العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
إنجازات


الحلقة الأولى:
الحمد لله وحده، وصلاة وسلاما على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فلا يخفى على اللبيب المنصف ما لكتب العلامة الألباني من القيمة العلمية، والمنزلة البحثية ؛ لاشتمالها على تحقيقات نفيسة، ودقائق لطيفة جعلها طلبة أهل العلم وطلابه على حد سواء؛ ثم إن مسيس الحاجة وعمومها إلى بعض تلك الكتب ؛ جعل صاحبها- رحمه الله تعالى- يختصرها ويلخصها للعامة رغبة في عموم الانتفاع بها، فمن ذلك: اختصاره - رحمه الله- كتابه الماتع النافع (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم)، وكتابه (أحكام الجنائز).

وكنت قبل مدة قد لخصت هذا الكتاب محافظا فيه على أسلوب الشيخ رحمه الله، وسأضعه هنا على حلقات بإذن الله تعالى.







تمهيد: معنى التوسل في اللغة والقرآن:
جاءت كلمة التوسل في كلام العرب وفي القرآن والسنة، وعني بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة". قال ابن الأثير: " الواسل : الراغب ، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل".
وقال الراغب الأصفهاني: "حقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى".
هذا؛ وهناك معنى آخر للوسيلة هو: المنزلة عند الملك والدرجة والقربة، كما في الحديث الذي رواه مسلم وغيره، وفيه:"... ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي" . ولكن المراد ببحثنا هو الوسيلة بالمعنى الأول.
وبالمعنى اللغوي المتقدم جاء ذكر الوسيلة في القرآن في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة". قال ابن جرير: يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك. وابتغوا إليه الوسيلة، يقول واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه".

الأعمال الصالحة وحدها هي الوسائل المقربة إلى الله تعالى:
قد استدل بعض الناس على التوسل بذوات الأنبياء والصالحين بالآيتين المذكورتين في القرآن، وهو استدلال خاطئ ، لأنه لم يثبت شرعا أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكر هذا الاستدلال أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا هذا التوسل، بل الذي فهموه أن الله تبارك وتعالى يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة والتقدم إليه بكل قربة والتوصل إلى رضاه بكل سبيل.
لكنه قد أعلمنا في نصوص أخرى كثيرة أن التقرب إليه يكون بالأعمال الصالحة، ثم إنه سبحانه لم يكل ذلك إلينا ولم يتركه لأذواقنا وعقولنا، بل أمرنا أن نرجع في ذلك إلى ما شرعه الله تعالى وسنه رسوله  .
متى يكون العمل صالحا:
دل الكتاب والسنة على أنه لا بد في ذلك من أمرين:
أولهما: أن يكون صاحبه قصد به وجه الله تعالى.


وثانيهما : أن يكون موافقا لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ، فإذا أحد هذين الشرطين لم يكن العمل صالحا ولا مقبولا.


الوسائل الكونية والشرعية
عرفنا أن الوسيلة هي السبب الموصل إلى المطلوب. وهذه الوسيلة قسمان:
- وسيلة كونية، وهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقه الله بها، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر، ومن أمثلتها الماء الذي هو وسيلة الري ، والطعام الذي هو وسيلة الشبع.
- وسيلة شرعية ، وهي ما أوصل إلى المطلوب عن طريق ما شرعه الله تعالى، وبينه في كتابه وسنة نبيه، وهي خاصة بالمؤمن المتبع أمر الله ورسوله. ومن أمثلتها: الإتيان بالشهادتين بإخلاص؛ فهو وسيلة دخول الجنة والنجاة من الخلود في النار، وصلة الرحم وسيلة لطول العمر.
وكثير من الناس يخطئ في فهم الوسائل بقسميها ، فيظنون ما ليس بسبب سببا، فمن ذلك اعتقادهم بأن بلاء ينزل عليهم إذ قلموا أظافرهم ليلا، وفي أيام السبت والأحد، أو أن أحدا من أصحابهم أو أقربائهم يذكرهم بخير إذا طنت آذانهم . وكل هذا وأمثاله اعتقادات باطلة، بل خرافات وترهات.
كيف تعرف صحة الوسائل ومشروعيتها:
الطريق الصحيح لمعرفة مشروعية الوسائل الكونية والشرعية هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، والنظر في دلالات النصوص.
ويشترط في السبب الكوني أن يكون مباحا في الشرع ، وأن يكون قد ثبت تحقيقه لمقصود، أو غلب على الظن ذلك.
ويشترط في السبب الشرعي ثبوته في الشرع فقط.
وكثيرا ما يخلط الناس في هذه الأمور فيظنون أنه بمجرد حصول النفع بوسيلة ما تكون هذه الوسيلة جائزة ومشروعة، فقد يحدث أن يدعو أحدهم وليا، أو يستغيث بميت فيتحقق طلبه وينال رغبته، فيدعي أن هذا دليل على قدرة الموتى على إغاثة الناس، وعلى جواز دعائهم والاستغاثة بهم. وما درى أن وقوع مثل هذا إنما هو استدراج من الله عز وجل للمشركين والمبتدعين، وفتنة منه سبحانه لهم جزاء وفاقا على إعراضهم عن الكتاب والسنة ، واتباعهم لأهوائهم وشياطينهم. فنجد هذا قد وقع في الشرك، وذلك لأن الاستغاثة بغير الله شرك أكبر. مع أن كثيرا من الحكايات من هذا النوع مختلق لا صحة له، أو يكون صحيحا لكن راوي الحادثة أخطأ في حكمه على المنقذ والمغيث فظنه الولي أو الصالح؛ وإنما هو شيطان رجيم قصد بذلك التلبيس عليه وعلى الناس حتى يقعوا في الكفر والضلال . وقد كان يقع مثل هذا للمشركين حينما كانوا يأتون الأصنام ويدعونها ،فيسمعون صوتا، فيظنون أنه صوت معبودهم يكلمهم ويجيبهم، وليس في الحقيقة سوى شيطان يريد إضلالهم.
وأهم ما يقع فيه الخلط في هذا الباب الاتصال بعالم الغيب بطريقة ما ، كإتيان الكهان والعرافين والمنجمين والسحرة، فإنه قد يقع الأمر على وفق ما أخبر به هؤلاء فيعتقد الناس فيهم معرفة الغيب، وهذا خطأ جسيم ، فمجرد حصول منفعة ما بواسطة ما، لا يعني هذا مشروعيتها، كما أن بيع الخمر ولعب الميسر قد يؤديان إلى غنى صاحبهما أحيانا ، ومع ذلك فهما محرمان. فكذلك إتيان الكهان والعرافين والمنجمين محرم فلا يجوز فعله، وإن قدر وجود نفع فيه.
تنبيه:
ما ثبت أنه وسيلة كونية يكفى في إباحته والأخذ به ألا يكون في الشرع النهي عنه. وأما الوسائل الكونية فلا يكفي في جواز الأخذ بها عدم النهي عنها بل لا بد من ثبوت النص الشرعي بإباحتها واستحبابها؛ لأن الاستحباب قدر زائد على الإباحة ،؛ لأنه مما يتقرب به إلى الله، والقربات لا تثبت بمجرد عدم النهي عنها. قال شيخ الإسلام: " الأصل في العبادات المنع إلا لنص، وفي العادات الإباحة إلا لنص".



التوسل المشروع وأنواعه

شرع الله تعالى لنا أنواعا من التوسلات المفيدة المحققة للغرض، والتي تؤدى إلى إجابة دعاء الداعي إذا توفرت شروط الدعاء الأخرى.
وبتتبع ما ورد في الكتاب والسنة المطهرة نجد أن هناك ثلاثة أنواع من التوسل، ورد بعضها في القرآن واستعملها الرسول  وحض عليها، وليس فيها التوسل بالذوات أو الجاهات أو الحقوق أو المقامات، فدل ذلك على عدم مشروعيته وعدم دخوله في الوسيلة المذكورة في الآيتين السالفتين.
والأنواع المشار إليها هي:
1 - التوسل على الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا:

كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم ، أو بحبك لمحمد ؛ لأن الحب صفة من صفاته تعالى. ومن أدلته من القرآن قوله تعالى:  ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها . والمعنى : متوسلين بها.
ومن السنة قوله : " اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني ما علمت الوفاة خيرا..."( ).

2 - التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي:
كأن يقول المسلم : اللهم بإيماني بك ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي.... أو يذكر عملا صالحا ذا بال قام به ثم يتوسل به إلى ربه. ومن أدلته من الكتاب قوله تعالى: الذين يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار وقوله  ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين .
ومن السنة: ما رواه بريدة بن الحصيب حيث قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: قد سأل الله باسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" ( ).
وكذا ما تضمنته قصة الثلاثة الذين دخلوا غارا فجاءت صخرة فسدته عليهم، فجعلوا يدعون الله بصالح أعمالهم حتى فرج الله عنهم هذه الصخرة وخرجوا يمشون" ، وهي مشهورة أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما.

3- التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح



كأن يقع المسلم في ضيق وشدة ، أو يحل به بلاء ، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تعالى ، فيذهب إلى رجل صالح عنده تقوى وفضل ، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليكشف عنه ما هو فيه.
ومن أدلة ذلك: ما أخرجه البخاري (3/1313/3389)عن أنس رضي الله عنه قال:
"أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلكت الكراع هلكت الشاء فادع الله يسقينا . فمد يديه ودعا قال أنس وإن السماء لمثل الزجاجة فهاجت ريح أنشأت سحابا ثم اجتمع ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم نزل نمطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله يحبسه . فتبسم ثم قال ( حوالينا ولا علينا ) . فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة كأنه إكليل".
وما رواه أيضا أنس بن مالك رضي الله عنه " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب . فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون" ( ).
ومعنى كلام عمر: أننا كنا نقصد نبينا  ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن بعد وفاته لم يعد ذلك ممكنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعو لنا. وليس المعنى أنهم كانوا يقولون: اللهم بجاه نبيك اسقنا فصاروا بعد موته  يقولون بجاه العباس اسقنا؛ بل هذا بدعة لم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم.
ومنه أيضا ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه(18/151/1) بسند صحيح عن سليم بن عامر الخبائري:" أن السماء قحطت فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال أين يزيد بن الأسود الجرشي، فناداه الناس فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي يا يزيد: ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس وهبت لها ريح في سقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم".


يتبع


2 
إنجازات

الحلقة الثانية

بطلان التوسل بما عدا الأنواع الثلاثة السابقة

هذه الأنواع الثلاثة المتقدمة وقع الإجماع على مشروعيتها، وأما ما عداها ففيه خلاف، والذي تقتضيه الأدلة هو: عدم جواز غيرها أو مشروعيته، وليس مع مَن جوز إلا شبها واحتمالات نرد عليها في الفصل التالي؛ لكنا نقول هنا : إذا نظرنا في الأدعية الواردة في القرآن الكريم ، والتي منها ما يعلمنا ربنا كيف ندعو به ابتداء وبعضها مما يحكيه عن بعض رسله وأوليائه. وكذا في السنة الصحيحة وما فيها من الأدعية النبوية الكريمة؛ لا نجد في شيء منهما التوسل بالجاه أو الحرمة أو الحق أو المكانة لشيء من المخلوقات.
ومن الغريب أن يعرض المخالفون عن هذه التوسلات القرآنية والنبوية المشروعة فلا يكادون يستعملونها ، ويعمدون بدلا منها إلى أدعية وتوسلات بدعية ليست في الكتاب ولا في السنة ولا جاءت عن السلف الصالح، وأقل أحوالها أنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله تعالى  أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.


شبهات والجواب عنها

الشبهة الأولى:

احتج القائلون بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين بحديث أنس السابق في توسل عمر بالعباس، حيث فهموا منه أن التوسل كان بجاه العباس ومكانته عند الله تعالى،وأن سبب عدول عمر عن التوسل بالنبي ؛ إنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.
والجواب أن تفسيرهم هذا مردود من وجوه:
- من المتفق عليه أن في كلام عمر شيئا محذوفا، وهو إما " إنا كنا نتوسل بجاه نبيك فتسقنا،وإنا نتوسل إليك بجاه عم نبيك، أو يكون: إنا كنا نتوسل بدعاء نبيك، وإنا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا".

ولتعيين التقدير الصحيح ينبغي الرجوع إلى السنة لنعرف طريقة توسل الصحابة بالنبي ؛ أكانوا إذا أجدبوا وقحطوا قعد كل واحد منهم في داره، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله ، ثم قالوا: "اللهم بنبيك وبحرمته عندك اللهم اسقنا الغيث" ، أم كانوا يأتونه ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى فيدعو، ويتضرع حتى يسقوا؟
الأول لا وجود له في كتب السنة ، ولم يقع من الصحابة الكرام فعله، والثاني هو المقطوع بوقوعه لوروده في كتب السنة، كما في حديث الأعرابي المتقدم، وكما في حديث التوسل بالعباس، وكما في حديث عائشة  قالت:" شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه قالت عائشة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدأ حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عز وجل ثم قال " إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم "( ) .
- الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس؛فإذا كانت لإنسان حاجة عند أحد المسوؤلين ؛ فإنه يبحث عمن يعرف هذا المسوؤل فيطلب منه أن يشفع له عنده في قضاء حاجته، ولا نجد أحدا يذهب إلى المشفوع إليه فيقول بحق فلان عندك اقض حاجتي.
- ويؤيده عدول عمر عن التوسل بالنبي  إلى التوسل بالعباس؛ لأنه ما عاد ممكنا أن يذهبوا إليه ويشرحوا له ما نزل بهم فيدعو لهم ويؤمنوا على دعائه، لأنه قد انتقل إلى حياة مباينة للحياة الدنيا مباينة كبيرة، ولو كان التوسل بالنبي  ممكنا في هذا الوقت لما عدل عمر عنه إلى العباس، ولما أقره الصحابة فإن التوسل بغيره مع القدرة على التوسل به كالاقتداء بغيره مع القدرة على الاقتداء به، وهذا مما لم يكونوا يفعلونه، ألا تراهم لم يستسيغوا الاقتداء بأبي بكر عندما جاء النبي  وكان أبو بكر يصلى بهم، فلما رأوا النبي  صفقوا لأبي بكر ليتأخر؟!

- وهذا يدل على بطلان قول من قال إنه  حي في قبره حياة كحياتنا؛ فإنه لو كان كذلك لما كان هناك وجه لانصرافهم للصلاة خلف غيره. ويبطله أيضا كونهم كانوا يستشيرونه في حياته في أمورهم ويستنصحونه، فلما مات لم يعودوا يفعلون ذلك، نعم هو حي في قبره عليه الصلاة والسلام أكمل حياة، لكنها مع ذلك حياة برزخية لها أحكام مختلفة عن الحياة الدنيوية.
- وقولهم : عدل عمر إلى التوسل لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل كلام عجيب ومضحك أيضا، كيف تخطر تلك الحذلقة الفقهية ببال عمر والصحابة وهم في جدب وشدة وقحط، والناس في شدة وكرب حتى أطلق على ذلك العام الرمادة، كيف يرد في خاطرهم مثل ذلك وهم أحوج شيء إلى الإغاثة فيتركون الوسيلة الكبرى إلى الوسيلة الصغرى؟ وقد علم بالضرورة أن الإنسان وقت الشدائد يبذل كل ممكن لديه ليتخلص منها!
- وعلى التنزل أن وقوع ذلك من عمر كان لبيان الجواز، فهل خطر نفس التعليل في نفس معاوية والضحاك بن قيس عندما كانا يتوسلان بيزيد بن الأسود الجرشي؟!!
4- قد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر وقصده.
قال الحافظ في الفتح(3/150): " وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكانى من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس".
ففي هذا الحديث أن التوسل كان بدعاء العباس لا بذاته، ولو كان التوسل بذاته لما كان هناك حاجة لأن يقوم يدعو.
- وأيضا قد دل كلام عمر أن كلا التوسلين: توسلهم بالنبي  وتوسلهم بالعباس، من نوع واحد؛ فإذا ثبت أن توسلهم بالنبي  هو توسل بدعائه، ثبت أيضا أن توسلهم بالعباس هو توسل بدعائه ، وهو ما توضحه رواية الإسماعيلي في مستخرجه، ولفظها: : كانوا إذا قحطوا على عهد رسول الله  استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر..."الحديث، فقوله " فيستسقي لهم " صريح في أنه  كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى. قال في النهاية:" استسقيت فلانا: إذا طلبت منه السقيا".
- ويؤيده أنه لو كان توسلهم بذات العباس لا بدعائه لما تركوا التوسل بالنبي  بهذا المعنى؛ فإنه ممكن لو كان مشروعا.




اعتراض وجوابه:
قال بعضهم عدل عمر عن التوسل بالنبي ؛ لأنه لم يكن يعلم حديث الضرير، وهو مردود بكون الاستسقاء كان علانية وبمحضر من الصحابة فكيف خفي هذا عن غيره؟
- وأيضا فإن لفظة" أن عمر كان إذا قحطوا..." تدل على تكرر ذلك منه، فكيف خفي عليهم حديث الضرير في كل هذه المرات.
وأيضا لم يقع هذا من عمر وحده، ولا في عصره فحسب، بل فعل مثلَ فعله معاوية ابن أبي سفيان والضحاك بن قيس ، فعدلا إلى التوسل بدعاء يزيد بن الأسود وعندهما جماعة من الصحابة وأجلاء التابعين؟؟
- ففي جريان عمل الصحابة على التوسل بذاته  عند نزول الشدائد بهم- بعد أن كانوا لا يتوسلون بغيره في حياته – لدليل واضح على عدم مشروعيته هذا التوسل.




الشبهة الثانية: حديث الضرير
يحتج المخالفون بحديث آخر وهو ما أخرجه أحمد بسند صحيح من حديث عثمان بن حنيف : " أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" ادع الله أن يعافيني قال إن شئت دعوت لك وإن شئت أخرت ذاك فهو خير، (وفي رواية: وإن شئت صبرت فهو خير لك) فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي اللهم شفعه في ( وشفعني فيه). قال : ففعل الرجل فبرأ" ( ).
قالوا: علّم النبي  الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرا.
وما ادعوه ليس بصحيح؛ فإن هذا هو من التوسل بدعائه لا بذاته فلا حجة لهم فيه، ويدل على ذلك:
1- مجئ الأعمى للنبي  وطلبه الدعاء، ولو كان هذا توسلا بذاته أو بجاهه لما كانت هناك حاجة لمجيئه إليه، بل كان يكفي أن يجلس في بيته ويقول" اللهم بجاه نبيك اشفني"، لكنه لم يفعل لكونه عربي أصيل يفهم معنى التوسل عند العرب.
2- أن النبي  وعده بالدعاء وخيره بينه وبين أن يصبر على المصيبة.
3- إصرار الأعمى على الدعاء بقوله:"فادعه"، ومقتضاه أن النبي  دعا له؛ فإنه قد وعده بالدعاء إن لم يختر الصبر، ولحرص النبي  على أن يستجاب له في الرجل وجهه إلى نوع آخر من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو لنفسه أيضا، كل هذا ليكون الدعاء أقرب للقبول.
4- في بعض روايات الحديث" اللهم شفعه فيّ " ، وهذا يستحيل معه حمل التوسل على أنه توسل بالذات والجاه؛ إذ المعنى: اقبل شفاعته فيّ، أي دعاءه في أن ترد عليّ بصري، والشفاعة لغة: الدعاء، قال في لسان العرب:" الشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره". فثبت بذلك أن توسل الأعمى كان توسلا بدعائه  لا بذاته.
5- قوله في الحديث:" وشفعني فيه " أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته  وهو دعاؤه برد بصري. ولا يكمن أن تفهم هذه الجملة على غير هذا الوجه. فظهر أن الأمر كله دائر في التوسل بالدعاء.
6- هذا الحديث يذكره الأئمة في معجزات النبي  ودعائه المستجاب، لذا أخرجه من صنف في " دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، وهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى هو دعاء النبي  له. بدليل أن ليس كل أعمى دعا بهذا الدعاء عوفي وشفي!!
- وإذ قد ظهر أن حديث الأعمى دائر كله على دعائه  ، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات والجاه، تبين لنا حينئذ أن قول الأعمى في دعائه: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد  ، إنما المراد به: بدعاء نبيك، أي: على حذف المضاف، كما في قوله" واسأل القرية" أي: أهل القرية، وإذا قال المخالفون: بل تقديره:" أسألك وأتوجه إليك بجاه نبيك" قلنا لهم : هذا ما ليس في السياق تصريح إليه ولا إشارة، ولا في الكتاب والسنة وفعل الصحابة ما يدل عليه، أما تقديرنا فأدلته كل الوجوه المتقدمة.

- فائدة: لو حملنا حديث الأعمى على التوسل بالذات لبقي معطلا لقوله " اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه" وهذا لا يجوز، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها بحمل معناه على الدعاء، فبطل استدلالهم به ، والحمد لله.

تنبيه:
وقع في بعض طرق الحديث الأخرى زيادتان يحتج بهما المخالفون على ما ذهبوا إليه:
- الأولى: زيادة حماد بن سلمة:" وإن كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك"، وعلتها تفرد حماد بها ومخالفته لشعبة فيها، فهي شاذة، وعلى فرض صحتها لم يكن فيها دليل على التوسل بالذات لاحتمال أن يكون المراد بقوله : فافعل مثل ذلك" أي: من الإتيان إليه  في حال حياته وطلب الدعاء منه، والتوسل به والتوضؤ والصلاة. والله أعلم.
- الثانية:قصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله بالنبي  حتى قضى له حاجته، أخرجها الطبراني في المعجم الصغير(ص103ـ 104)، وفي الكبير (3/2/1/1ـ2): من طريق عبد الله بن وهب عن أبي سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف : " أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكى ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضى لي حاجتي وتذكر حاجتك وروح حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان رضي الله عنه فأجلسه معه على الطنفسة فقال : حاجتك فذكر حاجته وقاضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة وقال : ما كانت لك من حاجة فأذكرها ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فتبصر فقال : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات قال ابن حنيف : فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث عن دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط".
- وقد تفرد بذكر القصة:" شبيب بن سعيد" كما قال الطبراني، وهو ضعيف الحفظ، وقد اختلف عليه فيها، مع مخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث، وواحد من هذه الثلاث كاف لإسقاط القصة، فكيف بها مجتمعة؟

يتبع


3 
إنجازات

الحلقة الثالثة

الشبهة الثالثة: الأحاديث الضعيفة في التوسل

يحتج مجيزو التوسل بأحاديث ضعيفة غير ثابتة عن النبي  بعضها يدل على مرادهم وبعضها لا يدل، وأشهرها هو:

1- الحديث الأول:
حديث أبي سعيد مرفوعا: "من قال حين يخرج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته".
رواه أحمد وابن ماجه. وإسناده ضعيف من أجل عطية العوفي ، قال الذهبي: مجمع على ضعفه.


2- الحديث الثاني:
حديث بلال: :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الصلاة قال : « باسم الله ، آمنت بالله ، توكلت على الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم بحق السائلين عليك ، وبحق مخرجي هذا ، فإني لم أخرجه أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، خرجت ابتغاء مرضاتك ، واتقاء سخطك ، أسألك أن تعيذني من النار ، وتدخلني الجنة » أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم82.
وسنده ضعيف جدا، فيه الوازع بن نافع العقيلي، متفق على ضعفه أيضا.
وعلى كل حال فالحديثان لا يدلان على التوسل بالمخلوقين، بل التوسل فيهما توسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته عز وجل؛ فإن حق السائلين هو إجابة دعائهم، فإجابة دعاء العباد صفة من صفات الله تعالى، وحق ممشى المصلين هو أن يغفر الله لهم ويدخلهم الجنة، ومفغرة الله ورحمته من صفات الله تبارك وتعالى.



3- الحديث الثالث:
عن أبي أمامة الباهلي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء :
اللهم أنت أحق من ذكر وأحق من عبد ... أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض بكل حق هو لك وبحق السائلين عليك...".
رواه الطبراني، وفي إسناده فضال بن جبير، قال ابن حبان:" لا يجوز الاحتجاج به بحال ، يروي أحاديث لا أصل لها".


4- الحديث الرابع:
عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها ...ثم دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون ... فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه، فقال : " الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ".
- رواه الطبراني وأبو نعيم، وإسناده ضعيف تفرد به "روح بن صلاح"، اتفقوا على تضعيفه، فيكون حديثه منكرا.



5- الحديث الخامس:
حديث أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: كان رسول الله  يستفتح بصعاليك المهاجرين.
مداره على أمية هذا، ولم تثبت صحبته، فالحديث مرسل ضعيف، قال الحافظ: ليست له صحبة ولا رواية". وله علة أخرى: عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلس.
ولو صح ؛ فهو من التوسل بدعاء الصالحين، وقد جاء هذا مفسرا في رواية النسائي ولفظه: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم".



6- الحديث السادس:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله : يا آدم و كيف عرفت محمدا و لم أخلقه ؟ قال : يا رب لأنك لما خلقتني بيدك و نفخت في من روحك و رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق فقال الله : صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك و لولا محمد ما خلقتك". أخرجه الحاكم في المستدرك(2/615).
- فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم، قال ابن حبان: استحق الترك"، ، وكان ابن المديني وابن سعد وغيرهما يضعفه جدا،وقال الطحاوي: "حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف". وقول الحاكم عن الحديث: صحيح الإسناد، قد تعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع، عبد الرحمن بن زيد أسلم واهن وعبد الله بن أسلم الفهري، لا أدري من ذا " انتهى.
وقد أنكر على الحاكم تصحيحه للحديث؛ فإنه قد قال في كتاب المدخل إلى الصحيح ص 154:" عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه"؛ فالحديث معلل بكون عبد الرحمن ضعيف جدا، وبجهالة الإسناد إليه، والاضطراب فيه برفعه تارة ووقفه أخرى.
- ثم إنه مخالف للقرآن في موضعين:
- أنه جعل غفران ذنب آدم حصل لتوسله بالنبي  ، والله تعالى يقول فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وقد فسرها ابن عباس كما عند الحاكم: قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال بلى؟ قال: ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسكني جنتك؟ قال : بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى . قال: أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله:  فتلقى آدم من ربه كلمات صححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وله حكم الرفع.
- الموضع الثاني: قوله:" ولولا محمد ما خلقتك" ، وهذا أمر عقدي عظيم لو كان صحيحا لثبت في القرآن أو السنة المتواترة أو الصحيحة، وهذا الخبر الضعيف ينافي الحكمة التي ذكرها الله تعالى من خلق آدم وغيره في قوله تعالى:  وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ومثل هذا الحديث الباطل ما اشتهر على الألسنة:" لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك"؛ فإنه موضوع كما ذكره الصنعاني والشوكاني.



7- الحديث السابع
"توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم".
وهذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث البتة، وإنما يرويه بعض الجهال كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ومع معرفتنا بأن جاهه عند ربه عظيما لا يلزم أن نتوسل به إلى الله تعالى، لعدم ثبوت الأمر عنه  ؛ ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم وبعض الكفار كانوا وما زالوا يفعلونه لملوكهم، ومع هذا لا يجوز لنا باتفاق المسلمين أن نركع ونسجد للنبي  في حياته أو بعد مماته، فهل يقول قائل إننا حين نمنع الركوع والسجود للنبي  ننكر جاهه  وقدره؟ كلا ثم كلا. فكذلك حين نمنع التوسل بجاهه ليس معناه أننا ننكر جاهه وقدره، لكننا منعناه لأنه لم يثبت في الشرع فحسب.



8- أثران ضعيفان:
بعد فراغنا من إيراد الأحاديث الضعيفة في التوسل يحسن بنا نورد ما يتمسك به المجيزون للتوسل البدعي من آثار.

أ‌- أثر الاستسقاء بالرسول  بعد وفاته:
قال الحافظ في الفتح(2/397): " وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري وكان خازن عمر قال أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له ائت عمر... الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة".
وجوابها من وجوه:
- عدم التسليم بصحتها؛ لأن في إسنادها "مالك الدار" مجهول الحال، وتصحيح الحافظ لإسناد الأثر هو تصحيح له إلى أبي صالح فقط ؛ فإنه قال: بإسناد صحيح من رواية أبي صالح عن مالك الدار، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسناد من عند أبي صالح، ولقال رأسا " عن مالك الدار... وإسناده صحيح، ولكنه تعمد ذلك ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئا ينبغي النظر فيه.
- مخالفتها لما ثبت استحبابه من إقامة صلاة الاستسقاء من أجل نزول الغيث، والإكثار من الدعاء والاستغفار، وهذا كان دأب السلف الصالح ولم ينقل عنهم الالتجاء إلى قبر النبي  وطلب السقيا منه.
- لو سلمنا بصحة إسنادها فلا حجة فيها؛ لأن مدارها على رجل مجهول لم يسم، وتسميته بلال بن الحارث في رواية سيف- وهو ابن عمر التميمي- لا يعول عليه لأنه ضعيف باتفاقهم.
- ليس فيها التوسل بالنبي  ، بل فيها طلب الدعاء منه أن يسقى الله أمته، وهذه مسألة تتعلق بالطلب منه بعد وفاته ولم يجوزها أحد من علماء السلف الصالح.



ب‌- أثر فتح الكوى فوق قبر الرسول  على السماء:
روى الدارمي في سننه (1/43):حدثنا أبو النعمان ثنا سعيد بن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء- أوس بن عبد الله- قال : قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة فقالت انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كووا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال ففعلوا فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق".

وهذا الأثر ضعيف لا تقوم به حجة لأمور:
- سعيد بن زيد ضيعف.
- أبو النعمان وهو محمد بن الفضل السدوسي، وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره، ولا يعلم هل سمع منه الدارمي قبل الاختلاط أم بعده.
- لو صح لم تقم به حجة لأنه موقوف وليس بمرفوع.
- وقال سيخ الإسلام : لم يكن للبيت في حياة عائشة كوة، بل كان باقيا على ما كان في عهد النبي ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف...ثم قال: ولو صح لكان دليلا على أنهم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون بميت، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه.

يتبع


4 
إنجازات

الحلقة الأخيرة

الشبهة الرابعة: قياس المخلوق على الخالق

قال المخالفون: التوسل بذوات الصالحين وأقدارهم أمر جائز مطلوب وله أمثلة واقعة في حياتنا، ألا ترون من كانت له حاجة عند ملك أو وزير أو عظيم لم يذهب إليه مباشرة بل يوسط من يكون معروفا لدي هؤلاء؛ لأنه لو ذهب مباشرة لما التفت إليه ولا قضيت حاجته، فكذلك ما نحن فيه! إذ أننا مذنبون مخطئون ولو قصدنا أعظم العظماء وملك الملوك سبحانه وتعالى لما قبلنا ، فنحن نوسط أناسا صالحين لعل الله أن يعطينا حاجاتنا إكراما لهم.
والجواب:
أن نقول: هذا قياس منكم للخالق على المخلوق ، وتشبيه منكم لقيوم السماوات والأرض، أرحم الراحمين وأعدل العادلين، بالملوك الظالمين المتجبرين الذين لا ينظرون في مصالح الرعية ولا يقضون حوائج الناس إلا بالوسائط أو الرشاوى، فما أبشع هذا التشبيه ! وما أعظم هذه الفرية على رب العالمين الذي وسعت رحمته كل شيء بل هو أرحم بالمؤمن من أمه وأبيه.
ثم إن هذا التوسيط وسيلة إلى الشرك، فقد انتقل أقوام من توسيط الصالحين في الدعاء إلى سؤال الصالحين أنفسهم ودعائهم من دون الله ليقضوا لهم حاجاتهم. وهذا هو عين الشرك الأكبر.
قال العز بن عبد السلام في رسالة الواسطة ص5: " من أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله نعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا".




الشبهة الخامسة

هل هناك مانع من التوسل المبتدع على وجه الإباحة لا الاستحباب؟؛ بمعنى أن التوسل بالأنبياء والصالحين وإن لم يثبت ما يدل على مشروعيته فلا مانع من جوازه لأنه لم يرد النهي عنه، فيكون حينئذ مباحا؟

قدمنا في أول البحث أن الوسيلة معناها: التوصل إلى تحصيل المقصود وهو إما أن يكون شرعيا أو دنيويا، وذكرنا أيضا أنه متى كان المقصود شرعيا فلا يمكن معرفة وسيلته إلا من طريق الشرع فحسب، كيف والأصل في العبادات المنع والحظر لا الإباحة والجواز. ثم إن عندنا في الشرع ما يغني عن هذا التوسل البدعي ، فلماذا نعرض عما ورد ونذهب إلى ما لم يرد، كما أن في التوسل البدعي ما تقدم من تشبيه الله تعالى بملوك البشر وحكامهم، وهذا غير جائز.


الشبهة السادسة: قياس التوسل بالذات على التوسل بالعمل الصالح

قالوا: إذا كان التوسل بالعمل الصالح جائزا، فالتوسل بالرجل الصالح الذي صدر منه هذا العمل أولى بالجواز وأحرى بالمشروعية.
والجواب من وجهين:
- هذا قياس ، والقياس في العبادات باطل، ولو طردنا هذا القياس لقيل : إذا جاز توسل الشخص بعمله هو لجاز من باب أولى توسله بعمل النبي أو الولي لأن عملهما فوق عمله بكثير، وهذا باطل لم يقل به أحد.
- قلب هذا القياس عليهم؛ فيقال: إذا لم يجز توسل المسلم بعمل غيره الصالح فأولى ثم أولى ألا يجوز توسله بذاته. وهذا بين.



الشبهة السابعة: قياس التوسل بذات النبي على التبرك بآثاره

قال بعضهم : إذا شرع التبرك بآثاره  فليكن التوسل بذاته مشروعا كذلك.
وللجواب نقول: لا بد من توضيح الفرق بين التبرك والتوسل فقد غلط بعضهم وسوّى بينهما. ذلك أن التبرك هو: التماس من حاز أثرا من آثار النبي  حصول خير به خصوصية له  ، وأما التوسل فإرفاق الدعاء بشيء من الوسائل التي شرعها الله تعالى؛ وعليه : فالتبرك: يرجى به شيء من الخير الدنيوي فحسب، بينما يرجى بالتوسل الخير الدنيوي أو الأخروي.
وعلى هذا؛ فإنه يشرع للمسلم إذا أراد قضاء حاجة دينية أو دنيوية أن يقول في دعائه: اللهم إني أتوسل إليك بأنك أنت الله الأحد الصمد...، ولا يجوز له أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بثوب نبيك، أو بصاقه أن تدخلني الجنة. لا شك أن هذا من نقص العقل والفهم فضلا عن الدين والعقيدة.
ونحن نعرف أن الصحابة كانوا يتبركون بآثاره  فحسب، ولا يتوسلون بذلك ولا يقدمونه بين يدي الدعاء.


تنبيه:
لا ننكر جواز التبرك بآثاره  بشروط منها صدق إيمان الراغب في التبرك، وإلا لم يحصل أي بركة، وأيضا لابد من حيازة الراغب في التبرك لأثر من آثار النبي  من ثياب أو شعر أو نحو ذلك، لكننا نعلم أن هذه الآثار قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على جهة القطع واليقين، وعليه فالموضوع غير ذي بال في زماننا هذا،؛ فإنه أصبح نظريا محضا.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
__________________
كلما أدبني الدهر ... أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علما ... زادني علما بجهلي

منقول



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.