موقع المصطبة

العودة   منتديات الدولي > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
إنجازات


مواقف إسلامية
الأستاذ الدكتور / عبد الرحمن العدوى

من مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم

في الإسلام مواقف سياسية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد
فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ولا يطالب عباده بما لا يطيقون ، ولذلك كان من رحمته بهم عفوه عمن اكره على كلمة الكفر فنطق بها وقلبه مطمئن بالإيمان ، فإن الله قد رخص له في النطق بها إنقاذاً لحياته المهددة ممن اكرهه


وقد حدث ذلك لعمار بن ياسر رضي الله عنه ؛ قال ابن عباس : أخذه المشركون وأخذوا أباه و أمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم .. فقتلت سمية وقتل زوجها ياسر وهما أول شهيدين في الإسلام ، وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله: ( وكيف تجد قلبك ) قال : مطمئن بالإيمان – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فإن عادوا فعد ) . قال العلماء : لما سمح الله عز وجل بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها إذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم ، وقد نزل في قصة عمار بن ياسر قول الله تعالى (( إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ))
وهذا الموقف وأمثاله يعتبر من التقية التي أباحها الله للمسلم ليدفع عن نفسه ضرراً لا يستطيع دفعه بغير ذلك ، فيظهر الموافقة وهو ثابت الإيمان واليقين ، مطمئن قلبه بذلك . وإظهار خلاف الواقع لدفع الضرر أو جلب مصلحة دينية ضرورية مما أباحه الله لعباده ، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقف لابد فيها من التورية لتحقيق مصلحة المؤمنين وإخفاء المعلومات عن أعدائهم ، فكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورّى بغيرها ، وهذا من الكياسة في شئون الحرب ، وعندما جاء جيش المشركين في غزوة بدر قام رسول الله بعملية الاستكشاف بنفسه ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب سألاه وعرفا منه بعض الأخبار ثم قال الشيخ : من أنتما ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن من ماء . وانصرف عنه ، وبقى الشيخ يتفوه : من أي ماء ؟ أمن ماء العراق ؟
وهكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإجابة المحتملة التي لا تفشى للمسلمين سراً ولا تفيد عدواً وهو موقف قد نسميه في عصرنا بموقف سياسي


النظر فى العواقب حكمة


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
فقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يتجهزون لحربه وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إليهم رسول الله ولقيهم على ماء يقال له ( المريسيع ) وقاتلهم وهزمهم الله ، وبينما رسول الله على هذا الماء اقتتل غلامان لتزاحمهما على الماء فصرخ أحدهما يا معشر الأنصار ، وصرخ الآخر يا معشر المهاجرين . فغضب عبد الله بن أبىّ بن سلول رأس النفاق فقال : أوقد فعلوها لقد صرنا وهم كما قال الأول : سمّن كلبك يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ . يريد أن الأنصار يخرجون المهاجرين من المدينة . وجاء إلى رسول الله من يخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال : مر به عبّاد بن بشر فليقتله . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟ . ولما علم عبد الله بن أبىّ أن مقالته بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إليه وحلف بالله ما قلت ولا تكلمت به وقال قوم من أصحابه لعل الذي نقل إليك قد وهم ولم يحفظ ما قاله الرجل . وفضح الله هذا المنافق وأنزل على رسوله سورة ( المنافقون ) فى ابن أبىّ ومن كان على مثل أمره .
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبىّ الذي كان من أمر أبيه وكان هذا الابن مؤمناً صادقاً – فقال يا رسول الله : إن كنت تريد قتله فمرني به أحمل إليك رأسه ، فقال صلى الله عليه وسلم : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا ، وعرف القوم أن ابن أبىّ كاذب حانث فى يمينه فساء رأيهم فيه وكانوا يرونه قبل ذلك شريفاً وجيهاً حتى إن الأنصار كانوا ينظمون له الخرز ليتوجوه عليهم ملكاً قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فكان نفاقه حقداً على من يرى أنه استلبه ملكه . وساءت حاله بين قومه فكان إذا أحدث حدثاً يؤاخذونه ويعنفونه ، وقال رسول الله لعمر : كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته . قال عمر : والله قد علمت أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري .
إن موقف رسول الله من هذا المنافق ، وموقف ابنه منه ، لموقفان جديران باستجلاء موطن العظة والعبرة فيهما للسير على منهاجهما . والله الموفق ؛




الرسول يؤلف القلوب


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه والإنسانية كلها الرفق فى المعاملة مع الأصدقاء والأعداء على سواء ، ويقول : ( من حرم الرفق فقد حرم الخير كله ) . وهذا الذي يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن المعاملة ومواجهة المواقف بالرفق واللين ، هو تطبيق عملي لأوامر الله تعالى فى قوله : (( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم . وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظ عظيم )) .
وقد جاء من بين مصارف الزكاة الثمانية سهم المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان فى قلوبهم ، والذين ترجى مؤازرتهم وانحسار شرهم ، وهذا من حسن السياسة التي لا تتخذ العنف سبيلاً إلى إسكات الأصوات والأنفاس .
ونعم سبيل الإسلام فى سماحته وحسن معاملته وأخلاقه الداعية إلى العفو عن المسيء والإحسان إليه . ففي الحديث الشريف : ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) .
ومن مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم فى تأليف القلوب ما صنعه فى توزيع غنائم حنين ، فقد نصر الله رسوله والمؤمنين على هوازن وثقيف الذين خرجوا للحرب بجميع أموالهم وأولادهم ونسائهم يحادّون الله ورسوله ، فلما هزمهم الله وجعل أموالهم وأهليهم غنيمة للمسلمين ، انتظر الرسول بضع عشرة ليلة لم يقسم الغنائم لعل هوازن وثقيف يأتون إليه مذعنين ، ثم قسم الغنائم فأعطى المؤلفة قلوبهم عطاء من لا يخشى الفقر فأعطى أبا سفيان مائة من الإبل وأربعين أوقية من الفضة وأعطى ابنه يزيد وابنه معاوية مثل ذلك ، حتى قال أبو سفيان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، لأنت كريم فى الحرب وفى السلم جزاك الله خيراً .

وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ثم مائة ثم مائة وأعطى رجالاً من المؤلفة قلوبهم إبلاً ومالاً كثيراً حتى جمع الله بهم القلوب على محبة الإسلام ونصرة الله ورسوله وصار هؤلاء الذين تألفهم من خير جند الإسلام وقادة جيوش المسلمين .

حرمة المال العام


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
فإن الله تعالى وهو مالك الملك كله ، وإليه يرجع الأمر كله ، وهو الخالق الرازق المتفضل على عباده – جعل الأموال على قسمين : قسم يكسبه الإنسان بعمله وسعيه فيكون له حق حيازته والتصرف فيه وهو المال المملوك لفرد أو أفراد معينين ويطلق عليه اسم ( المال الخاص ) وقد أضاف الله هذه الأموال إلى أصحابها فى آيات من القرآن الكريم مثل قوله تعالى : (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون))
وقسم آخر من المال هو ملك للجماعة كلها من غير تعيين أفراد بأشخاصهم واسمه فى الفقه الإسلامي ( مال الله ) ويكون فى المصالح العامة للأمة كلها وهى المصالح التي تعود عليها بالأمن والرخاء والتمكين فى الأرض ، وحماية الأوطان من الأعداء ، و إعداد كل ما تحتاج إليه الأمة من خدمات عامة ، ووقاية من المرض والفقر والجهل ومن كل الموبقات والمهلكات . ويعبر عن هذا المال فى الاصطلاح الحديث ( بالمال العام ) ويتولى صيانة هذا المال ، وإنفاقه فى مصالح الأمة ، وحمايته من الاعتداء عليه أولو الأمر الذين ولّاهم الله أمر الأمة وأعطاهم الأمر النافذ والسلطان الغالب . ( فالمال العام ) منه يتكون بيت مال المسلمين أو (الخزانة العامة) وموارده من الصدقات الواجبة فى أموال المسلمين ومن الموارد العامة ، ومن الغنائم والفيء والخراج والضرائب التي يقررها ولى الأمر لصالح الجماعة ، ولهذا المال مصارفه التي لا يجوز العدول عنها والتي ذكرنا بعضاً منها وهى المصالح التي تعود بالخير على الأمة كلها ، فليس لأحد أن يستولى على شيء من المال العام أو أن يأخذ منه غير ما يعطيه ولى الأمر له فى مقابل عمل يؤديه أو منفعة يقدمها للأمة أو مصلحة يقدرها الإمام ومن يأخذ شيئاً من المال العام بغير هذا فهو خائن للأمانة مستوجب خزي الدنيا والآخرة .
فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يجمع الزكاة ، فلما جمعها وعاد إلى رسول الله . قال : هذا لكم ، وهذا أهدى إلىّ . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصعد المنبر وقال : ( ما بال العامل نبعثه ، فيقول هذا لكم وهذا أهدى إلىّ ، أفلا جلس فى بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى إليه شيء أو لا ؟
إن حرمة المال العام كحرمة المال الخاص أو أشد ، وإن الذين يأخذون منه بغير حق يستكثرون من عذاب الله يوم لا ينفع دينار ولا درهم



فتنة أطفأها الإيمان

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
فإن من أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن ألف بين قلوبهم ، وأزال عداوة الجاهلية و أحقادها من نفوسهم ، وهداهم بالإسلام إلى ما فيه عزهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة ، وجعلهم به إخوة متحابين بعد أن كانوا قبله أعداء متنافرين وقد امتن الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بهذه النعمة فقال جل شأنه : (( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم ، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ، إنه عزيز حكيم ))

وامتن بنعمة تأليف القلوب والأخوة والهداية على المؤمنين وأمرهم أن يذكروا هذه النعمة ليحافظوا عليها ويبعدوا عنها كل ما يضعفها أو ينقض عراها فقال جل شأنه : (( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون )) 0
وقد كان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداءً بينهما قتال ومعارك ودماء وأشلاء فلما هداهم الله بالإسلام صاروا إخوة متحابين معتصمين بدين الله وفيهم رسوله يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويهديهم إلى صراط الله المستقيم . وكانت هذه الألفة والمحبة تملأ قلوب أعدائهم من يهود المدينة غيظاً وحقداً ، يودون أن لو عادوا إلى الفرقة والعداوة والقتال كما كانوا بل إسلامهم ، وكان هؤلاء الأعداء يسعون إلى ذلك ويعملون على الوقيعة بين هؤلاء المؤمنين المتحابين .
فقد مرّ شاس بن قيس – وكان شيخاً كبير السن عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم – على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح حالهم بالإسلام ، فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد . يريد جماعة الأوس والخزرج . والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار . فأمر فتى شاباً من يهود أن يذكرهم يوماً اقتتلوا فيه قبل الإسلام وقالوا فيه أشعاراً تفيض بالكراهية والوعيد بالقتل وسفك الدماء ويسمى هذا اليوم يوم بعاث ، وفعل الفتى ذلك وأنشدهم أشعارهم فثارت النفوس ، وغلت الدماء في الرؤوس ، وقال كل فريق لصاحبه : لو شئتم لرددناها جذعه أي حرباً طاحنة – وعمدوا إلى السلاح ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، الله الله . أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألّف به بين قلوبكم ؟ فعرف القوم أنها نزغه من نزغ الشيطان وكيد عدوهم ، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا . ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم هذه الفتنة التي أوقدها عدوهم ، وكان إيمانهم بالله ورسول وقاية لهم من هذا الكيد ، وإن أعداء المسلمين لا يفتئون يكيدون لهم مثل ذلك ، ولا يبطل كيدهم إلا الاعتصام بحبل الله والمحافظة على نعمة الله الذي ألّف بين قلوبهم بالإيمان وهداهم إلى صراطه المستقيم فأصبحوا بنعمة الله إخواناً .


الرسول يقبل المشورة


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
فقد كانت غزوة بدر الكبرى أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة ، وأول لقاء بين دولة التوحيد والإيمان بقيادة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودولة الكفر والوثنية بقيادة أبى جهل بن هشام ، وكان المسلمون في عددهم يتجاوزون الثلاثمائة رجل بقليل ليس معهم إلا فرسان وسبعون بعيراً ، بينما جيش قريش يتجاوز الألف مقاتل مجهزين بمائة فرس وستمائة درع وجمال كثيرة لا يحصى عددها 0
وكان خروج المسلمين من المدينة أول الأمر لمواجهة عير قريش الآتية من الشام لعل الله يجعلها من نصيب المؤمنين بما فيها من التجارة والثروات عوضاً عن بعض ما اغتصبه المشركون من أموال المسلمين وثرواتهم عندما أخرجوهم مهاجرين من مكة بغير مال ولا زاد 0

ولم يكن في حسبان المسلمين أن الأمر سينتهي إلى قتال ومواجهة لهذا الجيش الذي أعدته قريش لضرب المسلمين ضربة قاصمة – كما يزعمون – وخرجوا بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله وكما قال قائدهم أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم بها ثلاثاً فننحر الجزر – جمع جزور – ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف لنا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً 0
ووجد المسلمون أنفسهم أمام معركة لابد منها ، وتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ونزل به عند أقرب ماء من مياه بدر ، وهنا قام الحباب بن المنذر كخبير عسكري ، وقال : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلكم الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة 0
قال : يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم – أي من قريش – فننزله ونغور – أي نخرب – ما وراءه من الآبار ، ثم نبنى عليه حوضاً فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي ، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه ، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار 0
إن الحباب بن المنذر كان حكيماً عند إبداء مشورته فهو يسأل أولاً إن كان المنزل الذي نزل فيه رسول الله بناءً على وحى من السماء فليس لأحد أن يغيره أو يبدى الرأي فيه ، فإن الالتزام بأوامر الله من موجبات الإيمان ، أما إذا كان من الرأي والاجتهاد والمكيدة للعدو فهو قابل لإبداء الرأي فيه والمشورة بخلافه ، فلما أخبره رسول الله بأن الأمر يقبل إبداء الرأي أشار الحباب بما أشار به من الرأي الذي رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه ونفذه 0
وذلك درس من دروس الإيمان يجب على كل مسلم أن يعيه وأن يفهمه وأن يلتزم به 0
والرسول القائد النبي المرسل المعصوم يقبل مشورة هذا الجندي ويعدل عن رأيه هو وينفذ ما أشار به الحباب بن المنذر وذلك درس آخر من دروس القيادة الرشيدة التي تقبل الرأي الصائب مهما كان صاحبه ، ولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة .



كتاب حاطب إلى قريش

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
فقد نقضت قريش الصلح الذي كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي كان يقضى في أحد بنوده أن من أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، وتنفيذاً لهذا البند دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصار عليه أن يحميها من العدوان عليها كما يحمى أصحابه ، ودخلت قبيلة بني بكر في عهد قريش وصار عليهم حمايتها كذلك 0
وفى شهر شعبان من السنة الثامنة للهجرة اعتدت قبيلة بني بكر بمؤازرة قريش على قبيلة خزاعة التي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك نقضاً للمعاهدة التي بين رسول الله وقريش والتي عقدت في العام السادس من الهجرة وسميت ( صلح الحديبية ) واستجارت خزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشد عمرو بن سالم الخزاعي أمام رسول الله أبياتاً تحكى قصة هذا الغدر وكان منها قوله :
هم بيتونا بالوتير هجدا 0000 وقتلونا ركعاً وسجدا
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نصرت يا عمرو بن سالم ) وأمر الرسول أصحابه بأن يتجهزوا لغزو قريش في مكة ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار من قريش حتى نباغتها في بلادها .
وكان يتكتم أمر هذه الغزوة حتى لا تصل أخبارها إلى قريش 0
ولكن حدث أن حاطب بن أبى بلتعة كتب كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الكتاب لامرأة وجعل لها أجراً على أن تبلغه إلى قريش 0
ونزل جبريل بخبر الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث علياً والمقداد وحدد لهما مكان المرأة التي معها كتاب حاطب فانطلقا حتى أدركاها وسألاها عن الكتاب فأنكرت أول الأمر فلما اشتد عليها على رضي الله عنه أخرجت الكتاب من بين شعرها وسلمته لهما 0 فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا الرسول حاطباً وال له ( ما هذا يا حاطب ؟ ) فقال لا تعجل على يا رسول الله والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، وما ارتددت ولا بدلت ، ولكنى كنت امرأ ملصقاً في قريش لست من أنفسهم ، ولى فيهم أهل وعشيرة وولد ، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم ، فأحببت أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي 0 فقال عمر بن الخطاب : دعني يا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله ، وقد نافق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك يا عمر ، لعل الله اطلع على أهل بدر 0 فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) 0 فذرفت عينا عمر بالدموع وقال : ( الله ورسوله أعلم ) 0

إن ما فعله حاطب من محاولة كشف سر المعركة لأعداء رسول الله خطأ كبير وإثم عظيم بكل المقاييس ولو حكم عليه الرسول بما رآه عمر لكان عدلاً ، ولكن رحمة رسول الله بالمؤمنين جعلته يعفو عن حاطب ويذكر له ما فعله في بدر من نصرة الله ورسوله 0 هكذا عالج الرسول هذا الموقف بالرحمة التي أودعها الله في قلبه والتي قال عنها الله سبحانه (( فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ))
ذلك موقف حكيم من قيادة نبوية حكيمة يجب الاقتداء به .

اليوم يوم المرحمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
ففي السنة الثامنة من الهجرة أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم العدة لفتح مكة وجهز جيش المسلمين لذلك وغادر المدينة في عشرة آلاف مقاتل في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك ، وسار بالجيش حتى نزل بمر الظهران واستراح فيه ليلته ، وفى الصباح يوم الأربعاء السابع عشر من رمضان غادر الرسول مر الظهران إلى مكة ، وأمر عمه العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ، ففعل العباس ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وراع أبا سفيان ما رآه من قوة جيش المسلمين ونظامهم حتى قال للعباس : والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما .
قال العباس : يا أبا سفيان : إنها النبوة ، قال : فنعم إذن .
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فلما مر بأبي سفيان قال له : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً . فلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال : يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد ؟ قال : وما قال ؟ فقال : كذا وكذا – فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل اليوم يوم المرحمة ، بل اليوم تعظم فيه الكعبة ، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً ، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس ، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد .
ما أروع هذا الموقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بسبيل قتال القوم الذين آذوه وآذوا أصحابه ، والذين أخرجوا المسلمين من ديارهم قهراً وعنوة ، واستولوا على دورهم و أموالهم وثرواتهم ، ودفعوا بهم إلى دار الهجرة بغير مال ولا زاد ، يواجهون مصيراً لا يعلمه إلا الله ، والذين نقضوا الصلح الذي بينهم وبين رسول الله باعتدائهم على قبيلة خزاعة حليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذين نصبوا الحرب مع رسول الله والمؤمنين . وفى كل قتال كانوا هم البادئين المعتدين فهم الذين جاءوا بجيشهم للقتال في بدر وهزمهم الله ، وهم الذين عادوا في العام التالي في غزوة أحد ، وهم الذين جمعوا الأحزاب وحرضوا القبائل لقتال رسول الله والمؤمنين في غزوة الأحزاب التي بدد الله شملهم فيها وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزا .


والآن يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا تاريخهم معه ، ويقول مع ذلك عنهم : اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً ، اليوم يوم تعظم فيه الكعبة ، ثم ينزع اللواء من سعد ابن عبادة خشية أن يكون له في قريش صولة .
ما أرحم حروب المسلمين ، وما أكرم نواياهم وأمنياتهم لمن يحاربون – أن يعزهم الله بالحق والإيمان بالله ، وأن تعظم حرمات الله وشعائره ، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .


الرسول يستعير السلاح من مشرك

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد
فإن الله بعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالإسلام وأمره أن يبلغ رسالة ربه وقال له : (( يأيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ))
وصدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أمره ربه تنفيذاً لقوله تعالى :
(( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين )) واشتدت عداوة المشركين لهذا الدين الذي يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وكان من عتاة الجبارين الذين آذوا رسول الله ومن آمن معه ثلاثة تملكتهم حمية الجاهلية فكانوا حرباً على الإسلام والمسلمين وهم : أبو سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وصفوان بن أمية ، وقد دعا عليهم الرسول في صلاته فأنزل الله عليه قوله تعالى :
(( ليس لك من الأمر شيء ، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ))
وكف الرسول عن الدعاء عليهم . ولما أعز الله دينه ونصر رسوله وتم فتح مكة ، قال عمر : لئن أمكنني الله من هؤلاء لأعرّفنّهم ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم وقال لهم : ( مثلى ومثلكم كما قال يوسف لإخوته : (( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين )) . ) قال عمر : فانفضحت حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال أهل السير : ولما فتح الله مكة على رسوله أطاعت له قبائل العرب كلها وأسلموا إلا هوازن وثقيف قصدوا محاربة المسلمين واجتمعوا على ذلك فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيش يبلغ اثني عشر ألفاً ، وكان في حاجة إلى بعض السلاح فذكر له أن صفوان بن أمية يملك أدرعاً وسلاحاً فأرسل إليه – وهو يومئذ مشرك – فقال : يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى به عدونا . فقال : أغصباً يا محمد ؟ قال : بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك . قال صفوان : ليس بهذا بأس . فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح .

وهكذا تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صفوان قبل إسلامه تعاملاً لا إكراه فيه وهو المنتصر الظافر ، وهدى الله صفوان إلى الإسلام فكان من خير الأصحاب فيما بعد . ولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة .


شجاعة بدّلت الهزيمة نصراً



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أعلى درجات الشجاعة ، وله مواقف كثيرة تشهد بشجاعته ورباطة جأشه وثقته في نصر الله له ولدينه الذي أرسله به ، ومن أعظم مواقفه الشجاعة موقفه في غزوة حنين ، فقد حدث بعد أن فتح الله مكة على المسلمين في السنة الثامنة من الهجرة ، أن امتنعت بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة عن الاستسلام وفى مقدمة هذه القبائل هوازن وثقيف واجتمع بطون من نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال وقد رأت هذه البطون من نفسها عزاً وأنفة أن تخضع لانتصار المسلمين في فتح مكة ، واجتمعت إلى قائدها مالك بن عوف واستعدت للقتال ، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم السبت السادس من شهر شوال في السنة الثامنة من الهجرة وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفاً ، ونظر بعضهم إلى هذا الجيش معجباً بكثرته وقال : لن نهزم اليوم من قلة .

وكان من أمر مالك بن عوف أن سبق المسلمين إلى وادي حنين وفرق كمائنه – جمع كمين – في الطرق والمداخل والشعاب والمضايق فلما وصل المسلمون إلى الوادي وشرعوا ينحدرون فيه فاجأهم الرماة بالنبال تمطر عليهم من كل جانب وقد شدت كتائب العدو عليهم شدة رجل واحد ، وكان للمفاجأة أثرها فتفرق جيش المسلمين وولى جنوده مدبرين وكانت البداية توحي بالهزيمة في هذه المعركة .

وهنا تجلّت شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تفرق جيشه ولم يبق معه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته . فلم تهزه المباغتة ولم يعرف الخوف إلى قلبه سبيلاً ، فأخذ يدفع بغلته نحو العدو معلناً عن نفسه قائلاً :

أنا النبي لا كذب – أنا ابن عبد المطلب

وأمر عمه العباس أن ينادى على الناس وكان جهير الصوت فلما سمعوا نداءه قالوا : لبيك يا لبيك وعادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتدم القتال وكتب الله النصر للمؤمنين وغنموا غنائم كثيرة من الإبل و الأغنام والأموال والسبايا ، وأعز الله دينه بثبات رسوله وشجاعته في هذا الموقف العصيب وسجل القرآن ذلك في قول الله تعالى : (( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين )) .


وهكذا تبدلت الهزيمة نصراً بهذا الموقف الشجاع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنصر الله لعباده المؤمنين .


يتبع


2 
إنجازات

الرسول يعلم خادمه

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فإن شباب الأمة هم عدتها وعتادها ومعقد آمالها في سلامة الحاضر وعظمة المستقبل ، والعناية بالشباب هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الحضارات وتقدم العلوم وازدهار النمو والتقدم في كل المجالات ولذلك عنى الإسلام عناية كبيرة بتربية الشباب من وقت مبكر والمحافظة عليهم من الوقوع في حبائل الشيطان وغوايته ، فإن الإنسان في هذا الوقت من العمر أقرب ما يكون من الاستجابة للشهوات والسعي لتحقيق الملذات ، وهو لذلك في حاجة إلى حمايته ومساعدته على اجتياز هذه المرحلة في أمان وبعد عن الموبقات والمهلكات ورذائل الأخلاق .



والله سبحانه وتعالى يقرر في كتابه الكريم أن السمع والبصر والفؤاد وسائل العلم والمعرفة والتكوين النفسي والعاطفي للإنسان فيقول جل شأنه :

(( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون )) وهو سبحانه يحذرنا من الانحراف بهذه الأجهزة ويخبرنا بأنه سائلنا عنها وعن استخداماتها وكيفية الانتفاع بها فيقول :

(( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً )) ولذلك فإن واجب من بيدهم التوجيه والتربية أن يحفظوا هذه الوسائل من التأثر بملوثات البيئة أو الصحبة أو مغريات الفساد التي تقتحم السمع والبصر والفؤاد وتؤثر فيهن تأثيراً ضاراً . فقد علمنا الله تعالى أن نحفظ أسماع أولادنا وأبصارهم منذ الصغر فلا يسمع الطفل هجراً من القول ولا ينظر إلى عورة محرمة وذلك بتعليم الأطفال الاستئذان في ثلاثة أوقات لها حساسيتها في السمع والبصر وفى التفكير كذلك .

(( من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ، ثلاث عورات لكم )) حتى إذا كبر الطفل وبلغ مبلغ التكليف وجب عليه الاستئذان في كل الأوقات . وقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم أنساً خادمه أن يستأذن .

يقول أنس : كنت خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم أدخل بغير استئذان فجئت يوماً فقال : ( كما أنت يا بني – فإنه قد حدث بعدك أمر لا تدخلنّ إلا بإذن ) وكان الفضل بن العباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم – أي يركب وراءه على الدابة – فجاءت امرأة تستفتيه وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل الرسول يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ويقول : ( رأيت جارية حدثه وغلاماً حدثاً فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان ) .

هذه مواقف تعلمنا أن نصون الشباب ونربيه على الفضائل ونمنع عنه المؤثرات التي تفسد فطرته التي فطره الله عليها .



هذا الدرس لا ينسى



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادته لدولة الإسلام كان يربى أصحابه على تعاليم الإسلام الفاضلة ، ويأخذهم بها قولاً وعملاً ، وإذا حدث من أحدهم انحراف عن هذه التعاليم أو إهمال لبعضها سارع الرسول العظيم إلى المنبر وجعلها موعظة عامة تصحح الخطأ وترد النفوس إلى الصواب الذي يرضى الله ورسوله ، وكان صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المواعظ لا يشهّر بأحد ولا يذكر المخطئ باسمه أو لقبه أو كنيته حتى لا يفضحه على رؤوس الأشهاد ، وذلك من الأدب الإسلامي الرفيع الذي يجب التمسك به والحرص عليه في حياتنا .

وكان من بين حاجات الدولة أن يبعث الرسول عمالاً إلى القبائل والبطون يجمعون الصدقات التي فرضها الله على الأغنياء وجعلها حقاً ثابتاً للفقراء وحدد مصارفها وامتدح الذين يؤدون زكاة أموالهم وجعلهم من أهل الفلاح في الدنيا والآخرة .

فقال جل شأنه (( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون )) وقال سبحانه : ((والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ))

وكان من تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يرسلهم لجمع الصدقات ألا يأخذوا من الناس كرائم أموالهم ونفائس مقتنياتهم التي يعتزّون بها ويفرحون بتملكهم إياها فيقول لعامله في جمع الصدقة ( وإياك و كرائم أموالهم ) أي احذر أن تأخذ النفيس من أموال دافعي الزكاة فإن ذلك يوغر الصدور ويخرج الأضغان ، ويجعل العطاء ثقيلاً على قلب المتصدقين ، وكان يأمر عماله كذلك ألا يأخذوا لأنفسهم شيئاً من أموال الصدقة إلا ما يعطيه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مما خصصه الله لهم من سهم ( العاملين عليها ) أي أجور الذين يجمعونها ويحفظونها ويعملون على صيانتها وتوصيلها إلى رسول الله يوزعها على مستحقيها . وكان الذين يختارهم الرسول لجمع هذه الأموال من الأمانة بالدرجة التي يطمئن بها إلى سلامة تصرفهم وحسن أدائهم وخشيتهم من الله .


غير أنه حدث ذات مرة أن أحد الذين بعثهم الرسول لجمع الصدقة أخذ بعض الأموال بحجة أنها هدية أهديت إليه وهو يظن أنها من حقه وأن قبولها لا يخدش أمانته في شيء .

ولنستمع إلى راوي الحديث يذكر لنا تفاصيل هذه القصة وهو يقول :

استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً على الصدقات يقال له ( بن اللتبية ) فلما قدم بها قال : هذا لكم ، وهذا أهدى إلىّ ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد .. فإني استعمل الرجل منكم على العمل فيأتي ويقول : هذا لكم وهذه هدية أهديت لي ، أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً – والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة ، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر – ثم رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه يقول : اللهم هل بلّغت . رواه البخاري

إن هذا الدرس لا ينسى ، وإن الوعيد فيه شديد لأولئك الذين يباشرون وظائف الدولة ويأخذون من أصحاب المصالح هدايا أو أموالاً يحسبونها حلالاً لهم و بئس ما يصنعون .



سلامة الصدور مطلب إسلامي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ القمة العليا في مكارم الأخلاق وقد امتدحه الله تعالى بقوله : (( وإنّك لعلى خلق عظيم )) وهى شهادة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعظمة أخلاقه ، وقد بعثه الله تعالى معلماً للإنسانية كلها فإن رسالته عامة لخلق الله جميعاً (( قل يا أيها النّاس إني رسول الله إليكم جميعاً )) ومما علمه الرسول للناس حسن الخلق والمحافظة على العلاقات بين الأفراد سليمة من كل شوائب الكراهية أو الحقد أو الغضب الذي يبعثه تأثر النفس وانفعالها لسبب ترى أن فيه إساءة إليها .

وفى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على سلامة نفوس الناس بعضهم مع بعض نجده يعالج كل الأسباب التي قد تدعو إلى نفور الناس من بعضهم أو تشككهم في علاقاتهم فيقول صلى الله عليه وسلم ( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث ) وهو بذلك يعالج موقفاً قد يحدث من بعض الناس دون انتباه لما يتركه هذا الموقف من الحزن أو الشك أو الهواجس في نفس رفيقهما الذي تركاه وتحدثا بعيدا عنه في سرية لا يسمع ما يقال فيها .

ومن تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعية إلى المحافظة على سلامة نفوس الناس بعضهم مع بعض ، وإبعاد عوامل الكراهية والضغينة عن علاقاتهم نجده ينهى أن يخطب الخاطب على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له

فإن الإنسان إذا تقدم لخطبة فتاة وأظهر لأهلها الرغبة في الزواج بها ، وكان منهم قبول وميل إلى إتمام هذا الاقتران ، فإنه لا يجوز لشخص آخر يعلم بهذا الأمر أن يسارع قبل إتمامه ويخطب هذه الفتاة مزاحماً الخاطب الأول ، وقد يكون فيه ميزات تجعل أهل الفتاة ينقضون وعدهم للأول ويرغبون الخاطب الثاني .

هذا العمل وهو الخطبة على خطبة أخيه مما يبعث الضغينة في النفوس ويؤدى إلى العداوة والخصومة وقد تزداد العلاقة بينهما سوءاً فيحدث من المآسي ما لا تحمد عقباه . ولذلك جاء نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب المرء على خطبة أخيه إلا إذا ترك الخاطب الأول وعدل عن رغبته في الاقتران أو أذن للثاني في أن يتقدم إليها ، وهذا الإذن دليل الرضا فحينئذ يجوز للثاني أن يتقدم دون خوف من حدوث العواقب السيئة .

ومثل ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يشترى على شراء أخيه ، وذلك يحدث من بعض الناس دون نظر إلى العواقب السيئة التي تترتب على هذا العمل ، فبعدما يتفق البائع مع المشترى على ثمن سلعة معينة ويتراضيا على ذلك يتدخل بائع آخر ويقول للمشترى أنا أبيعك هذه السلعة بثمن أقل مما اتفقتما عليه ، وهذا هو البيع على بيع أخيه .

أما الشراء على شراء أخيه فصورته أن يتفق المشترى على شراء سلعة معينة بثمن معين فيتدخل شخص آخر ويقول للبائع أنا أشتريها منك بثمن أكثر ويفسد على المشترى الأول صفقته .

وفى كلا الحالين يحدث النزاع والشقاق وغضب النفوس ، ولذلك جاء الإسلام بمكارم الأخلاق يعلم الناس كيف يحافظون على سلامة نفوسهم وحسن علاقاتهم حتى تكون حياتهم سعيدة هنيئة آمنة من كل سوء .

الرسول ينزل على رأى أصحابه

بعد غزوة أحد وما أصاب المسلمين فيها ظن اليهود أن الفرصة سانحة للقضاء على المسلمين في حرب أخرى تتجمع فيها أحزاب الشرك والكفر وتهاجم المدينة لاستئصال شأفة المسلمين نهائياً ، ودبر اليهود هذا الأمر فخرج عشرون رجلاً من زعمائهم و سادات بني النضير إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم ويوالونهم عليه ووعدوهم بنصرتهم فأجابتهم قريش إلى ما طلبوا ، ثم خرج هذا الوفد إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا إليه قريشاً فاستجابوا لذلك ونجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر من قريش وكنانة وحلفائهم من أهل تهامة ومن قبائل غطفان وهم بنو فزارة وبنو مرة وبنو أشجع كما خرجت بنو أسد وغيرهم وهاجم الأحزاب المدينة وفوجئوا بحفر الخندق حولها ولم يكن ذلك معروفاً في حروب العرب وإنما أشار به سلمان الفارسي وحفره المسلمون ، وجرت محاولات من المشركين لاقتحام الخندق وصدهم المسلمون واشتدت المراماة بينهم وقتل رجال من الجيشين ، وفى مواجهة هذه الشدائد في المعركة نقض بنو قريظة عهدهم وانضموا إلى المشركين وقاموا فعلاً ببعض عمليات الحرب وهددوا النساء و الذرارى في المدينة والمسلمون في شغل عنهم بالجيش الزاحف الذي يريد المدينة ومن فيها 0 وعرف الرسول والمسلمون موقف بني قريظة وغدرهم وتحرج الموقف وصار كما صوره الله تعالى بقوله : (( وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا )) وأشفق الرسول صلى الله عليه وسلم على المسلمين من هذا الهول فأراد أن يخفف عنهم وفكر في أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفا بقومهما وتدب الفرقة في صفوف الأحزاب . واستشار الرسول في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رئيسي الأوس والخزرج فقالا : يا رسول الله : إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة ، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه ، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى – ضيافة – أو بيعاً . فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ؟ والله لا نعطيهم إلا السيف ، فصوب الرسول رأيهما وقال : إنما هو شيء أردت أن أصنعه لكم ، ولا نعطيهم إلا السيف .


وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه وهكذا ظهرت قوة الإيمان أمام الشدائد الطاحنة واستحق المؤمنون نصر الله الذي هزم الأحزاب وحده .


من مواقف أمهات المؤمنين

لا والله لا يخزيك الله أبدا

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فبهذه العبارة المطمئنة الباعثة على الثقة الطاردة للقلق والفزع استقبلت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوجها الحبيب محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد جاءها ذات يوم يرجف فؤاده ، وتسرع دقات قلبه ، وهو يقول : زملونى زملونى ، فإن الخائف يشعر بالبرد في أطرافه وأعضاء جسمه ويكون في حاجة إلى الدفء الذي يعيد إليه هدوء نفسه، ولكن محمداً (صلى الله عليه وسلم ) وجد عند زوجه خديجة دفئاً من نوع فريد ، ليس دفء الغطاء والوسائد لكنه دفء نفسي جاء في كلمات حانية معبرة عن الثقة في حماية الله وعونه لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذي لم تعهد منه إلا الخير ، ولم تر في عشرتها معه غير مكارم الأخلاق على مستوى لا يرقى إليه غيره من أهل بيئته فانطلق لسانها معبراً عما تكنه في نفسها من محبة واحترام وتقدير لهذا الزوج العظيم الكريم : ( لا . والله لا يخزيك الله أبدا ) .

كان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يتجهز للتعبد في غار حراء ليالي عدة ثم يعود فيتجهز لمثلها وقد حبب إليه البعد عن الناس والتعبد على دين إبراهيم عليه السلام وهو دين الوحدانية والتعظيم لله خالق السموات والأرض . وبينما هو في خلوته ذات ليلة من ليالي رمضان في غار حراء إذ فاجأه ما ليس في حسبانه ، وإذا بالملك جبريل يظهر له ويقول يا محمد اقرأ . ويجيب محمد صلى الله عليه وسلم : ما أنا بقارئ أي لست ممن يعرف القراءة ، فيأخذه الملك ويحتضنه في قوة أجهدته ثم أرسله وقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ يقول محمد صلى الله عليه وسلم : فأخذني الثانية و غطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ ، فأخذني الثالثة و غطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني وقال :



(( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم )) .. واضطرب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وخاف من هول المفاجأة وأسرع إلى بيته لتلقاه زوجه خديجة وهو يقول : لقد خشيت على نفسي . ولم تفزع خديجة وهى ترى زوجها الحصيف الهادئ الرزين وقد تملكه الخوف ، فكان ثباتها هو المرفأ الآمن الذي استقرت عليه نفس محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذي جاءه الملك بالنبوة اصطفاءً من الله واختياراً له دون كسب أو سعى منه لها ، وجاءت كلمات خديجة في هذا الموقف باعثة للهدوء والطمأنينة في نفس النبي محمد صلى الله عليه وسلم قالت ( لا والله لا يخزيك الله أبدا . إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق ) فكأنها بهذا تقيم الدليل على يقينها بأن الله لا يخزى محمداً أبدا ، فمن كانت هذه صفاته ، فكيف يخزيه الله العادل ، أو يمسه بسوء ، أو يتخلى عنه وتأكيداً لقولها المنبعث عن فطنة ورباطة جأش وسلامة فكر وثقة بعدل الله تعالى ، أخذت زوجها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وهو شيخ كبير قرأ كتب الأولين وعرف كغيره من أحبار أهل الكتاب أن نبي آخر الزمان قد آن وقت بعثته وأنه قد أظلهم زمانه ، وقالت خديجة : يا ابن العم ، اسمع من ابن أخيك . وقص محمد النبي ما جرى له في غار حراء ، واستمع ورقة ، وما لبث أن قال : أبشر يا ابن أخي فإنك نبي هذه الأمة الموعود به في كتب أهل الكتاب وإن ما رأيته هو الناموس الذي أنزل الله على موسى ، وليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك ، إذاً لنصرتك نصراً مؤزراً – وتعجب محمد النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : أو مخرجي هم ؟ قال ورقة : ما أتى أحد بمثل ما أوتيت به إلا أوذي . أي أن هذا شأن الأنبياء من قبلك ، فكن مستعداً لما يصيبك من قومك .

وهدأت نفس محمد صلى الله عليه وسلم وأيقن أن الله قد اصطفاه نبياً ورسولاً

وكان موقف أم المؤمنين خديجة بنت خويلد هو الدفء الذي أشاع في نفسه الهدوء وطرد عنه خوف المفاجأة . وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها بعد وفاتها بكل خير ، ويبدى من ضروب الوفاء لها ما كان مثار العجب عند بعض زوجاته ، فقد كانت أول من صدقه و آمن به ورزقه الله منها الولد ونزل جبريل عليه السلام يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرئها السلام من ربها .

سلام على خديجة من رب العالمين
أم حبيبة وموقفها من أبيها



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فقد هاجرت أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب في الهجرة الثانية إلى الحبشة عندما اشتد إيذاء مشركى مكة لكل من دخل في دين الإسلام ، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة وقال عن النجاشي : إنه ملك لا يظلم عنده أحد .

وكان مع أم حبيبة في هذه الهجرة زوجها عبيد الله بن جحش الذي ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية ، وصارت أم حبيبة وحيدة في أرض غير أرضها ، منقطعة عن قرابتها في مكة . فأبوها مشرك على دين قريش لم يدخل في الإسلام بعد ، وقد تأخر إسلامه إلى السنة الثامنة من الهجرة عند فتح مكة ، وزوجها انفصل عنها أو انفصلت عنه فما يحل للمسلمة أن تكون زوجة لغير المسلم .

ولكن أم حبيبة كانت قوية الإيمان ثابتة اليقين بأن هذا الدين هو الحق الذي لا حق سواه ، وأن محمداً رسول الله وخاتم أنبيائه ، وأن الدين عند الله الإسلام ، فثبتت على إيمانها رغم المحن المتوالية ؛ محنة العذاب الذي لقيته في مكة ، ومحنة شرك أبيها وأهلها وعدم اهتدائهم إلى الإسلام ، ومحنة الهجرة إلى بلد بعيد ليس لها فيه أنيس ، ومحنة ارتداد زوجها وقد كان أنيسها الوحيد في هذه الغربة .

رأت أم حبيبة ذات ليلة فى منامها أن قائلاً يقول لها : يا أم المؤمنين .

قالت ففزعت ثم أولتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني . وقد كان ، فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي الذي أسلم يطلب إليه أن يزوجه إياها فأرسل إليها النجاشي يخبرها بما طلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول لها : وكلى من يزوجك فوكلت خالد بن سعيد بن العاص .

وكان يوماً بهيجاً اجتمع فيه كل المسلمين بالحبشة وخطب النجاشي فقال : الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ، وأشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم عليه السلام .

أما بعد .. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلىّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقتها أربعمائة دينار . ثم سكب الدنانير بين يدي القوم ، ودعاهم إلى طعام فأكلوا وتفرقوا .

وقدمت أم حبيبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقبت ( أم المؤمنين ) وهو لقب أزواج النبي رضي الله عنهم . وفى السنة الثامنة من الهجرة قدم أبوها أبو سفيان إلى المدينة يسعى فى أن يزيد رسول الله فى مدة هدنة الحديبية . وكانت قريش قد نقضت عهدها فلم يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام ودخل على ابنته أم حبيبة فلما هم بالجلوس طوت عنه فراش النبي صلى الله عليه وسلم وسألها : لماذا طويت الفراش عنى ؟ قالت : إنك مشرك نجس لا تجلس على فراش رسول الله . وكان موقفاً تجلت فيه قوة الإيمان وعدم موادة من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .

وتلك صفة المؤمنين بالله واليوم الآخر كما ذكرها الله تعالى فى قوله

(( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه )) .


أم المؤمنين صاحبة الهجرتين



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فقد كان لأبى سلمة وزوجه هند إلى جانب النسب العريق ماض مجيد فى الإسلام ، فقد كانا من السابقين الأولين ، وهاجرا مع العشرة الأولين إلى الحبشة ، ثم قدما مكة بعد تمزيق صحيفة المقاطعة الظالمة التي حبست بها قريش المسلمين فى شعب أبى طالب وقاطعتهم مقاطعة تامة لا بيع ولا شراء ولا مودة ولا مكالمة ولا أي نوع من المعاملة ، وبقى هذا العناء القاسي ثلاثة أعوام عجاف حتى قيض الله من نقض هذه الصحيفة التي كانت معلقة فى الكعبة .

عاد أبو سلمة وزوجه هند من هجرة الحبشة ثم أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى يثرب ، فأجمع أبو سلمة أمره على الهجرة بأهله ، فكانت قصة خروجهما مأساة من مآسي الظلم والطغيان الذي كان يباشره أهل مكة مع المؤمنين بهذا الدين الجديد . فعندما حمل أبو سلمة زوجه وابنه على بعير لهم وأراد الخروج من مكة تعرض له أهل زوجه وانتزعوها منه وجاء أهله وقالوا لا ندع ابننا معها وقد أخذها أهلها فتجاذبوا ( سلمة ) حتى خلعوا يده ، وانطلق به رهط أبيه . وبهذا صار أبو سلمة مهاجراً إلى المدينة ، وزوجه عند أهلها ، وابنهما الصغير عند رهط أبيه ، وظلت الزوجة تخرج كل يوم إلى الأبطح ( جبل بمكة ) تبكى زوجها وابنها حتى تمسى ، سنة أو قريباً منها ، وأخيراً رق لها أحد أقربائها وقال لأهلها ألا ترحمون هذه المسكينة ، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها ، وما زال بهم حتى قالوا لها : إلحقي بزوجك إن شئت . فخرجت وحيدة مهاجرة تريد اللحاق بزوجها فى يثرب ومعها وليدها ( سلمة ) ووصلت دار الهجرة الثانية واجتمع شمل الأسرة المعذبة فى دين الله ، وتفرغت أم سلمة لتربية أولادها وتفرغ زوجها للجهاد فى سبيل الله ، وكانت أم سلمة أول ظعينة دخلت المدينة ، كما كانت من المهاجرين الأولين إلى الحبشة .

وشهد أبو سلمة غزوة بدر وشهد أحداً ورمى فيه بسهم أصاب عضده ، ثم عقد له الرسول لواء سرية بعد أحد فقاد معركة ظافرة وعاد بأصحابه إلى المدينة سالمين غانمين قد أعادوا بعض ما ضيعت ( أحد ) من هيبة المسلمين ، وانتكأ جرح أبى سلمة وتضاعف أثره حتى مات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة .
وترملت أم سلمة ذات الهجرتين الصابرة فى دين الله ومعها من الأولاد أربعة : سلمة وعمر وزينب ودرة . وفى سبيل مواساتها فى فجيعتها خطبها أبو بكر فردته فى رفق ، وخطبها عمر بن الخطاب فكان حظه كصاحبه ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها فأشفقت ألا تكون جديرة ببيت النبوة وقد كبرت سنها ومعها عيال صغار فأرسلت تعتذر بذلك وبأنها ذات غيرة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أكبر منك سناً ، وأما الغيرة فيذهبها الله عنك وأما العيال فإلى الله ورسوله . وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت الصابرة ذات الهجرتين أمّاَ للمؤمنين .


أم سلمة تنقذ الموقف


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

ففي السنة السادسة من الهجرة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام وطافوا به معتمرين فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة ففرحوا بذلك وحسبوا أنهم يدخلون مكة فى عامهم هذا . وتحرك الرسول والمسلمون معه إلى مكة فلما كان بذي الحليفة – ميقات أهل المدينة – قلد الهدى وأشعره وأحرموا بالعمرة ، وساروا حتى وصلوا الحديبية على مقربة من مكة أعلنت قريش أنها مانعة رسول الله والمسلمين عن دخول مكة ولو اقتضى الأمر قتالهم ، وتحركت الرسل بين أهل مكة والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخبرهم أنه لم يأت لقتال ، وانتهى الأمر إلى توقيع صلح الحديبية ، وكان من بين شروط هذا الصلح : أن يرجع الرسول من عامه هذا فلا يدخل مكة ، فإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً معهم سلاح الراكب : السيوف فى قرابها ، ولا تتعرض لهم قريش بأي نوع من أنواع التعرض .


وأحزن المسلمين أن يرجعوا دون أن يدخلوا مكة ويؤدوا مناسك عمرتهم ، وعز ذلك على عمر بن الخطاب وأظهر حزنه فى مناقشة صريحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عمر : يا رسول الله – ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى . أليس قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار ؟ قال : بلى . قال ففيم نعطى الدنية فى ديننا ، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ قال : يا بن الخطاب إني رسول الله ولست أعصيه ، وهو ناصري ولن يضيعني أبداً – قال أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قال : لا . قال فإنك آتيه ومطوف به . وانطلق عمر إلى أبى بكر وقال مثل هذا القول . وأجابه أبو بكر كما أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزاد : فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق .


فى هذا الجو الحزين أمر رسول الله أصحابه أن ينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم ويتحللوا من إحرامهم ، وكرر ذلك ثلاثاً وما منهم من مستجيب ، فدخل على زوجه أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس فقالت : ( يا نبي الله أتحب ذلك ؟ أخرج إليهم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنتك وتدعو حلاقك فيحلقك ) وفعل الرسول ما أشارت به أم سلمة فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً وندماً ، وثابوا إلى رشدهم بعد أن غلبتهم عواطفهم ، وأنقذ الله بمشورة أم سلمة موقفاً كاد أن يهلك فيه المسلمون بمخالفتهم أمر نبيهم ، وما قصدوا مخالفة ولا إباء ، وهم الذين بايعوه تحت الشجرة على الموت فى سبيل الله لما أشيع أن قريشاً قتلوا عثمان بن عفان الذي أرسله النبي إليهم ، ورضي الله عنهم بهذه البيعة ، وإنما هي صدمة المفاجأة بانهيار أملهم فى الطواف بالبيت ، والحزن الذي أصابهم لعدم إتمام عمرتهم ، ثم ثابوا إلى رشدهم ، وكشفت الأيام بعد ذلك أن صلح الحديبية كان فتحاً من الله عظيماً .



أفيك أستشير أبوي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فقد كانت المعيشة فى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم زهداً وكفافاً عبرت عنه السيدة عائشة بقولها : ( إنه يمر علينا الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة ما يوقد فى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار) قال عروة بن الزبير : وما كان طعامكم يا خالة ؟ قالت : الأسودان التمر والماء .

هذا الزهد كان اختياراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عرض عليه أن يكون له جبال مكة ذهباً فأبى وقال فيما روى عنه : بل أجوع يوماً فأسأل الله ، وأشبع يوماً فأحمد الله . إنه صلى الله عليه وسلم يحب أن يكون موصولاً بالله دائماً لا تغيب عظمة الله وقدرته وجلاله عنه طرفة عين ، وكان هذا القرب الموصول قرة عينه وسعادة قلبه وبهجة فؤاده ، ما يود أن يصرفه عنه شيء من متاع الدنيا وزينتها . ويبدو أن نساءه صلى الله عليه وسلم قد أصابهن فى وقت بعض الضعف عن احتمال هذا الشظف من العيش فاتفقن على أن يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة النفقة والتوسعة عليهن بعض الشيء ، وسألنه ذلك مجتمعات والرسول ساكت لا يرد عليهن شيئاً .

ويروى البخاري ومسلم وقائع هذا الاجتماع عن جابر بن عبد الله قال : أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن فلم يؤذن له ، ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن فلم يؤذن له ، ثم أذن لأبى بكر وعمر رضي الله عنهما فدخلا ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت . فقال عمر رضي الله عنه : لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك . فقال عمر : يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد – امرأة عمر – سألتني النفقة آنفاً فوجأت – دفعت – عنقها ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم . وقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة ليضربها ، وقام عمر رضي الله عنه إلى حفصة كلاهما يقولان : تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده . فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلن : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده .


وأنزل الله عز وجل آية الخيار (( يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً ))

فأمر الله رسوله أن يخير نساءه بين رغبتهن فى الحياة الدنيا وزينتها فيطلقهن ويحسن إليهن ويسرحهن سراحاً جميلاً ، وبين إرادتهن الله ورسوله والدار الآخرة فيكون لهن الأجر العظيم عند الله تعالى ، وفى هذا غاية الإنصاف لهن حيث جعل أمر الاختيار إليهن ولم يكره واحدة على حياة لا تستريح إليها .

وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة – وكانت أصغرهن سناً – فقال : (إني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمرى أبويك ) قالت : وما هو ؟ فتلا عليها (( يأيها النبي قل لأزواجك )) الآية قالت عائشة رضي الله عنها : أفيك أستأمر – أستشير – أبوي ؟ بل أختار الله ورسوله ، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت . فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً ولكن بعثني معلناً ميسراً ، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت ؟ إلا أخبرتها ) وخيرهن النبي فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة فكن جديرات ببيت النبوة ولقب أمهات المؤمنين .

وكانت زوجات رسول الله اللائي خيرهن تسع زوجات منهن خمس من قريش : عائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة وأربع من غير قريش وهن : صفية بنت حيى النضرية ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية . رضي الله عنهن ، ورضي الله عن عائشة التي اكتمل رشدها مع صغر سنها فلم تؤجل الاختيار حتى تستشير أبويها بل سارعت بإعلان اختيارها لله ورسوله قائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :

( أفيك أستشير أبوي ) .

من مواقف الصحابة

مهاجر يبحث عن الحقيقة



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

إذا كانت النفوس كبارا ... تعبت فى مرادها الأجسام

هكذا كان شأن الصحابي الجليل الذي نتحدث عنه ، فقد نشأ فى بلاد فارس فى بيت عز وثراء ، وعبد النار مع أهل فارس ثم ضاقت نفسه بما هو عليه من تقديس شيء يخبو و ينطفئ لولا متابعة إشعاله بما يطرح فيه من وقود ، فذهب إلى كنيسة للنصارى ينظر عبادتهم وطقوسهم الدينية فوجدها خيراً مما هو فيه فانتقل إليها ورحل من أجلها استجلاء لحقيقة هذا الدين إلى الشام ثم إلى الموصل ثم إلى عمورية من بلاد الروم ولازم عابداً نصرانياً هناك حتى إذا حضرته الوفاة سأله قائلاً : إلى من توصى بى ؟ قال له العابد : يا بني ما أعرف أحداً على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه ، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفاً .. يهاجر إلى أرض ذات نخل بين حرتين ، فإذا استطعت أن تخلص إليه فافعل . وإنّ له آيات لا تخفى . فهو لا يأكل الصدقة ، ويقبل الهدية ، وإنّ بين يديه خاتم النبوة . إذا رأيته عرفته .


واشتد شوق ذلك المهاجر الباحث عن الحقيقة إلى لقاء هذا النبي الذي حدثه العابد عن مهجره وأوصافه حتى إذا لقي قوماً من جزيرة العرب عرض عليهم أن يأخذوا كل ما يملك ويحملوه معهم إلى بلادهم ففعلوا .. ولكنهم خانوه وباعوه عبداً رقيقاً إلى رجل من يهود بني قريظة صار يعمل فى نخله حتى بعث الله رسوله وقدم إلى المدينة ونزل بقباء فى بني عمرو بن عوف فأسرع إليه صاحب حديثنا هذا ، فلما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه قدم إليهم طعاماً وقال إنه صدقة . فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا باسم الله وأمسك هو فلم يبسط إليه يداً . فقال الباحث عن الحقيقة هذه واحدة ثم رجع فى الغداة يحمل طعاماً قدمه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول : إنه هدية . فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا باسم الله وأكل معهم ، فقال صاحبنا : هذه والله الثانية . إنه يأكل من الهدية . ثم مكث ما شاء الله حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم فى البقيع قد تبع جنازة وحوله أصحابه وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة ومرتدياً بالأخرى ، فاقترب منه وسلم عليه وأخذ يطيل النظر إلى أعلى ظهره ، فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم طليته ، فألقى بردته عن كاهله فإذا خاتم النبوة بين كتفيه . فأكب سلمان الفارسي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ويبكى ثم جلس بين يديه يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأشار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يكاتب سيده حتى يعتقه ولما كاتبه سيده أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يعاونوه ، وفك سلمان رقبته من هذا الرق الظالم وصار حراً مسلماً متوجاً بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق والمشاهد كلها ، فقد حال الرق بينه وبين شهود بدر وأحد .

ولما جمع الأحزاب جموعهم وقصدوا المدينة ليستأصلوا شأفة المسلمين كان سلمان الفارسي صاحب الرأي الصائب بحفر الخندق فى الجهة المكشوفة من المدينة التي تصلح لهجوم جيش العدو عن طريقها . ووقى الله المسلمين بما أشار به سلمان . ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزا .



منقول للأفادة



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.