العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


Like Tree2Likes

1 
عاطف الجراح





إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ] آل عمران: 102 [.
 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  ] النساء: 1 [.
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  ] الأحزاب: 70-71 [.
وبعد ... فهذه مجموعة من القصص الحقيقية التي نرى فيها كيف يفعل الإيمان حينما يشرق القلب بأنواره، فتتحول حياة المرء من النقيض إلى النقيض في ثوانٍ معدودات. وقد أخبرنا القرآن العظيم عن حدوث ذلك. فقد حكى لنا سبحانه قصة السحرة مع فرعون. فقال تعالى:  فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا َلأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ  [ الشعراء: 41 - 48 ] .
فانظر رحمك الله كيف تغير حالهم لما فتح الله عين بصيرتهم وأدركوا عظم الآية التي عاينوها! ولذلك فقد هان في عيونهم ما كان وعدهم به فرعون من مجد وقربى، بل وهان عليهم أيضا ما هم مقبلون عليه من عذاب. قال تعالى:  قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ َلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خَِلافٍ وََلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ  ] الشعراء: 49 - 51 [.
أما الذين يرون الآيات فيغلقون عنها قلوبهم، ويصدون عنها آذانهم، فأولئك قوم لا يفلحون. قال تعالى:  وَمَا تُغْنِي اْلآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ َلا يُؤْمِنُونَ  ] يونس: 101 [. فانظر مثلا إلى قوم صالح عليه السلام، حينما رأوا ناقة عظيمة ينشق عنها الجبل بدون أن يكون لها أب أو أم. كان يجب أن تنفعل قلوبهم لذلك، فتخالط سحائب الإيمان بشاشة قلوبهم، فيؤمنون بما يرونه من آية معجزة!! ولكن هيهات! لقد مرت الآية ولم تنفعهم في شيء، فاستحقوا العقاب الإلهي، بأن دُمروا تدميرا!!
إن لقوة الإيمان مفعول خطير إذا لامست سويداء القلب. فتجد الرعديد حينئذ شجاعا، والضعيف قويا، والمريض معافى!!
وهذه قصص واقعية حقيقية حدثت ورأيتها بعيني أو سمعتها من شيوخي جزاهم الله خيرا، فأردت أن أعرضها لعلها تشجع مترددا يريد أن يعود إلى الله سبحانه، أو لعلها تُسرع بخطى متلكئٍ يُسوّف في التوبة. فما لي من فضل سوى روايتها بهذا الشكل.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يكون أنيسا لي في قبري، وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون.
والله من وراء القصد
ارجو التثبيت والتقيم ان استحقت ذلك لتواصل الجميع وحصول الفائده وتحقيق الهدف من كتابتها


2 
عاطف الجراح


و في السماء رزقكم وما توعدون

عم علي، أحد الغلابة الكثيرين الذين انهارت بيوتهم في الزلزال الكبير الذي شهدته البلاد. كان بيته عبارة عن غرفة واحدة تأويه وتضم زوجته وأولاده الأربعة. لم يكن بيتا كبيرا واسعا، ولكنه مأوى يلجا إليه فيحميه في أيام الشتاء القارصة من شدة البرد، وفي أيام الصيف القائظة من وهج الحر. وكان عم علي وأفراد أسرته يحمدون الله كثيرا على ما هم فيه من نعمة هي في أعينهم كبيرة.
ولكن فجأة ودون سابق إنذار، وقع الزلزال، ليأخذ في طريقه معظم البيوت القديمة المتهالكة التي لم تستطع الصمود أمامه. ووجد عم علي نفسه وأفراد أسرته في الشارع بلا مأوى! وبدأت رحلة المعاناة الشديدة مع عم علي. أخذ يطوف على المكاتب الحكومية لعله يظفر بمن يدعمه، ولكن أُوصدت في وجهه جميع الأبواب. وظل يبحث عمن يوصله للقاء الوزير المختص لكي يشرح له حالته ويضع لها حلا، ولكن دون جدوى.
واضطرت الأسرة - مع غيرها من الأسر الكثيرة التي تضررت من الزلزال - للإيواء في خيمة من القماش الخفيف الذي لا يمنع حرا ولا يصد بردا!! وأصبحت حياة هذه الأسر مزيدا من المعاناة والألم. ولم يعد عم علي يدري ما الذي يفعله من أجل الحصول على شقة أخرى، أو قل إن شئت الدقة غرفة أخرى!!
وفي أحد الأيام، حثته زوجته – أم محمود – على أن يذهب للحكومة مرة أخرى، فهي لم تعد تستطيع تحمل المعاناة اليومية لها ولأطفالها في دخول الخلاء لقضاء الحاجة! ذلك أن دورة المياه العمومية تبعد عنهم مسافة كبيرة، وحينما تذهب إلى هناك يكون عليها الانتظار في طابور طويل حتى يجيء دورها.
ذهب عم علي – ذو الستين عاما – إلى مبنى الوزارة للمرة التاسعة أو العاشرة! لم يعد يحسب عدد المرات التي ذهب فيها إلى الوزارة على وجه الدقة لكي يجد حلا لمشكلته. ولكنه لم يجد هناك إلا الرد المعتاد: " إن سيادة الوزير مهتم شخصيا بموضوعكم، ويتألم بشدة من الوضع الذي أصبحتم عليه الآن. ولكن للأسف، فالوزارة لم تجد بعد الحل الملائم لهذا الموضوع ".
لم يدر عم علي ماذا يفعل؟ إن زوجته وأولاده ينتظرون منه هذه المرة حلا لهذه المشكلة التي وجدوا أنفسهم فيها. وشعر أنه لا يستطيع أن يرجع إليهم هذه المرة بخفيّ حُنين مثل كل مرة. كان يسير في الشارع مهموما. سمع آذان الظهر. قرر أن يذهب إلى المسجد للصلاة.

فرغ عم علي من الصلاة، ثم جلس في مكانه في الجامع، لم يستطع التحرك. كان يعرف أن في انتظاره عند رجوعه إلى " الخيمة " زوجته وأولاده، الذين سوف يسألونه في لهفة مثل كل مرة، بل ربما أشد في هذه المرة، عما فعله لهم!! وضع عم علي خديه على يديه وجلس شاردا يفكر في حل لمشكلته التي طالما أرقته!!
ولم يفق عم علي من همومه إلا ويدٍ تربت على ظهره، وصوت إمام الجامع يسأله عن حاله، قائلا:
- خيرا إن شاء الله! إنك تجلس هكذا منذ حوالي الساعة. ما الذي أهمّك إلى هذا الحد؟!
أخذ عم علي يقص على إمام الجامع قصته وهو يغالب دموعه التي أخذت تنهال على وجنتيه. وبعد أن فرغ من قصته، بادر الإمام بالسؤال:
- ألا تدري من يكون عنده شقة لي تأويني وتأوي زوجتي وأولادي؟ أو من يتوسط لي لدى ذوي النفوذ لكي يعطيني شقة؟
قال الإمام في صوت ملؤه الإيمان العميق:
- نعم اعلم!!
فسأله عم علي متلهفا:
- ومن يكون؟!!
قال إمام الجامع:
- الله!!! الله عنده مفاتيح الرزق جميعها. قم وصلي لله في جوف هذه الليلة وابتهل إليه أن يعطيك من رزقه الواسع، وسوف تجد الحل إن شاء الله.
وتساءل عم علي متشككا:
- الله عنده شقق لها مفاتيح؟!!
قال إمام الجامع بصوته العميق:
- الله عنده كل شيء، وسوف يرزقك من فضله إن شاء. كل ما عليك أن تصدُق الله في سؤالك، وتدعوه في جوف الليل!! ألم تسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه، والذي فيه أن ربنا تبارك وتعالى ينزل نزولا يليق بجلاله وكماله، إلى السماء الدنيا كل ليلة إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، فيقول سبحانه: هل من سائلٍ فأعطيه، هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفرٍ فاغفر له؟ وذلك حتى ينفجر الصبح.
خرج عم علي من الجامع إلى خيمته. واجه أفراد أسرته هذه المرة بوجه غير الذي كان يأتيهم بهم في كل مرة. أحست أم محمود هذه المرة بالتغير الذي حدث لعم علي. وسألته:
- لعلك وجدت حلا أخيرا لمشكلتنا؟
فرد عليها عم علي قائلا:
- نعم. سوف نصلي في جوف هذه الليلة، ونطلب من الملك الذي لا تنفذ خزائنه شقة، وسوف يعطينا الله إن شاء ما نريد. كم حاولت أن أقابل أحد المسئولين لكي أشرح له قصتي دون جدوى، فاليوم سوف أقابل ملك الملوك في جوف الليل وأحكي له قصتي إن شاء الله.
أحست أم محمود بنبرة الثقة التي تعلو صوت زوجها، فأيقنت أن الله لابد سيعطيهم ما يريدون، وعزمت على أن تقيم صلاة الليل مع زوجها هذه الليلة.
أما إمام الجامع، فبعد أن خرج عم علي من عنده، جلس يفكر ما الذي يمكن أن يفعله لعم علي. وأخذ يدعو الله أن يحل مشكلته. وفي تلك الأثناء، دخل الجامع أحد وجهاء الحي الذين يعرفهم هذا الإمام. وبعد أن فرغ من صلاته، توجه إليه قائلا:
- لقد بنينا العمارة الكبيرة الموجودة في آخر هذا الشارع، وكنا متوقعين أن نحقق منها ربحا بسيطا. ولكن الله منّ علينا، فحققنا أضعاف ما كنا نأمله. ولذلك فقد قررنا أن نخصص شقة في سبيل الله لأسرة أحد الفقراء. خذ!! هذه مفاتيح الشقة، وهذا هو عقدها، واختر أنت بنفسك أحد الفقراء ليكون مالكها!!!
وفي اليوم التالي، أخذ إمام الجامع يبحث عن عم علي بين المصلين. فلما وجده، توجه إليه:
- السلام عليكم يا عم علي. هل صليت في جوف الليل ودعوت الله أن يرزقك الشقة؟
فرد عليه عم علي:
- نعم.
فصاح إمام الجامع:
- إذن أبشر! فقد استجاب الله لدعائك ورزقك الشقة التي تريد.
وقص عليه إمام الجامع قصة الشقة. ولم يصدق عم علي نفسه، وأخذت دموعه تنهال على جبينه، وخر ساجدا شكرا لله تعالى. وأخذ يتمتم بكلمات الشكر لله رب العالمين على رزقه الواسع. وصدق الله سبحانه إذ يقول:  وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ  [ الذاريات: 22-23 ] .

</b></i>


3 
عاطف الجراح


ومن يتق الله يجعل له مخرجا

كان أحمد يعمل في إدارة الائتمان بأحد أكبر البنوك العاملة في البلد. وكان نابهاً موهوباً في عمله، حتى أنه أخذ يتدرج في سلم الترقيات بسرعة كبيرة، إلى أن أصبح مديرا للإدارة التي يعمل فيها. بل وكان مرشحا لوظيفة نائب مدير للفرع الذي يعمل فيه. وكان يتقاضى راتبا ضخما، وبالعملة الصعبة، فلم يكن يشعر في أي يوم بالمشكلات الحياتية اليومية التي تعاني منها عامة الأسر في بلده.
كما كان أحمد يعد نفسه محظوظا في زواجه. فلقد منّ الله عليه بزوجة صالحة وفية، تحبه وتعمل كل السبل على راحته. وكانت جنات – زوجته – مثالا للزوجات التي تتفانى في سبيل إرضاء زوجها، وتجهد نفسها لإرضائه، وكانت تفعل هذا لأن التقاليد التي تربت عليها تقتضي ذلك، فلم تكن تعلم أن هذا من أخص واجبات دينها عليها.

ولم تكن جنات على وعي كبير بدينها. فهي تلقت معظم شعائر الدين المعروفة من أسرتها، أو من خلال حصص الدين أثناء دراستها. وكانت على علاقة طيبة بجيرانها. ودعتها إحدى جاراتها ذات يوم لحضور أحد دروس الدين في الجامع القريب من بيتها. فذهبت معها على مضض. إلا أنها سرعان ما انشرح صدرها لتلك الدروس. وشعرت أن ما تعرفه عن أمور دينها هو مجرد أشياء سطحية، فواظبت على تلك الدروس لتنهل من معينها.
وكانت تحث زوجها بين الحين والآخر على حضور تلك الدروس. ووافقها أحمد أخيرا على حضور أحد هذه الدروس. وذهبا معا إلى الجامع. أوصلها إلى مصلى النساء، ثم اتجه إلى مكان الرجال. وأخذ الشيخ يشرح درسا عن الربا وأضراره على المجتمع والفرد. وكيف أن التعامل بالربا يعني محاربة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكيف أن العمل في الأماكن التي تتعامل بالربا يكون محرما، وخاصة إدارات الائتمان في البنوك. وجاءت الأسئلة كثيرة للشيخ، وهو يستفيض في الرد عليها بالأدلة من القرآن والسنة.
دارت الأرض من تحت قدمي أحمد. لم يدر ماذا يفعل. فأحمد ينتمي لطبقة من الناس الذين يحسبون أنفسهم من المتدينين، ولكن بلا فقه حقيقي للدين. فمعلوماتهم عن الدين مجرد قشور، تجمعت لديهم من هنا وهناك، ويحسبون أن بإمكانهم التصدي للفتوى في أمور الناس!! ولم يكن يدور بخلده في يوم من الأيام أنه يعمل عملا محرما، أو أنه يحارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجرؤ حتى على تصور ذلك.
ذهب إلى الشيخ بعد الدرس في محاولة يائسة لتبرير عمله. قال له الشيخ بلهجة حازمة:
- إن العمل في إدارات الائتمان حرام. وقد أفتى بذلك جميع علماء المسلمين.
فرد أحمد بالقول:
- ولكن نحن لا ندعو الناس للتعامل بهذا! كما أن الذين يتعاملون بهذا ليسوا فقراء مستضعفين!!
قال الشيخ:
- حجج واهية من تلك التي يسوقها الغوغاء للتلبيس على الناس في أمور دينهم. فليس من أركان القرض أن يكون من غني لفقير، بدليل أن الإنسان يُقرض الله سبحانه وتعالى. كما يجب أن تكون الحكمة التي يُبنى عليها الحكم الشرعي جامعة مانعة، تستوعب كل الصور ولا تقصر عن بعضها. فهب أن بعض المعاملات لا تأخذ صورة الحاجة، إلا أن هذا لا يمنع وجود الكثير منها الذي يتم بهذا الشكل. إن الحكمة هي أن المال لا يلد المال بذاته، والنقود لا تلد نقودا. إنما ينمو المال بالعمل وبذل الجهد.
رجع أحمد إلى البيت واجما. ثار على جنات ثورة عارمة، وصب عليها جام غضبه لأنها هي التي اقترحت عليه الذهاب لحضور هذا الدرس!! قال لها:
- أنتي السبب في كل هذه المشاكل. من يقول بهذا الكلام؟ شيء غريب!! كل واحد يلبس عمة على طول يقول فتاوى زي ما هو عايز!!
أحست جنات بمدى ما يعانيه أحمد، ولكنها أخذت تخفف عليه الأمر. كانت قد تعلمت من دروسها أن كلمة التوحيد لها مقتضيات. ما هو الذي جعل صناديد الكفر في قريش يرفضون كلمة لا إله إلا الله التي عرضها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ رغم أنهم كانوا على يقين من الله هو الرب المدبر لهذا الكون. لقد كانوا يريدون الثمرة دون أداء التكاليف المطلوبة منهم. من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. صحيح. لكن لا إله إلا الله لها مقتضيات. ومن مقتضياتها تفويض الحكم لله. فما أمر به الله لابد من تنفيذه. وقالت له:
- لنأخذ رأي أحد كبار الشيوخ. ما رأيك لو ذهبنا للشيخ الشعراوي لنسأله عن ذلك.
وهنا استنار وجه أحمد وعادت إليه حيويته. فالشيخ الشعراوي من الشيوخ الذين يرتاح إليهم كثيرا، ويلقى قبولا كبيرا لديه. كما اعتبرها فرصة طيبة للقائه والتمتع بالحديث معه وجها لوجه. وحددا يوما للذهاب إلى هناك.
ولكن جاءت فتوى الشيخ الشعراوي قاطعة كذلك بالنسبة لأحمد. فهو يرى أن العمل بالبنوك ليس به شبهة، إلا إدارة الائتمان، فهي الإدارة التي تتعامل في الربا. وهذه الإدارة يجب الابتعاد عنها وعدم العمل فيها! وحين وجد أن هذا الأمر لا يمكن التهاون فيه، سأل الشيخ عن إمكانية أن يكون ترك هذه الوظيفة على التراخي، فقال أحمد:
- حسنا ... فإذا كان لابد من ترك العمل بهذه الوظيفة، فليكن ذلك بعد إيجاد عمل آخر، ولأواصل عملي بوظيفتي إلى هذا الحين!!
ولكن الشيخ قال بلطف:
- اعلم أن الله تعالى يقول:  وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  [ الطلاق: 2 ] . فاشترط سبحانه لوجود المخرج أن يسبق ذلك تقوى الله، وليس العكس! بمعنى أن تنتظر المخرج الذي يروق لك حتى تتقي الله سبحانه!! فيجب أن تترك العمل الحرام، ويكون يقينك بالله شديدا بأنه سيجعل لك مخرجا من هذه المشكلة، فتجد فرج الله قريبا.
وأُسقط في يد أحمد. لم يعد يدري ما يفعل. إن الاستمرار في عمله يعني محاربته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. واستقالته من عمله تعني – في نظره – ضياعه هو وأسرته. ولكن زوجته كانت قد حزمت أمرها على الوقوف في جانب الله مهما كلفها ذلك من تضحيات. وأخذت تزين له أمر الاستقالة من عمله ومحاولة البدء من جديد في عمل آخر.
وأكثر أحمد من صلاة الاستخارة. كانت كلمات الشيخ ترن في أذنيه!! ابدأ أنت أولا ثم تجد العون من الله!! يا لها من كلمات تحتاج لعزيمة جبارة لتنفيذها. وأخيرا استقر رأي أحمد على الانصياع لرأي الشيخ والابتعاد عن الحرام مهما كلفه ذلك الأمر!!
وكانت جنات تعد الطعام، وأخذت تفكر في الأمر مليا. لطالما أخذت تلح على أحمد أن يترك هذا العمل، فما بال الخوف قد أخذ يستبد بها منذ أن قرر هو هذا الأمر. طالما تمنت هذا الأمر، ولكن حينما أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، إذا بها تخشى من عواقب تنفيذه. وأخذت الهموم تتوالى على رأسها ... مَنْ لنا بالمصروفات الباهظة الخاصة بمدرسة ابنتنا؟ ومَنْ لنا بمصروفات النادي؟ ومَنْ لنا بمصروفات الحياة التي اعتدنا عليها؟!! ومَنْ ... ومَنْ ...
ولما شعرت بمرارة التفكير في هذه الأمور، قررت أمرا ما لكي تقطع على نفسها هذا الطريق الذي تريده لها. وضعت جنات يدها داخل النار المنبعثة من شعلة البوتاجاز. ولم تطق جنات أن تستمر يدها داخل النار لمدة ثوانٍ. فقالت لنفسها:
- هيه!! ها أنتي يا جنات لا تستطيعي تحمل نار الدنيا لمدة لحظات!! فهل تتحملي نار الآخرة، التي هي أشد سبعين مرة من نار الدنيا؟!!! وتذكرت ما درسته عن نساء السلف حينما كُنّ تقُلن لأزواجهن قبل الخروج للعمل:
- اتقوا الله فينا، ولا تطعمونا إلا من حلال! فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على نار جهنم!!
وجرت جنات إلى أحمد، وقالت له بصوت متهدج:
- امضِ يا أحمد على بركة الله! فوالله لن يخزينا الله ما دمنا قد اخترنا طريقه!
لحظة ضعف عابرة سرعان ما دحرتها أنوار الإيمان التي أخذت تشرق في قلبه، كتب استقالته من وظيفته، وتقدم بها إلى مديره. لم يأبه لعبارات التوبيخ والاستنكار التي أخذت تنطلق من أفواه جميع الزملاء. لم يعد يهمه إلا مرضاة الله. أيقن في داخله أن الله ناصره ولن يضيعه.
ظل أحمد يبحث عن عمل لفترة ليست بالقصيرة. وفي هذه الفترة انهالت عليه كلمات التثبيط والاستهجان من جميع الأقارب والمعارف. ودعاه الجميع إلى الرجوع إلى عمله وسحب استقالته والاعتذار عما بدر منه لكي يقبلونه في العمل ثانية. ولكنه أصم أذنيه عن كل ذلك. وبدأ يخطط للعمل في مشروع خاص. بدأ إجراءات تأسيس شركة للتجارة في أجهزة الكمبيوتر.
لم تكن لدى أحمد خبرة كبيرة بهذا المجال، واستعان بأحد الأصدقاء الذين لديهم خبرة واسعة في هذا المجال. واستبد به اليأس للحظات. فهو لا يعرف أي شيء عن هذا المجال الذي قرر أن يخوض غماره. ولكن سرعان ما انقشعت تلك الغيوم ... فقد تذكر ماذا كان يفعل حينما كانت تعترضه أية عقبة في مجال عمله القديم ... كان دائم البحث عن الابتكار والتجديد ... وكانت وسيلته لمعرفة الجديد في هذا المجال هو تلقي الدورات التدريبية فيها وكثرة القراءة عنها ... قرر أن يفعل ذلك وبدأ في التنفيذ عل الفور. فبدأ يلتحق بدورات تعليمية لاكتساب المهارات اللازمة لهذا النشاط الجديد.
وتم افتتاح الشركة الجديدة، وبدأت نشاطها مع الجمهور. واستطاع أحمد تحقيق مكاسب سريعة، جعلته يقوم بتطوير شركته، وأن يستأجر مقرا جديدا لها في وسط المدينة. وأصبحت شركة أحمد من كبريات الشركات العاملة في نشاط الكمبيوتر في الدولة. وقام بفتح فروع لها في دول أخرى. وهكذا فإن من لا يرضى بغير الله بديلا، فإن الله حتما ناصره ومؤيده.

</b></i>


4 
عاطف الجراح


دعوة للزيارة

كان ممدوح يجلس في بيته متعبا، بعد أن أنهى يومه – كعادته – في البحث عن عمل بلا جدوى. كان يعمل من آن لآخر بعض الأعمال البسيطة التي يمكن أن تسد رمقه. ولكنه منذ أن تخرج من ثمانية أعوام تقريبا وإلى الآن لم يوفق بعد في إيجاد عمل دائم أو ملائم.
وأدار ممدوح زر المذياع على إذاعة القرآن الكريم، ليستمع إلى بعض آيات الله، والتي تشرح صدره وتشد أزره. ثم جاء صوت المؤذن معلنا عن دخول وقت المغرب. وكان الآذان بالصوت المميز لمؤذن المسجد الحرام بمكة.
وانهالت دموع ممدوح غزيرة ساخنة على وجنتيه. أحس باشتياق غريب لزيارة بيت الله الحرام. وأخذ يدعو الله ويبتهل إليه أن يكتب له حج بيته الحرام وزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكنه كان يعلم أن هذا الأمر عسير المنال، فهو يتطلب نفقات باهظة لا يحتمل على أدائها. ولكنه استمر في دعواته وابتهالاته إلى الله. لا يعرف كيف يمكن أن يتحقق هذا الأمر في الواقع، ولكنه يعلم أن من أوقات إجابة الدعاء هو الوقت الذي بين الآذان والإقامة. وواظب على الدعاء كذلك طوال الطريق إلى المسجد لأداء الصلاة.
وفي أحد الأيام، دق جرس الهاتف فجأة في منزله. وكان المتحدث هو عمرو، أحد زملاء ممدوح في الدراسة. وتعجب ممدوح من السبب الذي جعل عمرو يتذكره بعد كل هذه المدة من الزمن!! فآخر مرة كانا تحدثا فيها معا كانت منذ أربع سنوات تقريبا!!
قال عمرو لممدوح:
- إزيك يا ممدوح! يا ترى قدرت تلاقي عمل أخيرا؟
- لا يا عمرو! حتى الآن لم أجد أي عمل!!!
- يعني أنت دلوقت مش مشغول بحاجة؟
- تقريبا! فأنا أقوم ببعض الأعمال البسيطة من حين لآخر! لكن على وجه العموم تقدر تقول إني مش مشغول بحاجة.
- أصل الوزارة كانت تعد لبعثة الحج، وطلبت بعض الأفراد للعمل لديها في هذه الفترة. فهناك بعض الأعمال الكتابية التي ترغب الوزارة في إيجاد من يقوم بها طوال فترة الحج في المملكة السعودية. فهل أنت على استعداد لذلك؟

وأُسقط في يد ممدوح. وكاد ألا يصدق أذنيه! هل هذا حلم؟!! لقد كان صادقا في دعائه لله أن يرزقه حج بيته الحرام، ولم يكن يدري كيف يكون ذلك. وها هو الحلم يكاد يقترب من أن يكون حقيقة.
ورد ممدوح منفعلا:
- طبعا على استعداد تام لذلك! ولكن المشكلة أنني لا أملك نفقات تلك الرحلة العظيمة.
وأجابه عمرو:
- إن الوزارة سوف تتكفل بجميع مصروفات الحج بالنسبة لك. بل ستقوم بدفع مصروف جيب لك طوال أيام السفر.
وسارع ممدوح بأداء سجود الشكر لله سبحانه وتعالى، وأخذ لسانه يتمتم بكلمات العرفان لله جل وعلا. وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم التنزيل مخاطبا إبراهيم عليه السلام:  وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ  [ الحج: 27 ] . يقول ابن كثير في تفسيره : وقوله  وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ : أي نادِ في الناس بالحج، داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه. فذكر أنه قال: يا رب كيف أُبلّغ الناس، وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ. فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قُبيس، وقال: يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه! فيقال إن الجبال تواضعت، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب. وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك! هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، والله أعلم.

</b></i>


5 
عاطف الجراح


وجاء الطبيب

رجع أشرف من عمله حزينا مغتما. كان في حيرة من أمره. كان يعرف أن الفساد قد استشرى، ولكن لم يكن يعرف أنه قد بلغ هذا الحد! يريدون نهب البلد!! جلس واجما لا يدري ماذا يفعل. دخلت عائشة زوجته فوجدته على هذه الحالة. فبادرته قائلة:
- مالك يا أشرف؟
رد عليها قائلا:
- يريدون مني مشاركتهم في سرقة البلد!! التوقيع على أوراق تفوّت على البلد أموال بالملايين ... بل بالمليارات ... لا أدري ماذا أفعل؟!!
قالت له عائشة بلهجة حازمة:
- يجب الوقوف في وجههم مهما كلفك الأمر ذلك!!!
رنت كلمات زوجته في أذنيه رنينا قويا. كان يعلم أنه يجب عليه أن يقف في طريق الباطل، وأن عليه ألا يكون مركبا يعبرون عليه لتحقيق أغراضهم. ولكنه كان مثلنا جميعا، ممن يريدون للحق أن يرتفع وأن يسود، ولكن ليس من خلاله، وإنما عن طريق أي شخص آخر!!!
وأخذ يفكر في مصيره وما يمكن أن يحدث له إذا قرر الوقوف في وجه العاصفة. وأيقن المصير الذي سيؤول إليه. ومرت على ذهنه صور عمر ابنه الصغير الذي لم يكد يتم عامه السادس، ومريم ابنته الرضيعة التي رُزق بها منذ أيام. وامتلأ قلبه بالخوف عليهما والرحمة بهما. ولكنه تذكر قول الله تعالى:  وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا  [ النساء: 9 ] .
إنه يحب زوجته وأولاده. ولكن حبه لله أشد من حبه لهم. وتذكر قول الله تعالى:  قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ َلا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  [ التوبة: 24 ] .
لقد قال الشيخ لهم عند تفسير هذه الآية: إن الله تعالى أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله، فقال:  وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ، أي تحبونها لطيبها وحسنها. أي إن كانت هذه الأشياء المذكورة جميعها  أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ، أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم. ولهذا قال:  حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ َلا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .
وأخيرا استقر به العزم على أن يقف في وجه الفساد مهما كانت النتائج المترتبة على ذلك. وأخذ يطيل النظر إلى زوجته وأولاده، كأنه يملأ عينيه منهم ليودعهم، وانطلق في طريقه وعينيه تمتلئ بالدموع. كان يعرف أن هذه قد تكون هي المرة الأخيرة التي يراهم فيها.
ومضت الأمور سريعا. لم تُقبل شهادة أشرف، ولُفقت له التهم التي تدينه بالمسئولية عن كل أعمال الفساد التي حدثت من قبل ... وأُودع السجن.
وكانت عائشة قد ادخرت مبلغا من المال لكي يعينها على أمرها أثناء غياب أشرف عنها. ولكن المال بدأ في النفاد!! ولم تعد تدري ما تفعل! وفي أحد الأيام أعطت عمر مبلغا من المال لكي يشتري لهم طعام الإفطار، وطلبت منه أن يحرص على هذا المبلغ جيدا.
وانطلق الولد في طريقه لشراء طعام الإفطار. وفي الطريق قابل بعض أصدقائه فأخذ يلعب معهم. وبعد أن انتهى من لعبه، ذهب إلى دكان عم سلامة بائع الفول القريب من منزلهم. وطلب عمر ما كانت تريده أمه، ثم أخذ يبحث عن النقود التي أعطتها له أمه، ولكنه لم يجدها. بحث عنها في كل جيوبه، ولكن بلا جدوى. وانتابت عمر نوبة من البكاء الهستيري.
واستغرب عم سلامة من بكاء عمر الشديد، فلطالما جاءه من قبل وقد ضاعت منه النقود التي كان يحملها، وكان يقول له: " ابقى خد القلوس من بابا يا عم سلامة ". وسأله عم سلامة:
- فيه إيه يا عمر؟ ليه البكاء الشديد ده؟!!
وقال الطفل الصغير من بين دموعه:
- دي كانت آخر فلوس مع ماما، وطلبت مني أن أحافظ عليها جيدا!!
- طيب لما يجيي باباك أنا حاحاسبه!!
- بابا مش موجود هنا دلوقت! بابا دخل السجن عشان الناس الوحشين عاوزينه يشرب سجاير وهو مش راضي!!!
وهنا عرف عم سلامة الحقيقة. وقال للطفل:
- طيب يا عمر، خد أنت الأكل ده، وتعال كل يوم الصبح خد الأكل اللى انتوا عاوزينه. وأنا لما يخرج باباك حاحاسبه على كل الحاجات دي.
وفي أحد أيام الشتاء الباردة، ارتفعت حرارة مريم. ولم يكن مع عائشة أي مبلغ من المال لكي تذهب للطبيب لعلاج ابنتها. وبدأت في وضع كمادات المياه الباردة على جبين الطفلة الرضيعة، ولكن الحرارة أخذت في الارتفاع. قامت عائشة بتجربة كل ما يمكن عمله من وصفات طبية لكي تُخفض من حرارة ابنتها، ولكن باءت جميع جهودها بالفشل، واستمرت الحرارة في الارتفاع. ولم تعد عائشة تدري ماذا تفعل. قامت وتوضأت وأخذت تصلي لله وتدعو في صلاتها أن يُنعم الله بالشفاء على طفلتها.
وفجأة دق جرس الباب. سألت عمن بالباب، فقال لها:
- أنا الطبيب!!
وذهلت عائشة!! وفتحت الباب بسرعة، فدلف الطبيب وقال:
- أين البنت؟!!
أشارت عائشة إلى الداخل حيث ترقد مريم في غرفتها. وقام الطبيب بالعلاج، وعمل بعض الإسعافات الأولية. ثم كتب علاجا لها وأعطاه لعائشة، وانتظر حتى يأخذ أجره. ولكن عائشة أفهمته أن ليس لديها مالا لتدفعه. وهنا احتد الطبيب قائلا:
- ولما ما فيش معاكو فلوس بتكلموا الدكاترة ليه؟!!

قالت عائشة:
- ولكني لم أكلم أحدا!
قال لها الطبيب:
- أليس هذا 38 شارع الإمام عبد الحليم؟!
قالت عائشة:
- إنه شارع الإمام عبد الحليم بالفعل، ولكن هذا 36 وليس 38!!
فاعتذر الطبيب عما بدر منه، وأخذ منها الوصفة الطبية التي كتبها لمريم لكي يشتريها لها!!

</b></i>



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.