له القلوب، وتقشعر عنده الجلود، وتقف لديه الشعور، وكأن كل واحد من المتلاقيين يقول لصاحبه: أنا وأنت وسائر أبناء جنسنا وأهل جلدتنا خاسر لا محالة؛ إلاَّ أن نتخلص عن هذه الرزية، وينجو بنفسه عن هذه البلية، بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والصبر، فيحمله الخوف الممزوج بالرجاء على فتح أسباب البكاء، وقرع أبواب الالتجاء.
فإن قلت: كيف وقع منهم تخصيص هذه السورة بهذه الميزة دون غيرها من السور المختصرة؟ قلت: وجه ذلك ما قدمنا من اشتمالها على ما اشتملت عليه ترهيبًا وترغيبًا، وتحذيرًا وتبشيرًا، وإنذارًا وإعذارًا، بخلاف غيرها من السور التي قبلها، فإنك تجدها غير مشتملة على ما اشتملت عليه هذه ".["النشر لفوائد سورة العصر"(ص:35)]
وقال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:
92- "وفي هذا الحديث فائدتان مما جرى عليه سلفنا ـ رضي الله عنهم ـ جميعًا:
إحداهما: التسليم عند الافتراق وقد جاء النص بذلك صريحًا .. فذكره.
والأخرى: نستفيدها من التزام الصحابة لها، وهي قراءة سورة "العصر"، لأننا نعتقد أنهم أبعد الناس عن أن يحدثوا في الدين عبادة يتقربون بها إلى الله، إلاَّ أن يكون ذلك بتوقيف من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولاً، أو فعلاً، أو تقريرًا، ولم لا، وقد أثنى الله ـ تبارك وتعالى ـ عليهم أحسن الثناء، فقال في سورة التوبة:
93- (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(100)
وقال ابن مسعود والحسن البصري:
94- "من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلّفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالاً، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتّبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
ونقل عن الإمام الشافعي قوله:
95- "لو تدبَّر الناس هذه السورة لوسعتهم".
قال ابن تيمية:
96- "وهو كما قال. فإن الله تعالى اخبر فيها أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمناً صالحاً، ومع غيره موصياً بالحق، موصياً بالصبر".["الاستقامة"(2/260)]
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
97- "وبيان ذلك أن المراتب أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله:
إحداها: معرفة الحق.
الثانية: عمله به.
الثالثة: تعليمه من لا يحسنه.
الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة، وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر، أن كل احد في خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم:
الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة.
وعملوا الصالحات: وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى.
وتواصوا بالحق: وصّى به بعضهم بعضاً تعليماً وإرشاداً فهذه مرتبة ثالثة.
وتواصوا بالصبر: صبروا على الحق، ووصّى بعضهم بعضاً بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبة رابعة.
وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه، مكملاً لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه إياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافياً عن كل ما سواه، شافياً من كل داء، هادياً إلى كل خير".["مفتاح دار السعادة"(1/56-57)]
من أجل ذلك اعتنى العلماء أهل التحقيق بتفسيرها وبيانها وإفرادها بمباحث مستقلة، منهم العلامة الشوكاني ـ رحمه الله ـ وله:
98- "النشر لفوائد سورة العصر".
واعلم أن هذا الخسران لا ينجو منه إنسان، إلا بهذه الأربعة فضيَّق الاستثناء وخصصه. ولمّا كان العطف يقتضي المغايرة. أي: أن المعطوف غير المعطوف عليه في قوله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)وإلا فإن الأعمال الصالحة من الإيمان. فالخسران في الدين من حيث الإيمان إنما سببه الكفر. والخسران في الدين من حيث الإسلام إنما سببه ترك العمل ـ تهاوناً وكسلاً ـ، والتلهي في الباطل، وترك الانتصار للحق، وفي الهلع والفزع، ومن ثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان كل هذا يشمله الإيمان في الاصطلاح.
فالأول (يعني: الكافر) من حيث الإيمان في مطلق الخسار بسبب الكفر، لقوله تعالى:
99- (...لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) [الزمر]
وقوله تعالى:
100- (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ..(31) [الأنعام]
والثاني من حيث الإسلام في الخسار المطلق بسبب تفويت الزمن دون استغلاله في الأعمال الصالحة، فليس المصدِّق العامل بدرجة المصدِّق الذي نقص عمله، وقال الشوكاني:
101- "وكما تختلف أحوال الإيمان باختلاف الأحوال والأشخاص، كذلك يختلف عمل الصالحات باختلاف الأحوال والأشخاص، فالعمل مع الخلوص والتنزه عن شوائب الرياء، والبعد من آفات الغفلة يتضاعف ويكثر ثوابه، ويعظم أجره بخلاف ما لم يكن على هذه الصفة".
ولقوله تعالى:
102- (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ..(9) [الأعراف]
لأن الموازين هي معايير الأعمال، قال ابن كثير:
103- "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه".
وقال الألوسي:
104- "ضيعوها بتضييع زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها".
قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:
105- "وأما من معه أصل الإيمان، ولكن عظمت سيئاته، فرجحت على حسناته، فإنه وإن دخل النار، لا يخلد فيها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة".فالخسران في الدين من حيث الإسلام إذاً سببه:
106- "التفريط بحيث لو دخل الجنة ولم ينل أعلى الدرجات يحس بالخسران في الوقت الذي فرّط فيه، ولم يتنافس في فعل الخير لينال أعلى الدرجات، فهذه السورة فعلاً دافع لكل فرد إلى الجد والعمل المربح، ودرجات الجنة رفيعة ومنازلها عالية، مهما بذل العبد من جهد؛ فإن أمامه مجالاً للكسب والربح، نسأل الله التوفيق والفلاح".["أضواء البيان"]
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ يقول: إنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:
107- "من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها واتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد".
فأرسل ابن عمر إلى عائشة ـ رضي الله عنها ـ يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى يرجع فقال:
108- "قالت عائشة صدق أبو هريرة".
فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم قال:
109- "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".["صحيح الترغيب والترهيب"(3499)]
قال ابن القيم:
110- "فهذا نوع تفريط، وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصَّل ربح ذلك".
وقد قالوا:
111- "لا يخرج إنسان من الدنيا إلا حزيناً، فإن كان مسيئاً فعلى إساءته، وإن كان محسناً فلتقصيره".
قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
112- "وقد دلّ العطف بقوله (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) على أنه لا بد من الجمع بين الإيمان والعمل، وأنه لا يكفي مجرد الإيمان".["النشر لفوائد سورة العصر"(100)]
ثم قال ـ رحمه الله ـ:
113- "والحاصل أن الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات متحتم على كل مكلف، فهو لا يخرج من الخسر المذكور في الآية إلا بمجموع الإيمان، والقيام بذلك على التمام".
وقد علمت أن محل التفريط والخسار للمقصر؛ الوقت الذي فات وقد أقسم الله تعالى به وأقسم بجميع الأوقات على نحو ما تقدم من سور التنزيل، فقد أقسم بالليل، والصبح، والنهار، والفجر، والضحى. وكانوا يقولون:
114- "من علامة المقت إضاعة الوقت".
وعن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:
115- "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، ..(الحديث)["الصحيحة"(946)]
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرجل وهو يعظه:
116- "اغتنم خمساً قبل خمس".
وفيه:
117- "وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". ["صحيح الترغيب والترهيب"(3355)]
قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ:
118- "وينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم ـ فيه ـ الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور، بما لا يعجز عنه البدن من العمل".[صيد الخاطر"]
وقال ـ رحمه الله ـ:
119- "وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً! إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم، وما عندهم خبر!! ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد والتهيؤ للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبدار البدار قبل الفوات، ونافسوا الزمان".
وقال ـ رحمه الله ـ:
120- "ولقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في الأسواق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به آفة ومنكر. ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخْص إلى غير ذلك، فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك".



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.