العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
عمرو شعبان




بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
شرح العقيدة الطحاوية
للإمام ابن أبي العز الحنفـي
المقدمه

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله [، نحمده ، و]نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده اللهفلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماًكثيراً .
أما بعد : فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم ، إذ شرف العلمبشرف المعلوم ، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع ، ولهذا سمى الإمامأبو حنيفةرحمة الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصولالدين : الفقه الأكبر وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة ، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة ، لأنه لا حياة للقلوب ، ولا نعيم ولا طمأنينة ، إلا بأن تعرف ربها ومعبودهاوفاطرها ، بأسمائه وصفاته وأفعاله . ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه ، ويكونسعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه .
ومن المحال أن تستقل العقولبمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل ، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل بهمعرفين ، وإليه داعين ، ولمن أجابهم مبشرين ، ولمن خالفهم منذرين ، وجعل مفتاحدعوتهم ، وزبدة رسالتهم ، معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ، إذ علىهذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها الى آخرها .
ثم يتبع ذلك أصلانعظيمان :
أحدهما : تعريف الطريق الموصل إليه ، [ وهي شريعته المتضمنة لأمرهونهيه .
والثاني : تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه] من النعيم المقيم .فأعرف الناس بالله عز وجل أتبعهم للطريق الموصل إليه ، وأعرفهم بحال السالكين عندالقدوم عليه . ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحاً ، لتوقف الحياة الحقيقيةعليه ، ونوراً لتوقف الهداية عليه . فقال الله تعالى :يلقي الروحمن أمره على من يشاء من عباده. وقال تعالى :وكذلك أوحيناإليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به مننشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات ومافي الأرض ألا إلى الله تصير الأمور. ولا روح إلا فيما جاء به الرسول ، ولانور إلا في الإستضاءة به ، وسماه الشفاء ، كما قال تعالى :قل هوللذين آمنوا هدى وشفاء. فهو وإن كان هدى ، وشفاء مطلقاً ، لكن لما كانالمنتفع بذلك هم المؤمنين ، خصوا بالذكر .
والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودينالحق ، فلا هدى إلا فيما جاء به .
ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاءبه الرسول إيماناً عاماً مجملاً ، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيلفرض على الكفاية ، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله ، وداخل في تدبرالقرآن وعقله وفهمه ، وعلم الكتاب والحكمة ، وحفظ الذكر ، والدعاء الى الخير ،والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، والدعاء الى سبيل الرب بالحكمة والموعظةالحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين ، فهوواجب على الكفاية منهم .
وأما ما يجب على أعيانهم : فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ،وحاجتهم ومعرفتهم ، وما أمر به أعيانهم ، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أوعن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك . ويجب على من سمع النصوص ، وفهمها من علمالتفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ، ويجب على المفتي والمحدث والحاكم ما لا يجبعلى من ليس كذلك .
وينبغي أن [يعرف] أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عنمعرفة الحق ، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول ، وترك النظر والاستدلالالموصل إلى معرفته . فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا ، كما قال تعالى :فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عنذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنتبصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى.
قالابن عباسرضي الله عنهما : تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بمافيه ، [أن] لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآيات .وكما في الحديث الذي رواهالترمذيوغيره عنعليرضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليهوسلم : إنها ستكون فتن قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله ، فيهنبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ، ليس بالهزل ، من تركهمن جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ،وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيع به الأهواء ، ولا تلتبسبه الألسن ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا تشبع منه العلماء، من قال به صدق ، ومن عمل بهأجر، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي الى صراط مستقيمإلى غير ذلك منالآيات والأحاديث ، الدالة على مثل هذا المعنى .
ولا يقبل الله من الأولينوالآخرين ديناً يدينون به ، إلا أن يكون موافقاً لدينه الذي شرعه على ألسنة رسلهعليهم السلام .
وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد ، إلا ما وصفه بهالمرسلون بقوله سبحانه :سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلامعلى المرسلين * والحمد لله رب العالمين. فنزه نفسه سبحانه عما يصفه بهالكافرون ، ثم سلم على المرسلين ، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ، ثم حمدنفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد .
ومضى على ما كان عليهالرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون ، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، يوصيبه الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق. وهم في ذلك كله بنبيهم محمد صلى اللهعليه وسلم مقتدون ، وعلى منهاجه سالكون ، كما قال تعالى في كتابه العزيز :قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني. فإن كانقوله . ( ومن اتبعني ) معطوفاً على الضمير في ( أدعو) ، فهو دليل على أن أتباعه همالدعاة الى الله . وإن كان معطوفاً على الضمير المنفصل ، فهو صريح أن أتباعه هم أهلالبصيرة فيما جاء به دون غيرهم ، وكلا المعنيين حق .
وقد بلغ الرسول صلى اللهعليه وسلم البلاغ المبين ، وأوضح الحجة للمستبصرين ، وسلك سبيله خير - القرون .
ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم ، وافترقوا ، فأقام الله لهذه الامة منيحفظ عليها أصول دينها ،كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلمبقوله : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم.
وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين : الإمامأبو جعفرأحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، تغمده الله برحمته ، بعد المائتين ،فإن مولده سنة تسع وثلاثين ومائتين ، ووفاته [سنة إحدى وعشرين] وثلاثمائة .
فأخبر رحمه الله عما كان عليه السلف ، ونقل عن الإمامأبيحنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيهأبي سوف يعقوببن ابراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيبانيرضي الله عنهم - ما كانوا يعتقدون من أصول الدين ، ويدينون به رب العالمين .
وكلما بعد العهد ، ظهرت البدع ، وكثرالتحريف ، الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل ،وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل . اذ قد يسمى صرف الكلام عن ظاهره إلىمعنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلاً ، وإن لم يكن ثم قرينة توجب ذلك ، ومن هناحصل الفساد . فإذا سموه تأويلاً قبل وراج على من لا يهتدي إلى الفرق بينهما .
فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى ايضاح الأدلة ، ودفع الشبه الواردة عليها ، وكثرالكلام والشغب ، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين ، وخوضهم في الكلام المذموم ،الذي عابه السلف ، ونهوا عن النظر فيه والإشتغال به والإصغاء إليه ، امتثالاً لأمرربهم ، حيث قال :وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهمحتى يخوضوا في حديث غيرهفإن معنى الآية يشملهم .
وكل من التحريفوالإنحراف على مراتب : فقد يكون كفراً ، وقد يكون فسقاً ، وقد يكون معصية ، وقديكون خطأ .
فالواجب اتباع المرسلين ، واتباع ما أنزله الله عليهم . و [قد]ختمهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فجعله آخر الأنبياء ، وجعل كتابه مهيمناًعلى ما بين يديه من كتب السماء ، وأنزل عليه الكتاب والحكمة ، وجعل دعوته عامةلجميع الثقلين ، الجن والأنس ، باقية إلى يوم القيامة ، وانقطعت به حجة العباد علىالله . وقد بين الله به كل شيء، وأكمل له ولأمته الدين خبراً وأمراً ، وجعل طاعتهطاعة له ، ومعصيته معصية له ، وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجربينهم ، وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره ، وأنهم إذا دعوا إلى اللهوالرسول ، وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله - صدوا صدودا ، وأنهم يزعمون أنهمإنما أرادوا إحساناً وتوفيقاً ، كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم :إنما نريد أن نحس الأشياء بحقيقتها ، أي ندركها ونعرفها ، ونريد التوفيق بينالدلائل التي يسمونها العقليات ، - وهي في الحقيقة : جهليات - وبين الدلائل النقليةالمنقولة عن الرسول ، أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة . وكما يقوله كثير منالمبتدعة ، من المتنسكة والمتصوفة : إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن ، والتوفيق بينالشريعة وبين ما يدعونه من الباطل ، الذي يسمونه : حقائق وهي جهل وضلال . وكمايقوله كثير من المتكلمة والمتأثرة : إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة ، والتوفيقبينها وبين الشريعة ، ونحو ذلك .
فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غيرما جاء به الرسول ، ويظن أن ذلك حسن ، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين مايخالفه - فله نصيب من ذلك ، بل ما جاء به الرسول كاف كامل ، يدخل فيه كل حق ، وإنماوقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه ، فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير منالامور الكلامية الإعتقادية ، ولا في كثير من الأحوال العبادية ، ولا في كثير منالإمارة السياسية ، أو نسبوا إلى شريعة الرسول ، بظنهم وتقليدهم ، ما ليس منها ،وأخرجوا عنها كثيراً مما هو منها .
فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم ، وبسببعدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم ، كثر النفاق ، ودرس كثير من علم الرسالة .
بل [إنما يكون] البحث التام ، والنظر القوي ، والإجتهاد الكامل ، فيما جاء به الرسولصلى الله عليه وسلم ، ليعلم ويعتقد ، ويعمل به ظاهراً وباطناً فيكون قد تلي حقتلاوته ، وأن لا يهمل منه شيء .
وإن كان العبد عاجزاً عن معرفة بعض ذلك ، أوالعمل به ، فلا ينهي عما عجز عنه مما جاء به الرسول ، بل حسبه أن يسقط عنه اللوملعجزه ، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ، ويرضى بذلك ، ويود أن يكون قائماً به ،وأن لا يؤمن ببعضه ويترك بعضه ، بل يؤمن بالكتاب كله ، وأن يصان عن أن يدخل فيه ماليس منه ، من رواية أو رأي ، أو يتبع ما ليس من عند الله ، اعتقاداً أو عملاً ، كماقال تعالى :ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون.
وهذه كانت طريقة السابقين الأولين ، [وهي طريقة التابعين لهم بإحسانإلى يوم القيامة. وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين]، ثم من بعدهم . ومنهؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط بالإمامة .
فعنأبي يوسفرحمه الله تعالى أنه قاللبشرالمريسي: العلم بالكلام هو الجهل ، والجهل بالكلام هو العلم ، وإذا صارالرجل رأسا في الكلام قيل : زنديق ، أو رمي بالزندقة . أراد بالجهل به اعتقاد عدمصحته ، فإن ذلك علم نافع ، أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الالتفات إلى اعتباره .فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله فيكون علماً بهذا الإعتبار . والله أعلم .
وعنهأيضاً أنه قال : من طلب العلم بالكلام تزندق ، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومنطلب غريب الحديث كذب .
وقال الإمامالشافعيرحمهالله تعالى : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ، ويطاف بهم في العشائر [والقبائل] ، ويقال : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام .
وقالأيضاً رحمه الله تعالى (شعراً) :
كل العلوم سوى القرآنمشغلة إلا الـحديث وإلا الفقه في الديــــن
العلم ما كان فيه قال حدثنــــــا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
وذكرالأصحاب في الفتاوى : أنه لو أوصى لعلماء بلده : لا يدخل المتكلمون ، وأوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم ، فأفتى السلف أن يباع ما فيهامن كتب الكلام . ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى الظهيرية .
فكيف يرام الوصول إلىعلم الاصول ، بغير اتباع ما جاء به الرسول ؟! ولقد أحسن القائل :
أيها المغتدي ليطلب علماً كــل عــلم عبد لعلم الــرســول
تطلب الفرع تصحح أصلاً كيف أغفلت علم أصلالاصول
ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه ،فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم الوجوه ، ولكن كلما ابتدعشخص بدعة اتسعوا في جوابها ، فلذلك صار كلام المتأخرين كثيراً ، قليل البركة ،بخلاف كلام المتقدمين ، فإنه قليل ، كثير البركة ، [لا] كما يقوله ضلال المتكلمينوجهلتهم : أن طريقة القوم من المنتسبين إلى الفقه : إنهم لم يتفرغوا لاستنباط الفقهوضبط قواعده وأحكامه اشتغالاً منهم بغيره ! والمتأخرون تفرغوا لذلك ، فهم أفقه ! !
فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف ، وعمق علومهم ، وقلة تكلفهم ، وكمالبصائرهم . وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والإشتغال بالأطراف التيكانت همة القوم مراعاة أصولها ، وضبط قواعدها ، وشد معاقدها ، وهممهم مشمرة إلىالمطالب العالية في كل شيء . فالمتأخرون في شأن ، والقوم في شأن آخر، وقد جعل اللهلكل شيء قدراً .
وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء ، ولكن رأيت بعضالشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم ، واستمد منهم ، وتكلم بعباراتهم .
والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحاًجديداً على معان صحيحة ، كالإصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ، ولا كرهوا أيضاًالدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل ، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفةللحق ، ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة ، ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقينوالمعرفة ما عند عوام المؤمنين ، فضلاً عن علمائهم .
ولاشتمال مقدماتهم علىالحق والباطل ، كثر المراء والجدال ، وانتشر القيل والقال ، وتولد [لهم] عنها منالأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال . وسيأتي لذلكزيادة بيان عند قوله : فمن رام علم ما حظر عنه علمه .
وقد أحببت أن أشرحهاسالكاً طريق السلف في عباراتهم ، وأنسج على منوالهم ، متطفلاً عليهم ، لعلي أن أنظمفي سلكهم ، وأدخل في عدادهم ، وأحشر في زمرتهممع الذين أنعم اللهعليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. ولمارأيت النفوس مائلة إلى الاختصار ، آثرته على التطويل وافسهاب .وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
]هو حسبناونعم الوكيل] .


قوله : ( نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له ) .

ش : أعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل ، وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيهالسالك إلى الله عز وجل . قال تعالى :لقد أرسلنا نوحا إلى قومهفقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وقال هود عليه السلام لقومه :اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وقال صالح عليه السلاملقومه :اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وقال شعيب عليهالسلام لقومه :اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وقالتعالى :ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبواالطاغوت. وقال تعالى :وما أرسلنا من قبلك من رسول إلانوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. وقال صلى اللهعليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسولالله. ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهاده أن لا إله إلاالله ، لا النظر ، ولا القصد إلى النظر ، ولا الشك ، كما هي أقوال لأرباب الكلامالمذموم . بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ،ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب بلوغه ، بل يؤمربالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك . ولم يوجب أحد منهم على وليه أنيخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين ، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجباً باتفاقالمسلمين ، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة ، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك .
وهنامسائل تكلم فيها الفقهاء : كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين ، أو أتى [بغير ذلك منخصائص الإسلام ، ولم يتكلم بهما ، هل يصير مسلماً أم لا ؟ والصحيح أنه يصير مسلماًبكل ما هو من خصائص الإسلام . فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام ، وآخر ما يخرجبه من الدنيا ،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من كان آخركلامه لا إله إلا الله دخل الجنة] . وهو أول واجب وآخر واجب .
فالتوحيدأول الأمر وآخره ، أعني : توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاث أنواع :
أحدها : الكلام في الصفات . والثاني : توحيد الربوبية ، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء .والثالث : توحيد الإلهية ، وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له .
أما الأول : فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات [في] مسمى التوحيد ، كجهم بنصفوان ومن وافقه ، فإنهم قالوا : اثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب ، وهذا القولمعلوم الفساد بالضرورة ، فإن اثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود فيالخارج ، وانما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل . وهذا القول قدأفضى بقوم الى القول بالحلول والإتحاد ، وهو أقبح من كفر النصارى ، فإن النصارىخصوه بالمسيح ، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات. ومن فروع هذا التوحيد : أن فرعون وقومهكاملو الإيمان ، عارفون بالله على الحقيقة .
ومن فروعه : أن عباد الأصنام علىالحق والصواب ، وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره.
ومن فروعه : أنه لا فرق فيالتحريم التحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزناوالنكاح ، والكل من عين واحدة ، لا بل هو العين الواحدة .
ومن فروعه : أنالأنبياء ضيقوا على الناس .
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
وأماالثاني : وهو توحيد الربوبية ، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعانمتكافئان في الصفات والأفعال ، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه ، وهو الغاية عند كثيرمن أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية ، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضة طائفةمعروفة من بني آدم ، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة علىالإقرار بغيره من الموجودات ، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم :قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض.
وأشهر من عرفتجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون ، وقد كان مستسيقناً به في الباطن ، كما قال لهموسى :لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر. وقال تعالى عنه وعن قومه .وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهمظلماً وعلواً. ولهذا [لما] قال : وما رب العالمين ؟ على وجه الإنكار لهتجاهل العارف ، قال [له] موسى :رب السماوات والأرض وما بينهما إنكنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إنرسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون.
وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية ، وأن المسؤولعنه لما لم تكن له ماهية عجز موسى عن الجواب وهذا غلط . وإنما هذا استفهام إنكاروجحد ، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحداً لله نافياً له ، لم يكنمثبتاً له طالب للعلم بماهيته . فلهذا بين لهم موسى أنه معروف ، وأن آياته ودلائلربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟ بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أنيجهل ، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف . ولم يعرف عن أحد منالطوائف أنه قال : أن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال ، فإن الثنويةمن المجوس ، والمانوية القائلين بالأصلين : النور والظلمة ، وأن العالم صدر عنهما - : متفقون على أن النور خير من الظلمة ، وهو الإله المحمود ، وأن الظلمة شريرةمذمومة ، وهم متنازعون في الظلمة ، هل هي قديمة أو محدثة ؟ فلم يثبتوا ربينمتماثلين .
وأما النصارى القائلون بالتثليت ، فانهم لم يثبتوا للعالم ثلاثةأرباب ينفصل بعضهم عن بعض ، بل متفقون على أن صانع العالم واحد ، ويقولون : باسمالإبن والأب وروح القدس إله واحد . وقولهم في التثليث متناقض في نفسه ، وقولهم فيالحلول أفسد منه ، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه ، وفي التعبير عنه ، لا يكاد واحدمنهم يعبر عنه بمعنى معقول ، ولا يكاد أثنان يتفقان على معنى واحد ، فانهم يقولون :هو واحد بالذات ، ثلاثة بالاقنوم ! والاقانيم يفسرونها تارة بالخواص ، وتارةبالصفات ، وتارة بالأشخاص . وقد فطر الله العباد على فساد [هذه] الاقوال بعد التصورالتام . وبالمجلة فهم لا يقولون باثبات خالقين متماثلين .
والمقصود هنا : أنهليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن كثيراً من أهل الكلام والنظروالفلسفة تعبوا في اثبات هذا المطلوب وتقريره . ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذابالعقل ، وزعم أنه يتلقى من السمع .
والمشهور عند أهل النظر اثباته بدليلالتمانع ، وهو : أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريكجسم وآخر تسكينه ، أو يريد أحدهما احياءه والآخر اماتته - : فإما أن يحصل مرادهما ،أو مراد أحدهما ، أو لا يحصل مراد واحد منهما . والأول ممتنع ، لأنه يستلزم الجمعبين الضدين ، والثالث ممتنع ، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون ، وهو ممتنع ،ويستلزم أيضاً عجز كل منهما ، والعاجز لا يكون إلهاً ، واذا حصل مراد أحدهما دونالآخر، كان هذا هو الإله القادر ، والآخر عاجزاً لا يصلح للإلهية .
وتمامالكلام على هذا الأصل معروف في موضعه ، وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانعهو معنى قوله تعالى :لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن ، ودعتاليه الرسل عليهم السلام ، وليس الامر كذلك ، بل التوحيد الذي دعت اليه الرسل ،ونزلت به الكتب ، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية ، وهو عبادة الله وحدهلا شريك له ، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ، وأن خالقالسماوات والأرض واحد ، كما أخبر تعالى عنهم بقوله :ولئن سألتهممن خلق السماوات والأرض ليقولن الله. قل لمن الأرض ومنفيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون. ومثل هذا كثير فيالقرآن ، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم ، بل كانحالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم ، تارةيعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ، ويتخذونهم شفعاء ،ويتوسلون بهم الى الله ، وهذا كان أصل شرك العرب ، قال تعالى حكاية عن قوم نوح .وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوقونسراًوقد ثبت فيصحيح البخاري، وكتب التفسير،وقصص الأنبياء وغيرها ، عنابن عباسرضي الله عنهما ،وغيره من السلف ، أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا علىقبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ، ثم طال عليهم الأمد ، فعبدوهم وأن هذه الأصنام بعينهاصارت إلى قبائل العرب ، ذكرهاابن عباسرضي الله عنهما ،قبيلة قبيلة وقد ثبت فيصحيح مسلمعنأبي الهياج الاسدي، قال : قال ليعلي بن أبي طالبرضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني رسولالله صلى الله عليه وسلم ؟ أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته ، ولا تمثالاًإلا طمستهوفيالصحيحينعنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض قبل موته : لعن الله اليهود والنصارى ،اتخذوا قبور أنبيائهم مساجديحذره ما فعلوا ، قالتعائشةرضي الله عنها : ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكن كره أن يتخذ مسجداً ، وفيالصحيحينأنه ذكر في مرض موته كنيسةبأرض الحبشة ، وذكر من حسنها وتصاوير فيها ، فقال : إن أولئك اذا مات فيهم الرجلالصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصورا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند اللهيوم القيامة. وفيصحيح مسلمعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس : إن من كان قبلكمكانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنيأنهاكم عن ذلك.
ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الاصنام بحسب مايظن أنه مناسب للكواكب [من] طباعها .
وشرك قوم إبراهيم عليه السلام كان - فيمايقال - من هذا الباب . وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم .
وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع ، وأنه ليس للعالم صانعان ، ولكن اتخذوا هؤلاءشفعاء ، كما أخبرعنهم تعالى بقوله :والذين اتخذوا من دونه أولياءما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ويعبدون من دونالله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بمالا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون.
وكذلك كانحال الأمم السالفة المشركين الذين كذبوا الرسل . [كما] حكى الله تعالى عنهم في قصةصالح عليه السلام عن التسعة الرهط الذين تقاسموا بالله ، [أي تحالفوا بالله] ،لنبيتنه وأهله . فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله عند قتل نبيهم وأهله ،وهذا بين أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان المشركين .
فعلم أن التوحيد المطلوب هوتوحيد الإلهية ، الذي يتضمن توحيد الربوبية . قال تعالى :فأقموجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدينالقيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوهوأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزببما لديهم فرحون * وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمةإذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * أم أنزلناعليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون * وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإنتصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون. وقال تعالى :أفي الله شك فاطر السماوات والأرض. وقال صلىالله عليه وسلم : كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانهولا يقال : أن معناه يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً ، كما قال بعضهم - لما تلونا ،ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل : خلقت عبادي حنفاء ، فاجتالتهم الشياطينالحديث . وفي الحديث المتقدم مايدل على ذلك ، حيثقال : يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانهولم يقل : ويسلمانه . وفي روايةيولد على الملةوفيأخرى :على هذه الملة.
وهذا الذي أخبر به صلى اللهعليه وسلم هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه . منها ، أن يقال : لا ريب أن الإنسانقد يحصل له من الأعتقادات والإرادات ما يكون حقاً ، وتارة ما يكون باطلًا ، وهوحساس متحرك بالإرادات ، ولا بد له من أحدهما ، ولا بد له من مرجح لأحدهما . ونعلمأنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر ، مال بفطرته إلى أن يصدقوينتفع ، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع الإيمان به هو الحق أو نقيضه ، والثانيفاسد قطعاً ، فتعين الأول ، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمانبه . وبعد ذلك : أما أن يكون في فطرته [محبته أنفع للعبد أولاً . والثاني فاسدقطعاً ، فوجب أن يكون في فطرته] محبة ماينفعه .
ومنها : أنه مفطور على جلبالمنافع ودفع المضار بحسه . وحينئذ لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك ، بليحتاج إلى سبب معين للفطرة، كالتعليم ونحوه ، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابتلما فيها من المقتضي لذلك .
ومنها : أن يقال : من المعلوم أن كل نفس قابلةللعلم وإرادة الحق ، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة ، لولا أن فيالنفس قوة تقبل ذلك ، وإلا فلو علم الجهال والبهائم وحضضا لم يقبلا . ومعلوم أنحصول إقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج ، وتكون الذات كافية في ذلك ،فإذا كان المقتضي قائماً في النفس وقدر عدم المعارض ، فالمقتضي السالم عن المعارضيوجب مقتضاه ، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها ، كانت مقرهبالصانع عابدة له . ومنها : أن يقال ، إنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلحالخارج ، كانت الفطرة مقتضية للصلاح ، لأن المقتضي فيها للعلم والارادة قائم ،والمانع منتف .
ويحكى عنأبي حنيفةرحمه الله : أنقوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية . فقال لهم :أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة، تذهب فتمتلىء من الطعاموالمتاع وغيره بنفسها ، وتعود بنفسها ، فترسي بنفسها ، وتفرغ وترجع ، كل ذلك من غيرأن يدبرها أحد؟ ! ! فقالوا : هذا محال لا يمكن أبداً ! فقال لهم : إذا كان هذامحالاً في سفينة ، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله ! ! وتحكى هذه الحكاية أيضاًعن غيرأبي حنيفة.
فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية ،الذي يقر به هؤلاء النظار ، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف ، ويجعلونه غاية السالكين ، كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره ، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ منعبادة ما سواه - كان مشركاً من جنس أمثاله من المشركين .
والقرآن مملوء منتقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له . ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية ،ويبين أنه لا خالق إلا الله ، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله ، فيجعل الأولدليلاً على الثاني ، إذ كانوا يسلمون [في] الأول وينازعون في الثاني ، فيبين لهمسبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله [وحده] ، وأنه هو الذي يأتيالعباد بما ينفعهم ، ويدفع عنهم ما يضرهم ، لا شريك له في ذلك ، فلم تعبدون غيره ،وتجعلون معه آلهة أخرى ؟
كقوله تعالى :قل الحمد لله وسلامعلى عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون * أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم منالسماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بلهم قوم يعدلونالآيات . يقول الله تعالى في آخر كل آية :أإله مع اللهأي أإله مع الله فعل هذا ؟ وهذا استفهام انكار ،يتضمن نفي ذلك ، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله ، [فاحتج عليهم بذلك ،وليس المعنى أنه استفهام هل مع الله إله ، كما ظنه بعضهم ، لأن هذا المعنى لا يناسبسياق الكلام ، والقوم كانوا يجعلون مع الله] آلهة أخرى، كما قال تعالى .أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد، وكانوا يقولون : أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب. لكنهم ماكانوا يقولون : أن معه إلهاجعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراًوجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً. بل هم مقرون بأن الله وحده فعلهذا ، وهكذا سائر الآيات . وكذلك قوله تعالى :يا أيها الناساعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. وكذلك قوله في سورةالأنعام :قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكممن إله غير الله يأتيكم به. وأمثال ذلك .
واذا كان توحيد الربوبية ،الذي يجعله هؤلاء النظار، ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد - : داخلاًفي التوحيد الذي جاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب ، فليعلم أن دلائله متعددة ،كدلائل اثبات الصانع ودلائل صدق الرسول ، فإن العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانتأدلته أظهر ، رحمة من الله بخلقه .
والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل ،وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية ، لكن القرآن يبين الحق في الحكموالدليل ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقاًعليها ، استدل بها ، ولم يحتج إلى الاستدلال عليها .
والطريقة الصحيحة فيالبيان أن تحذف ، وهي طريقة [القرآن ، بخلاف ما يدعيه الجهال ، الذين يظنون أنالقرآن ليس فيه طريقة] برهانية ، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع ، فإنه يبينهويدل عليه .
ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الأمتناع عند الناس كلهم ،باعتبار اثبات خالقين متماثلين في الصفات والافعال ، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أنثم خالقاً خلق بعض العالم ، كما يقوله الثنوية في الظلمة ، وكما يقوله القدرية فيأفعال الحيوان ، وكما يقوله الفلاسفه الدهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس ، أوالأجسام الطبيعية ، فإن هؤلاء يثبتون أموراً محدثة بدون أحداث الله إياها ، فهممشركون في بعض الربوبية ، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئاً مننفع أوضر، بدون أن يخلق الله ذلك .

فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجوداً فيالناس ، بين القرآن بطلانه ، كما في قوله تعالى :ما اتخذ الله منولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض. فتأمل هذا البرهان الباهر ، بهذا اللفظ الوجيز الظاهر . فإن الإله الحق لا بد أنيكون خالقاً فاعلاً ، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر ، فلو كان معه سبحانهإله آخر يشركه في ملكه ، لكان له خلق وفعل ، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة ، بل أنقدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل ، وإن لم يقدر على ذلكانفرد [بخلقه وذهب بذلك الخلق ، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه ، إذا لميقدر المنفرد] منهم على قهر الآخر والعلو عليه . فلا بد من أحد ثلاثة آمور :
أما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه .
واما أن يعلو بعضهم على بعض .
واماأن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ، ولا يتصرفون فيه ، بل يكون وحدههو الإله ، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه .
وانتظام أمر العالم كلهواحكام أمره ، من أدل دليل على أن مدبره إله واحد ، وملك واحد ، ورب واحد ، لا إلهللخلق غيره ، ولا رب لهم سواه . كما قد دل [دليل] التمانع على أن خالق العالم واحد ، لا رب غيره ولا إله سواه ، فذلك تمانع في الفعل والإيجاد ، وهذا تمانع في العبادةوالإلهية . فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان ، كذلك يستحيل أن يكون [لهم] إلهان معبودان .
فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته ، مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه ، فكذا تبطل إلهية اثنين . فالآيةالكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية ، دالة مثبتة مستلزمةلتوحيد الإلهية .
وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى :لوكان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذيتقدم ذكره ، وهو أنه لو كان للعالم صانعان الخ ، وغفلوا عن مضمون الآية ، فإنهسبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ، ولم يقل أرباب .
وأيضاً فإن هذا إنماهو بعد وجودهما ، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا .
وأيضافإنه قال : (لفسدتا)، وهذا فساد بعد الوجود ، ولم يقل : لم يوجدا . ودلت الآية علىأنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة ، بل لا يكون الإله إلا واحد ، وعلى أنه لايجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه وتعالى ، وأن فساد السموات والأرضيلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ، ومن كون الإله الواحد غير الله وأنه لا صلاحلهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره . فلو كان للعالم إلهانمعبودان لفسد نظامه كله ، فإن قيامه إنما هو بالعدل ، وبه قامت السموات والارض .
وأظلم الظلم على الاطلاق الشرك ، وأعدل العدل التوحيد .
وتوحيد الإلهيةمتضمن لتوحيد الربوبية دون العكس . فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزاً ، والعاجزلا يصلح أن يكون إلها . قال تعالى :أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهميخلقون. وقال تعالى :أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون. وقال تعالى :قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغواإلى ذي العرش سبيلاً.
وفيها للمتأخرين قولان : أحدهما : لا تخذواسبيلاً الى مغالبته ، والثاني ، وهو الصحيح المنقول عن السلف ، كقتادة وغيره ، وهوالذي ذكرهابن جريرولم يذكر غيره - : لاتخذوا سبيلاًبالتقرب اليه ، كقوله تعالى :إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربهسبيلا. وذلك أنه قال :لو كان معه آلهة كما يقولونوهم لم يقولوا : إن العالم [له] صانعان ، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء ،وقالوا :ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، بخلافالآية الأولى .



يتبع



2 
عمرو شعبان

[align=center]

]انواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل]

ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلتبه كتبه نوعان : توحيد في الإثبات والمعرفة ، وتوحيد في الطلب والقصد .
فالأول : هو اثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ، ليس كمثله شيء في ذلككله ، كما أخبر به عن نفسه ، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد أفصح القرآنعن هذا [النوع] كل الإفصاح ، كما في أول (الحديد) و(طه) وآخر (الحشر) وأول (آلمتنزيل السجدة) وأول (آل عمران) وسورة (الإخلاص) بكمالها ، وغير ذلك .
والثاني :وهو توحيد الطلب والقصد ، مثل ما تضمنته سورةقل يا أيها الكافرون، وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها ، وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها ،وأول سورة (الأعراف) وآخرها ، وجملة سورة (الأنعام) .
وغالب سور القرآن متضمنةلنوعي التوحيد ، بل كل سورة في القرآن . فالقرآن إما خبرعن الله وأسمائه وصفاته ،وهو التوحيد العلمي الخبري . وأما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له ، وخلع ما يعبدمن دونه ، فهو التوحيد الإرادي الطلبي . وأما أمر ونهي والزام بطاعته ، فذلك منحقوق التوحيد ومكملاته . وإما خبرعن اكرامه لأهل توحيده ، وما فعل بهم في الدنياوما يكرمهم به في الآخرة ، فهو جزاء توحيده . وأما خبر عن أهل الشرك ، وما فعل بهمفي [الدنيا] من النكال ، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكمالتوحيد .
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه ، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم . فـالحمد لله رب العالمينتوحيد ،الرحمن الرحيمتوحيد،مالك يوم الدينتوحيد ،إياك نعبد وإياك نستعينتوحيد ،اهدنا الصراط المستقيمتوحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهلالتوحيد ،الذين أنعمت عليهم، غيرالمغضوب عليهم ولا الضالينالذين فارقوا التوحيد .
وكذلك شهد الله لنفسهبهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله . قال تعالى :شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إلهإلا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام. فتضمنت هذه الآيةالكريمة اثبات حقيقة التوحيد ، والرد على جميع طوائف الضلال ، فتضمنت أجل شهادةوأعظمها وأعدلها وأصدقها ، من أجل شاهد ، بأجل مشهود به .
وعبارات السلف في شهد - تدور على الحكم ، والقضاء ، والإعلام ، والبيان ، والإخبار. وهذه الأقوال كلها حقلا تنافي بينها : فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره ، وتتضمن إعلامه وإخبارهوبيانه .
فلها أربع مراتب : فأول مراتبها : علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود بهوثبوته . وثانيها : تكلمه بذلك ، وان لم يعلم به غيره ، بل يتكلم بها مع نفسهويتذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها : أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره [به]ويبينه له . ورابعها : أن يلزمه بمضمونها ويأمره به .
فشهادة الله سبحانه لنفسهبالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع : علمه بذلك سبحانه ، وتكلمهبه ، وإعلامه وإخباره لخلقه به ، وأمرهم والزامهم به .
فأما مرتبة العلم فإنالشهادة تضمنتها ضرورة ، وإلا كان الشاهد شاهداً بما لا علم له به . قال تعالى :إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. وقال صلىالله عليه وسلم : على مثلها فاشهد، وأشار إلى الشمس .
وأما مرتبةالتكلم والخبر، فقال تعالى :وجعلوا الملائكة الذين هم عبادالرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون. فجعل ذلك منهم شهادة ،وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم .
وأما مرتبة الإعلاموالإخبار فنوعان : إعلام بالقول ، وإعلام بالفعل . وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر :تارة يعلمه به بقوله ، وتارة بفعله . ولهذا كان من جعل داره مسجداً وفتح بابهاوأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها - : معلماً أنها وقف ، وان لميتلفظ به . وكذلك من وجد متقرباً الى غيره بأنواع المسار، يكون معلماً له ولغيرهأنه يحبه ، وان لم يتلفظ بقوله ، وكذلك بالعكس . وكذلك شهادة الرب عز وجل وبيانهوإعلامه ، يكون بقوله تارة ، وبفعله أخرى . فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه .وأما بيانه وإعلامه بفعله فكما قالابن كيسان: شهد اللهبتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه - : أنه لا إله إلا هو. وقال آخر :
وفي كل شيء له أية تدل على أنه واحد
وممايدل على أن الشهادة تكون بالفعل ، قوله تعالى :ما كان للمشركينأن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر. [فهذه شهادة منهم علىأنفسهم] بما يفعلونه .
[
والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته] المخلوقة دالةعليه ، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله .
وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به ،وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه ، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه - فإنهسبحانه شهد به شهادة من حكم به ، وقضى وأمر وألزم عباده به ، كما قال تعالى :وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه. وقال الله تعالى :لا تتخذوا إلهين اثنين. وقال تعالى :وماأمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. وما أمروا إلاليعبدوا إلها واحداً. وقال تعالى :لا تجعل مع الله إلهاًآخر. وقال تعالى :ولا تدع مع الله إلهاً آخر. والقرآن كله شاهد بذلك .
ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك : أنه إذا شهد أنه لاإله إلا هو ، فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله ، أو آلهية ماسواه باطلة ، فلا يستحق العبادة سواه ، كما لا تصلح الإلهية لغيره ، وذلك يستلزمالأمر باتخاذه وحده إلها ، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها ، وهذا يفهمه المخاطب منهذا النفي والإثبات ، كما إذا رأيت رجلاً يستفتي رجلاً أو يستشهده أو يستطبه وهوليس أهلاً لذلك ، ويدع من هو أهل له ، فتقول : هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب ،المفتي فلان ، والشاهد فلان ، والطبيب فلان ، فإن هذا أمر منه ونهي .
وأيضا :فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة ، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة ، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق الرب تعالى عليهم ، وأنالقيام بذلك هو خالص حقه عليهم .
وأيضا : فلفظ الحكم و القضاء يستعمل في الجملةالخبرية ، ويقال للجملة الخبرية : قضية ، وحكم ، وقد حكم فيها بكذا . قال تعالى :ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون * أصطفىالبنات على البنين * ما لكم كيف تحكمون. فجعل هذا الإخبار المجرد منهمحكماً وقال تعالى :أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيفتحكمون. لكن هذا حكم لا إلزام معه .
والحكم والقضاء بأنه لا إله الا هومتضمن الإلزام . ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها ، [ولم ينتفعوابها ،] ولم تقم عليهم بها الحجة . بلقد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بماشهد به ، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، لمينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة .
وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها ، فهوسبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة : السمع ، والبصر ، والعقل . أما السمع :فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها ، الوحدانية وغيرها ، غاية البيان ، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات مندعوى احتمالات توقع الحيرة ، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسولهالكريم ، كما قال تعالى :حم * والكتاب المبين. الر تلك آيات الكتاب المبين. الر تلك آياتالكتاب وقرآن مبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين. وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون. وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن ، لم يحوجنا ربنا سبحانهوتعالى إلى رأي فلان ، [ولا إلى ذوق فلان] ووجده في أصول ديننا .
ولهذا نجد منخالف الكتاب والسنة مختلفين مضطرين . بل قد قال تعالى :اليومأكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا. فلا يحتاج فيتكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة .
وإلى هذا المعنى أشارالشيخ أبو جعفر الطحاويفيما يأتي من كلامه من قوله : لا ندخلفي ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم للهعز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
وأما آياته العيانية الخلقية : فالنظرفيها والإستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية ، والعقل يجمع بينهذه وهذه ، ويجزم بصحة ما جاءت به الرسل ، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة .
فهو سبحانه لكمال عدله ورحمته واحسانه وحكمته ومحبته للعذر واقامة الحجة - لميبعث نبياً إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به ، قال تعالى :لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناسبالقسط.
وقال تعالى :وما أرسلنا من قبلك إلا رجالانوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر. [وقالتعالى :قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم.] وقال تعالى :فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبيناتوالزبر والكتاب المنير. وقال تعالى :الله الذي أنزلالكتاب بالحق والميزان. حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود ، حتى قال لهقومه : يا هود ما جئتنا ببينة، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه اللهلتدبرها ، وقد أشار إليه بقوله :إني أشهد الله واشهدوا أني بريءمما تشركون * من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكمما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. فهذا من أعظمالآيات : أن رجلاً واحداً يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب ، غير جزع ولا فزع ولا خوار ، بل هو واثق بما قاله ، جازم به ، فأشهد الله أولاً على براءته من دينهم وما همعليه ، اشهاد واثق به معتمد عليه ، معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه . ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالونعليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها ، ثم أكد ذلك عليهمبالإستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم . ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ،ثم يعاجلونه ولا يمهلونه [لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه] . ثم قرردعوتهم أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيلهالقائم بنصره وتأييده ، وأنه على صراط مستقيم ، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به ،ولا يشمت به أعداءه .
فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأنبياء عليهم السلاموبراهينهم وأدلتهم ؟ وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان .
ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو في أحد التفسيرين : المصدق الذي يصدق الصادقين بمايقيم لهم من شواهد صدقهم ، فإنه لا بد أن يري العباد من الآيات الافقية والنفسية مايبين لهم أن الوحي الذي بلغه رسله حق [قال] تعالى :سنريهم آياتنافي الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق: . أي القرآن ، فإنه هوالمتقدم في قوله :قل أرأيتم إن كان من عند الله. ثم قال : أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد. فشهد سبحانه لرسولهبقوله أن ما جاء به حق ، ووعد أنه يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهدبذلك أيضاً . ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل ، وهو شهادته سبحانه [بأنه] على كلشيء شهيد ، فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ، ولا يعزب عنه ، بل هو مطلععلى كل شيء مشاهد له ، عليم بتفاصيله . وهذا استدلال بأسمائه وصفاته ، والأولاستدلال بقوله وكلماته ، واستدلاله بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعالهومخلوقاته .
فإن قلت : كيف يستدل بأسمائه وصفاته ، فإن الاستدلال بذلك لا يعهدفي الأصطلاح ؟
فالجواب : أن الله تعالى قد أودع في الفطرة التي لم تتنجسبالجحود والتعطيل ، ولا بالتشبيه والتمثيل ، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته ،وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله ، وما خفي عن الخلق من كماله أعظموأعظم مما يعرفونه منه . ومن كماله المقدس شهادته على كل شيء واطلاعه عليه ، بحيثلا يغيب عنه ذرة في السموات ولا في الأرض باطناً وظاهراً . ومن هذا شأنه كيف يليقبالعباد أن يشركوا به ، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلهاً آخر؟ وكيف يليق بكمالهأن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه ، ثم ينصره علىذلك ويؤيده ويعلي شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه ، ويظهر على دينه من الآياتوالبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر ، وهو مع ذلك كاذب غير مفتر؟ !
ومعلوم أنشهادته سبحانه على كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك . ومن جوزذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته .
والقرآن مملوء من هذه الطريق ، وهي طريقالخواص ، يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعل [ولا يفعله] ، قال تعالى :ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنامنه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين. وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاءالله تعالى . ويستدل أيضاً بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك ، كما فيقوله تعالى :هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلامالمؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. وأضعاف ذلكفي القرآن . وهذه الطريق قليل سالكها ، لا يهتدي إليها إلا الخواص . وطريقة الجمهورالاستدلال بالآيات المشاهده ، لأنها أسهل تناولاً وأوسع . والله سبحانه يفضل بعضخلقه على بعض .
فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره ، فإنه الدليلوالمدلول عليه ، والشاهد والمشهود له . قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله :أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمةوذكرى لقوم يؤمنون.
وإذا عرف أن توحيد الالهية هو التوحيد الذي أرسلتبه الرسل وأنزلت به الكتب ، كما تقدمت إليه الإشارة - فلا يلتفت إلى قول من قسمالتوحيد إلى ثلاثة أنواع ، وجعل هذا النوع توحيد العامة ، والنوع الثاني توحيدالخاصة ، وهو الذي يثبت بالحقائق ، والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم ، وهو توحيدخاصة الخاصة ، فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء [صلوات الله عليهم ،] والمرسلون منهمأكمل في ذلك ، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيداً ، وهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، صلى الله وسلم عليهم أجمعين . وأكملهم توحيداً الخليلان : محمدوإبراهيم ، صلوات الله عليهما وسلامه ، فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم بهغيرهما علماً ، ومعرفة ، وحالاً ، ودعوة للخلق وجهاداً ، فلا توحيد أكمل من الذيقامت به الرسل ، ودعوا إليه ، وجاهدوا الأمم عليه . ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتديبهم فيه . كما قال تعالى ، بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحةالتوحيد وذكر الأنبياء من ذريته : -أولئك الذين هدى الله فبهداهماقتده0 فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتديبهم .وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا : أصبحنا على فطرة الاسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيمحنيفاً مسلماً وما كان من المشركين. فملة إبراهيم : التوحيد ، ودين محمدصلى الله عليه وسلم : ما جاء به من عند الله قولاً وعملاً واعتقاداً . وكلمةالإخلاص : هي شهادة أن لا إله إلا الله . وفطرة الإسلام : هي ما فطر عليه عباده منمحبته وعبادته وحده لا شريك له ، والإستسلام له عبودية وذلاً وانقياداً وإنابة .
فهذا توحيد خاصة الخاصة ، الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء . قال تعالى :ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنياوإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين. وكل من له حس سليم وعقل يميز به ، لايحتاج فيالاستدلال إلى أوضاع أهل الكلاموالجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة ، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بهاالحيرة والضلال والريبة ، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك ، وهذاهو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به . ولا شك أن النوع الثاني والثالثمن التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ، ينتهي إلى الفناء الذي يشمرإليه غالب الصوفية ، وهو درب خطر، يفضي إلى الأتحاد . انظر إلى ما أنشد شيخ الإسلامأبو اسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول :
ما وحدالواحد من واحـــد إذ كل من وحده جاحد
توحيد منينطق عن نعته عـــارية أبطلها الواحد
توحيدهإيـــاه تــــوحـــيده ونعــت من ينعته لأحد
وإن كان قائله رحمهالله لم يرد به الإتحاد ، لكن ذكر لفظاً مجملاً محتملاً جذبه به الاتحادي إليه ،وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه ، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا أجمال فيها كانأحق ، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوباً منا لنبه الشارع عليه ودعا الناسإليه وبينه ، فإن على الرسول البلاغ المبين، فأين قال الرسول : هذا توحيد العامة ،وهذا توحيد الخاصة ، وهذا توحيد خاصة الخاصة ؟ أو ما يقرب من هذا المعنى؟ أو أشارإلى هذه النقول والعقول حاضرة .
فهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليهوسلم ، وهذه سنة الرسول ، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول ، وسادات العارفين منالأئمة ، هل جاء ذكر الفناء فيها ، وهذا التقسيم عن أحد منهم ؟ وإنما حصل هذا منزيادة الغلو في الدين ، المشبه لغلو [الخوارج ، بل] لغلو النصارى في دينهم . وقد ذمالله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه ، فقال :يا أهل الكتاب لاتغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق. قل يا أهلالكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلواكثيراً وضلوا عن سواء السبيل. وقال صلى الله عليه وسلم :لا تشددوا فيشدد الله عليكم ، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم ، فتلكبقاياهم في الصوامع والديارات ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم رواه أبو داود.


يتبع


[/align]



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.