العودة   منتديات الدولى > المنتديات الإسلامية > المنتدى الإسلامى العام

المنتدى الإسلامى العام كل ما يخص الدين الإسلامي من عقيدة وسنن وقرآن وأحاديث شريفة وأدعية إسلامية وكل أحكام الشريعة


1 
غصن الربيع





بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
(ماذا لو قرَّرُ الشعبُ تنحيةَ الشريعة؟). دعونا الآن نؤجِّل هذا التساؤل المفترَض رُغمَ أهميته شرعاً، وخطورته عقدياً. ولنتحدَّث عن أمثلةٍ واقعيةٍ، تشرحُ الخلل الجليَّ والانحراف الضَّخم، لدى من يطلقُ قاعدة (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة)، ومن يعُدُّ الحكمَ بشرعِ الله دون تصويتٍ واستفتاءٍ اعتداءً على الناسِ وانتهاكاً لحقوقهم، ومن يقولُ: إن اعتمادَ مرجعيَّة الشريعة دون تصويتٍ واستفتاءٍ سوف يحوِّلُ الناس إلى منافقين.
وقبل الدخُول في التفصيل، أجدُ من الضروريِّ هنا التنبيهَ إلى الفرقِ الشاسع بين البحثِ في أصل الحكم الشرعي، وبين البحثِ في مشروعية الخروج عن هذا الحكم لاعتبارات الضرورة، أو عدم الاستطاعة.
أقولُ هذا لأني رأيتُ من أبعد النجعة فاستدلَّ بحال النجاشيِّ في الحبشة، حين لم يحكم في بلده بشريعة الإسلام، فجعلَ ذلك دليلاً على قاعدة (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة).

مثلُ هذا الاستدلال يجعلك تتوقف كثيراً عند أهلية أصحابه لمناقشة مثل هذه المسائل؛ إذ من المعلومِ -عند من يعرف التأريخ- أن النجاشيَّ كان مستضعفاً لا نصيرَ له، فكان يخفي إسلامه عن قومه مداراةً لهم، وخوفاً منهم، فكيف يطلبُ من مثله الحكمُ بشريعة الإسلام؟! وكيف يصحُّ الاستدلال بحاله، على حالة الدولة المسلمة المستقرة.
أعجبُ من هذا وأغربُ مسلك من يستدلُّ بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقم دولته بمكة، ولم يفرض على الناس حكمَ الشريعة! فكيف يمكن أن يخطر هذا الاستدلالِ ببال من يدركُ أن النبيَّ كان بمكةَ في بلاءٍ وشدةٍ، وكان أصحابه يؤذون أمامه، ويعذبون، ويفتنون عن دينهم، فلا يستطيع الدفعَ عنهم، ولا يملك إلا أن يأمرهم بالصبر. بل كان هو نفسه يؤذى ويوضع القذر على رأسه الشريفة وهو ساجدٌ عند الكعبة. فالحديثُ هنا عن إقامة دولة وعن تطبيق الشريعة يطرح علامات استفهام حول مصداقية المستدلِّ. وإن بالغنا في إحسان الظنِّ فسنقولُ: إننا أمامَ فقهٍ وفهمٍ يبلغ الغاية في الهشاشةِ والضَّعف.

حسناً...دعونا الآن نطوي مثل هذه الاستدلالات الهزيلة، ولنؤجل البحثَ في الصور والتساؤلات المفترضَة، ولنشرع في الحديثِ عن الآثار الواقعية لقاعدة (سيادة الأمة، قبل تطبيق الشريعة)...فما الذي يعنيه هذا التقعيد؟ وهل يعي أصحابه مآلات قولهم ؟
لنأخُذ مثالاً نعايشه هنا في السعودية يشرحُ الإشكال والخلل في مثل هذا التنظير:
نحن لدينا مرجعية قضائية معلنة هي (شريعة الإسلام). وأدركُ -كما يدركُ غيري- أن ثمةَ خروقاتٍ واسعةً لتلك المرجعية المعلَنَة. وقد كنَّا إلى وقتٍ قريبٍ نحسبُ أن من أهمِّ واجبات المصلحين الإلحاح والمطالبة بتصحيح واستدراك ما نقصَ، كي يصحَّ لنا أن نقول بحقٍّ: (إن مرجعيتنا في الحكم شريعةُ الإسلام).
لكن حسب نظرية (سيادة الأمة، قبل تطبيق الشريعة)، فإنَّ على المصلحين أن يعيدوا النظر في شرعية مطلبهم هذا. فمن الآن وصاعداً: سيكونُ من الخطأ ومن الإثم ومن الجُرم والاستبداد مطالبة الحكومة عندنا بالتزام شرع الله، لأنها لا تملك الحقَّ في ذلك أصلاً؛ إذ ليس لها إكراه الناس على حُكم الشرع دون عمل تصويتٍ واستفتاءٍ! فما دامت السلطةُ ترفُض إجراء هذا التصويتِ، وتأبى القيامَ به، فإنه لا يحقُّ لها إطلاقاً اعتمادُ الشريعة مرجعيةً للحُكم، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يطالبها بهذا!
ليس هذا فحسبُ...بل إن من توابع تلك النظرية الجديدة أن من الواجب على المصلحين الصادقين الناصحين أن يقوموا بوظيفةٍ معاكسةٍ لوظيفتهم الحالية. فما دامت سيادة الأمة مغيبةً، وما دام هناك إصرارٌ على تغييبها، فإن على المصلحين أن يطالبوا بهدم وإلغاء القسم المتبقي لدينا من مرجعية شريعة الإسلام، بدل أن يسعوا في استكماله وتسديده! لأن هذا القسم في الواقع يمثل انتهاكاً لسيادة الأمة، وإكراهاً على الدين!
أصحاب النظرية الجديدة يقولون: حكمُ الشريعة لا يجوز أن يأتي إلا عبر (سيادة الأمة) من خلال نظام التصويتِ الحرِّ. ولا يجوزُ الإتيان بالشريعة عبر الفَردِ المتغلِّب، أو الفئة المتغلِّبة. فما لم تتحقَّق سيادة الأمة، وما لم يُفسَح لها المجالُ لتعبِّرَ عن نفسها وتختارَ مرجعيتها، فليس لأحدٍ أن يستبدَّ فيفرض على الأمةِ الحكمَ بشريعَةِ الإسلامِ. لأن القرآن ينصُّ على أنه (لا إكراه في الدين)، ولأن فرضَ الشريعة دون تصويتٍ سوف يؤدي إلى تحويل السعوديين إلى منافقين!
بل إن النظريةَ الجديدةَ تقتضي -وإن لم ينتبه أصحابها لذلك- أنَّ السعوديين تحوَّلواً منذ زمنٍ بعيدٍ إلى أبناء سَلولٍ؛ إذ من المعلوم أنه لم يُتَح لهم التصويت على مرجعية الشريعة، بل اتخذ هذا القرارُ وأُعلنَ دون الرجُوع إلى أصواتهم، فوجدوا أنفسهم يلتزمون أحكاماً لم يختاروها. فهم -إذن- منذ عقودٍ منغمسون في النفاق إلى آذانهم!

إذا ذهبنا خارجَ السعودية، وأرَدْنا تصدير تلك النظرية المبدعةِ إلى الدُّعاة والمصلحين في الخارج، فجئنا -مثلاً- إلى إمارةِ (دبي). فيفترض أن نشرحَ للناسِ هناك أنه مع الإصرار على تغييب سيادة الأمة في بلدهم، فإن من الواجب عليهم ألا يتورَّطوا في المطالبة بسنِّ أيِّ قانونٍ يحدُّ من مظاهر انتهاك شرع الله هناك. لا بُدَّ أن يفهموا أنه لا يحقُّ لهم مطالبة حاكمهم المتغلِّب بحظر الخمور -مثلاً- أو منع التعري على الشواطئ. لأن الله قال: (لا إكراه في الدين). ولأن الفردَ المتغلِّبَ ليس له فرضُ الشريعة دون تصويتٍ واستفتاءٍ، ولأن منع الخمور سيحوِّلُ السُّكارى إلى منافقين، والعرايا إلى منافقاتٍ. وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة!

خلاصة النظرية أننا دائماً: ينبغي أن نطالبَ فقط بشيءٍ واحدٍ: (سيادة الأمة)، وما لم يُجَب مطلبنا، فإن واجبنا يقضي أن نجتهدَ جميعاً في نبذ الشريعة وإقصائها ما أمكن، لئلا نخالف أمر الله الذي قال: (لا إكراه في الدين). ونحن -في فعلنا هذا- مأجورون عند الله، لأننا راعينا الأولويات الشرعية، فحرصنا على أن تكون (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة)!
تلك حقيقةُ ما يقرِّره ويدعو إليه -دون وعيٍ- أولئك المتصدون لتجديد النظرية السياسية الإسلامية بزعمهم. فهذا معنى قولهم إن الشريعة لا يجوز أن تُفرَضَ إلا عبر التصويت، وهذا معنى قولهم: (سيادة الأمة) قبل (تطبيق الشريعة). فتشريعات الإسلام-حسب تنظيراتهم- يجب أن يلتزمها الفردُ في نفسه فقط، أما على مستوى الدولة، فلا شريعةَ إلا بتصويتٍ، ومع غياب التصويت، لا بُد من تعطيل التشريعات الإسلامية كلها، إلى أن تستعيد الأمة سيادتها عبر صناديق الاقتراع!

بين حكم المتغلب، وسيادة الأمة
مشكلةُ أصحاب تلك النظرية الأخيرة أنهم حين يناقشون مسألة الإلزام بمرجعية الشريعة، يتحدَّثُ أحدُهم وكأنَّ لديه دولةً سوف يعيد تركيبها من الصِّفر. هو يتحدثُ وكأنه جالسٌ على كرسي، وبين يديه أرضٌ فضاءٌ لا يوجد فيها دولةٌ، ولا سكان، ولا سُلطة لأحدٍ عليها، وعن يمينه يجلس الشعب الذي سوف يسكن هذه الأرض بعد تشكيل نظامها، وعن يساره صندوقٌ فيه مفاتيح السلطة التشريعية. فيأتي أحدُهم ليفتح الصندوق، ويخرج منه مفاتيح السلطة بأطراف أصابعه، ثم يسأل من حوله بذكاءٍ وفطنهٍ: أيهما أحسن وأضمن أن نعطي مفتاحَ السلطة للشعب كلِّه، أو أن نختار فرداً واحداً نمنحه حقَّ فرض الشريعة؟
ترى أحدَهم يحدِّثُ من حوله مُفاخراً: أنا أرى منح سلطة التشريع للشعب. بينما أنتم ترون منحها لفَردٍ متغلبٍ. هذا هو الفرق بيني وبينكم. فكلُّنا نؤمن بمرجعية الشريعة. لكن نختلف في تحديد الطرف الذي سوف نمنحه حقَّ الحكم بالشرع!
ما لم ينتبه له هذا القائلُ أن النقاشَ والبحثَ ليس عن دولةٍ سوف نبنيها على أرض المريخ أو زُحَلٍ. بل الكلامُ يتعلقُ بأوضاعٍ ودُوَلٍ قائمة لم تأتِ باختيار أحدٍ ولا مشورته. فحين يكون أمامك بلدٌ محكومٌ بنظامٍ فرديٍّ متغلبٍ مستأثر بالسلطة، ولا ينوي التنازل عنها، أو إشراك غيره فيها، والناسُ خاضعون له (طوعاً أو كرهاً)، وهو يحكمهم بقانونٍ وضعيٍّ لم يشاورهم فيه. فهل هناك إشكالٌ لو سعينا في إقناعه بتحويل نظامه، أو تقريبه -على الأقل- إلى المرجعية الإسلامية ؟
حسب نظرية (سيادة الأمة) لا يجوز ذلك. لأن هذا من الإكراه في الدين. فإذا لم يقبل المتغلبُ الاحتكامَ لسيادة الأمة والتصويت على مرجعية الشرع، حرُم علينا السعيُ إلى تحكيم الشريعة من خلاله! ومن نصح هذا الحاكم المتنفِّذَ بالتزام شرع الله في حكمه، فإنه يكون آثماً عند الله -عز وجلَّ-، لأن الشريعة لا يجوز أن تأتي إلا عبرَ سيادة الأمة!
وقد تعب جملةٌ من الأفاضل كي يشرحوا: أنهم لا يؤمنون بصحة وجود فردٍ مُتغلِّبٍ يملك حقَّ نصب الشَّريعة ونزعها متى شاء. لكنَّهم يعالجونَ أوضاعاً قائمةً، ويجتهدون في الاقترابِ من حكم الشرع حسبَ السبُل المتاحَة. فإن كانوا يعملون في ظلِّ نظامٍ يحتكم للتصويت والانتخاب ويلتزم نتائجه، فسوف يسعون لمرجعية الشريعة من خلال هذا النظام إن رأوا المصلحةَ في ذلك. وإن كانوا يعملون في ظل نظام حكمٍ فرديٍّ يرفض التنازُل عن السلطة، فسوف يسعَون لتحقيق مرجعية الشريعة من خلاله أيضاً. ولو أن هذا الفردَ المتغلبَ سمع وأطاعَ لهم فالتزم شرعَ الله في قضائه وحُكمه وتشريعاته، فلا يعني هذا أن القصة انتهت، فتفرُّده بالسلطة المطلقة وإن كان واقعاً مفرُوضاً بالقوةِ، فليس هو الوضع الصحيح الذي ينشدونه، لكنَّه خيرٌ من وضعٍ يجمعُ بين تفرُّدٍ بالسلطةِ، وإقصاء لمرجعية الشرع.
هذه النقطة ظلت عصيةً على فهم أصحاب تلك النظرية المتفرِّدة، فظلُّوا يردِّدُون ويتساءلون بذكاءٍ: أيهما أحسن أن يناط تطبيقُ الشريعة بالفَرد أم بالأمة؟





Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لموقع ومنتديات الدولي ElDwly.com
جميع المواد المنشورة بمنتديات الدولي تُعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.