العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
إنجازات


بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة السيرة الصحيحة
الدرس[1]
إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾( النساء:1).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(الأحزاب: 70،71 )
أَمَّا بَعْــــدُ .........
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ
وأقول أيضًا صحيح، لأن السيرة النبوية شأنها شأن الأشياء التي نقلت إلينا عن طريق الأسانيد، ودخل فيها كثير من الأشياء التي تحتاج إلى تمحيص، فدخول الأحاديث الضعيفة، أو الأحداث التي لا أصل لها في السيرة النبوية، كدخول الأحاديث الضعيفة في وسط الأحاديث النبوية، فمثلا اشتهر بين الناس أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب ودخل الغار أن فيه شجرة نبتت، وفيه حمامتين باضوا فعلا هذا موجود بالأسانيد بالسيرة ولكن غير صحيح.
لم يصح إسناد لحكاية الحمامتين ولا لحكاية الشجرة التي نبتت مع أنها مشتهرة جدًا ويتداولها الواعظون والكتاب إذا تناولوا هجرة النبي r، إلى غير ذلك من الأحداث التي نريد أن نجليها حتى نقف على حقيقة انتشار الدعوة الإسلامية ولما نجحت الدعوة الإسلامية في حياة النبي r.
فإذا علمنا ذلك زال كثير من التخبط الذي يعيش فيه الشباب الذين يتناسون حقيقة انتشار الدعوة الإسلامية، فيريد على حد قول بعضهم: نريد أن نبدأ من حيث انتهى النبي r، وهذا قول شنيع لو تدبره قائله؛ لأنه قد يؤول به إلى الكفر، هذا القول قد يؤل به إلى الكفر لكنه يقول ذلك جهلا منه؛ لأن معنى أن يبدأ من حيث انتهى كأن الرسالة ما تمت، فهو سيكمل المسيرة فكأن المسألة ممتدة لا نهاية لها، ولم تتم وهذا خطأ لو علمه قائله ما تكلم به.
إنما حياة النبي r منذ أن بعثه الله U حتى التحق بالرفيق الأعلى حياة يمكن أن تبدأ في كل عصر، يعني لو عاش الإنسان في بيئة جاهلة، أو لو عاش في بيئة كافرة، كأن يعيش مثلا في دولة من دول الكفر التي تمارس أشياء أفظع مما كان يمارسه أهل الجاهلية الحضارة الحديثة يفعلون أشياء العرب الجاهليون كانوا يأنفون أن تتردى بهم الحال إلى مثل ما تردى به أولئك الذين يتشدقون بالمدنية، فلم تكن مثلا تجد في العرب اللواط، اللواط هذا وهو أن يأتي الرجل الرجل، هذا ما كنت تراه في العرب لما جبلوا عليه من الأنفة والعز.

وإن كانت هذه الأنفة كانت تؤدي إلى كثير من البلايا والمصائب لكنها الحقيقة رفعت العرب إلى منزلة عظيمة، وكان هذا أحد الأسباب التي شرفها الله U بأن أنزل عليها خاتمة الرسالات النبوية، فترى هنا في الحضارة هذه: لو أن رجلا مثلا ذهب إلى بلد من بلاد الكفر، كيف يمكن له أن يدعو الناس إلى الإسلام؟
لابد أن يبدأ كما بدأ النبي r، أن يبدأ بتعليمهم التوحيد، وهذا هو أس الأمر ثم بعد أن يجد منهم جلدًا وبدءوا يتجاوبون معه، يمكن أن يفرض عليهم شيئا، وهذا صريح جلي في حديث إرسال معاذ كما في الصحيحين قال: «أنك تأتي قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم واتقي دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
فأنت تنظر وهؤلاء قوم أهل كتاب، بخلاف الجاهلية الأولى الجاهلية الأولى كانوا على دين إبراهيم u، العرب القدماء كانوا على دين إبراهيم u، ولم يكن يعرف في جزيرة العرب آنذاك لا اليهودية ولا النصرانية، لم تكن تُعرف في جزيرة العرب، وإنما كانت موجودة في أطراف اليمن آنذاك وبدءوا دخول الجزيرة العربية بعد ذلك، فكان العرب على دين إبراهيم u، حتى جاء عمرو بن لحي لعنه الله.
أول من بحر البحيرة وسيب السوائب ووضع الأصنام في مكة، عمرو بن لحي لعنه الله وكان رجلا مشهورًا عندهم بصلة الرحم ومشهورا بعتق الرقاب وبالصدقة وكانوا يعتبرونه من كبار العلماء والأولياء، حتى رحل عمرو بن لحي هذا إلى الشام، والشام هي مهد الرسالات السماوية، فلما ذهب إلى الشام وجدهم يعبدون الأصنام فاستحسن ذلك جدًا، ولأن هذه مهد الرسالات فتصور أن هذا من القربات التي يمكن أن ينقلها إلى جزيرة العرب، فهو أول من غير دين إبراهيم u في جزيرة العرب: عمرو بن لحي لعنه الله فاصطحب معه من الشام هُبل،ووضعه في جوف الكعبة وصار بعد ذلك مناة، ثم جاءوا بعد ذلك باللات، ثم جاءوا بعد ذلك بالعزى، وصارت هذه هي الأصنام الرئيسية بالنسبة لأهل مكة.
جزاء عمر بن لحي:فأول من غير دين إبراهيم وغير جزيرة العرب وأدخل الأصنام فيها هو عمرو بن لحي، فما كان جزاءه وعاقبته، قال النبي r كما في صحيح البخاري «لقد رأيت عمرو بن لحي يجر قُصبه في النار» القُصب: الأمعاء، «يجر قُصبه في النار فهو أول من بدل دين إبراهيم وبحر البحيرة وسيب السوائب».
المراد بالبحيرة: ذبيحة يذبحونها لطواغيتهم، وكذلك بالنسبة للسوائب إذا ولدت الناقة عشرة بطون إناث فإنهم يسيبونها لألهتهم فلا يركبونها ولا يستخدمونها ولا ترد من حمى، وكذلك المراد بالوصيلة والحام:، الوصيلة إذا ولدت الناقة أنثيين وراء بعضهم، فوصلت أنثى بأنثى فهذه لا يركبونها وينذرونها لألهتهم وكذلك الحام و هو الفحل من البقر أو من الجاموس، إذا ولدت فحلا فينذرونه لألهتهم فلا يُركب ولا يُرد من مرعى ولا يستطيع أحد أن يناله بأذى.
لذلك قال الله U: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: 103]، ويقولون أن هذا مما أمرهم الله U به لألهتهم،.
تلبية الجاهليين :لم يقتصر الأمر على ذلك بل بنو بيوتًا تشبه الكعبة وجعلوا لها سدنة، وكانوا يطوفون بها يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا ملكته وما ملك،مثل هذا،فهذا كان تلبية الجاهليين حول هذه الأشياء التي صنعوها تشبه الكعبة إذن لو أردنا أن نلقي ضوء على الجزيرة العربية قبل دخول الإسلام لأن هذا مهم جدًا، حتى تعرف كيف غير الإسلام هؤلاء الأجلاف، الحرب بين الأوس والخزرج ظلت أربعين سنة لأجل خلاف تافه بينهم، أربعين سنة مات فيه ألوف مؤلفة لما تنظر إلى الأوس والخزرج بعد أن دخلا في الإسلام لا تتصور أن هؤلاء هم الذين تقاتلوا قبل ذلك، كيف تحول هذا العربي الجاهلي بالإسلام وصار إنسانًا يقود الناس ولا يُقاد بعد إن كان جلفًا غبيًا لا يعرف شيئا ولا يهتدي إلى شيء.
فالحاصل بالنسبة للديانات الموجودة كان عبادة الأصنام وقلنا أن عمرو بن لحي هو الذي بدل دين إبراهيم، وأن اليهودية والنصرانية لم يكن لها وجود يؤثر في جزيرة العرب آنذاك،.

يتبع


2 
إنجازات

العلاقات الاجتماعية في جزيرة العرب: فإذا ألقينا الضوء على العلاقات الاجتماعية في جزيرة العرب، وجدنا إن هناك طبقة الأشراف وأولئك كانوا السادة وكانوا كثيرًا ما يترفعون عن الدنايا، وكان السواد الأعظم من عامة الناس، كانوا يمارسون أشياء لا يمكن أن نسميها إلا دعارة، وضرب من المجون والخلاعة والفاحشة، تصور السيدة عائشة رضي الله عنها كما رواه أبو داود في سننه وهو حديث صحيح قالت:
أنواع النكاح في جزيرة العرب:«كان النكاح في جزيرة العرب على أربعة أنحاء –أي أربعة أنواع: النوع الأول:- النكاح الذي تعرفونه اليوم وهو أن يخطب الرجل وليته –يذهب الرجل يطلب البنت من وليها ويصدقها هذا نوع من النكاح.- النوع الثاني: أن المرأة كانت إذا طهرت يقول لها زوجها استبضعي من فلان -يرسلها إلى رجل آخر حتى يأتيها ولا يقربها حتى يرى منها الحمل وذلك رجاء نجابة الولد يهجن ، فيغير من هنا لهنا كي يكون الولد نجيبًا وينتقي أفضل الناس من جهة الشكل والجسم والشجاعة حتى يكون الولد عريقًا في النسب- ولا يأتيها ولا يقربها حتى يتأكد أنها حملت من ذلك الإنسان.- النوع الثالث: من النكاح كانت المرأة يدخل عليها العشرة كل يصيبها ما تمتنع من أحد حتى إذا حملت جاءت بهم جميعًا وقالت هو ابنك -مثلا تشير على واحد تقول هذا ولدك- فلا يستطيع أن يمتنع منها فينسب الولد إليه.
النوع الرابع :وهن البغايا اللواتي كنا يمارسن هذا الزنا فكن يضعن على بيوتهن راية حمراء لكل رجل يريد هذه الفعلة، فيدخل عليها رجال متتابعون فإذا وضعت أشارت إلى فلان أن هذا ولدك فالتقى به فلا يستطيع أن يمنعه».
هذا كان الشيء السائد في الجاهلية وما كانوا يرون به بأسا، وما كانوا يرون به غضاضة، وحديث عبد بن زمعة هذا مشهور في صحيح البخاري واختصم عليه سعد بن أبي وقاص وآخر.
فيبدوا أنهم لما يكونوا يرون أن هذه جريمة في مجتمع الجزيرة العربية، فتصور أنساب تختلط ويذهب الحق إلى غير مستحقه، هذا يحدث فوضى شنيعة في الجزيرة العربية، ويحدث تفككًا اجتماعيًا لعدم انتساب الولد إلى أب واحد، فتجد المرأة الواحدة لها أولاد هذا من فلان، وهذا من فلان، وهذا من أبيه.
والله U جعل الرابطة بين أصحاب الدم تختلف عن الرابطة بين بقية الناس، وسماهم النبي r سماهم الأرحام، الأرحام: أي الذين اشتركوا معك في دم واحد.
فتصور هذا المجتمع المتفكك الذي تنتشر فيه هذه الفاحشة وما دمر الإمبراطورية الرومانية وغيرها إلا النساء، وكتب أحد رجال بريطانيا مذكراته وعقد فصلا إلى أن هذه الحضارة ستزول أيضًا بالنساء حتى اليهود، اليهود أصحاب الدعايا والإعلانات هم الذين يدخلون عنصر النساء في كل شيء،يقولون هذا أفضل وهذا جذاب وهم أصحاب فكرة أن النساء هم الذين يعملون في المحال لأن هذا يكون ألطف بالنسبة للمشتري، فترى كثير من الناس يفضل المرأة عن الرجل مع أن الواقع أثبت أن المرأة لا تعمل عمل الرجل من جهة الجدوى، المرأة لا تعمل عمل الرجل وسريعة الملل بطبيعتها، الله U أعطاها جلدا على شيئا لا يتجلد فيه الرجال وهو تربية الأولاد والصبر عليهم ونحو ذلك، فتجد الرجل يفضل المرأة، ويزعم أن يقولك أن المرأة بتأخذ مرتب أقل من مرتب الرجل، وهذا في الحقيقة ليس هو السبب الأصلي إنما السبب الأصلي أن تكون جذابة بالنسبة للمشتري، ولذلك مستحيل تجد مثلا رجل يقول أريد امرأة منقبة تبيع، لماذا فهذه امرأة أيضًا؟ لا هو يريد وجهها وقلما تجد رجلاً يقبل امرأة محجبة تعمل عنده في المحل، بل هو يريد أن تظهر هذه المرأة مفاتنها حتى تجذب الزبون بزعمهم. فإدخال العنصر النسائي هذا هو الذي دمر العرب وجعلهم متفككين، ودمر بعد ذلك إمبراطوريات التي تلت مثل الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية، وما هزم الحلفاء ونحو ذلك إلا بالنساء، كانت الحرب العالمية الثانية كانوا يسربون وهذا ما فعله أيضًا إلا اليهود كانوا يعطون للمرأة حقنة بحيث أن الرجل إذا أتاها تنحل أوصاله، ولذلك دمروا هتلر وجماعته مع أن هتلر كان مكتسح في بداية الأمر ولكنهم ادخلوا عنصر النساء وهذا رجل جندي ظل ستة أشهر سبعة أشهر يتدرب بعيدًا عن امرأته وبعيدًا عن المجتمع الحضاري فهو أول ما يرى المرأة فيحس بنوع من الحنين فما بالك إذا دخلت عليه المرأة ليلا في الخيمة وعرضت نفسها عليه، فكان يأتيها فلا يستطيع أن يقوم من مكانه، ولا يستطيع أن يجري ولا يفر ولا يحمل سلاحا ولا نحو ذلك وبذلك زال الحلفاء ، ألمانيا وغيرها، فالذي فعل هذه الفعلة أيضًا هم اليهود، فيقول هذا الكاتب الإنجليزي أن هذه الحضارة لا بد أن تزول لدخول عنصر النساء فيها، وأيضًا رجل نمساوي قرأت له مقالا وهو الذي فعل المستحيل لإباحة الحرية الجنسية في النمسا، حتى إذا صارت النمسا من بلاد الإباحية الأولى في العالم وراء هذا الدمار في النمسا كتب وأقر وندم على أنه طالب بهذه الحرية وطالب بعودة المرأة إلى البيت وهذا شيء غريب جدًا أن يصدر من هذا الإنسان الذي هو من ثلاثين سنة أو من خمسة وعشرين سنة طالب بحماس بالغ الحرية الجنسية، بل من ضمن ما طالب به أن يتزوج الرجل أخته، وقال هذا أيضًا من الحرية، ولا حجر، إن اشتهاها أخذها.

فتصور هذا المجتمع العربي إذا صار النكاح فيه على هذه الأنواع الفاحشة، رجل يرسل امرأته إلى رجل تستبضع منه أو امرأة يدخل عليها جماعة أو البغايا اللواتي ينصبن الرايات على البيوت، فكان هذا هو الحال العام في الجاهلية، هذا مع السكر ومع الخمر، وهذا أدعى للفاحشة، كل هذا أكيد أنه يؤثر على الحالة الاقتصادية، وكان العرب نظرًا لتفككهم الذي أشرت إليه تكثر فيهم العصابات، فلا يأمن التجار على تجارتهم ولا على أموالهم إلا في أشهر الحرم، التي هي الأشهر المعروفة كان العرب لا يأمنون على تجارتهم إلا في هذه الأشهر لأن العصابات أو هؤلاء الناس كانوا لا يقطعون الطريق ولا يؤذون أحدا في الأشهر الحرم، مع ما هم عليه من الفجور، فهم في هذه الجزئية أفضل من المسلمين الذين لا يراعون لا أشهر حرم ولا غيره ويقاتلون في كل وقت، ويستبيحون ما حرم الله U، فهذا يبين لك أن التجارة كانت تنشط في عدة أشهر، وترخص في بقية العام وهذا بلا شك يؤثر على معيشة الناس اليومية فيؤدي إلى ارتفاع القوت في يوم وإلى انخفاضه في يوما آخر.
أخلاق الجاهليين: فمع ما حكيته من انحطاطهم إلا أن بعض الأخلاق، وهذا من باب الإنصاف بعض الأخلاق الحميدة كانت موجودة في عرب الجاهلية، منها مثلا الشجاعة المنقطعة النظير وكانت هذه الشجاعة وليدة العصبيات والحرب التي كانت بين القبائل فكل إنسان كان على استعداد أن يضحي برأسه في مقابل كلمة قالها، وبعضهم قد تأخذه الشهامة وهذا أيضًا مما يُحمد لهم فيحمل حمالة بين أقوام المختصمين حتى يفض خصامهم.
وعندنا حديث في صحيح مسلم حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة في الجاهلية الحمالة: هي عبارة عن مال يغرمه رجلٌ ما في سبيل أن تتوقف مثلا الحرب أو المعركة بين قبيلتين أو بين أسرتين أو نحو ذلك، كأن يقول مثلا الأسرة تقول أنا مثلا لن أكف عن القتال حتى يدفعون لي كذا، والأسرة الأخرى تمتنع فهو يقول أنا أغرمه وأنا أدفع هذا المبلغ وكفوا عن القتال، هذا هو معنى الحمالة، فقال قبيصة تحملت حمالة في الجاهلية ما بين قبيلتين فتحمل هو المبلغ الباهظ حتى تنفض هذه المعركة فلما أسلم ابتدت القبيلة الأخرى تطالبه بهذا الدين فلم يجد عنده ما يسد به فذهب إلى النبي r وقال له: أريد مالا من مال الزكاة استعين به فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا قبيصة اعلم أن المسألة لا تحل إلا لثلاث الحالات التي يجوز للرجل أن يسأل الناس من أموالهم: لا يجوز للإنسان أن يسأل الناس من أموالهم إلا في ثلاثة أمور فقط- الأمر الأول: رجلا تحمل حمالة فلا يستطيع أن يؤديها من ماله فهذا يحل له أن يسأل الناس ،ثانيًا: رجلا أصابته جائحة فأتت على أمواله كلها –كأن رجل مثلا شب في بيته حريق فهذا الحريق أؤدي بكل ماله فهذا يجوز له أن يسأل الناس،والثالث: رجلا أصابته فاقة –يعني أصابه فقر- فيقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه –ذوي الحجا: يعني أصحاب العقول الراجحة- ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيشهدون أنه أصابته فاقة فهذا تحل له المسألة وما دون ذلك يا قبيصة فهو سحتٌ يأخذه صاحبه».
سحت: حرام، ما دون هذه الثلاثة هذا حرام فهذه الحمالة كانت تدفع بعض العرب أن يضحي بكل ماله في سبيل أن يفضوا نزاعا قائما بين قبيلتين، وهذا بلا شك من الأشياء المحمودة عند العرب، من أخلاق الجاهليين الكرم:أيضًا عندهم هذا الكرم المشهور حتى إن الرجل ليضحي بناقته الوحيدة التي هي قوام أسرته في سبيل ضيفٍ جاءه فيريد أن يكرمه فيذبح الناقة التي كما أقول ليس لهم إلا هي، و عندنا حاتم الطائي هذا مشهور جدًا وهو صاحب طئ ابنه عدي بن حاتم، هذا أسلم وهو صحابي أدرك النبي r فسأل عن حال أبيه، سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن حال أبيه حاتم الطائي وأنه كان يعني يُطعم الطعام وكان رجلا كريما يضحي من ماله أله عند الله أجر فقال r: «إن أباك أراد شيئا فأدركه»، واضح من الجواب أنه ليس له عند الله شيء وأنه في النار «إن أباك أراد شيئا فأدركه» يعني أحب أن يكون كريما وأن يكون مذكورًا في الناس بالكرم فأدرك هذه الخصلة وصار الناس يتحدثون عن حاتم الطائي حتى الآن ويتحدثون عنه حتى تقوم الساعة.
«إن أباك طلب شيئا فأدركه»، وفي الصحيح أن الثلاثة الذين تُسعر بهم النار أول ما تسعر منهم « ورجلٌ جواد أنفق ماله لأجل أن يقال جواد» حتى يقال أنه إنسان سخي، فهذا من الثلاثة الذين تُسعر بهم النار، والعياذ بالله تعالى، فحاتم الطائي بطبيعة الحال لم يكن ينفق من ماله في سبيل الله U رجاء مرضاة ربه إنما لأجل أن يذكر بالكرم، وهذا أيضًا واضحٌ في عبد الله بن جدعان، وهذا كان رجلا في الجاهلية وكان على أمر عظيم من الصدقة ومن عتق الرقاب ومن صلة الرحم، فسألت السيدة عائشة النبي r كما في البخاري عن عبد الله بن جدعان هذا وأنه كان بارا وكان له حسنات فقال له «هو في النار لأنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» إذن فكل فعل للكافر يضيع بكفره، يعني لا تُقبل حسنات الكافر أبدًا كلها تضيع لكن لأن الله حكم عدل ولا يضيع أجر من أحسن عملا فهذا قد يُصير أو يطير ذكر رجل في الدنيا، فتراه أذكر في الناس وأشهر من الصالحين.
و عندنا الكاتب الأمريكي لما كتب العظماء مائة: أعظمهم محمد r وترجمه بعض الصحفيين وكتب في مقدمة الكتاب أن هذه تعتبر شهادة عظيمة جدًا للنبي عليه الصلاة والسلام وللمسلمين أن يفخروا بهذا الكتاب، والحقيقة أنه ليس في الكتاب ما يمكن أن يفتخر به مسلم، لأن شهادة هذا الرجل بأن النبي عليه الصلاة والسلام هو أعظمهم نحن لا نحتاج إلى شهادة كافر، بدليل أنه لو أعجبه فعلا وراقه لأسلم، ولكنه لم يسلم.
ونحن رأينا اعتي منه وأكثر كـ مثلا كسرى وهرقل وهؤلاء الناس أثنوا على النبي r ومنعهم أيضًا الكبر ونحو ذلك والسلطان في الناس من أن يسلموا فشهادتهم بالنسبة لشهادة هذا الكافر أفضل لما كانوا فيه من الذكر والصيت ومن السلطان، فعيب هذا الكتاب وهو محل الشاهد الذي أريده أنه طير أسماء بعض الناس الذين لا يستحقون على أسماء كثير من الصالحين بل الأنبياء، فمثلا وضع إسحاق نيوتن قبل عيسى بن مريم في الترتيب، والترتيب عنده له حكمة فكلما تقدمت من رقم واحد كلما كنت أعظم من المتأخر، فكيف يمكن أن يقول رجل أن إسحاق نيوتن أفضل من عيسى بن مريم؟
لأنه بنى كتابه على جزئية التأثير في الناس، فرأى أن إسحاق نيوتن في هذه المشروعات التي عملها أفضل من عيسى بن مريم الذي لم يعمل شيئا، ويضع عمر بن الخطاب مثلا رقم واحد وخمسين وقدم عليه كثير من الزناه وكثير من الفساق، ما معنى هذا الكلام؟
معناه مثلا أن رجل كعمر بن الخطاب لا يُعرف في الكرة الأرضية كما يعرف إسحاق نيوتن أو كما يعرف مثلا اينشتاين أو كما يعرف أي رجل مغني أو ممثل، فالله U يعطيه ما أراده في الدنيا وليس له في الآخرة نصيب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 35]، فهو من عدله سبحانه وتعالى أنه يعطيه الذكر في الدنيا ويصير اسمه على كل لسان، ولكن في الآخرة ليس له شيء.
فهذا عبد الله بن جدعان النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هو في النار لأنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
يتبع


3 
إنجازات

أم محمد الظن* 04:34 PM 12-23-2011
أيضًا من أخلاق العرب التي كانوا يمدحون بها الوفاء بالوعد: وهذا كان عندهم شيئا عظيمًا جدًا حتى وإن كلفه أن يضحي ببعض أهله حتى يفي بعهده، لكن هذه الأخلاق الحميدة لم تكن هي الأخلاق الغالبة على الجاهلية في ظل هذا الوضع، وأن العرب كان ينتصر فيهم الشريف وأن الوضيع لا قيمة له، وما أفسد الجزيرة العربية إلا الإماء، الحرائر من النساء يعني كن يترفعن عن الانحدار إلى هذه الهوية بخلاف الإماء.
في ظل هذا الوضع بدأت دعوة النبي r تخترق الحجب إلى مكة المكرمة، في هذا الجو يعني الأشراف كان لهم وضع خاص، وكان الغالبية العظمى من الفقراء والإماء بالذات الذي أنا استطردت في حال الإماء لأجل نقطة الفساد التي انتشرت في الجزيرة العربية هذا كان بسبب الإماء، أما الحرائر فكن يترفعن عن مثل هذه الفواحش، تجد عندنا مثلا من الظلم البين الذي كان موجود في الجزيرة العربية، أن الشريف كانوا يتجاوزون عن كل شيء يفعله بخلاف الوضيع، وهذا من الأشياء التي تجعل في النفس مرارة، رجل لأنه ليس من أسرة كريمة ولا لها ظهر ولا شكيمة ولم يكن لها نسب عريق في قريش هذا يظل طيلة عمره عبدا، فكان يجعله يُحس بكثير من المرارة بحيث أنه لو رأى بصيص نور سيكون أول المسارعين له، لذلك تجد أن:
أول الذين دخلوا في الإسلام هم المستضعفون ومما يدل على ذلك:إنما عتاة قريش أبوا أن يدخلوا في الإسلام، لماذا؟ لأنهم ما يحتاجون إلى أكثر مما هم فيه من الشرف، ومما يدل على ذلك واقعتان:
الواقعة الأولى: المرأة المخزومية التي كانت تأخذ المتاع فتجحده، يعني تقترض مثلا منك شيئا ثم تقول أنا لم أخذه، هذا يعتبر سارق ويقام عليه الحد إذا أخذ الشيء فجحده أو أنكره هذا يقام عليه حد السارق، فكانت هذه المرأة تأخذ المتاع فتجحده، ولأنها مخزومية من أخزم وهذه قبيلة شريفة لا يستطيع أحد أن يمسها، لما جاء النبي r بدعوته وسرقت هذه المرأة المخزومية أرادوا ألا يقيموا عليها الحد، لماذا؟ لما درجوا عليه زمان طويلاً من أن الشريف لا يُهان ولا يُقام عليه الحد بخلاف الوضيع.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لأنه حكم عدل قال: «تقطع يدها» حتى التمسوا لها والحديث معروف أسامة بن زيد يذهب حتى يشفع في هذا الحد فقال له عليه الصلاة والسلام: «أتشفع في حد من حدود الله والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» وانظر إلى هذا التعبير في غاية الدقة والتجرد لم يقل والله لو أن فاطمة ابنتي هو الآن يعاملها على أنها امرأة عادية ليست ابنته، لأن الحدود لا محاباة فيها، ثم لا يقول لقطعت يدها، لقطع محمد أي الرسول وليس الوالد، «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يدها» بعيدًا عن تأثير الأبوة، هذه الخصلة الجاهلية تجدها في هذا العصر، فواقعة المرأة المخزومية تبين لك طبقة السادة وطبقة العبيد المهضومين.
الواقعة الثانية: التي تبين لك أن النسب كان مهمًا جدًا وأن هناك بعض الأسر التي لم تكن تنتمي إلى نسب عريق، هذه كانت تظل مطحونة أبدًا، بخلاف مثلا بني عبد المطلب، المشركون ما استطاعوا أن يؤذوا النبي r لأنه من بني عبد المطلب وهؤلاء كانوا خدام البيت، وكانوا أعظم الأسر الموجودة في قريش، فما كان يستطيعون أن يؤذوا، حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى نفر من المشركين يخبرهم بأمر من أمر النبي r، فالله U أوحى لنبيه r أن حاطب يعني فعل كذا وكذا فأرسل علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود وأخرى، وقال لهم اذهبوا إلى روضة خاخ، اسم روضة تجدون ظعينة هناك، الظعينة: هي المرأة في عقاصها كتاب، العقاص : الضفيرة، فالمرأة وضعت الكتاب ، في هذه الضفيرة حتى لا يهتدى لها، وذهبت قامت بدور الجاسوس ،إلى كفار قريش يخبرهم حاطب بأمر من أمر النبي r وأنه سيفتح مكة قريبًا،فذهب علي بن أبي طالب وأحضر الكتاب وحاطب جالس لا يدري شيئا ففتح النبي عليه الصلاة والسلام الكتاب وقراءه وحاطب يسمع أما بعد فمن حاطب بن أبي بلتعة إلى نفر من المشركين يخبرهم بأمر النبي r وأنه سيفتح مكة قريبًا، فقال عمر يا رسول الله دعني أقطع عنق هذا المنافق فقال عليه الصلاة والسلام واتجه إلى حاطب: «ما ذاك يا حاطب؟» قال: يا رسول الله لا تعجل علي فو الله ما فعلت هذا كفرا ولا رضا بالكفر ولست أكفر بعد إيماني، ولكني كنت من قوم ضعاف أردت أن اتخذ عند قريش يدا يحمون بها قرابتي وكنت امرأ ملصقا فيهم»،–هذا هو الشاهد-.
فحاطب بن أبي بلتعة فر وذهب مع النبي r لكن له بقية إخواته أولاد عمه أولاد خاله مثلا فهؤلاء لأنهم ليسوا من أسرة عريقة عرضة للإيذاء من المشركين هناك، فأراد أن يتخذ جميلا يحفظه له كفار قريش فلا يؤذون قرابته فأرسل إليهم يفشي أمر النبي r.
هذا يبين لك أن النسب كان مهمًا جدًا عند العرب، ولكن النسب المعروف وإلا فكثير من الإماء والعبيد ومن السافلة والسوقة والسابلة الموجودة في المجتمع مسألة النسب عندهم لم تكن لها أية قيمة بدليل الرجل يقول لامرأته استبضعي من فلان، أما الأشراف فكانوا يتعففون عن هذا ولا ينكحون إلا حرة.
من الخصال الحميدة في الجاهلية كانت مسألة احترام الكلمة: فإذا قال أحدهم كلمة وهي بطبيعة الحال لا بد أن يكون هذا الرجل من الأشراف أيضًا وإلا فالعبد أو الأمة لا قيمة لكلامه في المجتمع الجاهلي، مسألة الكلمة وأنهما كانوا يحترمونها ويفون إذا أقروا، و سنتعرض لهذا عند هجرة أبي بكر الصديق t إلى الحبشة، أبو بكر الصديق لم يهاجر إلى الحبشة، ولكن وهو في طريقه إلى البحر يريد أن يهاجر قابله زيد بن الدغنه، وهذا ثابت أيضًا في صحيح البخاري، قال: ما أخرجك يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومك إني أريد أن أعبد ربي، قال: قبح الله أرضًا لست فيه وأمثالك يا أبا بكر إن مثلك لا يخرج ولا يُخرج ارجع وأنا جار لك، أنا جار لك: يعني أنت في جواري أنت في حمايتي، وهذا زيد بن الدغنه، وكان كافرًا آنذاك فرجع أبو بكر الصديق وذهب زيدا إلى الكعبة، وقال: أنا أبا بكر جار لي، لا يتصور أن أي عربي يمكن له أن يعتدي على أبي بكر مهما فعل مع أن أبا بكر كان يناله كثيرًا من الأذى قبل جوار زيد بعد قول زيد إنه جار لي، احترم الجاهليون هذه الكلمة فلم ينل أبو بكر أي أذى بعد جوار زيد بن الدغنه، ويبين لك مدى احترام الجاهليين لهذه الكلمة أن أبا بكر الصديق لما بدا لها أن يتخذ مسجدًا في فناء الدار ويقرأ فيه القرآن، وكان رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فكان النساء يمرون، والأطفال يمرون فيرون هذا المنظر الغريب العجيب رجل يقرأ فيبكي فكانوا يلتفون حوله حتى خشي عرب الجاهلية أن يفتن أبو بكر النساء والأطفال ويكون هذا من باب الدعوة للإسلام فذهبوا إلى زيد، مش أخذوا أبو بكر ورموه أو ضربوه لا يفعلون هذا أبدًا؛ لأنهم أعطوا الجوار لزيد يحترمون جوار زيد.
ذهبوا لزيد وقالوا له إنا لا نريد أن نخفر جوارك، يعني لا نريد أن نخترم هذه الكلمة التي أعطيناك إياها ولكننا لا نستطيع أن نتحمل ونسكت على ما يفعله أبو بكر، فإما أن ترد جواره وإما أن تخلي بيننا وبينه فقال زيد يا أبا بكر ما على هذا اتفقنا إن أردت أن تعبد ربك ففي الدار من الداخل أما أن تخرج فإني لا أريد أن يتحدث العرب أن جواري قد اختفر، فقال أبو بكر بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله U.
فهذا يدلك على أن العرب مع هذه الجاهلية الجهلاء كانوا يحترمون الكلمة، وهذا كان من مقومات أن الله U اختارهم لخاتمة هذه الرسالات لأن الإسلام كان يحتاج إلى أقوام فيهم شجاعة وفيهم بذل وفيهم تضحية وكل مسائل الاعوجاج هذه يمكن أن تقوم، تصور رجل كان يعبد صنما، الصنم الكبير وهو هبل أو اللات أو مناة أو العزى، وكان يتخذ نسخة من هذا الصنم في بيته؛ لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن هذا الصنم في يوم من الأيام ولا في لحظة، وهو كثير الأسفار فيأخذ نسخة من هبل مثلا صغيرة ويضعه في بيته يعبده في أوقات الراحة إذا راح استريح من الكبير، وذهب إلى البيت فيجد أيضًا إلها صغيرًا موجودا، فإذا أراد أن يسافر تمسح به قبل أن يسافر، بل بلغ من اقتناع هؤلاء الجاهليين بالأصنام.
أن عمر بن الخطاب يحكون عنه أنه كان له صنما من العجوة فبينما هو في سفر من الأسفار يعبده إذا جاع فأكله، فتصور رجل يأكل إلهه، فكانت الأصنام هذه موجودة في كل مكان حتى تغلغلت عند هؤلاء الجاهليين تصور معي رجل جاهلي يعكف على الصنم الكبير في الكعبة، فإذا رجع إلى بيته عبد الصنم الصغير وحياته تدور ما بين هذا الشرك، وما بين النساء، وما بين شرب الخمر.
أظن لو رجل موجود بهذه المثابة في هذا العصر لقال أي رجل لا فائدة فيه، هذا مخضرم ضليع في الشرك، لا يتصور أن مثل هذا الرجل يمكن أن يهتدي، كيف تحول هذا الرجل الذي وصفته بهذه المثابة إلى رجل موحد لله U نابذ للأصنام كاره للخمر متعفف عن النساء، كيف تحول هذا الرجل؟
إن هذه الدروس بالذات الفترة المكية مهمة جدًا بالنسبة للذين يسلكون سبيل الدعوة لا بد أن يعرفوا كيف عالج النبي r هؤلاء المدمنين للشرك والفواحش؟ حتى صيرهم من رعاة الغنم إلى قادة للأمم، فتنظر مثلا إلى حديث أنس في البخاري عندما حُرمت الخمر، وهذا بعد نزول الإسلام ما طلب منهم أول ما طلب إلا أن ينبذوا الأصنام، وإنه لا يستقيم إسلام مع وجود صنم، أما بقية الأشياء يمكن أن نتفاهم فيها، هكذا كانت دعوة النبي r نبذ الأصنام أولا، وكذلك بالنسبة للداعية ينظر إلى الأهم فالمهم ما مايستفاد من دعوة النبي r :فنستفيد من دعوة النبي r على أن يهتم الذي يدعوا الناس بالأهم ثم يُردفه بالمهم، يعني مثلا لا تأتي على رجل يأتي ألوانًا من الشرك وهو مثلا يدخن السجائر فتعمل معه معركة طاحنة على السجائر مع أن سكوتك عن تدخينه للسجائر ليس إقرارًا منك على ذلك، وكان النبي r يرى كل هذه الأشياء فكان يركز أول ما يركز على التوحيد؛ لأنه إذا وصل المرء إلى إفراد الله U بالعبودية وتلقي الأوامر منه كل شيء هين بعد ذلك، إذا جعل الناس الله U في المكانة التي يكون فيها أو ينبغي أن يكون فيها، كل شيء يتلقى عن الله تعالى بعد ذلك يهون، فإذا قال إن خالقك يأمرك بكذا أو ينهاك عن كذا فالمتصور أنه ينصاع.
وإلا فالعرب كانوا يدمون الخمر، الإحصائية كانت ثلاثة وثمانين في الولايات المتحدة أكبر بلد تنفق مليارات لمحاربة المخدرات وشرب الخمر، ومع ذلك تأتي النسبة المئوية كل عام في زيادة المدمنين للخمر أو الحشيش أو الهروين أو هذه الأشياء، فأين المليارات التي أنفقوها؟ ما هي الثمرة؟
لا يكون هؤلاء أكثر إدمانا للخمر من العرب الجاهليين الذين كانوا يعكفون على الخمر، وكانوا يُحسنون صناعتها ومع ذلك جاء الإسلام في فترة وجيزة، يقول أنس بن مالك بينما كنت أسقي عبد الرحمن بن عوف وأبا طلحة وسمى جماعة من أصحاب النبي r بينما كنت أسقيهم الخمر إذ جاء الجائي فقال إن الله قد حرم الخمر، قال فأرقنا وكسرنا الجرار.
أناس مدمنين سمع واحد يقول: إن الله حرم الخمر لم يخرج فيستثبت يقول لعله كذاب أو لعلها إشاعة إنما قام على جرار الخمر فأراقها وكسرها حتى كانت طرق المدينة ملآنة من الخمر.
كيف يصل المسلم إلى مثل حال هؤلاء؟ فإذا علم أن الله U يكره هذا أو حرم هذا يقلع عنه وإن كانت له فيه شهوة، هذا ما غيره الإسلام العظيم من عرب الجاهلية، ولعلنا في الدروس القادمة إن شاء الله لأننا سنقرأ النص نأتي بنص نختصر السيرة النبوية لأنها طويلة جدًا ومتشعبة جدًا ، أفضل كتاب في السيرة النبوية محقق هو سيرة الحافظ ابن كثير رحمه الله.
فهذه نشرت في أربع مجلدات مفردة وحدها وهي هي الجزء الثاني والثالث من البداية والنهاية، فمن عنده كتاب البداية والنهاية، الجزء الثاني والثالث هذه هي السيرة النبوية للحافظ ابن كثير وأفردها أحد المحققين الأستاذ مصطفى عبد الواحد في أربع مجلدات، الحافظ ابن كثير من عادته أن يسوق السند وأن يمحص يقول هذا غريب، وهذا منكر، هذا صحيح، هذا حسن لكنه أيضًا لسعة السيرة النبوية كان يتجاوز في كثير من الأسانيد فلا يوضحها فالدور هنا الذي نقوم به إن شاء الله أننا سنختصر السيرة النبوية بمعنى أننا في كل واقعة سنكتفي بحديث أو بحديثين أو ثلاثة ونعرض عن الباقي إن كان هناك أكثر أو نكتفي بحديث واحد يكون صحيحا بحيث في النهاية يمكن أن نجمع صحيح السيرة النبوية، وهذا الحقيقة الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله كان يتمنى أن يقوم بهذا العمل لأنه لم يقم به أحد من المسلمين كتابة لأننا نحتاج إلى كتاب يكون بين أيدينا ليس فيه ضعيف، لأن الضعيف لا يؤخذ به في شيء من العلم.
ولك أن تعلم مثلا أن القصة المشهورة وهذه في كل الكتب تراها حتى في كتب الأقدمين كابن عساكر أو كالبيهقي في دلائل النبوة عندما سرد حكاية عرض كفار قريش على النبي r الأموال أو أن يكون رئيسًا في نظير أن يترك دعوته فقال «والله يا عم لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه» هذا لا يصح هذا غير صحيح مع اشتهاره.
فالذي نستفيده أن كل شيء في المنهج الجديد يمكن لك أن تحتج به وأن تبني عليه شيئا في الدعوة، لاسيما العهد المكي لأن هذا مهم جدا، ونحن نحتاج إلى التركيز على العهد المكي لأنه استغرق أغلب حياة النبي r.
ثلاثة عشر سنة يدعو في مكة بدون قتال ولم يؤمر بالقتال، ولم يكن فرض الله القتال على المسلمين، لماذا لم يفرض الله U القتال على المسلمين في الفترة المكية؟ لأنهم كانوا ضعافا وليس عندهم أهبه ولا استعداد، ولأن مظاهر الشرك موجودة في مكة، والتوحيد لم يأخذ هذه الشوكة التي يحمل الناس عليها، فمن الحُنكة ومن الحِكمة إلا يكون هناك قتال وإلا استأصلوهم لأن الإسلام كان يجابه من ثلاثة جهات، من جهة النصارى، ومن اليهود، ومن المشركين.
ثم بعد ذلك لما انتقل النبي r إلى المدينة زاد طرف رابع وهو المنافقون، فهذا الإسلام من يوم أن أذن الله U به على الأرض وهو يقاوم ولو كان الإسلام ممن يتأثر بالمؤامرات لما وجدت إسلاما من قديم لكن هذا دين الله U وهو الذي يحميه كأنما يُقوى، إذا زادت عليه المؤامرات كلما ازداد الناس عليه كلما ظهر الإسلام وظهر معدنه على حد قول الشاعر:
يقابلني السفيه بكل حُمق



فأرفض أن أكون له مجيبا


يزيد سفاهة فأزيد حلما
ك

كعود زاده الإحراق طيبا


البخور هذا لا يمكن أن تشعر بحلاوة البخور إلا إذا أشعلته فكان الإسلام كلما زادت عليه المؤامرات كلما ارتقى وصلب عوده، فلم يأمر الله U المسلمين بالقتال في الفترة المكية لضعفهم فهذا حكم قائم دائم لا يتخلف، فإذا ضعف المسلمون ولم يستطيعوا أن يقوموا بهذا الجهاد يتقووا أولا ثم يقوموا بالجهاد وليس معنى ذلك أن الجهاد ملغي لا بل يظل الجهاد فريضة مُحكمة إلى يوم القيامة لأن الدين تم، لكن الذي تستفيد أنت منه هو المراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية وأن تأخذ الشبه، الذي يسموه العلماء القياس، أن تأخذ الشبه مما مضى، لأنه لا يتصور مثلا وهذا تؤيده دلائل كثيرة من النصوص الشرعية رجل مريض، فلا يكلفه الله U أن يحمل صخرة عظيمة على كتفه، إن كان مريضا فهو يضع عنه الحرج، فإذا ضعفت الأمة المسلمة لا يتصور أن هذا الرجل مثلا الذي مرض في رمضان فأفطر لا يتصور أن الصوم لاغي بالنسبة له لا الحكم ثابت ولكن حدث عارض ما أزال الحكم بالكلية، ولكن أزاله في فترة العرض ثم يعود محكما بالنسبة له، فالأمة المسلمة الآن مفككة أوصالها كثير من ضروب الشرك موجودة في الأمة المسلمة، نحتاج إلى تنقية المجتمع من هذا ثم بعد ذلك تأخذ بما كان عليه النبي r من حمل أولئك الناس على الأمر الأعظم وهو ذروة السنام الذي هو الجهاد كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فالحاصل أن المرحلة المكية هذه سنركز عليها ولعل الحديث يطول بنا فيها فنقرأ ونختار نصًا جامعًا مثلا من صحيح البخاري أو من صحيح مسلم أو من أي كتاب من كتب السيرة التي تمت بالسيرة كما قلنا مثل «ابن عساكر في تاريخ دمشق» أو «البيهقي في دلائل النبوة» أو غيرهم كابن قدامة وغيره الذي أفرد السيرة النبوية بكتاب كبير نختار أجمع هذه الروايات ثم نلقي عليها الضوء بالتفصيل ونأخذ منها العبر حتى يوفقنا الله U إلى أن نخرج من هذا المأزق الذي لم تعرفه أمة الإسلام في يوم من الأيام هذه الفترة التي تعيشها أمة المسلمين منذ سقوط الخلافة العثمانية في القرن الماضي لم تعرفها الأمة الإسلامية في أي عصر من العصور من أيام النبي r، أن تزول الخلافة العظمى التي كانت تظلل العالم، مهما كان ضعيفا أن تزول، فهذه الفترة ولأنها غريبة واضطربت فيها الأقوال الكثيرة، فأرجو أن يكون هذا الدرس درس السيرة النبوية نبراسًا صحيحًا ولم نخرج فيه عن أقوال العلماء المعتبرين حتى يمكن أن نحصر الأقوال، أرجو أن يكون هذا الدرس درسًا نافعا إن شاء الله بالنسبة لكل من يحمل على كتفه دعوة الناس إلى الإسلام.

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.
انتهى الدرس الأول ( أختكم أم محمد الظن )




رد


4 
إنجازات

بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة السيرة الصحيحة
الدرس[2]
إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾( النساء:1).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(الأحزاب: 70،71 )
أَمَّا بَعْــــدُ .........
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ
فسنبدأ من جمعة اليوم إن شاء الله تعالى في سرد صحيح السيرة النبوية وكنا ابتدأنا بها جمعة واحدة قديما فنصل ما انقطع، ونسأل الله U أن ييسر لنا تمامها، وفي ظني أن المسلمين أوتي كثير منهم بسبب جهلهم بتاريخ أسلافهم، اعلموا أنه ليس حدث يحدث الآن في الأرض إلا حدث مثله قبل ذلك أو شبيهٌ له.
كان علي بن أبي طالب t يقول: «واستدل على ما لم يكن بما كان فإن الأمور اشتباه» فلذلك كثيرٌ من الناس يسأل سؤالا تراه سئل قبل ذلك للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أو لصحابي أو لتابعي أو لعالم فكل الذي يحدث في الأرض الآن حدث قبل ذلك، انهيار الأمم حدث قبل ذلك أن انهارت أمم كثيرة، فيجيء العاقل فيحلل الأسباب فيجدها واحدة، المسلمون الآن جهلاء بتاريخهم، جهله بأقدار إسلافهم، لذلك فهم يطعنون عليهم، وهذا الطعن إنما هو من جهلهم بمقدار الناس، ولا يعلم مقدار الناس إلا رب الناس، حتى رأينا من يقول ابن عباس رجل وأنا رجل، هم رجال ونحن رجال، لي رأي ولابن عباس رأيه، ولو أن هذا عرف قدر ابن عباس بل لو عرف قدر نفسه لما تطاول وقال هذه الكلمة.
الجهل بتاريخ الإسلاف أوقعنا في محن كثيرة: والجهل بسيرتهم العملية كيف كانوا يعيشون؟ كيف كانوا ينقلون النص النظري إلى واقع الحياة؟
هذا لا بد أن نعرضه على الناس، حتى يعرفوا أين موقعهم من العالم ؟
سر العَجَب في الجنس العربي : العربي جنس عجيب، وسر العجب فيه أنه لا يصلح إلا بدين يحكمه، غيره يمكن أن ينحل ويرقى، أما هو فلا يرقى إلا بدين، وانظروا إلى:
حال الجزيرة العربية قبل دخول الإسلام :تراهم كانوا أسفل الأمم لا حضارة ولا مدنية ولا علوم، إنما كانت الحضارة في فارس وفي الروم وهم كانوا في مستنقع من الأوحال، كان هناك الزنا بل كان الزنا شيئا مستطابا عندهم، والله تبارك وتعالى حرم الزنا ما أباحه قط يوما؛ لأنه قبيح.
ولا نعلم أن الله تبارك وتعالى حرم شيئا لفساد ذاته ثم أحله أبدًا، فكانت الجزيرة العربية ومن فيها يستحلون الزنا بل يستطيبونه، وهذا واضح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النكاح على أربعة أنحاء – أي على أربعة أشكال–منه نكاح الناس اليوم أن يذهب الرجل فيطلب المرأة من وليها _وهو النكاح الجاري_ اليوم، ونكاحٌ أن المرأة إذا طهرت قال لها زوجها استبضعي من فلان –أي تذهب إلى فلان يزني بها وكان يقصد بذلك نجابة الولد- ونوع ثالث تأتي المرأة فيجتمع عليها الرهط من الرجال كل يصيبها فإذا ولدت ألصقت الولد بواحد منهم فلا يمتنع من انتسابه إليه، ومنه البغايا اللواتي يحترفن الزنا، »وهذه البيوت كن عليها رايات حمراء من أراد أن يزني قصد هذه البيوت،مستنقع من الأوحال يعيش فيه العرب ما علمنا قبل الإسلام أن لهم قيمة أو أن لهم حضارة أو أن لهم يدا على الأمم بل كانوا يقتتلون ويفني بعضهم بعضا لأتفه الأسباب وعندك حرب البسوس مشهورة أربعين سنة لسبب تافه جدًا يقتل بعضهم بعضا مافيا، حرب عصابات الأوس والخزرج، العداء مشهور قبل الإسلام فلما جاء الإسلام نظمهم في سلك، لماذا؟
لأن الله تبارك وتعالى هو الذي ألف بين قلوبهم وامتن على نبيه وعلى الأمة كلها، قال تبارك وتعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63]. ألف بينهم لنصرة هذا الدين ، إن تخلوا عن نصرة دينه نزع هذا الرباط الذي هو الألفة فرجعوا أعداء كما كانوا، وهذا ظاهر جدا في دنيا الناس اليوم.
فلما جاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وجمع بينهم وآخى على القصة المشهورة التي تأتي بعد ذلك حتى أن الرجل كان عنده الرهط من النساء فيأتي إلى أخيه المهاجر فيقول له اختر أجملهن وأفضلهن، فكان يختار ويتنازل له عن ذلك مع أن التنازل عن العرض صعب جدا التنازل عن المرأة لاسيما أنه وكل إليه الاختيار فقد يأخذ أحب النساء إلى الأنصاري، ومع ذلك لا يمتنع، وكان الأوس والخزرج كتيبة الإسلام من أهل الأنصار، انظر بنى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دولته في عشر سنين فقط.بعض الذين لا يستحون مما يقولون، يقول نحن بدأنا الثورة الصناعية مع اليابان، ألا يستحي هذا القائل ألا يستحي إبر الخياطة نستوردها من الصين حتى الآن، موتور السيارة الأطفال في اليابان يصنعونه ، ونحن ما استطعنا حتى الآن تصنيع موتور سيارة ، نحن في انحدار واليابان في رقي لأننا لا نصلح إلا بدين هذه خاصية الجنس العربي يجب على الناس أن يتنبهوا للفرق، هم قالوا الغرب تقدم بغير دين، ورأينا العلمانيين ذوي الوجوه القبيحة يدعون إلى الانحلال، ويقولون ما أخركم إلا هذا الدين، أين هو؟ دلوني عليه أين هو في واقع الناس حتى يؤخرنا؟ ما أخرنا إلا تركه؟ لأننا جنس عجيب.
كما قلت الذي يستقرئ التاريخ بأمانة يجد أن انحدارنا هو سببه بعدنا عن ديننا لا حيلة في الرقي إلا بالرجوع إلى الدين، وقد انفسخت الأمة من دينها من قديم، وما رأينا تقدمًا، أفلا يدل أيها العقلاء على صحة هذا الاستقراء، فنحن نريد أن نرجع إلى تاريخ الأسلاف وأن ننظر إلى طريقتهم، كيف نقلوا النص النظري إلى واقع الحياة؟ حتى نتبعهم في ذلك ونقلدهم:
فتشبهوا أن لم تكونوا مثلهم

إن التشبه بالرجال فلاح

لذلك أرى أن دروس السيرة، وصحيح السيرة النبوية في منتهى الأهمية لمن أراد أن يدفع عجلته إلى الله U حتى يذهب إليه بسلام، ثم هناك شيء مهم جدا يجب عليكم ألا تكتفوا بالسماع فقط، كل يحاول أن ينقل شيئا مما سمع إلى واقع بيته العملي، ما فائدة أن تسمع أن هذا حرام ثم تذهب ولا تغيره، ما الفائدة من القول إذن؟ قامت عليك الحجة، وعلمت أنه حرام تؤاخذ عليه، قد تكون جاهلا قبل ذلك بأن هذا حرام فتعذر، لكن أما وقد عرفت وقامت عليك الحجة، فاستعد لملاقاة الله تبارك وتعالى وأعد الجواب عن سؤالك، لماذا خُلقت؟ أخلقت لترعى رعي الأنعام! أخلقت لتنجب وتدفع إلى البشرية أطفالاً على غير مبدأ!.
أطفال المسلمين كثيرون جدا، وشبابهم كثيرون ويطعنون عليهم في كل مكان، فلا يكتفون إلا بالشجب والاستنكار فقط، لذلك هانوا على الأمم وداسوهم، وليست لهم كرامة، ومما يحذ في النفس أن يكون حامل الحق في مستنقع، وأن يتعالى عليه أهل الباطل، ذلك يزهد الناس في الحق الذي معك، أنت لا تحمي الحق بل أنت تخالفه، ونحن لا ننسى سنة سبعين لما جاء وفد اليابان الذي أسلم وجاءوا هنا إلى مطار القاهرة لأنهم قالوا نذهب إلى بلد الأزهر سنجد الجيل الإسلامي الحقيقي نذهب نتعلم الإسلام فلما دخلوا مطار القاهرة وجدوه لا يختلف عن مطار طوكيو فرجعوا، أين الإسلام الذي نشدوه؟ .
سلوك الناس العملي هو الذي يجعل الإسلام يرجع: دعك من غيرك وخليك في نفسك، أفعل ما تستطيعه حتى تجعل بيتك مسلما، إذا رأيت فيه من الموبقات ارفعه فأنت ولي الأمر والنبي r قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده».
وأنت ولي الأمر ورب البيت فعجبي على الذي لا يستطيع أن يغير منكرا بيده في بيته سقطت ولايته لا قيمة له، ونقرأ عشرات الحكايات العجيبة في الرجال الذين صاروا أشبه بالنعاج تحكمهم النساء وترديهم إلى الباطل، ولا يتحركون سقطت قوامتهم، أهذا هو الرجل الذي قال الله U فيه ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34].
أهذا هو الرجل الذي قال الله تبارك وتعالى فيه ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]، أين الدرجة؟ لذلك أرجو أن يحرص كل مستمع لدروس السيرة النبوية أن ينقل، وأن يتعلم كيف ترجم الصحابة الكلام النظري إلى واقع محسوس في دنيا الناس؟
فهذه الدروس مهمة جدًا حتى بالنسبة للشباب الذي انحرف به الفكر سيعلمون من خلال هذه الدروس، أن السبيل القويم إلى إرجاع الإسلام ليظلل الأرض أن تهتم بالأفراد وأن ترجعهم إلى حظيرة الإسلام، فإن الإسلام بي وبك وبفلان وفلان يبدأ بواحد ثم تنتهي بأمة، كما يقول الشاعر:إن الجبال من الحصى، وكذلك فإن الأمم إنما تنبي على الأفراد ونبدأ من هجرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لماذا؟
لماذا البدء بالهجرة النبوية:لأن في بدء الهجرة تحول تام في دعوة الإسلام، وهو الذي نحتاجه وسنشير إلى الفترة المكية كثيرًا حتى نتعلم منها ونرى، هل ما نعيشه الآن يشبه الفترة المكية أما لا؟
روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (ما عقلت أبواي قط إلا وهما يدينان الدين وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يأتينا بكرة وعشية –يعني في أول النهار وفي آخره- فلما اشتد أذى المشركين على المسلمين، خرج أبو بكر يريد الحبشة فبينما هو في الطريق إذ قابله ابن الدَّغنه وهو رجل مشرك كافر، قال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومي أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال: يا أبا بكر مثلك لا يَخرج ولا يُخرج إنك تكسب المعدوم وتعين الكل وتنصر الضعيف وتعين على نوائب الحق ارجع وأنا جارٌ لك.)فرجع أبو بكر وقد جاور ابن الدَّغنه، فقال له: أدخل في هذا البيت فأعبد ربك، ثم طاف ابن الدَّغنه على أشراف قريش وقال لهم: كيف تخرجون أبا بكر إنه لا يَخرج ولا يُخرج هو جار لي، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغنه أي لم تخفره جواره، وظل أبو بكر ما شاء الله له أن يعبد الله U متسخفيا في بيت ابن الدَّغنه، ثم بدا له في يومٍ من الأيام أن يخرج إلى فناء الدار فيبني مسجد بفناء الدار وفعلا خرج في الفناء وكان يصلي ويقرأ القرآن ويبكي، وكان أبو بكر رجلا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فكان النساء والولدان يقفون ليشاهدوه وهو يبكي ، فقد كانت قلوبهم متحجرة في ظل هذا الجو يظهر رجل يبكي إذا قرأ القرآن فيشد الانتباه فكان النساء يقفن، وكان الولدان يقفون يشاهدون هذا المنظر الخلاب، فقالت قريش لابن الدَّغنه ما على هذا اتفقنا، فإما أن يدخل البيت فيعبد ربه بالداخل فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا وإما أن ترد عليه جوارك فإنا لا نريد أن نخفرك جوارك، فذهب ابن الدغنه إلى أبي بكر وقال يا أبا بكر ما على هذا اتفقنا إما أن تدخل في داخل الدار وتعبد ربك وإما أن ترجع إلي جواري فإني لا أحب أن يتحدث العرب يوما أنني أخفرت في ذمتي، فقال له فقال له أبو بكر بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله U.
الأذى مستمر والمسلمون يهاجرون إلى الحبشة فرارا بدينهم كما قال الله تبارك وتعالى في أسلاف لهم ﴿َمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. لماذا تنتقمون من أولئك؟ لأنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد أو هذه تهمة ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: 56]، لماذا؟ يفسدون في الأرض، لا ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ كذلك الذي يعيش في مستنقع من الأوحال يكره المتطهر، يكره النظيف إنما يرضى بالدون يعيش في وسط الموبقات كلها ﴿ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: 56].
وأنتم عثتم في القاذورات، تنقمون منا لماذا؟ لأننا ندعو إلى الفضيلة، وهم يدعون إلى عبادة العجل، هذه الأوثان المتفرقة في كل مكان، لقد أقسم لي أحدهم وأنا لا أكذبه وهو غير متبوع عن الصدق في قوله أنه رأي بعض الشباب في شارع الهرم، هناك في شارع الهرم تماثيل، رأي بعض الشباب يقف أمام التمثال ويفعل هكذا يصلي صلوات الفراعين أمام التماثيل، دعوة سافرة إلى عبادة العجل، ونرى هذا في المجلات، لاسيما في المجلات الأثرية، ترى الصنم وامرأة أمام الصنم، وقد وضعت يدها هكذا، ثم يقول تحت الصورة صلوات، صلوات من، نحن لا نعرف إلا صلاة المسلمين فقط: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [البروج: 8 - 9].
وهذه تهدئة، للذين يعاندون البلاء، الذي له ملك السموات والأرض، يعني أنك إن وضعت في السجن فأنت في ملكه أيضا، يعني أنت لا تغيب عن بصره، يعني أنت في السجن عبد له، وخارج السجن أيضا عبد له، فيجب عليك ألا تتبرم، وأن تستعد للبلاء ونعم الأسوة، أن تكون أسوتك الأنبياء، لأن الله تبارك وتعالى وصف بعض النبيين والمؤمنين بقوله: ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ [البقرة: 214]، تأمل هذا اللفظ، النبي ومن معه زلزلوا حتى بلغت الفتنة مداها ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214].
وكما في الحديث: «كل آت قريب» إنما البعيد هو الذي لا يزيد، إنما «كل آت قريب» ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنرَاهُ قَرِيبًا ﴾ [المعارج: 6 - 7]، لأنه آت، فهو قريب لا محالة، اشتد أذى المشركين على هذه الصفوة، التي قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيها يوم بدر: «اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، هذا يدل على أن الأرض كفرة كلهم، ما عدا هذه العصابة التي كانت ثلاثمائة رجل، الذين يعبدون الله في الأرض ثلاثمائة رجل قل ألف رجل، يا لظلم العباد، يا حسرة على العباد، يُنزل عليهم كل شيء ويرفعون إليه الذنوب والمعاصي وما ينكسه ويسخطه عليهم، ليس لله U في الكرة الأرضية خمسين بالمائة وهو خالقهم ورازقهم، ليس له من عباده خمسين بالمائة، بل ليس له ثلاثين، ولو أردت أن تتأمل في حال العباد وجدت أنني صادق في هذه النسبة، ثلثا الأرض كفرت، والثلث مسلمون، دعنا من الكفرة، وخلينا فيمن يتسمون بأسماء المسلمين.
هل الله U له كل المسلمين الذين في الأرض؟ لا، أين العلمانيون؟ أين عُباد القبور؟ أين عُباد العجول والتماثيل؟ أين الذين هم أمثال سليمان رشدي؟ أين هؤلاء وهم كثرة كافرة؟ أين أعداء الله في الأرض الذين يتجسسون على عباده المؤمنين؟ هؤلاء في الميزان؟ لا والله.
في صحيح البخاري: أن رجلا كان يجلس في مجلس حذيفة بن اليمان t، وكان سعد بن أبي وقاص هو والي الكوفة، فتحدث رجل بحديث، فقال أحد الجلساء، أنا سأنقل هذا الحديث إلى سعد، سمع كلمة سينقلها إلى الوالي، فقال حذيفة له: لا عليك ألا تفعل -يعني أنت حر- إني سمعت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «لا يدخل الجنة قتات -وفي رواية- نمام» الذي يأخذ الكلام فينقله لاسيما إن كان كلام حق فيشوهه، ولنا موعد مع هؤلاء أمام الله، وإن غدا لناظره قريب، وكل آت قريب.
الناظر يجد أن الخُلص من المسلمين الذين هم في جانب الله U قلة، «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض» اشتد أذى المشركين على النبي r وعلى صحابته، فأراد أبو بكر أن يهاجر إلى المدينة، لاسيما وقد سمع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «إني أُريت دار هجرتكم بين لابتين وهما الحرتان بين جبلين عظيمين وهي المدينة» فأول ما سمع أبو بكر الصديق أن المدينة المنورة هي دار الهجرة، بدأ يستعد في تجهيز جهازه حتى يرحل إلى المدينة المنورة.
فلما أراد أبو بكر t أن يتوجه إلى المدينة قال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «على رسلك يا أبا بكر» والرسِل: هو السير الرفيق البطيء، إذا رأيت رجلا يتعدى طوره، فأردت أن تجعله يتأنى، فتقول له على رسلك، أي هدئ من روعك، خفف الوطء قليلا، قال: «على رسلك يا أبا بكر فإني أرجو أن يؤذن لي بالهجرة، فقال أبو بكر: أو كذاك بأبي أنت وأمي، قال: نعم، أو قال: أجل»، فمنذ ذلك الحين اشترى أبو بكر راحلتين يعني بعيرين أو فرسين وجعل يعلفهما، راحلة له وراحلة للنبي r، حتى كان يوم من الأيام وإذا بالنبي r يذهب إلى دار أبي بكر في موعد ما كان يذهب إليه فيه، وهو في نحر الظهيرة، يعني في عز الحر، وذهب إليه وهو متقنع، يعني قد وضع قناعا عليه، لعله حتى لا يُعرف، فلما أخبر أبو بكر بمقدمه r، قال: بأبي هو وأمي ما جاء الساعة إلا لأمر، فلما دخل النبي r وكان عند أبي بكر ابنتاه أسماء وعائشة، فقال له: «يا أبا بكر أخرج من عندك»، سيفضي إليه بسر، الهجرة، لكنه. .. وذهبت أسماء رضي الله عنها فقطعت نطاقها نصفين، لذلك سميت بذات النطاقين، أو بذات النطاق.والنطاق: هو عبارة عن حزام تستعين به النساء عند الأشغال القوية، تربطه على وسطها ثم تشد صيدها وترخيه إلى أسفل، هذا هو معنى النطاق.
، فالسيدة أسماء رضي الله عنها قطعت نطاقها نصفين، نطاق حزمت به الأكل، ونطاق تحزمت هي به، وكانت حاملا في عبد الله بن الزبير، فكانت هي امرأة الزبير بن العوام t، وهي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان ابن أبي بكر عبد الله يذهب إليهم فيأتيهم بالأخبار، أخبار مكة، وما ينوونه له ولصاحبه، وكان عامر بن فهيرة وكان راعي الغنم، يأخذ اللبن بعد العشاء الآخرة فيذهب إليهما فيعطيهما، حتى مكث في الغار ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك استعانوا برجل بدليل وكان هذا الرجل كافرا، لكنهما ائتمناه على ذلك، وكان دليلهما إلى المدينة المنورة، نورها الله تعالى، فدخل إليها النبي r يوم الاثنين.
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة جدا:، لذلك سنقتصر في هذه الجمعة على بعضه، وأرجو أن أتمه، بعد الخطبة إن شاء الله، قول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين)، أبوها أبو بكر، وأمها هي أم رومان، وأم رومان هذه هي بخلاف أم السيدة أسماء، فأبو بكر الصديق تزوج أكثر من واحدة، فأنجب عائشة من أم رومان، وفي هذا الحديث دليل، في الحديث الآخر أو ؟؟؟ الذي يفيد أن أم السيدة عائشة كانت مشركة، وهو ما رواه البزار في سننه، أن عائشة وأسماء رضي الله عنهما جاءتا إلى النبي r، وقالتا: «يا رسول الله إن أمنا جاءتنا وهي مشركة تطمع في نوال -تريد إعانة مالية- أفنصلها؟ قال: نعم صلاها» هذا الحديث خطأ، منكر، لأن أم السيدة عائشة بخلاف أم السيدة أسماء، أم السيدة عائشة: أم رومان، وعائشة لم ترها قط كافرة، وهذا معنى قولها في أول الحديث: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، يعني إلا وهما يدينان بالإسلام، فالسيدة عائشة لم تر أمها قط كافرة، إنما التي رأت أمها كافرة: السيدة أسماء، وأمها هي قيلة أو قتيلة، والحافظ ابن حجر يقول لعلها أسلمت يوم الفتح، يعني أسلمت في وقت متأخر جدا، مع أنه لا يوجد سند يبين أنها أسملت، لكن جُل الذين صنفوا في الصحابة وصفوها بالإسلام، ما علينا، المهم أن أم أسماء بخلاف أم السيدة عائشة، أضف إلى ذلك أن أم السيدة عائشة كانت مسلمة من قديم وأم السيدة أسماء أسلمت يوم الفتح.
(لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، وكان النبي r يأتينا بكرة وعشية،) يعني يأتينا بكرة أي في البكور، وعشية أي في العشاء، كان هذا موعد ثابت النبي عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى بيت أبي بكر، صاحبه، وخله، وإنك إذا نظرت إلى حسن الصحبة، فانظر إلى صحبة النبي r وتنظر إلى مواصفات الصديق الحقيقي:
صديقك الحق من كان معك

ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك



شتت فيك شمله ليجمعك


هذا هو الصديق الحق، وهو عملة نادرة، لماذا نادرة، لأن الدين غائب، صحبتك للأخ في الله تفيدك كثيرا جدا، بخلاف صحبتك للئام، الذي يصاحبك لمنفعة، فإذا حصل منك المنفعة رماك، لأنه لا دين يحكمه ولا ضمير يحركه من داخله، أما الإخوة في الله فهي أعظم ما يحصله المسلم، أو هي من أعظم من يحصله المسلم في الأرض.
إن كنت عاجزا عن قيام الليل، إن كنت عاجزا عن أن تصوم التطوع، إن كنت فقيرا لا تستطيع أن تتصدق، إن كنت ضعيفا لا تستطيع أن تنكر منكر أو تأمر بمعروف فأحب في الله، هل هذه صعبة، أحبة في الله، لماذا؛ لأن الإيمان مسلم.
ابن الحجاج t روى في صحيحه قال: (بينما رجل يمشي في طريق إذ أنزل الله عليه ملكا في صورة رجل أو أوقف له في الطريق ملكا في صورة رجل، فقال له إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إني ذاهب إلى قرية كذا، فإن لي فيها صاحبا، فقال له الملك: أو ترى أن له عليك نعمة، _يعني له مجاملات كثيرة فأنت ذاهب تزوره من باب رد الجميل، أو من باب المجاملة، هل ترى له عليك نعمة،_ قال لا، غير أني أحبه في الله، فقال: أبشر فإن الله أحبك كما أحببته،) يا له من عبد، هذا العبد الذي يحبه الله U.
هذا لو مدير عام أهتم بأحد الموظفين يكاد يطير فرحا من على الأرض، لو أن رئيسا نظر إلى مرؤوسيه نظرة عطف وأغدق عليه بعض إحسانه الزائل الذي لا قيمة له لصار فرحا، فما بالك بملك الملوك، إذا أحب عبدا يمشي بقدميه على الأرض، يا له من عبد، نسأل الله U أن نكون هذا العبد، فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «إذا أحب الله عبدا، قال يا جبريل إني أحب فلان بن فلان»، تصور عندما يتردد اسمك في الملأ الأعلى، لمجرد أنك تحب في الله بغير عرض، لا تحب فلانا لتنتفع من ورائه بشيء، بل أحبه لكونه مسلما ولكونك تتقرب بهذا إلى ربك، فيعينك هو على تصحيح نيتك.
«إذا أحب الله عبدا نادى في السماء، نادى جبريل إني أحب فلان بن فلان فأحبه، ثم ينادي في أهل السماء إني أحب فلان بن فلان فأحبوه، فيحبه أهل السماء جميعا، ثم يوضع له القبول على الأرض»، حتى أن طوب الأرض يحبه، وقد ورد في بعض الآثار أن الأرض تبكي على الصالح إذا مات؛ لأنها افتقدت الراكع الساجد، الذي كان يسجد عليها ويضع جبهته لربه وبقي الفاجر الفاسق الذي يعيث في الأرض فسادا، فتبكي عليه وحق لها، فإن الصالحين أندر من الكبريت الأحمر في هذا الزمان.

لو نظرت إلى صحبة النبي r وإلى صحبة أبي بكر، لرأيتها نعم الصحبة: وكان النبي r يقول: «ولو اتخذت من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكني خليل الله» وفي صحيح البخاري أنه جرى بين عمر بن الخطاب وأبي بكر شيء مما يجري بين البشر،اختصموا في مسألة وكان في أبي بكر t حدة، فكأنما احتد على عمر ثم إنه رجع إلى صوابه سريعا فقال لعمر: اغفر لي، فقال عمر: لا أغفر لك. فمضى أبو بكر مكسور الخاطر لاسيما الصالح يخشى أن يكون عليه شيء من حقوق العباد يوم القيامة بخلاف السراق الذين لا يجعلون للقاء الله ميزانا، الذين يفتنون على عباد الله الذين يوقعون بينهم البغضاء، إن الكافر يرى ذنبه كالذباب كما في سنن الترمذي «إن المؤمن يرى ذنبه وإن دق كالجبل يكاد أن يسقط عليه، وإن الكافر يرى ذنبه العظيم كالذبابة نزلت على أنفه فقال بها هكذا فصارت» قلة ورعه فذهب أبو بكر إلى مجلس النبي r يبحث عنه وقد رفع ثوبه فأول ما رآه النبي r وكان يجلس مع بعض أصحابه قال: أما صاحبكم فقد غامر حصل شيء فقال أبو بكر: «يا رسول الله إنه جرى بيني وبين عمر كذا وكذا، وقلت له اغفر لي فأبى فقال النبي r يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا، ثم إن عمر ندم فذهب إلى البيت فسأل عنه فلم يجده فتوجه إلى مجلس النبي r فوجده قاعدا هناك، عمر قادم أول ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام تمعر وجهه وأحمر وقال له: لقد جئتكم فقلتم لي كذبت وقال أبو بكر صدقت ومنعتم عني أموالكم وواساني بماله فهلا أنتم تاركوا لي صاحبي»، قال أبو سلمه فما أؤذي بعدها إلى إن مات، واشتهر عن عمر توقيره الشديد لأبي بكر لدرجة أن أبا بكر إذا اجتهد اجتهادا فنظر فيه عمر فرأى له رأيا يخالف رأي أبي بكر قال إني استحي الله تعالى أن أخالف رأي أبي بكر، أبو بكر أعظم صحابي في الإسلام، الذي تكفره الشيعة ويحكمون على أن أصحاب النبي r ماتوا جميعًا ما بين منافق وما بين فاسق ولم ينجوا من النفاق إلا أربعة، المفترون الذائغون الذين ينادى بعض المغفلين بالمقاربة بين أهل السنة والشيعة، هذه المقاربة مستحيلة، مستحيلة وهو يطعن على قرآنك ويقول إن هذا القرآن ثلث القرآن الحقيقي، أين القرآن الحقيقي الذي هو مصحف فاطمة؟ موجود في السرداب، مع محمد بن العسكري، المهدي المنتظر عندهم.رجل يطعن في أصولك ترجوا من قربا، هذا محال، فكان النبي r يجد نفسه مع أبي بكر فكان يتردد على بيته بكرة وعشية، فلما اشتد إيذاء الكافرين للمسلمين، أراد أبو بكر t أن يخرج إلى الحبشة فارا بدينه من إيذاء قومه ، وكنا وقفنا عند ذهاب النبي r لبيت أبي بكر بكرة وعشية، واشتد إيذاء المشركين لأبي بكر t وعلى صحابة النبي r بصفة عامة، وسبق أن هاجر المسلمون إلى الحبشة، في بداية الاضطهاد الذي وقع على المسلمين هاجر كثير من المسلمين إلى الحبشة نحو بضع وثمانين أو أكثر، حتى لما اشتهر فيما بعد عند الذين هاجروا إلى الحبشة بعدما نزلت سورة النجم وقرأ النبي r قوله: ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ [النجم: 62]، فقيل أو ثبت أن كثيرا من المشركين سجد، فظن المسلمون الذين في الحبشة وفروا من قومهم، أن المشركين أسلموا بعد افتعال هذا الواقعة، أن المشركين سجدوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد لما قرأ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، فرجوا إلى مكة فوجدوهم أشد إيذاء للمسلمين، فرجع من رجع إلى الحبشة مرة أخرى.
فحتى أن ابن مسعود وهو أحد الذين رجع في الهجرة الثانية إلى الحبشة قال والصلاة آنذاك كانوا يتكلمون فيها، فكان الرجل بجانب الرجل يكلمه ويحادثه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فمنع الكلام في الصلاة، فجاء ابن مسعود t والنبي r يصلي فألقى عليه السلام، فلم يجبه، ؟؟؟ ابن مسعود في نفسه وظن أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يرد عليه لأنه غاضب مثلا، فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته قال يا ابن مسعود: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء ومما أحدثه تبارك وتعالى في أمره ألا تكلموا في الصلاة» ، لكن تبقى هنا مسألة ونحن لعلنا أشرنا إليها قبل ذلك وهو سلام الداخل على المصلي، يعني الرجل يصلي في المسجد.
هل يسن للذي يدخل المسجد أن يُسلم عليه؟ الجواب نعم. يستحب للداخل أن يسلم على المصلي، وفي هذا تأكيد على السلام، الذين يهملون إفشاء السلام على المسلم في الأوقات العادية في الشوارع وغيره، ينظروا إلى استحباب أن يُفشي المسلم على المصلي السلام، فينظر إلى هذا فيفشي السلام على من يعرف ومن لا يعرف، فإن هذه سنة ماضية والنبي عليه الصلاة والسلام قال فيما رواه مسلم: «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم». المصلي إذا كان يصلي في المسجد ودخل الرجل يقول له السلام عليكم، .
كيف يرد المصلي السلام؟، المصلي يمكنه إن كان قاعدا للتشهد أن يرفع يده هكذا، وإن كان مثلا يقبض اليمنى على اليسرى على الصدر يمكنه أن يرفع يده هكذا، وقد ثبت في أحاديث صحيحة أن النبي r سلم على بعض الصحابة، وأن بعض الصحابة سلم عليه، لكن هذا يبقى وهذه مهمة جدا، القيد القادم، يبقى هذا الأمر بأن تراعي مقتضى الحال، يعني لا تذهب إلى مسجد مثلا لا تعرف فيه هذه المسألة وبعدين تفشيها وتعتقد أنها من الواجبات وتصر عليها فيحدث تفرق في المسجد، لا، فهذه السنة تنفذ في المساجد التي تعرف بها، لماذا؟ نحن لا نريد أن نفرق بين قلوب الناس، نحن نريد أن نجمع الناس على الإسلام، فيمكن لنا أن نترك لنا هذا الشيء المستحب تأليفا لقلب المسلم، لأن تأليف قلب المسلم فرض، وهذا مستحب، وعند جماهير العلماء: إذا تعارض فرض ومستحب يقدم الفرض لأنه أقوى، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: إن من المستحب ترك المستحب لتأليف القلوب، يعني يستحب لك أن تترك الشيء المستحب لتؤلف قلب أخيك، لكن هذه المسألة لها قيد أيضا، وهو أنك لا تترك المستحبات، طيلة حياتك، لا بل تترك المستحب في فترة تأليف القلب، ثم تحمل نفسك وأخيك على فعل المستحب الذي تركته من أجل تأليف القلب، لكن لا يتصور أن أترك المستحب طيلة عمري؛ لأن أؤلف قلوب الناس، لا، أنا أولى من غيري.
﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21]، كلا معنى إن من المستحب ترك المستحب لتأليف القلوب، أنت وأنت تترك المستحب تدعوه، لا تترك المستحب من أجل أن لا يغضب ، وهو ليس عنده خبر أنك تؤلف قلبه، فبذلك تكون خسرته من الجهتين، خسرت في ترك المستحب، وخسرت أنك لم تؤلف قلبه، بل هذه القاعدة تكون في الرجل الذي يؤلف قلب رجل ما، ويرى أنه إن فعل هذا الشيء المستحب نفر منه، فيمكن له أن يترك الشيء المستحب في فترة دعوته إلى الالتزام بأحكام الإسلام، فهذه السنة، وهذه قاعدة عامة في المستحبات إن لم تكن معروفة في المساجد أو في المسجد الذي أنت تريد إفشاء السلام فيه فلا تفشي السلام فيه.
فجاء ابن مسعود إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسلم عليه وحدث كما قصصت عليكم الآن، فرجع من رجع إلى الحبشة مرة أخرى بعدما علم بشدة إيذاء الكافرين للمسلمين، وبقي من بقي حتى هاجر إلى المدينة المنورة، فأراد أبو بكر أن يخرج ويهاجر أيضا إلى الحبشة حتى يعبد الله فبينما هو في الطريق في موضع من مكة إلى جهة اليمن مسيرة خمسة أيام، يعني أنت مثلا لو تصورت الخريطة وهذه مثلا مكة وهذه اليمن، إلى أسفل،هذا مسيرة خمسة أيام من مكة، فبينما هو في هذا المكان إذ قابله زيد بن الدَّغنه وكان رجلا مشركا وكان أبو بكر رجلا تاجرا معروفا بالصدق والأمانة، وكان مشهورا عن النبي r في مكة، حتى أن أبا بكر الصديق لما كان مهاجر ، فكان أبو بكر الصديق خلف النبي r رديف النبي r وكان الشيب في مفرق أبي بكر كثيرا،يعني شاب قبل النبي r، بل لما مات النبي r وجدوا عند عنقفته بعض شعيرات بيضاء، لم يكن دب الشيب في رأسه عليه الصلاة والسلام، بخلاف أبي بكر، فكان الناس يعرفون أبي بكر ولا يعرفون النبي r في المسافة التي هي ما بين الغار إلى المدينة، فكانوا يقولون من معك يا أبا بكر؟ طبعا المسألة سر، وهم قد خرجوا سرا حتى لا يظفر المشركون بهم فيريد ألا يكذب وفي نفس الوقت يريد أن يعرض بهذا الأمر فكان يقول هادي يهديني، الناس يظنوا هادي يهديني يعني في الصحراء دليل يعني في الصحراء، وهو يقصد هادي يهديه إلى الخير، من هذا يا أبا بكر الذي خلفك؟ فكان يقول هادي يهديني، فأبو بكر الصديق قابله ابن الدغنه في ؟؟؟ فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أسيح في الأرض واعبد ربي، إن قومك وفي رواية أن قومي أخرجوني، أنت تلاحظ أن في مطلع الرواية يقول: أهاجر إلى الحبشة، ولما سأله ابن الدغنه قال أسيح في الأرض، لماذا؟ لأنه لم يعين لابن الدغنه مقصوده لأنه كافر وممكن إذا عرف أن اتجاهه للحبشة يبعت وراءه ناس يؤذونه، فأراد أن يعمي عليه جهة سيره فقال: أريد أن أسيح في الأرض، كلمة أسيح في الأرض يعني لم يعين موضعه فإن أراد أن يؤذيه فيصعب عليه أن يتعقبه هو أو أحد من قومه.
فقال له يا أبا بكر مثلك لا يخرج ولا يخرج، يعني مثلك لا يخرج من تلقاء نفسه لأنه خسارة للأرض التي أنت فيها أن يخرج الصالحون خسارة كبيرة جدا أن يخرج الصالحون من الأرض التي ينتظر منه البذل الحصاد الخير ولذلك أفتى بعض المالكية أن الذي فيه منفعة لقوم ألا يتركوه يخرج واستدل بهذه الرواية.
الصفات اشترك فيها النبي r مع أبي بكر رضى الله عنه : مثلك لا يخرج ولا يُخرج، أي لا يخرجك قومك وأنت فيك من الشمائل ما تقنع كل إنسان أو كل قوم أن يضموك إليهم ثم وصفه ببعض الأوصاف، والخير ما شهدت به الأعداء، هذا رجل كافر ويشهد لأبي بكر يقول له: ( إنك تكسب المعدوم وتحمل الكل، وتنصر الضعيف، وتعين على نوائب الحق،) ومن سر هذه الصفات وارتفاعها أن خديجة رضي الله عنها وصفت بها النبي r لما رجع من الغار وهو يقول «زملوني زملوني»، وظن أن شيئا مسه، قالت: (والله لا يخزيك الله أبدا إنك تكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتنصر الضعيف، وتنيب على نوائب الحق).فهذه الصفات اشترك فيه النبي r مع أبي بكر على رأي ابن الدغنه وكان رأيا حقا.
المعدوم أي القاعد عن الكسب، وفي بعض الروايات المعدم.المعدم: هو الذي لا يوجد عنده شيء ينفقه أو يستعين به، فيكسبه: أي يعطيه من حر ماله الحلال ما يعين به هذا الرجل والنبي r يقول: «تصدق وأنت صحيح شحيح ترجوا الغنى وتخشى الفقر ولا تبقى حتى تكون هذه هنا- يعني الروح يعني- ثم تقول هذا لفلان وهذا لفلان وقد كان لفلان» أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، صحيح: يعني بكامل قوتك، شحيح: يعني تأمل في المستقبل إنك تبني مصانع وتبني عمارات وتشتري أراضي وتعمل شركات، وتعمل كذا وكذا، وأنت شحيح، لماذا؟ لأن كلما طال أملك كلما اشتد شحك، وإنما الشح يأتي من طول الأمد، إنك أنت ستعمر كثيرا وسترى مجهودك وستكون أغنى الناس كل هذا يقنعك أنك تضع قرش على قرش حتى تستطيع أن تكون أغنى الناس، لو أنك تصدقت وأنت في هذه الحالة فذلك أفضل الصدقة: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
فإنك تكسب المعدوم، كان أبو بكر الصديق يبحث عن الذين قعدت بهم القوة فيعطيه المال، ماله وهذه الصفة أدخلت رجلا الجنة ؟؟؟ كما رواه الترمذي بسند صحيح «أن رجلا فيمن كان قبلنا وكان غنيا وكان يقرض الناس ، ثم يرسل غلمانه أول الشهر يجمع الأقساط لأن الناس يقول أقرضني ألف جنيه فأعطيك مثلا في الشهر مائة أو خمسين أو عشرة إلى أخره، فكان يرسل غلمانه يجمعوا الأقساط وكان يوصيهم إذا رأيتم فقيرا فتجاوزا عنه، وإذا رأيتم معسرا فأرجئوه يعني لا تدفع هذا الشهر .
انتهى الدرس الثاني أختكم أم محمد الظن

يتبع الدرس الثالث


5 
إنجازات

بسم الله الرحمن الرحيم


سلسلة السيرة الصحيحة


الدرس[3]

إنَّ الحمد لله نحمده َ وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوْذُ بِاللَّهِ تَعَالَىْ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِىَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، (آل عمران: 102)﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾( النساء:1).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(الأحزاب: 70،71 )
أَمَّا بَعْــــدُ .........
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيْثِ كِتَابُ الْلَّهِ تَعَالَي وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّيْ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرِّ الْأُمُورَ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِهِ وَكُلْ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِيْ الْنَّارِ الْلَّهُمَّ صَلّىِ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ ، وَبَارِكْ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِ مُحَمِّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَىَ آَلِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ.
هذا هو الدرس الثالث من دروس صحيح السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فكنا قد وقفنا في الدرس الماضي عند خروجه -صلى الله عليه وآله وسلم- من الغار بهداية عبد الله بن أُريقط الليثي، وكان مشركا على دين قومه فأتمناه ودفعا إليه راحلتيهما، فواعداه أن يأتيا إليهما بعد ثلاث ليالي في غار ثور، فلما جاء الموعد أخذهما بطريق الساحل وانطلق بهما إلى المدينة، وقبل أن نجاوز الأحداث الماضية ننظر إلى بعض الدروس المستفادة من خروجه عليه الصلاة والسلام من مكة ثم مكثه في الغار ثم انطلاقه إلى المدينة.
من الفوائد المستقاة:جواز الاستعانة بالمشركين، وهذا الجواز واضحٌ من صحبة عبد الله بن أريقط للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأبي بكر يهديهما في طرق الصحراء، وكان على دين قومه، يعني كان مشركا، ولذلك بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإجارة في صحيحه باب استئجار المشركين عند فقد المسلمين عند الضرورة، يعني يفهم من هذا أنه لا يستعان بالمشرك ابتداء إلا أن عجزت عن أن تجد المسلم الكفء، ولذلك الإمام البخاري يقول عند الضرورة، فما هي الحاجة التي ألجأته أن يقول عند الضرورة مع أنه لا يُفهم ذلك من واقعة عبد الله بن أريقط، الإمام البخاري شأنه كشأن كثير من أهل العلم والفضل بل جميعهم يوفق بين بعض الأحاديث المتعارضة لأن الإمام مسلم رحمه الله روى في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما أراد أن يخرج إلى بدر جاءه رجلٌ من المشركين فقال استعن بي فقال له عليه الصلاة والسلام «تؤمن أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: لا، قال: فارجع فإنا لا نستعين بمشرك» فهذا الحديث متأخر عن واقعة عبد الله بن أُريقط لأن هذا الرجل الذي قال استعن بي كان قبيل واقعة بدر وواقعة بدر كما هو معروف حدثت في السنة الثانية من الهجرة أي بعد هجرته عليه الصلاة والسلام بسنة وسبعة عشر شهرا وواقعة عبد الله بن أُريقط حدثت وهو مهاجر، فجاءه الرجل مرة ثانية فقال: «استعن بي، قال تؤمن بالله أن لا إله إلا الله وتؤمن بي، قال: لا، قال: فارجع فإنا لا نستعين بمشرك» فجاءه الثالثة فقال «استعن بي، قال تؤمن أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: نعم، قال: إذن فانطلق» فيفهم من هذا الحديث أنه لا يجوز الاستعانة بالمشركين.
فكيف نوفق ما بين هذا الحديث الذي ينفي الاستعانة بالمشركين وما بين استعانة النبي r بعبد الله بن أريقط الليثي؟
هذا هو الذي ورد في تبويب الإمام البخاري عند الضرورة، كلمة عند الضرورة يعني أن الضرورات تبيح المحظورات، يعني إن كان الأصل ألا تستعين بمشرك، وأن هذا نهي تحريم فإنك عند الضرورة يمكنك أن تستعين بالمشرك المؤتمن، المؤتمن وهذا شرط، لأنه لا ينبغي لعاقل أن يستعين بعدوٍله لاسيما في بعض أسفاره، وهذا هو سبيل التوفيق بين الأحاديث المتعارضة، وهنا نقطة خطيرة جدا ركبها بعض الناس فرد كثيرا من الأحاديث الصحيحة بدعوة أنها متعارضة
إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو المبين لكتاب الله U، فلا يجوز أن يستعان فقط بمعرفتك بلسان العرب في فهم كتاب الله U، وأن تُعرض عن بيانه r، قال الله U: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. فهذا يدل على أن بعض ما أنزل الله U تعمى أبصار الناس أحيانا عن فهمه فمهمة النبي عليه الصلاة والسلام هي البيان، فالذي ينحي هذا البيان جانبا، ويعتمد على عربيته أو يعتمد على فهمه هذا ضال.
وأظنكم لا تتوقفون أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أعلم الناس بلسان العرب أيام لم تدخل ألسنتهم عُجمة كانوا كما يقول القائل: عرب أقحاح لم تدخل ألسنتهم فضلا عن قلوبهم عجمة، فكان إذا نزل الوحي فهموه لكنهم ضلوا أحيانا في بعض الفهم بسبب الاعتماد على مطلق اللسان العربي، فهناك أحاديث كثيرة تُبين ذلك منها مثلا على سبيل المثال ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما أن الله تبارك وتعالى، لما أنزل قوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، فشقت هذه الآية على نفوسهم فقالوا: يا رسول الله أينا لم يلبس إيمانه بظلم، ففهموا من قوله تعالى ﴿بِظُلْمٍ﴾ جاءت هكذا على التنكير بغير تعريف بالألف واللام، والشمول يعني أي ظلم مهما كان صغيرا أو بسيطا يقدح في هذا الإيمان، فقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم،؟ فقال النبي r: «ليس كما تفهمون» هنا جاء البيان أخطئوا مراد الله U من الآية واعتمادهم على مجرد الكلام العربي وهؤلاء عرب، قال: «ليس كما تفهمون ألم تقرءوا قول العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] هذا هو الظلم».فلولا بيان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن الظلم الموجود في هذه الآية هو الشرك الأكبر لقلنا كما قال الصحابة أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟.
هل القرء حيضٌ أو طهرٌ؟: قول الله U ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. اختلف أصحاب النبي r في معنى القرء، هل هو حيضٌ أو طهرٌ؟ المطلقة تتربص بنفسها ثلاث حيضات أم ثلاثة أطهار؟ اختلفوا في هذا1- فذهب علي بن أبي طالب وغيره إلى أن القرء حيض وعليه الأحناف، 2-وذهبت عائشة رضي الله عنها وغيرها إلى أن القرء طهر، اختلف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في هذا فتأتي السنة النبوية فتقضي النزاع وهذا هو.
معنى قول العلماء إن السنة قاضية على الكتاب،: أي أنه إذا جاء القرآن الكريم بمعنيين، معنى هكذا ومعنى هكذا ورجحت السنة النبوية معنى من هذين المعنيين أي أنها قضت لأحد المعنيين على الآخر، هذا معنى أن السنة تقضي على الكتاب، وإن استشنع بعض المعاصرين هذه العبارة بجهله بها يقول: كيف تقضي السنة على الكتاب؟ وهو جاهلٌ بهذا المعنى بلا شك لأن معنى إن السنة تقضي على الكتاب كما في هذا المثال، القرء حيضٌ أو طهرٌ، ما نستطيع أن نميز أو نرجح قولا إلا بمرجح قوي لأن علي بن أبي طالب هو علي وفهمه هو فهمه، والسيدة عائشة من أدري الناس بمسألة القرء فتقول طهر، وعلي يقول حيض، فأي القولين أفوض؟
ننظر في سنة النبي r فنجد البيان لما جاءته كما في الصحيحين فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها وقالت يا رسول الله أني امرأة استحاض فلا أطهر يأتيها الحيض مثلا سبعة أيام، وبعد السبعة أيام تظل سبعة أيام أو عشرة أيام ينزل عليها دم أيضا، لذلك هي تقول للنبي عليه الصلاة والسلام أني امرأة استحاض فلا أطهر، لا تطهر دائما لنزول الدم المستمر منها أفأدع الصلاة، فقال: «ليست هذه بالحيضة دعي الصلاة وقت أقرائك» يبقى القرء حيض، لأنه يقول لها دعي الصلاة أي اتركي الصلاة وقت أقرائك، عندما يأتيك القرء اتركي الصلاة فإنما تترك المرأة الصلاة في الحيض فدل على أن القرء حيض، وليس طهر فتأتي السنة النبوية فتحل لنا مثل هذا الإشكال فهذا هو بيانه -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا جاء رجل فرأى حديثين متعارضين من أحاديثه عليه الصلاة والسلام فإياه أن يرد أحدهما أو يردهما كما يفعل بعض المعاصرين، وقد نشر كتابا سماه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث نشر بين الناس شرا مستطيرا برده لكل حديث يخالف آية أو حديثا آخر بزعمه ولو أن كل إنسان رد ما لا يفهمه من السنة أو الكتاب لما وجدت سنة ولا كتابا لو كل رجل رد عشرة أحاديث فقط أو رد أربعة أحاديث أو حديثا واحدا بدعوى أنه لا يفهمه فقد رد الكتاب والسنة جميعا؛ لأن التعارض الظاهري موجود في كثير من الأدلة وحاشا لكتاب الله أن يعارض بعضه بعض أو سنة النبي r حاشاه أن يعارض الكتاب أو أن يضرب قوله قوله الآخر إنما أهل العلم عندهم باب عظيم اسمه باب تأويل مختلف الحديث.
إذا جاء حديثان متعارضان في الظاهر أو حديث وآية متعارضان فإن أهل العلم يجمعون بينهما بمائة وجه من الجمع إن أفلت من الوجه الأول فالثاني فالثالث فالرابع فالخامس ويستحيل أن يخفق العالم في التوفيق بين حديث صحيح وآية أو بين حديث صحيح وحديث صحيح يأتي هذا الرجل فيقول لا يُقتل مسلم بكافر، لماذا؟ لأن الله U يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:45].
فلم يفرق لنا في القرآن الكريم ما بين نفس المؤمن ونفس الكافر، فالنفس بالنفس من قتل يقتل سواء كان مسلما أو غير مسلم، ويرد قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحهما: «لا يقتل مسلم بكافر» ثم يعلل ما ذهب إليه بقوله وهذا أقرب إلى مواثيق حقوق الإنسان فانظر لا يطيق حقوق الإنسان التي وضعها هؤلاء الكفرة إنما هي مواثيق حقوق الإنسان الغربي الفاسد، وليس المسلم لأنه لا يتصور في مواثيق حقوق الإنسان أن يقتل المسلمون في القدس، ولا يتحرك أحد لا يتصور في مواثيق حقوق الإنسان أن يخرج رجل كسلمان رشدي فيعتدي على النبي r وأزاوجه، ولما تقوم ثورات الدول الإسلامية وتذهب الدول الكبرى فتسحب سفرائها، تسحبون السفراء لماذا؟
قامت حرب الخليج وإيران معروف ماذا فعلت في الرهائن الأمريكيين، وما سحبت أمريكا ولا إنجلترا ولا فرنسا سفرائها إنما يسحبون سفرائهم عند احتجاج الدول المسلمة على سلمان رشدي لأنه يعتدي على النبي r وأصحابه، أين مواثيق حقوق الإنسان؟ إنما هي مواثيق حقوق الإنسان الغربي الكافر فقط، أما المسلم لا ليس على الخارطة دماء المسلمون تراق كل يوم، ومع ذلك لا يتحركون أين مواثيق حقوق الإنسان فعار على هذا الإنسان أن يعول أن هذا أقرب إلى مواثيق حقوق الإنسان ويرد حديث النبي r مع أنه من المفترض أن يقول لا تنافي وهو بالفعل لا تنافي بين الآية والحديث من وجهين.
الوجه الأول: أن الله تبارك وتعالى إنما قص ذلك في التوراة فقال U: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فهل كل ما توراة يلزمك أنت أيها المسلم؟ الجواب لا، تشريعنا يختلف عن تشريع من قبلنا في كثير من الأمور والذي عليه أهل الإسلام أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، إن ورد في شرعنا ما يخالفه، أو بمعنى أدق شرع من قبلنا شرع لنا بشرط ألا يرد في شرعنا ما يرده فالعبرة بشرعنا لا بشرع غيرنا وإلا فالتماثيل في شرعنا حرام لا يجوز للمسلم أن يقتني تمثالا لا على هيئة أسد ولا حمامة ولا أي شيء من هذا لا يجوز، ولا يجوز للمسلم أن يمسك تمثالا برغم أنه كان عند سليمان جائزًا: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: 13].
فالتماثيل في شرع سليمان u كانت مباحة لكان في شرعنا حرام فلا يقال أن التماثيل مباحة لأنها أحلت لنبي من الأنبياء، إذا تعارض شرع من قبلنا مع شرعنا يقدم شرعنا بلا شك، وهذا في التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام قال في شرعنا «لا يقتل مسلمٌ بكافر» فالعبرة بشرعنا، أفينصب الخلاف بين حديث صحيح وآية لمجرد هذا الفهم، ثم إن هذا الإنسان يتطرق في الكون أو في الآيات كما لو لم يكن في الكون إلا عقله هو، وهذا ليس إنصافا لأن العلماء مالك والشافعي وأحمد ذهبوا إلى هذا الحديث وقالوا لا يُقتل مسلما بكافر، وذهب أبو حنيفة وحده رحمه الله إلى إن لا يقتل مسلم بكافر احتجاجا بهذه الآية، ليس هناك تعارض فيقال النفس بالنفس فلا يقتل مسلما بكافر، كما لو قرأنا قوله U: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: 3].

الميتة، هل خص الله ميتة دون ميتة؟ لا، حرم الميتة كلها في هذه الآية، وهل خص دما دون دم؟ لا، الدم كله حرم .
فما رأيكم في ميتة السمك، أيجوز أكل السمك؟ يجوزه الجميع نعم، فأين هي في الآية؟ ما رأيكم في الكبد أهو دمٌ أم لا؟ نعم هو دم، أين هو في الآية؟ وقد حرم الله جميع الميتة وحرم جميع الدماء لو اعتمدنا على القرآن الكريم وحده لحرمنا السمك والجراد والكبد والطحال، لكان يأتي بيان النبي r وهو أعلم الناس بكلام ربه تبارك وتعالى فيقول: «أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد، والكبد والطحال» فكيف نفهم هذه الآية؟ نفهمها كالآتي:
حرمت عليكم الميتة إلا السمك والجراد، والدم إلا الكبد والطحال، إلى آخر الآية.
فهذا هو هو في قوله «لا يقتل مسلمٌ بكافر» مع آية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ولما ساق الله تبارك وتعالى المحرمات في سورة النساء ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ...﴾ [النساء: 23] إلى آخر الآية، قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]. فهل يجوز لك أن تتزوج المرأة وعمتها في نفس الوقت، أو أن تتزوج المرأة وخالتها في نفس الوقت؟ على مقتضى الآية نعم لأن الله تبارك وتعالى لم يذكر هذا الجنس من التحريم في الآية بل قال ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ كل شيء وراء هذا محل فهو بالآية حلال، أهناك مسلم على وجه الأرض يفتي بأن يجمع الرجل بين المرأة وخالتها أو بين المرأة وعمتها؟ الجواب لا، ما الذي جعلكم لا تأخذون بالآية وحدها، حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «نهى أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها».
فيأتي بيان النبي r فيخصص أي فيضيف هذا النوع من التحريم على الآية، أين التعارض؟ لا تعارض في الحقيقة كما أن قول النبي عليه الصلاة والسلام «لا عدوى ولا طيرة» فهذا ينفي أن يكون هناك عدوى مع أن الواقع المشاهد أن فيه عدوى، وقوله عليه الصلاة والسلام «فر من المجذوم فرارك من الأسد» لماذا تفر من المجذوم؟ خوف العدوى فهذان حديثان، حديث ينفي العدوى، وحديث يثبت العدوى، أهناك تعارض بينهما؟ الجواب لا، عند التأمل لأن العدوى ثابتة، وقال r: «لا يردن ممرض على مصح» الإنسان لما يكون عنده مرض جرب مثلا أو عدوى لا يردن على آخر صحيح، المقصود بالحديث الأول «لا عدوى ولا طيرة» أي ليست هناك عدوى تنتقل بذاتها، إنما ينقلها الله تبارك وتعالى بإذنه، يعني إن السبب قد يتخلف عن مسببه إن شاء الله غير ذلك، يعني لا يتصورن أحد أن المرض المعدي لا بد أن يعدي في كل مرة هذا لا يقول به أحد، وإنما قد يعدي في الغالب، وهذا واضح من مثل الحديث الذي رواه مسلم أن رجلا جاء إلى النبي r فقال: يا رسول الله إن عندي إبلا أجد فيه الأجرب فيعدي الكل، يعني الرجل الأعرابي تصور أن العدوى تنتقل بذاتها فيقول أني أضع الجمل الأجرب في وسط الجمال الصحيحة فأجد أن الكل صار أجربًا، فقال له عليه الصلاة والسلام: «فمن أعدى الأول» –أول جمل أصابه الجرب من أين أتته العدوى؟ من الله تبارك وتعالى، وهذا لا عدوى، أي لا عدوى تنتقل بذاتها، والمرض المعدي، قد يتخلف أحيانا فلا يعدي، فلا تعارض، ومثلا قوله r: «من سره أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه»، يعني الذي يريد عمره يطول، فليصل رحمه، هذا معنى ينسأ له في أثره، فيأت قائل فيقول: كيف هذا والله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].
فكيف يطول عمره، لمجرد أنه وصل رحمه، فيظن أن هناك تعارضا بين الآية وبين الحديث، وعند التأمل لا تعارض بين الآية ولا بين الحديث، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينسأ له في أثره».
ما هو الأثر؟ الأثر: ما يأثرك أي بعد موتك، هذا هو معنى الأثر، ومنه قول العلماء، علم الأثر أي علم الحديث، أي أن النبي r أثر عنه، وتركه خلفه، فمعنى «من سره أن ينسأ له في أثره».هذا كقول إبراهيم u: ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84].
فهو يذكر بينما الآن كما لو كان حيا، كثير من الأحياء موتى لا يُذكرون، وكثير من الأموات أحياء يذكرون بيننا، فذكرنا لهم كأنه استمرار لحياتهم، هذا معنى ينسأ له في أثره، وقد يحتمل معنى آخر: أن الله تبارك وتعالى يبارك له في عمله بحيث لو عاش ألف سنة لحصل هذا العمل الذي اقترفه في ستين سنة، فكأنما عاش مائة سنة أو مائتي سنة؛ لأن هذا العمل الذي فعله في زمان عمره القصير لو فعله مثلا رجل آخر لاستغرق مثلا عشرات السنين بعد عمره، وهذا كقول الله تبارك وتعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].
فلو أن رجلا مر عليه عشر ليال من القدر، وعبد الله U فيها حق العبادة، أتدرون كم يكون عبد الله؟ 830 سنة، وهو الذي يعيش ستين أو سبعين لقوله عليه الصلاة والسلام: «أعمار أمتي ما بين الستين أو السبعين وأقلهم من يتجاوز ذلك» فرجل سنه ستين سنة؟ أدرك عشر ليال من القدر، فعبد الله فيها فاستجاب الله له، كأنه عبد الله 830 سنة بالإضافة إلى عمره، فهذا هو معنى قوله، أي من معاني قوله عليه الصلاة والسلام: «ينسأ له في عمره» وهذا بهذا الفهم لا يتعارض إطلاقا مع الأجل المبرم المحتوم، الذي يأت العبد في نهاية عمره، فعند التدبر لا تجد خلافا ما بين آية وحديث.
وهكذا نقول في مثل حديث الباب: إنا لا نستعين بمشرك، مع استعانته r بالمشرك فيقال إنا لا نستعين بمشرك مع وجود المسلم الكفء، أو نستعين بالمشرك عند الضرورة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، بمثل هذا الفهم لا نجد إطلاقا تعارضا بين آية ولا بين حديث ولا بين حديثين صحيحين.
إن منزلة السنة النبوية بالنسبة للقرآن الكريم هي منزلة المبين من المجمل ومعروف أن القول المجمل لا يفتن أكثر الناس إلى ما فيه، إنما يفتن الناس عند وجود البيان، فمن أضل ممن رد بيان النبي r بدعوى أنه لا يفهمه، أما قرأ قوله U: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].
أُشكل علي معنى حديث أو معنى آية أكله إلى من هو أعلم مني، لاسيما وقد تكلم العلماء كثيرا في الأشياء التي أنكرها هذا المعترض، لا يجوز أن نجعل العقل حاكما على النصوص، إنما العقل حجة تبعية، إنما تتبع النصوص، لا حجة استقلالية أن ننزلها منزلة النص، أظنكم تعرفون قدر عقل عمر بن الخطاب t، وأنه كان ذروة في الفهم حتى قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- له: «إن يكن منكم محدثون كعمر»، أي ملهمون من السماء، بل وفي الحديث الحسن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو كان بعدي نبيا لكان عمر» لكثرة موافقاته لكتاب الله U، يعرض الأمر فيفتي بالفتوى فينزل القرآن على مقتضى رأي عمر، وللحافظ السيوطي رسالة في موافقات عمر أظنه سماها «قطف الثمر في موافقات عمر»، فأتى بسبعة عشر موضعا القرآن أيد عمر بن الخطاب فيها، ومع هذا العقل الذكي الدراس، ومع هذا الرجل الملهم المحدث من السماء أو الذي إن كان هناك محدث فهو يطوف مرة بالحجر كما في صحيح البخاري فيقبله ثم يقول: والله لأني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلت، إذن عمر لم يفهم لتقبيل الحجر معنى عمر يجهل معنى تقبيل الحجر، الحجر لا ينفع ولا يضر لماذا تقبله يا عمر؟ لأن الرسول قبله فقط، وعجز أن يفهم لماذا يقبل الحجر، أظنه قال لا أقبل الحجر حتى أفهم لا، يكفي أن يفعل النبي r ذلك، وهو لا يفعل الباطل ولا يقره ولا يفعل إلا القربة إلى الله تبارك وتعالى، فحسبك بهذا متابعة للنبي r وإن لم تفهم للأثر معنى وإلا فلو صدرت عقلك في كل شيء ضللت فإن العقل قاصر، ولذلك العلماء يقولون في مثل هذا إن الأمة معصومة بخلاف الأفراد، يعني الأمة إن اجتمعت على شيء فهي معصومة في الجملة لأن كل هذه العقول يصعب أن تجتمع على باطل بخلاف الفرد قد يفتي بالخطأ وقد لا يظهر له وجه الحق، وقد خفي وجه الحق عن كثير من الصحابة في بعض المسائل فخفائه على من يأتي بعدهم أولى وأولى، فلا يجوز أن تصدر هذا العقل وتقول أنا لا أفهم لهذا الحديث معنى، أو تقول مستحيل أن يقول النبي هذا، ومن أدراك أنه لم يقله ولم تحكم بالإحالة وغيرك من العلماء الثقات أفتوا بهذا ومروا عليه جيلا بعد جيل، ما أنكره أحدهم.
أيهما أولى بالضلال مجموعة الأمة كلها أم رجل أو رجلين أو ثلاثة، وقد نترفق في هذه الكلمة فنقول أيهما أولى بالخطأ، رجل فهم فهما أم جماعة تتابعوا على الفهم، لاشك أن الصواب أقرب من الجماعة وأبعد عن الواحد، وهذا معروف عند جماهير العلماء، فلا يجوز للمسلم بدعوى أنه لم يفهم الحديث أو لم يفهم الآية أن يرد الحديث أو الآية، فإن الله تبارك وتعالى قال لمثل أولئك: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].
يخالف عن أمره فليحذر أن يخرج من الدنيا مفتونا أو يصيبه عذاب أليم في الآخرة لأنه رد كلام النبي r والنماذج كثيرة جدا واستقطاعها صعب، والعاقل من رزق الأناة، والسعيد من وعظ بغيره، وقد أفلح من انتهى إلى ما علم، ووقف عند ما فهم ووكل ما لا يفهم إلى عالمه.
من الفوائد أيضا المستنبطة من حديث الهجرة: اتخاذ الأسباب، وأما التوكل الحقيقي ليس معناه أن تسمع الخبر، فإن النبي r اختفى في الغار ولو شاء لخرج ونصره الله، ولو شاء لنجا ولو شاء لمشى على الأرض وما ضره أحدا، لماذا يختفي من المشركين؟ السبب بعض الجهلة يتصور أن أخذك بالسبب هو خلع للتوكل، وما علموا حقيقة التوكل وهو اعتماد القلب على الله، يعني أنك لا تركن إلى السبب على اعتباره أنه هو الذي ينجيك هذا خروج من حقيقة التوكل، إنما يعتمد قلبك على الله تبارك وتعالى وأنه يندي وهذا سبب السفر.
وقد رأينا في هذا العصر بعض الضُلال الذين قالوا من ذهب إلى الدكتور فهو كافر، لماذا؟ ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 80]، فالذهاب إلى الدكتور كفر؛ لأنه يجب عليك أن تنخلع من الأسباب وقد رأيت بعض هؤلاء، وكنا نعم في مكان واحد، فكان هذا الرجل كل صباح وكان من الطائفة التي تدعى بالفرماوية، ففي سنة واحد وثمانين في الاعتقالات التي حدثت جمعتنا الظروف مع بعض أولئك اثنان من الفرماوية مع سبعة عشر رجلا من التكفير مع عشرين رجلا منا، أي من الذين لا يكفرون، فكان هذا الرجل الفرماوي كل صباح ،يلعب تمارين رياضية مع التكفير، فإذا جاءت الفسحة فيأتي بعضهم يزور بعض، فرجل مثلا في زنزانة أخرى يأت فيطمأن على هذا الفرماوي طبعا هو قد تصبب عرقا من اللعب، لماذا يلعب؟ هو كافر إذن لأنه يلعب ليقوي جسمه، ولا يجوز له أن يأخذ بالسبب فماذا يفعل؟ كان يتغطى ببطانية حتى يداري هذا العرق ويكلم الرجل من ثقب الباب على أساس مازال مستيقظا من النوم، ويقول لا تقولوا له إنه كان يلعب، وبعض أن يكلمه ينفض هذه البطانية ويلعب يستمر في اللعب، فاستدرجته مرة في الحديث فقلت له: ما عملك؟ قال: ترزي عربي، قلت له إذن لماذا تشتغل؟ قال ومن أين أنفق، قل له سبحان الله، لماذا لا تذهب إلى الدكتور، قال: لأن هذا عدم توكل، فقلت له: لماذا لا تقعد ويأتيك رزقك من السماء، فهؤلاء الناس يصادمون الفطرة ويصادمون البديهيات العقلية، لا يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، وكما يقول بعض العلماء من أصعب الصعوبات توضيح البديهيات، يعني أنت الآن لو قلت لي اثبت لي أن الشمس مشرقة ما أستطيع أن أتيك بدليل، لأن هذا شيء بدهي مطبوع في العقول، فإن جئت تقول لي، اثبت لي أنني حي، اثبت لي أنني أتنفس، اثبت أن الشمس مشرقة ما استطيع أن أتيك بدليل، وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، و بعضهم ظن أن من سأل الله U كسبب إنه مشرك، خرج بعضهم من المسجد في جولة، فبينما هم يمشون إذ قال بعضهم لبعض نريد أن نشتري جبن وخبز نأكل وهم غرباء عن البلد، فبينما هما يمشيان إذ أبصرا رجلا في الطريق، فقال أحدهما إلى الآخر ، فسأله عن بقاله فجذبه الآخر، جذبة حانق عليه وقال إذا سألت فسأل الله، ما هذا الفهم الأعوج: يا رب دلني على بقالة، هذا شيء عجيب، إذا سألت فسأل الله، يعني هذا الرجل لو سأل لرجل آخر عن بقالة أو عن طريق أو أي شيء، هذا الرجل خرج من رفقة التوكل، هذا فهم وخرجت هناك جماعات كثيرة تدور على مثل هذا الفهم الضال، الذي يخالف بديهيات العقول فضلا عن النصوص الكثيرة.
إن إعمال السبب ليس خروجا من التوكل: كما أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعملون، ومريم عليها السلام لما قال الله لها: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]، وهي حامل،.
ألم تر أن الله قال لمريم
وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
فلو شاء أن تجنيه من غير هزه
جنته ولكن لكل شيء سبب
لو شاء الله لأنزل عليها الرطب وهي حامل وهي بعدما وضعت فيقول لها وهزي إليكِ إعمالا للسبب مع أن هز جذع النخلة لا يسقط الثمرة، وهذا شيء واضح معقول ومع ذلك سبب، هز فقط كما قال الله U لنبيه r ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، أي لا تتصورن أنك بمجرد رميتك أصبت، بل أنت رميت والله هو الذي أصاب، ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ أي وما أصبت الرمية لما رميت ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾.
فليس التوكل أن تنخلع من الأسباب: بل التوكل أن تركن وأن يطمئن قلبك أن هذا السبب ليس هو الذي ينشئ المسبب، إنما الله تبارك وتعالى هو الذي يجعل الشيء بهذا السبب، وهو تبارك وتعالى الذي يبطل مفعول السبب أحيانا، كقوله U: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، مع أنه قد ورد في بعض الآثار أن النار ما أحرقت إلا القيود التي كان يقيد بها إبراهيم u، نزع منها السبب، فاختفاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الغار، إعمالا للسبب حتى يتصورن أحد أن الارتكان إلى السبب خروج من التوكل كما تصور أولئك، وبعض المغفلين يتصورون أنك إن خرجت من ظالمك خائفا، أن هذا ليس اعتمادا على الله، وسبحان الله، ألم يقرؤوا قوله U عن موسى: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: 21]، موسى خرج منها خائفا يترقب وإبراهيم u ﴿ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ ﴾ [هود: 70].
ولوط u لما جاءه قومه يهرعون إليه: ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80]، فعلق النبي r على قول لوط وقال: «يرحم الله أخي لوطا فقد كان يأوي إلى ركن شديد» وهو الله، كيف يقال إن هذا الخائف لا يعتمد على الله هذه أشياء فطرية مركوزة في الفطر، لا ينسبن أحد ما ركز في الفطر مع هذه الثوابت أن يقول: الخوف خروج من الاعتماد على الله، ولقد قال لي أحدهم وهم جماعة التكفير إن أحد نواقض لا إله إلا الله الخوف وهذا شيء عجيب، لم يقل به أحد إطلاقا، لأن هذا الخوف كما قلنا مركوز في الفطر، والله تبارك وتعالى كما سقت لكم من الآيات وهناك أحاديث كثيرة، أن بعض الصحابة خرج خائفا كمثل سفينة لما كسرت به السفينة في البحر، ورأي الأسد فارتعب منه، وقال له السلام عليك يا أبا الحارث إني صاحب رسول الله r قال: فرأيته يمسح جسده في، وسبحان الذي أفهم الأعجمي الكلام العربي، ﴿ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: 56]، قال: فأخذني فدلني على الطريق وضربني بذيله فرأيت كأنه يودعني، أشياء كثيرة إن تكلمنا فيها ضاق المقام جدا وإنما يكفي العاقل قطرة ليستدل بها على البحر.
فنسأل الله U أن يبصرنا بعيوبنا وأن يتقبل منا صالح أعمالنا وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شهر اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وذكها أنت خير من ذكاها أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.
انتهى الدرس الثالث أختكم أم محمد الظن

######
يتبع الدرس الرابع



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.