العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


Like Tree1Likes

1 
ام عبد الرحيم


[align=center]






قال الله تعالى:﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(يونس: 61)
وقال جل جلاله:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(سبأ: 3)
أولاً-الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين هي خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وهو شامل لأهل الأرض جميعهم في كل زمان ومكان. وسياقها في تقرير الوحي، وإلزام المنكرين له من المشركين بالدليل العقلي. ومناسبتها لما قبلها أن الله تعالى، لما ذكر جملة من أحوال الكفار ومذاهبهم، والردعليهم ومحاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وذكر فضله تعالى على الناس،وأن أكثرهم لا يشكره على فضله، أخبر سبحانه عن عظيم اطلاعه على الخواطر، وما يجري في الضمائر، فذكر اطلاعه على أحوالهم، وحال الرسول صلى الله عليه وسلم معهم في مجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم، وأنه تعالى شاهد على جميع أعمالهم، لا يخفى عليه جل شأنه خاطر، ولا ضمير، ولا يغيب عنه عمل من الأعمال. ثم أخبر جل وعلا عن سلطان علمه الواسع لكل شيء، وإحاطته بكل شيء، على سبيل الاستغراق والشمول، مقرِّرًا بذلك سبحانه أن كل شيء في الأرض والسماء صغر أو كبر، لا يخرج عن دائرة علمه، خاضع لرقابته، محفوظ برعايته.
وأما الآية الثانية فتحكي إنكار الذين كفروا للساعة، وكفرهم بنعمة الآخرة، وردَّ الله تعالى عليهم بتوكيد مجيئها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قد أخبرهم عن وقوع البعث، فأنكروه، ونفوه بقولهم:﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾،على سبيل القطع والجزم، مع جهلهم بالغيب؛ لأن البعث كان عندهم من المحال، فجاء الرد عليهمقويًا بقوله تعالى:﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾، وهو تأكيد لإتيان الساعة على أتم الوجوه وأكملها.وجاء القسم بالرب جل وعلا، للإشارة إلى أن إتيان الساعة من شؤون الربوبية، وأتى به مضافًا إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليدل على شدة القسم. ثم عقَّب سبحانه على ذلك بقوله:﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾؛ ليعلم الناس جميعًا أن إتيان الساعة من الغيب، الذي تفرَّد به الله، الذي يعلم ببواطن الأمور دقيقها وجليلها؛ وكأنه قيل: وربي العالم بوقت قيامها، لتأتينكم، وأكد سبحانه ذلك زيادة تأكيد بأن علمه جل وعلا محيط بجميع الأشياء من الكليات والجزئياتعلى سبيل الاستغراق والشمول؛ وذلك لأنه سبحانه، إذا كان عالمًا بجميع الأشياء، فعلمه بأجزاء الأحياء، وقدرته على جمعها من باب أولى.


الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن"وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة"











[/align]




2 
ام عبد الرحيم

[align=center]
ويتضح مما تقدَّم أن الغرض من نفي العزوب عن الله جل وعلا في الآيتين هو إقامة الدليل على أن علم الله تعالى محيط بكل شيء من الكليات والجزئيات، على سبيل الاستغراق والشمول، وأنه ما من شيء في هذا الكون إلا وواقع في دائرة علمه، خاضع لرقابته، محفوظ برعايته سبحانه. وقد جاء ذلك موضحًا في آيات أخرى؛ كقوله تعالى:
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ،﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ،﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾، سبحانه وتعالى!

ثانيًا-وقرأ الجمهور:﴿ يَعْزُبُ ﴾، في الآيتين، بضم الزاي فيهما، وقرأ الكسائي:﴿ يَعْزِبُ ﴾، بكسر الزاي، وهما لغتان. يقال:{عزَب الشيء يعزُب،ويعزِب }، مثل:{عكَف يعكُف، ويعكِف }. ومعناه، على قراءة الضم: يعزُب عزوبًا قويًّا، وعلى قراءة الكسر: يعزِب عزوبًا ضعيفًا.
وأصل العزوب: البعد مع تنحٍّ وشرود. قال ابن فارس:العين والزاء والباء أصل صحيح، يدل على تباعدٍ وتنَحٍّ. يقال: عَزَب يعزُبُ عُزُوبًا. والعَزَب: الذي لا أهلَ له. وقد عَزَبَ يَعْزُبُ عُزوبَةً.. يقال: عَزَب حلْم فلان. أي: ذهب. وأعْزَبَ الله حلْمَه. أي: أذهَبَه. والعازب من الكلأ: البَعِيد المَطْلَب.. وكلُّ شيء يفوتُك لا تَقْدِر عليه فقد عَزَب عنك .
ويقال: عزب الرجل بإبله، إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل. وسمِّي الرجل عزبًا لبعده عن الأهل، وعزب الشيء عن علمي، إذا بعد. وفي الحديث:من قرأ القرآن في أربعين يومًا، فقد عزَب .أي: بعُد عهدُه بالختمة. أي: أبطأ في تلاوته.
فعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى:﴿ مَا يَعْزُبُ ﴾: ما يبعد ، وما يندُّ. وكذلك قوله:﴿ لَا يَعْزُبُ ﴾ معناه: لا يبعد ، ولا يندُّ. وقيل: معناهما: ما يغيب، بلغة كنانة. وقيل: ما يخفى؛ كقوله تعالى:
﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ(النمل: 75)
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (آل عمران: 5)
والفرق بينهما، وبين العزوب، أن الشيء قد يكون غائبًا عنك، أو خافيًا عليك، وهو قريب منك، وليس كذلك العزوب.
ونفي ذلك كله عنه سبحانه مستلزم لثبوت علمه، ومتضمِّن لكماله. وإذا كان كذلك، فهو صفة مدح له جل وعلا. والنفي لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمن ثبوتًا؛ وإلا فالنفي المحض لا مدح فيه.. وهكذا كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده؛ كقوله تعالى:﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ(البقرة: 255)، فنفي أخذ السَّنَة والنوم له سبحانه مستلزم لثبوت صفة حياته وقيوميته، ومتضمِّن لكمالهما. وقوله تعالى:﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾(ق: 38)مستلزم لثبوت صفة قدرته، ومتضمِّن لكمالها. وقوله تعالى:﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾(الكهف: 49) مستلزم لثبوت صفة عدله، ومتضمِّن لكمالها..ونظائر ذلك كثيرة.
ومثقال كل شيء ميزانه من مثله. ومثقال ذرة، أو حبة. أي: وزنهما. قال تعالى:﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍوَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا(النساء: 40).
وقال تعالى:﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًاوَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(الأنبياء: 47)
[/align]



3 
ام عبد الرحيم

[align=center]
ومن وصية لقمان لابنه قوله:﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾(لقمان: 16)
وفي الدُّرِّ المنثور للسيوطي: أخرج أحمد ومسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر.
والمثقال- في الأصل- اسم آلة لما يعرف به مقدار ثِقَل الشيء، أيَّ شيء كان من قَلِيل، أو كثير. والناس يُطْلقونه في العُرف على الدّينار خاصَّة وليس كذلك. ووزنه: مِفعال، من الثِّقَل، كالمقدار من القدْر. وعبَّر سبحانه عن ذلك بالمثقال، ولم يعبر عنه بالمقدار ونحوه، للإشارة بما يفهم منه من الثقل، الذي يعبر به عن الكثرة والعظم؛ كما في قوله تعالى:﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه ﴾(القارعة: 6). ويطلق المِثقال على مطلق المقدار، وهو المراد هنا. ويطلَق على المقدار المعلوم، الذي لم يختلف جاهلية وإسلامًا. وقيل هو في الشرع أربعة وعشرون قيراطًا، أخرج ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر. قال الألوسي:والصحيح أنه لم يختلف جاهلية وإسلامًا، فقد نقل الجلال السيوطي عن الرافعي أنه قال: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية، ولا في الإسلام .
والذرة في قول أكثر اللغويين والمفسرين هي النملة. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله:﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، قال: نملة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في قوله:﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، قال: رأس نملة خضراء.وقيل: هي بيضة النملة، التي تبدو حبيبة صغيرة بيضاء. وقيل: الذرة هي الخردلة.
وروى أبو هريرةعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:يا أيها الناس ! لا تغتروا بالله؛ فإن الله، لو كان مغفلاً شيئًا، لأغفل البعوضة، والذرة، والخردلة ، فدل على أن الذرة غير الخردلة.

وأخرج هنَّاد عن ابن عباس في قوله:﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، وقال: كل من هؤلاء مثقال ذرة.
وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان، قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أتاه مسكين، وفي يده عنقود من عنب، فناوله منه حبة، وقال: فيه مثاقيل ذر كثيرة.
وأخرج سعد عن عطاء بن فروخ أن سعد بن مالك أتاه سائل، وبين يديه طبق عليه تمر، فأعطاه تمرة، فقبض السائل يده، فقال سعد: ويحك ! تقبل الله منا مثقال الذرة والخردلة، وكم في هذه من مثاقيل الذر !
وقد أثبت العلم أخيرًا أن الذرة هي إحدى الوحدات الأساسية، التي تساهم في بناء المادة، وأن كل شيء في هذا الكون مكوَّن من بلايين الذرات، وهي جسيمات دقيقة جدًا، يستحيل على المرء أن يراها، حتى باستخدام أقوى الميكروسكوبات.
[/align]




4 
ام عبد الرحيم

[align=center]
وقد كان الاعتقاد السائد قديمًا أن الذرة هي أصغر شئ يتصور عقلُ الإنسان وجودَه من المادة، وأنه لا شئ أصغر منها حجمًا ووزنًا، وأنها غير قابلة للتجزئة، وقد ظل هذا الاعتقاد سائدًا إلى القرن التاسع عشر.وفي أوائل القرن العشرين حول كثير من علماء الطبيعة اهتمامهم إلى دراسة الذرة، وخواصِّها، وإمكانية تجزئتها، فظهر لهم أن بعض المواد، كالراديوم واليورانيوم، تتجزأ من تلقاء نفسها، وتخرج منها جسيمات ذات كهرباء موجبة تسمى:{ألفا }، وجسيمات ذات كهرباء سالبة تسمى:{بيتا }، وأشعة تسمى:{جاما }. وتبين لهم أن الذرة، تلك الشئ الضئيل، الذى لا يمكن أن يرى بالعين المجردة، مادة قابلة للتجزئة، وأنها تحتوي على الدقائق التالية: الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات. وهذا ما يجعل منها قوة رهيبة، يمكن استخدامها لدمار العالم، أو عماره.
ونقرأ قوله تعالى:﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ، فنجد في لفظ ﴿ أَصْغَر ﴾ تصريحًا واضحًا بإمكان تحطيم الذرة وتجزئتها. كما يشير قوله تعالى:﴿ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾ إلى أن خواص الذرات الموجودة في الأرض هي خواص الذرات الموجودة في الشمس والنجوم والكواكب نفسها. أي: أنها تحتوي على الأنواع، التي ذكرناها آنفًا. كل ذلك وغيره مثبت في علم الله تعالى، أو في اللوح المحفوظ، الذي اشتمل على معلومات الله تعالى.
ثالثًا- وفي قوله تعالى:﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ في الآية الأولى، وقوله تعالى:﴿ عَالِِمِِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ في الآية الثانية ما يسأل عنه: لماذا جاء النفي في الجملة الأولى بـ{ مَا }، وفي الجملة الثانية بـ{ لَا } ؟ وهل من فرق بينهما ؟
ولم أر أحدًا من المفسرين، أو النحويين- قديمًا وحديثًا- تعرض للإجابة عن هذا السؤال سوى الدكتور فاضل السامرائي في كتابه:( لمسات بيانية )، ويتلخَّص بما يأتي:
أولاً- الفرق بين{ ما يعزب }، و{ لا يعزب }:
في آية يونس استخدم ( ما )، أما في سورة سبأ استخدمت ( لا )، والسبب أن في الأولى جاء سياق الكلام عن مقدار إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، كما جاء في أول الآية:(وما تكون في شأن ). أما في الآية الثانية في سورة سبأ فالسياق في التذييل والتعقيب على الساعة.
في آية سبأ:(لا تأتينا الساعة ) نفوا شيئًا مستقبليًّا، فرد عليهم بـ( لا ): (لا يعزب)، ثم إنه أقسم بقوله:(بلى وربي)، جوابه في المضارع:( لتأتينكم )، وجوابه في النفي:(لا ).. إذناقتضى المقام كله النفي بـ( لا )، فناسبت الآية( لا ) من كل جهة: الاستقبال. والقسم المتقدم إثباته وجوابه.. أما آية يونس فالكلام ليس عن مستقبل، بل عن الحال، فناسب أن يأتي بـ( ما ).
ثانيًا- وأما عن الفرق بين{ من مثقال }، و{ مثقال }فأجاب بأن( من ) هذه هي من الزائدة الاستغراقية، التي تفيد الاستغراق والتوكيد.. وسبب مجيئها في الأولى دون الثانية: أن آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة، الكلام في التعقيب على الساعة.. أما سورة يونس فالكلام أصلاً عن سعة علم الله عز وجل، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء..وسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد، والإتيان بـ( من ) الاستغراقية.

هذا ملخَّص لما أجاب به الدكتور فاضل، وقد سبق أن ذكرت في الفقرة الأولى من هذا المقال أن الغرض من نفي العزوب عن الله جل وعلا في الآيتين هو إقامة الدليل على إحاطة علم الله جل وعلا بكل شيء، من الكليات والجزئيات، على سبيل الاستغراق والشمول، وأنه ما من شيء في هذا الكون إلا وواقع في دائرة علمه، خاضع لرقابته، محفوظ برعايته سبحانه. فلو كان سبب نفي العزوب في آية يونس بـ{ ما } أنها جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم، لوجب أن ينفى العزوب في آية سبأ بـ{ ما } أيضًا، كما نفي بها في آية يونس. ولوجب أن تؤكد آية سبأ بـ{ من } الاستغراقية، كما أكدت سورة يونس بها.
[/align]




5 
ام عبد الرحيم

[align=center]
وإذا كان التركيز الأكبر في سورة يونس على قضية العقيدة والوحي، وإنكار المشركين له، فإن التركيز الأكبر في سورة سبأ على قضية البعث والجزاء، وعلى إحاطة علم الله تعالى وشموله، ودقتهولطفه. وتتكرر الإشارة في السورة إلى هاتين القضيتين المترابطتين بطرق منوعة، وأساليب شتى، وتظلل جو السورة كله من البدء إلى النهاية.
فعنقضية البعث والجزاء ورد قوله تعالى:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾(سبأ: 3) ، وقوله تعالى:﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾(سبأ: 4)
وعنقضية العلم الإلهي الشامل ورد قوله تعالى في مطلع السورة:﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾(سبأ: 2). وورد قوله تعالى تعقيبًا على التكذيب بمجيء الساعة:﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ.. ﴾(سبأ: 3). وورد قوله قرب ختام السورة:﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾(سبأ: 48).
فكيف يقال بعد هذا: آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة. الكلام في التعقيب على الساعة.. أما سورة يونس فالكلام أصلًا عن سعة علم الله عز وجل، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء.. فسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد، والإتيان بـ( من ) الاستغراقية ؟!
أليس الكلام على الساعة هو من الكلام على الغيب، والعلم بها من العلم بالغيب ؟! ألم يأت نفي العزوب في آية سبأ:﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ عقب قوله تعالى:﴿عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾(سبأ: 3). ثم ألم تأت هذه الآية عقب قوله تعالى:﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾(سبأ: 2). ألا يدل ذلك كله على أن السياق في سورة سبأ هو سياق إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، على سبيل الاستغراق والشمول ؟!
وأما القول بأن { لا } مطلقة، تكون للاستقبال، وقد تكون للحال، وأن { ما } تكون للحال، فهو قول جمهور النحاة والمفسرين. وكان الزمخشري، ومعظم المتأخرين قد نصّوا على أن { ما }، إذا دخلت على المضارع، أخلصته للحال، وأن { لا }، إذا دخلت عليه، أخلصته للاستقبال، وهو ظاهر قول سيبويه في ( باب نفي الفعل ) من كتابه: إذا قال: هو يفعل. أي: هو في حال فعل، فإنَّ نفيه: ما يفعل.وإذا قال: هو يفعل، ولم يكن الفعل واقعًا، فنفيه: لا يفعل. وإذا قال: ليفعلنَّ، فنفيه: لا يفعل؛ كأنه قال: والَّله ليفعلنَّ، فقلت: والَّله لا يفعل .
وذهب الأخفش، والمبرد، وتبعهما ابن مالك إلى أن ذلك ليس بلازم؛ بل قد يكون المنفي بـ{ لا } للحال؛ كقولهم:{جاء زيد لا يتكلم }. وعلى ذلك حملوا آيات؛ منها قول سليمان عليه السلام:﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾(النمل: 20).. وذهب ابن مالك إلى أن المنفي بـ{ ما } قد يكون مستقبلاً على قلة؛ كقوله تعالى آمرًا لنبيه صلى الله عليه وسلم:﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي(يونس:15).
وأجيب عن الجمهور بأنهم إنما جعلوا{ ما } مخلصة للحال، و{ لا } مخلصة للاستقبال، إذا لم يوجد قرينة غيرها، تدل على غير ذلك. وأجيب عن سيبويه بأنه إنما نبَّه إلى الأوْلى، في رأيه، والأكثر في الاستعمال.

وتحقيق القول في هذه المسألة أن بناء المضارع لا يدل بصيغته على الحال، أو الاستقبال، إذا لم يوجد معه قرينة تقيده بأحدهما، وتقصره عليه؛ وإلا فإنه يدل على الدوام والاستمرار، بلا انقطاع؛ لأنه موضوع لما هو كائن، لم ينقطع. ويستوي في ذلك المثبت، والمنفي فإذا قلت:{فلان يعطي، ويمنع }، فمعناه: أنه في حالة عطاء، ومنع دائمين مستمرين، غير منقطعين. وإذا قلت في النفي:{ما يعطي، ولا يمنع }، دل على دوام نفي العطاء والمنع واستمرارهما، بلا انقطاع. ولا فرق في ذلك بين المنفيِّ بـ{ ما }، والمنفيِّ بـ{ لا }.
تأمل قوله تعالى:﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾(المدّثر: 3)، كيف نفى سبحانه العلم بجنوده عن مخلوقاته بـ{ ما }، وأثبته لنفسه سبحانه على سبيل الحصر. ثم تأمل قوله تعالى في آية أخرى:﴿ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾(النمل: 65)، كيف نفى سبحانه العلم بالغيب عن مخلوقاته بـ{ لا }، وأثبته لنفسه سبحانه على سبيل الحصر. ثم استأنف تعالى قوله:﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾(النمل: 65)، فنفى سبحانه عن الكافرين، أو معبوداتهم شعورهم بوقت بعثهم بـ{ ما }.
[/align]




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.